القى الدكتور عمار قربي رئيس مجلس إدارة المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سورية محاضرة بعنوان “التعددية الثقافية والعولمة والديمقراطية وعلاقة مسألة الأقليات بحقوق الإنسان “في اطار المهرجان الخامس للثقافة الامازيغية بفاس \المغرب

ومن أهم ما جاء في المحاضرة النقاط التالية :

د. عمار قربي  رئيس المنظمة الوطنية

عمار قربي  رئيس المنظمة الوطنية

للأسف بقي التنوع الثقافي في الوطن العربي يعاني تجاذباً بين محاولات تدجينه أو احتوائه من قبل الثقافة العربية السائدة ولعل هذه التجاذبات والسياسات هي من فتح نافذة للتدخل الأجنبي وكان مصدراً رئيساً لاستقواء فئات داخلية والاحتماء بالقوى الخارجية ضد مبدأ الشراكة الوطنية، الذي تستهين به القومية الكبرى أحياناً, فالتعددية تستخدم في مجال علم الاجتماع كأسّ لإنكار وجود مبدأ واحد محدد للمجتمع، فهي بذلك تتطلع لتقديم رؤية للعالم تتجاوز فيه الواحدية مادية كانت أم مثالية.

يذهب بعض الباحثين وعلماء الاجتماع المعاصرين إلى تصنيف المجتمعات، من حيث تنوعها الديني والمذهبي والقومي والعرقي واللغوي والثقافي، في ثلاثة نماذج أو ثلاثة أنماط هي:

- المجتمعات الفسيفسائية غير القابلة للاندماج، و-المجتمعات النقية عرقياً أو دينياً أو قومياً..، وهذان حدان أقصيان تقع بينهما -المجتمعات القائمة على التنوع والقابلية للاندماج في الوقت ذاته. والأقطار العربية، باستثناء لبنان، تنضوي تحت هذا النموذج الثالث, فالمجتمعات العربية تتصف بالتنوع الديني والمذهبي والقومي واللغوي والثقافي، واعتبرتها النظم الحاكمة قابلة جميعاً وفي الوقت ذاته للاندماج. ولعل النموذج اللبناني في تطرفه في هذا المجال هو الذي يقرع ناقوس الخطر، ويفرض ضرورة البحث عن حل جذري، علماني وديمقراطي لهذه المسألة المتفجرة هنا والكامنة هناك.

الاختلاف هو الذي يفترض المساواة منطقياً وأخلاقياً بالتلازم. فلولا الاختلاف لما كانت هناك حاجة إلى المساواة, والمساواة لا تعني في أي حال من الأحوال إلغاء الفروق , و قضية حقوق الإنسان كلها تتكثّف في هذه المسألة، وحق التعددية فرع من شجرة حقوق الإنسان.

إن الأكثرية هي التي تصنع الأقلية إما بمنحها الامتيازات وإما بحرمانها من الحقوق، وللمنح والحرمان أثر واحد في نهاية التحليل.

تعريف الأقلية :يعرف إعلان الأمم المتحدة حول حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو عرقية ودينية ولغوية ,بجماعة من مواطني الدولة تشكل أقلية عددية لا تحظى بصفة السيطرة أو الغلبة في الدولة، يتميزون عن بقية أعضاء المجتمع عرقياً أو لغوياً أو دينياً، وهم يميلون إلى التضامن معاً، ويحرصون، على البقاء، ويهدفون إلى تحقيق المساواة مع الأغلبية واقعاً وقانوناً.

