لجنة حماية الصحفيين-عرض تحليلي -إجهاض ثورة الفضائيات

إعداد: جويل كامبانيا*

تعد مباني الإذاعة والتلفزيون الحكومية من بين أكثر المواقع تحصينا في العالم العربي. وفي الرياض، ستجد حراسا مسلحين، وأكياس الرمل، وسياجا من الحديد السميك يحيط بمبنى وزارة الإعلام ومقر التلفزيون السعودي. وعندما كانت الحكومة المصرية في التسعينيات تخوض مواجهة وحشية ضد المتطرفين الإسلاميين، نشرت الحكومة الدبابات حول مبنى الإذاعة والتلفزيون في وسط القاهرة. وعلى الرغم من أن الصحف لها أهميتها في نشر الأخبار وإبداء الرأي، إلا أن التلفزيون له تأثير واسع في أرجاء العالم العربي. ومع قدرة التلفزيون على الوصول إلى الجماهير في المنطقة التي ترتفع فيها معدلات الأمية ، فلا عجب أن الأنظمة تشدد الحراسة على هذا الوسيط الاستراتيجي. الآن، ومع ظهور الفضائيات باعتبارها وسيلة جماهيرية لنقل الأخبار والتحليلات النقدية، فإن ثمة جبهة جديدة في النضال من أجل حرية الصحافة قد ظهرت.

لم تكن وسائل البث العربية في السابق سوى عالما من البرامج الإخبارية “الطنانة”، ومنبرا للدعاية للدولة، وهو ما استمر حتى مطلع التسعينات حينما ظهرت جهات إخبارية فضائية جديدة مثل قناة الجزيرة القطرية. وعلى الرغم من كونها هدفا دائما للرقابة الحكومية والمضايقات، كانت قناة الجزيرة قادرة على أن توفر أخبارا ونقاشات سياسية غير خاضعة للرقابة للملايين من العرب. واليوم ، تنامى عدد محطات البث الفضائي حتى بلغ المئات، وقفز عدد مشاهديها إلى عشرات الملايين حيث أصبحت إمكانية مشاهدة تلك الفضائيات أقل كلفة. ورغم أن العديد من المحطات لا تزال مملوكة من قبل الحكومات أو مدعومة حكوميا بشكل أو بآخر (بما في ذلك قناة الجزيرة)، فقد شهدت المنطقة نموا ملحوظا في الخطاب الإعلامي المنفتح.
قد يبدو هذا الاتجاه كأنه لا رجعة فيه، ولكن الحكومات قد عملت بجد في السنة الماضية لتبديد هذا المفهوم. ومع عدم الارتياح الحكومي لتغطية الفضائيات للخلافات السياسية العربية، والإرهاب والحروب الأهلية والمصاعب الاقتصادية ، باتت الحكومات تحاول استعادة السيطرة على وسيط إعلامي تعتقد أنه أصبح خارج السيطرة.

وفي شباط/فبراير تم توجيه رسالة جماعية قوية بمبادرة مصرية وسعودية حيث تقدمت الدولتان بطرح لإطار تنظيمي لمحطات التلفزيون الفضائية في اجتماع وزراء الإعلام لجامعة الدول العربية في القاهرة. صدرت الوثيقة بعنوان “مبادئ تنظيم البث الإذاعي والتلفزيوني الفضائي في المنطقة العربية” وقد استهدفت على نحو واضح المحطات المستقلة والمملوكة للقطاع الخاص التي تبث انتقادات للحكومات العربية.

وافق مجلس وزراء الإعلام العرب الذي يضم 22 عضوا على الوثيقة دون معارضة، فيما امتنعت قطر وغابت العراق عن التصويت. يسعى الميثاق إلى منع بث أي محتوى قد يكون ذا “تأثير سلبي على السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية والنظام العام والآداب العامة”، وكذالك ما يمكن أن “يتناقض مع مبادئ التضامن العربي.” كذلك اعتبر الميثاق “التشهير بالقادة أو الرموز الوطنية والدينية” أمرا خارجا عن الحدود.

