المحامي ميشال شماس -كلنا شركاء 11/4/2010

أثار الحكم القضائي الصادر عن محكمة استئناف الجنح الرابعة  بدمشق الذي صدّق الحكم الصادر عن محكمة بداية الجزاء الثانية بدمشق الذي قضى بمسؤولية صحيفة “الوطن” عن الخبر الذي نشرته بتاريخ 28/1/2009  بعنوان : ” ليفني توصي بنشر مقالات عدد من الكتاب العرب على موقع وزارة الخارجية باعتبارهم “سفراء لإسرائيل في العالم العربي”  منقولاً عن أحد المواقع الالكترونية، ردود فعل مرحبة في أوساط واسعة من الكتاب والمثقفين السوريين،ولاسيما من صاحب القضية الطبيب والكاتب حمزة رستناوي وزملائه الآخرين الذين ينتظرون أيضاً أن ينصفهم القضاء، معتبرين أن القضاء السوري انتصر للحق والعدالة، ورفع الظلم والأذى المعنوي الذي لحق بسمعة عدد من الكتاب السوريين..كما أثار الحكم المذكور مدى أهمية التزام الصحفي والصحافة  بأخلاقيات مهنة الصحافة والدور الهام الملقى على عاتق مختلف وسائل الإعلام  من الناحية التعليمية والتثقيفية والتربوية والتنويرية، وكشف الحقائق بصدق وموضوعية لأن أي إخلال بهذا الدور من شأنه تشويه صورة الصحافة والصحفي نفسه والجهاز الإعلامي الذي يعمل به.

ومع تحفظي الشديد على قانون المطبوعات الحالي الذي ضيق كثيراً من مساحة الحرية على الصحافة والصحافيين بمجموعة من القيود التي تجعل من عمل الصحفي والصحافة محفوفاً بالمخاطر بدءاً من الغرامات الكبيرة وصولاً إلى السجن، ومع أنني لست ضد مقاضاة من يخوّن بلده أو يدّعي كذباً على الغير سواء كان مواطناً عادياً أو كاتباً أو مسؤولاً، ولكنني بالتأكيد ضد كل من يقف حجر عثرة بوجه من ينتقد الظواهر السلبية في المجتمع، أو ليوصل هموم الناس إلى الحكومة.

فالصحافي والصحافة ما هما إلا مجهر يُخرج المشكلات إلى الرأي العام، تُعالج المشكلات وفقاً لحجمها ومدى تأثّر المجتمع بها. وإن تعدد الآراء فيه إثراء لكل طرح يتناول قضايا الوطن والمواطن بالمصداقية والمهنية العالية، حتى وإن اختلفت الآراء، وهذا يفترض حكماً تغيير أو تعديل قانون المطبوعات رقم  (50) للعام 2001، بما ينسجم وأحكام المادة 38 من الدستور السوري التي نصت”لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول أو الكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وأن يسهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي ، وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون). وبما يضمن توسيع حريات الصحافة، وفسح المجال للصحافيين والصحافيات في أن يبدوا رأيهم بلا خوف أو توتر، نظراً للدور الهام الذي تؤديه مختلف وسائل الإعلام ، في خلق  وحدة معنوية بين أفراد المجتمع باعتبارها السبيل الأوحد إلى معرفة ما يدور فيه والإحاطة بالقيم الاجتماعية السائدة بين جنباته، وتسليط الضوء على  ما قد يحصل في المجتمع من أخطاء ونواقص، وتعمل على دفع الحكومة أو المسؤولين عنها إلى إصلاح تلك الأخطاء، وتكملة النواقص سواء من النواحي الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية.

