علي الشهابي
السادة المحترمون في حماس، قيادة وقواعد:

وصلت مفاوضات السلطة مع إسرائيل إلى طريق مسدود، قبل تولي الرئيس أوباما مقاليد الأمور. إلا أن توليه أعطاها جرعة أمل، سرعان ما تلاشت. أما أنتم فتستدلون على صواب نهجكم من فشلها، وهذا يبدو صحيحاً من منطلق قول الشاعر:
ضدان لما استجمعا حسُنا والضد يُظهر حسنه الضد
لكن المشكلة أن هذا ما يبدو فقط، أما الحقيقة فعكس ذلك بدليل بداهة “عندما يضعف النقيض يقوى نقيضه”. أما أنتم فكنتم تضعفون بالتوازي مع ضعف السلطة، ويقوى موقع إسرائيل في مواجهتكما. مما يعنى أنكما معاً نقيض إسرائيل، وهي نقيضكما. هذا هو واقع الحال منذ فوزكم في انتخابات 2006، فلماذا فزتم؟ هل لأن الشعب الفلسطيني صار بمعظمه جهادياً خلال السنوات الأربعة الفاصلة بين الانتخابات والانتخابات؟ قد تكون نسبة ضئيلة كذلك، لكن فارق التصويت لكم بين هذه وتلك كان هائلاً. فهو انتخبكم أساساً، باعتقادي، لأن إسرائيل والولايات المتحدة طلبتا من عرفات تعيين السيد عباس رئيساً للوزراء لتسليس المفاوضات.. وعيّنه. ولما لم تقدم له إسرائيل شيئاً، استقال. ثم صار رئيساً وبذل ما في وسعه لمنع العمل المسلح، ومع ذلك لم تقدم له شيئاً. فكانت ردة الفعل الفلسطينية على هذه الإهانات الإسرائيلية لهم تأييد القوة الرئيسية الرافعة لراية لكفاح المسلح -- لهذا انتخبتكم. مما يضمر أن هذه الغالبية ليست جهاديةً مثلكم، والأدق مثلما كنتم، مستعدةً لأن تظل تقاتل إسرائيل حتى تقضي عليها أو تقضي هي عليها. وهذا ما لم تقتنعوا به، إلا بعد فوات الأوان. أما حينها، فاصطدمت جهاديتكم بالسلطة لتكون النتيجة إضعافكما وتقوية إٍسرائيل.
بديهي أن نهج السلطة المتمثل بالمفاوضات الرافضة للكفاح المسلح عقيم، فإسرائيل لا تأبه بالمفاوض الذي بلا أسنان. لذا بفوزكم بالانتخابات صرتم في موقع أقدر على مواجهة إسرائيل من عرفات، لأن قوة التصويت الشعبي لكم نقضت اتفاقات أوسلو، وفرضت هذا النقض على إسرائيل. لقد صرتم علناً، وبرغم أنف الجميع، الأغلبية البرلمانية وشكلتم الحكومة وأنتم لا تعترفون بإسرائيل. ولأن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني في الداخل تريد دولة إلى جانب إسرائيل، كان يمكنكم بكل بساطة الحلول محل السلطة بقوتكم السياسية وتصيروا السلطة الفعلية. وهذا ما كان سيتم عبر الالتزام بهذه الرغبة الشعبية، وبانتزاع التأييد الدولي الذي سيضغط على إسرائيل. وهذا وذاك كان يمكن أن يتم بإعلانكم، غداة فوزكم، عن بيان كالتالي:
يريدنا المجتمع الدولي أن نعترف بإسرائيل كمقدمة لحل مشكلة شعبنا معها. لقد قام ممثلو هذا الشعب فيما مضى بالاعتراف بها، ولم تقدّم له أي حق من حقوقه. وكانت الولايات المتحدة تدعم إسرائيل في كل ما تقوم به، أما الاتحاد الأوروبي فلم يقم بأي إجراءٍ جديّ للضغط عليها. ولهذا، كنا ومازلنا نحن وإسرائيل عدوّين. ونحن، سلطة حماس الفلسطينية، مستعدون للتفاوض معها على قيام الدولة الفلسطينية بحدود أراضي الـ67، وحل مشكلة اللاجئين. وفي حال وافقت على الانسحاب منها، واتفقنا على كيفية حل مشكلة اللاجئين، فنحن معترفون بها وبحقها في العيش إلى جانبنا، ومعنا إن شاءت. لهذه الغاية نتمنى من الحكومة الإسرائيلية تحديد الزمان والمكان للتفاوض. إن أرادت أن نستقبلها في القدس الشرقية فأهلاً وسهلاً، وإن أرادت استقبالنا في أي مكان داخل إسرائيل أو خارجها، فنحن مستعدون. وإلى أن يتم ذلك، نحن ماضون في الكفاح المسلح، لعلمنا أن إسرائيل لا تريد السلام.. ونتمنى أن نكون مخطئين.