دعت الوثيقة كلا من الدول الأعضاء إلى اتخاذ “التدابير التشريعية اللازمة للتعامل مع الانتهاكات”، وهي الخطوات التي يمكن أن تشمل مصادرة المعدات وسحب التراخيص. ولم يتضح على الفور كيف ستضع كل حكومة القيود الجديدة في حيز التنفيذ، ولكن الكثير من الحكومات تبدو على استعداد لتنفيذ المبادئ التوجيهية.

تم بناء الزخم منذ حرب لبنان عام 2006 لاتخاذ إجراءات ضد وسائل الإعلام الفضائية الصناعية ، وهو ما يؤكده مروان كريدي الخبير في الإعلام العربي في جامعة بنسلفانيا، في مقال كتبه في آذار/مارس لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي. فقد وجد العديد من القادة العرب أن مواقفهم باتت -- على نحو غير مريح -- مخالفة للرأي العام الذي كان آخذا في الانتشار والتوسع من قبل الفضائيات. وأضاف قائلا: “عندما اندلعت أعمال القتال، ندد الزعيمان المصري والسعودي أولا بسلوك ‘المغامرة’ لدى حزب الله، ثم تراجعا في ظل مقاومة حزب الله وتزايد عدد الضحايا المدنيين للهجوم الإسرائيلي. وفي غضون ذلك، برز تلفزيون المنار التابع لحزب الله ليحتل مكانه في قائمة أفضل عشر فضائيات في التصنيفات العربية ، ويذكر كريدي فيما كتبه أن بعض مقدمي البرامج الحوارية التي تبث على الهواء حاولوا جاهدين منع المتصلين من كيل الشتائم للقادة العرب الموالين للولايات المتحدة”.

كانت حالة الإحباط الشعبي من الأنظمة العربية حافزا قويا لدى السلطات للسيطرة على الفضائيات. وفي حزيران/يونيو، بدأت السلطات المغربية في تفعيل روح الميثاق عندما قامت بتغريم رئيس مكتب قناة الجزيرة حسن راشدي مبلغ 50 ألف درهما (6000 دولارا) بتهمة بث أخبار كاذبة بعد أن ذكرت المحطة أن قوى الأمن قتلت متظاهرين خلال احتجاجات في الشوارع في مدينة سيدي إيفني. وقبل شهر واحد ، كانت السلطات قد أجبرت المحطة على إيقاف البث المباشر لبرنامجها الإقليمي الذي يبث من الرباط من دون توضيحات.

بيد أن التراجع الأكبر حدث في مصر، حيث جرت العادة أن تلعب صحافتها دورا قياديا في مجال الإعلام العربي، قد يصل الى مستوى الريادة فيما يتعلق بالتأثير على حرية الصحافة في المنطقة. ففي نيسان/أبريل، قررت شركة البث الفضائي “نايل-سات” المملوكة للحكومة المصرية التوقف عن بث قناة الحوار دون إبداء الأسباب. كانت قناة الحوار تقدم عددا من البرامج الحوارية مثل “حقوق الناس”، الذي استضاف ناشطين في مجال حقوق الإنسان ممن تعرضوا للمضايقة أو الاضطهاد من قبل الحكومات العربية، وبرنامج “أوراق مصرية”، الذي استضاف منتقدين بارزين للحكومة المصرية مثل إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة الدستور، والقاضي الإصلاحي هشام البسطويسي.

يتركز جزء كبير من قلق الحكومة المصرية على تغطية الفضائيات للاضطرابات الاجتماعية. فقناة الجزيرة ومعها البرامج الحوارية المصرية الجريئة التي تبثها محطات فضائية خاصة، ركزت على مواضيع حساسة مثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانعدام الخدمات العامة ومياه الشرب، والمئات من الإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات التي هزت البلاد على مدى العامين الماضيين.

“لعبت محطات التلفزيون هذه دورا هاما في تغطية التظاهرات والاعتصامات”، على حد قول الصحافي المصري وائل الإبراشي، مقدم البرنامج الحواري “الحقيقة” على دريم 2، وهي قناة فضائية خاصة. وأضاف: “إن السلطات تخشى من انتشار ثقافة الاحتجاج، وخاصة في ظل عجز وسائل الإعلام الرسمية … أصبحت المحطات التلفزيونية الفضائية المصدر الرئيسي لزيادة الوعي وتشكيل الرأي العام “.