والقانون الناظم لعمل الصحافة الذي يطمح إليه الجميع خصوصاً العاملين في الصحافة، ليس قانوناً يحد من حرية الصحافة، بل قانوناً يوفق بين حرية الرأي ومجمل الحريات التي يتمتع بها الأفراد داخل المجتمع، وإن حرية الصحافة لا تعني أن الصحف غير مسؤولة عما تنشره، فالحرية والمسؤولية عنصران لا يفترقان وذلك عملاً بمبدأ ” استحالة وجود حق مطلق” فالحرية تستوجب إقامة المسؤولية المدنية أو الجزائية عند تتجاوز الصحافة حدود معينة خصوصاً إذا نتج إضراراّ بالأفراد أو بالنظام العام.. ومن هنا تنبع أهمية التزام وسائل الإعلام بأخلاقيات مهنة الصحافة، والتي يجب أن يلتزم بها الصحفيون  في عملية استقاء الأنباء ونشرها والتعليق عليها، وفى طرحهم لآرائهم. ويأتي في مقدمة المعايير والقيم التي يجب أن يلتزم بها الصحفيون ووسائل الإعلام بمختلف أنواعها:

1-  الصحفي صاحب رسالة نبيلة، وعليه أن يوصل رسالته هذه بكل إخلاص وتفان من دون تحريف للأحداث والوقائع، وأن يلتزم الحقيقة ويتحرى المصداقية والشفافية والحيادية عند كتابة الخبر أو المقال أو التحقيق الصحفي وعليه الابتعاد عن تملق المصادر وألا يكون أداة لتلميعها بحق أو دون حق. وأن يكون دائماً أداة إصلاح وبناء، وأن يعبّر عن معاناة مجتمعه وممارسة التقييم المهني والمعالجة الموضوعية المهنية لكل قضية يتناولها بكل نزاهة، بعيدا عن الدعائية والمصلحة الشخصية.

2-  احترام الحياة الخاصة للأفراد والامتناع عن نشر أسرارهم والأخبار الكاذبة وإن اختلفت الآراء، وعدم الإساءة لرموز وقادة الدول.

3-  حماية المصلحة العامة للمجتمع مع عدم الإخلال بالحقيقة من خلال تجنب كل ما يثير العنف والكراهية والفوضى، والابتعاد عن بث الشائعات أو ترويجها بهدف إحداث البلبلة في المجتمع، والابتعاد عن تلفيق الأخبار من دون مصادر ونشر صور والتعليق عليها بشكل مجاف للحقيقة بغرض إساءة السمعة أو لفت الانتباه أو تحقيق سبق صحفي في غير مكانه وعلى حساب سمعة شخص أو جهات أخرى.

4-  عدم إفشاء المصادر عند كشف أوجه القصور أو الفساد بطريقة موضوعية وصادقة بعيداً عن التهويل مع الحرص على تمليك الحقيقة للأشخاص العاديين وللمسؤولين أنفسهم لمعالجة بؤر الفساد أياً كان نوعها ومعاقبة مرتكبيها.

5-  التحلي بالمسؤولية، بحيث يعرف الصحفي قدر نفسه ومكانة صحيفته أو مؤسسته الإعلامية، وقدر المصادر نفسها، ولا يقلل من شأنها، ويتحقق ذلك عبر الالتزام بالحياد والموضوعية والدقة فيما يكتب.

6-  احترام رغبة المصادر عند نشر الأخبار، وفقاً للصيغة التي يراها الصحفي مناسبة مع حرصه على عدم الصدام مع مصادره حتى لا يفقد ثقتها.ولا يمنع من إقامة علاقات خاصة مع تلك المصادر شرط عدم استغلال المعلومات التي توفرها له لتحقيق مصلحة ذاتية.

7-  على الصحفي عند كتابة تقرير أو تحقيق أن يعرض آراء مختلف الأطراف ذات الصلة بالقضية دون انحياز لطرف بعينه بما يحفظ توازن الموضوع.وأن لا يعكس رأي الصحيفة التي يعمل فيها عند التعليق على قضية أو مقال.

8-  على الصحفيين والإعلاميين الابتعاد عن التشهير أو الكيد لبعضهم البعض للانفراد بمصدر معين وكسب ثقته أو لتحقيق فائدة ومنفعة شخصية.

باختصار إن حرية الصحافة تتأسس أولاً وأخيراً على مبدئي المسؤولية والالتزام والأخلاقي بمفهومه العام والمهني . وعلى هذا الأساس وحتى تحترم الصحافة نفسها والمادة التي تقدمها وقارئها الدائم، يجب عليها أن تضع نصب أعينها أثناء معالجاتها وممارساتها المهنية، قيم المسؤولية والشرف المهني وأخلاقياته.

التعليقات مغلقة