ولهذا يبقى حل مسألة التعددية حلاً علمانياً، بفصل الدين عن السياسة وحياد الدولة حياداً إيجابياً إزاء جميع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات السياسية، العلمانية وغير العلمانية، وديمقراطياً بتحقيق المساواة الفعلية بين جميع المواطنين أمام القانون، وبتحقيق العدالة الاجتماعية بوصفها الصيغة العملية للمساواة، وبإطلاق الحريات العامة، وإطلاق روح المبادرة الخلاقة لجميع المواطنين بلا استثناء ولا تمييز، إن حل مسألة التعددية على هذا النحو هو أهم ضمانات الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وشهد القانون الدولي في العقود الثلاثة الماضية تطوراً إيجابياً فيما يتعلق بحقوق الأقليات، حيث غطّت العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية ميدان عدم التمييز تغطية جيدة. وحظيت ” الحقوق الخاصة” باهتمام كبير، وخصوصاً بعد إبرام “إعلان حقوق الأشخاص المنتمين الى أقليات قومية أو إثنية أو أقليات دينية أو لغوية”، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر/كانون الأول 1992. وتجلى الأمر بإنشاء الفريق العامل المعني بالأقليات عام 1995،اعتماداً على”الحقوق الثقافية”.

سياسياً: بلغ تسييس هذه المسالة ذروته بعد فصل لبنان عن سورية وإقامة دولته على مبدأ التوازن الطائفي القلق، ثم إقامة دولة إسرائيل العنصرية. فغدت مسألة الأقليات أحد المحاور الأساسية في إستراتيجية هذا الكيان الاستيطاني والتوسعي وفي استراتيجيات الدول الكبرى. ومما يلفت النظر زيادة الاهتمام بحقوق الأقليات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظمى وحيدة,و الجديد هو نهاية السياسات المبنية على المقايضة مع الخارج ، و لو قبل هذا الأخير في لحظة من اللحظات ببعض المقايضة، فهو قبول مؤقت، فالخارج أصبحت مشاريعه أكبر من إدارة الأزمات .

إذن هذه الوضعية أُبرزت “مسألة الأقليات” الدينية والمذهبية والقومية والإثنية والثقافية واللغوية في صيغة “سياسية” تتخذ شكل قوى ضغط تطالب بالتمثيل السياسي على أساس الحصة، يتطلع بعضها إلى الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية، أو إلى الانفصال. وهذا ما سيَس مسألة “الأقليات”. الأمر الذي ولد بالمقابل خطاب ” الخصوصية ” على شكل خطاب دفاعي محوره عقدة النقص تجاه الغرب و الخوف منه، و هو ما زال حاضرا بقوة في فكر و خطاب جميع القوى و التيارات السياسية و الفكرية الموجودة في الساحة، لذلك ما زالت النظرة لحقوق الإنسان و الديمقراطية غير أصيلة، إذ ينظر لها بوصفها نتاجاً لثقافة الغرب وتعبيراً عن هيمنته،  وهي بالتالي نقيض لثقافتنا وهويتنا .

إن منطق الرفض إزاء ظاهرة العولمة وتوهم إقامة بديل سلبي ومضاد بشكل مطلق للعولمة هو منطق واهم, فالدخول في العولمة وميادينها هو أمر حتمي ومفروض على كل مجتمع يريد أن يبقى في دائرة المجتمعات التاريخية ولا يريد أن ينسحب من الفعالية العالمية وينعزل في عالمه الخاص .هنا يصبح من الضروري، أن نتفهم آليات الهيمنة الجديدة وأن نسعى بكل الإمكانيات إلى تعديل وتغيير أثرها علينا وإبراز إمكانية مقاومة الهيمنة وشروطها من داخل العولمة لتفكيك آليات الهيمنة والحد منها .