وفي 23 شباط/فبرايرالماضي ، تم منع قناة المحور المملوكة للقطاع الخاص من بث برنامج “90 دقيقة” ، قبل ساعتين فقط من موعد بثه على الهواء مباشرة، حيث كان موضوع الحلقة مشروع قانون مكافحة الإرهاب. ويعاني منتجو البرامج الحوارية الأخرى في محطات التلفزيون المصرية الخاصة من ضغوط -- وراء الكواليس -- من أجهزة الأمن.

تعرضت الجهات الإخبارية الإقليمية لضغوط مماثلة أيضا. ففي آب/أغسطس ، قامت الحكومة المصرية بمنع تصوير أحد برامج البث المباشر على قناة “الحرة” التي تمولها الحكومة الأمريكية كان سيظهر فيه عدد من النشطاء لأجل الديمقراطية. وفي نيسان/أبريل ، داهمت الشرطة مكاتب شركة إنتاج إعلامي محلية وهي “شركة القاهرة للأخبار”، التي توفر الخدمات للقنوات الإخبارية مثل الجزيرة وهيئة الاذاعة البريطانية (BBC) ، وصادرت معدات خاصة بالعمل الإعلامي. وتمت إحالة مدير الشركة نادر جوهر إلى المحكمة بحجة أنه لا يملك التصاريح المطلوبة للبث. بينما يُعتقد أن السبب الحقيقي للحملة هو تغطية قناة الجزيرة – وهي أحد عملاء شركة القاهرة للأخبار -- للاحتجاجات العمالية في مدينة المحلة الكبرى الصناعية في شمال البلاد، والتي تضمنت لقطات لمتظاهرين قاموا بتمزيق ملصق للرئيس حسني مبارك. تم الحكم لاحقا على جوهر بغرامة 150 ألف جنيها مصريا (27000 دولارا) ، على الرغم من أن شركته لم تتوقف عن العمل.

منذ نحو خمس سنوات فقط كان يمكن للحكومات أن تتغاضى عن تغطية الفضائيات لأنها كانت تصل إلى شريحة صغيرة فقط من السكان. ومن ثم كانوا يركزون بدلا من ذلك على الحفاظ على إحكام قبضتهم على البث الأرضي. ولكن اليوم باتت محطات التلفزيون الفضائية -- وخصوصا في مصر -- وسيلة إعلام جماهيرية. فبواسطة كابل صغير يكلف ما يعادل 4 دولارات أمريكية يمكن للأسرة الاستفادة من شبكات الأقمار الصناعية وتوفير فرص الحصول على الموجات غير الأرضية. أصبح المصريون ينتظرون بشغف كل يوم البرامج ذات الشعبية الكبيرة مثل “90 دقيقة” ، و “القاهرة اليوم” ، و “العاشرة مساءًا” التي يتم بثها على محطات فضائية محلية وتناقش القضايا التي تمس الحياة اليومية للناس العاديين.

يقول محمود سعد أحد مقدمي برنامج “البيت بيتك” الذي تنتجه شركة خاصة وتبثه إحدى قنوات التلفزيون الحكومي المصري: “قبل ثلاث سنوات ، كان البث التلفزيوني الأرضي هو الأكثر تأثيرا على الشعب المصري ، ولكن الآن 70 في المائة من الشعب المصري يشاهدون المحطات التلفزيونية الفضائية. لا يتكلف الأمر سوى 20 جنيها مصريا للحصول على «وصلة» تتيح مشاهدة هذه المحطات التلفزيونية الفضائية. من ثم لم يعد لدى الحكومة ذلك التأثير على وسائل الإعلام، ولهذا السبب فإنها تحاول مجددا استعادة السيطرة”.