هذا هو موقفنا، ونطالب المجتمع الدولي بالضغط عليها لتنفيذ هذه الحقوق المستحقة منذ أمد بعيد، باعتراف الأمم المتحدة. ونذكّر بأن الضغط على إسرائيل لا يتم فقط بالكلام، بل أيضاً بالأفعال. ونتمنى ألاّ ينسى الجميع أن دعم الشعب الفلسطيني سياسياً، ووقت اللزوم بالسلاح، جزء من الضغط عليها. هذا ما نريده من العالم ككل، وإذا ما دعمتنا إيران بالمال والسلاح فنرجو ألاّ يقول أحد إننا عملاء لإيران، بل نطالب كل دول العالم بأن تصير “إيران” حتى نحصّل هذه الحقوق. وبعدها، فقط بعدها، سيرى الجميع إن كنا عملاء لإيران أو لغيرها.
مثل هذا البيان-البرنامج يحوّل إٍسرائيل إلى قوة احتلال كلاسيكية، وليس كما حولتموها إلى دولة تدافع عن نفسها ضد الجهاديين الساعين لإزالتها. ولأن هذا يستجيب لجوّانية معظم من صوت لكم ولفتح، طالما أنه نهج عرفات وأقوى منه، ما كان يمكن لأحد من السلطة أن يتطاول عليكم. وإن صدف وحدث، لا داعي حتى لتدخل الأجهزة الحكومية، فمجرد إشارة إلى الشعب تكفي. بهذا النهج الذي يوحّد المقاتل- المفاوض لا يمكن أن ينقسم الشعب الفلسطيني، لأنه لم ينقسم إلا لوجود مفاوض ضد القتال ومقاتل ضد المفاوضات. هذه المرحلة من العز التي كانت لكم، وكنتم قادرين على بنائه للشعب الفلسطيني، ينبغي أن تعتذروا عنها لا بطريقة وشوشة كارتر، بعدما حوصرتم، باستعدادكم للقبول بدولة فلسطينية بحدود الـ67، ولا بالتحسر كابن زريق البغدادي:
أوتيتُ مُلكاً، فلم أُحسنْ سياسته وكل مَن لا يسوس المُلكَ يخلعه
ومع أنكم مثله، لم تحسنوا سياسة ملككم، عليكم الاعتذار من الشعب الفلسطيني بطريقة عملية. فما حصل أن إسرائيل أفادت من استعداد تيار في السلطة للتخلي عن العمل المسلح وتذرعت بجهاديتكم، فهدهدت السلطة بكونها تقاتلكم لتقدم الأرض لها بعدما تفرغ منكم، بذريعة أنها لا تستطيع الانسحاب من الضفة ما دمتم فيها، لأنكم ستنطلقون منها لمحاربتها. فجهاديتكم ساعدت إسرائيل في تقوية هذا التيار، بصرف النظر عن ارتباط مصالح هذا أو ذاك بها. هذا كان الهدف من مفاوضات أولمرت مع عباس، كسب الوقت. وبعدما وصل صراعكم مع السلطة إلى نهايته المنطقية، انقضّت عليكم نفس الحكومة بحربها على غزة التي كنتم بالكاد طرفاً فيها. وبالنتيجة كنتما، أنتم والسلطة، أداتي إسرائيل في تقسيم الشعب الفلسطيني وشل كل شكل من أشكال مقاومته. وهذا ما يمكّن نتانياهو من القول لأوباما، ولا بد أنه قال له “أي صراع هذا الذي تريدني أن أحله؟ أين الصراع”؟ ولأنه لا وجود لهذا الصراع على الأرض، بل في مخيلتنا، عادت السيدة كلينتون تطالب السلطة بمواصلة المفاوضات دون تجميد بناء المستوطنات.