إن الدفاع عن هويتنا لا يتحقق من خلال الحفاظ عليها كما هي في الماضي, ولكن من خلال إعادة بنائها من أفق المستقبل، وفي إطار العولمة والثورة العلمية التكنولوجية, والانتقال من حالتي الرفض والاستلاب المعيقتين لنمو هذه الهوية وتطورها, والتوجه نحو المشاركة الإيجابية في العالمية ، والعمل مع القوى الأخرى ، قوى المجتمع المدني العالمي ، على تفكيك السيطرة الثقافية الأحادية، وإعادة بناء العالمية من أفق التعددية الثقافية الكونية، وفي إطار الاحترام والتعاون والتفاعل المثري

إسلاميا ,يعتبر دستور المدينة قد ضمن حقوق اليهود أما صلح الحديبية فقد ضمن حقوق نصارى نجران ,أما العهدة العمرية فقد حفظت الحقوق، وأمنت النصارى وطوائف القدس على حياتهم وأمنهم وكنائسهم وأموالهم. كما تضمنت وثيقة فتح القسطنطينية التي أعطاها محمد الفاتح الى سكان اسطنبول (الآستانة) منح الحقوق الى أهلها ومنها حق تأدية الطقوس والشعائر الدينية.

حقوقياً: قام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أساس “الاعتراف بالكرامة الإنسانية المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية والثابتة”. وهذا الاعتراف، هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. إن ما يرنو إليه عامة البشر هو انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة. وليس من ضامن لحقوق الإنسان وحريته سوى القانون، وإلا فإن الناس يضطرون في آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.

إن المقدمة الأولى لإحقاق حقوق الإنسان وحقوق الأقليات هي تحويل بنية الدولة إلى دولة دستورية، دولة حق وقانون، لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز على أي أساس كان.وليس من حل ناجع لمسألة الأقليات الدينية والمذهبية سوى علمنة المجتمع والدولة,سوى الحل الديمقراطي. فمسألة الأقليات برمتها تتركز في الانعتاق السياسي، المقدمة اللازمة والضرورية منطقياً وتاريخياً للانعتاق الإنساني.

قومياً ومن هنا فإن جميع السياسات والإجراءات التمييزية ضد المواطنين غير العرب هي سياسات وإجراءات غير دستورية , لكن بذات الوقت يجب أن نقر بوجود جماعات قومية غير عربية في البلاد العربية. وبمثل هذا الإقرار تكون مسألة الأقليات القومية قد وضعت على طريق الحل الديمقراطي، لأن الاعتراف بوجود أقلية قومية هو اعتراف بوجود مشكلة تحتاج إلى حل.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الفكر القومي التقليدي لا يعترف، ذاتياً، بوجود مثل هذه المشكلة. والأيديولوجية القومية العربية ، كغيرها من الأيديولوجيات، لا تعترف بالحقائق الواقعية ولا بالحقائق العقلية. إنها في حقيقة الأمر“عقدة هوية” أنتجتها ردود الفعل على السياسات،الخارجية والهزائم المذلة.

إن مسألة الأقليات في كل مجتمع هي مسألة داخلية صرفة لا يمكن حلها من الخارج، وليس بوسع أي قوة خارجية أن تحل مسألة الأقليات، أو أي فرع من فروعها، في مجتمع ما حلاً ناجعاً ودائماً ما لم يحلها المجتمع المعني نفسه، بوسائله الخاصة، ووفق مصالحة الوطنية.

إن الإقرار بالتنوع الثقافي والديني والإثني رغم محاولات الإنكار والجحود الطويلة، هو اعتراف بحقوق الأقليات التي أقرتها شرعة حقوق الإنسان الدولية، ومن تجربتنا العملية فإن ثمن التنكر والتمييز في المواطنية وتقسيم المجتمع الى درجات في المواطنة ومحاولات التسيّد كان باهظاً على حساب التنمية وتعزيز الديمقراطية، وساعد في تفكيك الوحدة الوطنية بدل الادعاء في المحافظة عليها وهدد الأمن الوطني واستخدمته القوى الخارجية وسيلة للتدخل وفرض الإرادة بحجة الدفاع عن حقوق الأقليات، بل إنه ساعد في هدر الأموال خصوصاً على النزاعات العسكرية والحروب الأهلية!!

د.عمار قربي \ خاص بمؤتمر فاس

التعليقات مغلقة