الميثاق الذي اعتمده وزراء الإعلام العرب يحمل في المقام الأول رسالة إلى الفضائيات مفادها أن الحكومات على استعداد للدفع في الاتجاه المضاد. ولكنه أيضا يقدم للحكومات العربية زخما وهيكلا قانونيا لفرض قيود محددة. كانت السلطات المصرية قد بدأت بالفعل في صياغة تشريع جديد لبث المواد السمعية والبصرية والذي من شأنه منع جهات البث الفضائي من إذاعة المواد التي تعتبرها ضارة بالوحدة الوطنية والنظام العام. مشروع القانون هذا – والذي ظل معلقا حتى نهاية السنة الماضية -- من شأنه أن يسمح للحكومة بمعاقبة المحطات المخالفة بفرض الغرامات ومصادرة المعدات، أو الإغلاق.

وسيتضح أكثر في السنة المقبلة ما إذا كانت ثورة الفضائيات العربية ستستمر، أو أن الحكومات ستتمكن من فرض سطوتها على هذا الوسيط. وإذا كان لنا أن نسترشد بالتاريخ ، فستحاول السلطات على الأرجح انتقاء بعضا من جهات البث الفضائي لتكبلها بالرقابة والمضايقة، وكذالك ستحاول فرض قوانين جديدة مقيدة، وإحباط جهود هادفة لخصخصة الإذاعة والتلفزيون.

لكن السلطات قد تجد نفسها تسبح ضد تيار توقعات المشاهد. فالمحتوى الإعلامي أحادي الجانب، والذي يقدم بعدا واحدا للصورة ليس من المرجح أن يرضي المشاهدين العرب بعد الآن. ويمكن لأنصار حرية البث الأثيري أن يستفيدوا من ارتفاع سقف التوقعات الشعبية الذي أصبح يتزايد في كل دول المنطقة الآن، لمكافحة التشريعات المقيدة لحرية الإعلام. يمكن للمستثمرين الدفع نحو إعلاء الجودة وخلق تنوع أكبر في المحطات الفضائية. ويمكن كذلك لأطراف كالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وغيرها، كجزء من مشاركتها في الدفع نحو الإصلاح السياسي، أن تسعى نحو تحقق خصخصة حقيقية لجهات البث الإعلامي، وليس مجرد إصلاحات تجميلية تجعل المقربين من الأنظمة في وضع يسمح لهم بالسيطرة على موجات الأثير.

* كان جويل كامبانيا كبير منسقي البرامج في لجنة حماية الصحفيين وكان مسئولا عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد كتب تقارير من مصر وتونس في عام 2008.

تقارير ملخصة حول دول المنطقة *
مصر

لعبت مصر دورا قياديا في وضع ميثاق إقليمي يهدف إلى تقييد البث الفضائي في جميع أنحاء العالم العربي. وبناء على طلب من الرئيس المصري حسني مبارك، مدد البرلمان العمل بقانون الطوارئ المستمر العمل به منذ 27 عاما، وهو ما يحفظ لسنتين إضافيتين أداة رئيسية لخنق حرية التعبير. في هذه البيئة، لا يزال الصحفيون يدافعون عن أنفسهم في مواجهة سلسلة من الدعاوى القضائية ذات الدوافع السياسية التي رفعها أعضاء في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وغيرهم من الموالين للحكومة.

وبعد أربع سنوات من وعد مبارك بتحرير القوانين المقيدة لوسائل الإعلام الإخبارية، لا يزال الوضع قمعيا بالنسبة للصحافة.

أهم خطوة إلى الوراء من قبل الحكومة جاءت في شباط/فبراير، عندما بادر وزير الإعلام المصري أنس الفقي ونظيره السعودي إياد مدني بتقديم خطة عربية لتنظيم البث الفضائي. ترتب على هذه المبادرة إصدار وثيقة “مبادئ تنظيم البث الإذاعي والتلفزيوني الفضائي في المنطقة العربية”، واعتمدها مجلس وزراء الإعلام العرب بجامعة الدول العربية. وتسعى تلك المبادئ إلى منع نشر المواد التي لها “تأثير سلبي على السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية” أو تتعارض مع “مبادئ التضامن العربي”. وتحث الوثيقة كل دولة من الدول الـ 22 الأعضاء اتخاذ “التدابير التشريعية اللازمة للتعامل مع الانتهاكات.”