لا يفيد الندب على ما فات. فعدم قدرة الشعب الفلسطيني على خوض الصراع سيستمر ما دام مقسماً، وسيظل مقسماً ما دامت إسرائيل تحاصر غزة، وستظل تحاصرها ما دمتم فيها كسلطة. فأنتم لا تقيمون سلطة في غزة كما تعتقدون، بل تحصركم إسرائيل فيها وتحاصرها بذريعتكم، وستبذل ما في وسعها كي لا تسمح لكم بإنهائها. قد تهزون أكتافكم وأنتم تسخرون متسائلين “من قال لك أو لها إننا نفكر بإنهائها؟”، لكنّ مجرد التساؤل يعني أنكم لا تدركون مصيبة كونكم تعتبرونها سلطتكم.
فالمجتمع الدولي يرفض المصالحة بينكم وبين السلطة ما لم تلبّ شروط الرباعية “وقف العنف، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة، والاعتراف بإسرائيل”. فهل أنتم مستعدون لهذا الإذلال، بما فيه تسليم أسلحتكم؟ وأتمنى ألا تنسوا أن إسرائيل قد لا تقبل بهذه الشروط. فهي ستطالب ببسط السلطة سيطرتها على غزة تماماً كما تبسطها في الضفة، مما يضمر مطالبتها باعتقالكم كـ”إرهابيين”. هذا ما ستشترطه إسرائيل إمعاناً في محاولة إذلالكم، والأهم لتعقيد إعادة توحيد الشعب الفلسطيني. فما هي مصلحتها في توحيد أهالي الضفة وأهالي غزة ليصيروا شعباً واحداً وهي لا تريد غزة بتاتاً؟
سأتغاضى عن سؤال “إذا كانت هذه هي الخيارات الفعلية المطروحة أمام “سلطتكم”، فهل هي فعلاً سلطة لكم أم وبالٌ عليكم؟” لأسأل: هل ثمة خيارات واقعية أخرى تلوح في الأفق لفك الحصار؟ فمصر لن تصير هانوي عما قريب، ولا الضفة ولا لبنان أو سوريا. فهل من الحكمة أن تظلوا محصورين فيها حتى يشاء الله أن يصيروا؟ ومن قال لكم إنه سيشاء؟ أنتم أحرار باختيار ما تشاؤون لأنفسكم، لكنكم لستم أحراراً بفرضه على أهالي غزة، وعلى الشعب الفلسطيني ككل، بذريعة كونكم مقاومة. لقد كنتم مقاومة، لكنكم أجبرتم على الكف عنها. فالشعب الفلسطيني سيظل مشلولاً ما دام مقسماً، والنصف الضفاوي سيشعر أنه بالنعيم في كنف الاحتلال، مقارنة بنصفه الغزاوي المستقل. أما في غزة، فأخشى ما أخشاه أن يبلغ مرحلة الاستجارة بإسرائيل.. ولا تجيره.
هذا المأزق أنتم المعنيون بإيجاد مخرج سريع له، لا عباس ولا الرباعية ولا الأنظمة العربية. والمطروح أمامكم، كما شاهدنا، إما إذلالكم أو إذلالكم. ومع ذلك ثمة مخرج مشرف فعلاً، وأقل إذلالاً لكم. ويتمثل باغتنام أول سانحة لإعلان استعدادكم للتخلي عن غزة ومغادرتها. فهذا أسرع شكل لإعادة توحيد الشعب الفلسطيني، الذي لا يمكن إلا أن يقاوم الاحتلال بالشكل الذي يراه مناسباً. وهذا الشكل، مهما تخيلتموه أخرق (ولن يكون) أفضل من الوضع الراهن الذي لا مقاومة فيه.. ولا تلوح في أفقه. فالوضع القائم بتطوراته، في ظل استمرارية “سلطتكم”، هو بالضبط ما تريده إسرائيل لأنه يمكّنها من حل مشكلة الفلسطينين بطريقتها. فمن قال لكم إنها لا تريد الحل؟ فالوضع القائم باستمراريته هو حلها.

التعليقات مغلقة