تصرفت السلطات المصرية بروح الوثيقة الجديدة في نيسان/ابريل، عندما رفعت شركة “نايل سات” للبث الفضائي المملوكة للدولة قناة الحوار ومقرها لندن، من على حزمة القنوات التي تبثها شركة نايل سات. و كانت قناة الحوار تقدم برامج حوارية مثل “حقوق الناس”، الذي كثيرا ما دعا الناشطين في مجال حقوق الإنسان، و “أوراق مصرية” ، الذي استضاف منتقدين بارزين للحكومة. وقال أمين بسيوني رئيس مجلس إدارة النايل سات إن المسئولين عن القناة لم يطلبوا تجديد العقد “في الوقت المناسب.”

وفي أيار/مايو ، وافق البرلمان على تمديد العمل بقانون الطوارئ الذي يجري العمل به منذ اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981. وقد أدانت جماعات حقوق الإنسان المحلية والدولية التمديد، مشيرين إلى أن الرئيس مبارك وعد بإلغاء هذا التدبير. كما أكد المجلس القومي لحقوق الإنسان -- المدعوم من الدولة، والتي يترأسه الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي -- أن التمديد لم يكن له ما يبرره. يعطي قانون الطوارئ رئيس الجمهورية الصلاحيات لتعليق العمل بالحريات الأساسية، ويتيح للسلطات الأمنية اعتقال الأشخاص لفترات طويلة دون محاكمة، ويسمح للمسئولين بفرض رقابة على الصحف أو حتى إغلاقها باسم الأمن القومي.

وقد شهدت قاعات المحاكم المصرية على مدار السنة معارك ضارية من أجل حرية الصحافة. ثمة موجة مذهلة من الدعاوى القضائية، والاتهامات الجنائية، والاستدعاءات التي يقدر عددها بالمئات تم رفعها ضد العديد من الكتاب والمحررين والمدونين المصريين خلال العامين الماضيين. بعض الصحافيين واجه أكثر من عشر دعاوى قضائية، وهو ما تطلب منهم المثول في المحاكم ومراكز الشرطة عدة مرات في الأسبوع. في الغالبية العظمى من الحالات، لم يتم تقديم البلاغات من قبل الحكومة نفسها بل على يد افراد موالين لها. محامو الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم كانوا هم أصحاب النصيب الأوفر من هذه الدعاوى، مستفيدين من إحدى الممارسات القانونية المصرية المعروفة باسم الحسبة، والتي تمكن المواطنين من رفع دعاوى قضائية باسم المصلحة العامة.

تتجلى هذه الوسيلة في قضية رؤساء تحرير المستقلين الأربعة الذين اتهموا بـ”نشر معلومات كاذبة من شأنها الإخلال بالنظام العام”. تم توجيه هذه الاتهامات إليهم بسبب مقالاتهم التي تنتقد مبارك وكبار مساعديه، بمن فيهم ابنه ووريثه المحتمل جمال. كان رؤساء التحرير الأربعة قد أدينوا في عام 2007، وحكم على كل منهم بالسجن لمدة سنة وغرامة بلغت 20000 جنيه ، وتم تداول قضيتهم على مدار العام أمام محكمة الاستئناف وأثارت اهتماما دوليا. كان اثنان من محامي الحزب الوطني الديمقراطي اتهما كلا من إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة الدستور اليومية، ووائل الإبراشي رئيس التحرير السابق لصحيفة صوت الأمة الأسبوعية، وعادل حمودة رئيس تحرير صحيفة الفجر الأسبوعية، وعبد الحليم قنديل رئيس التحرير السابق لصحيفة الكرامة الأسبوعية بنشر معلومات كاذبة عن مبارك وكبار مساعديه.

وخلال جلسة الاستئناف في حزيران/يونيو استدعت المحكمة د. عواطف عبد الرحمن، أستاذة الاعلام في جامعة القاهرة كشاهد خبير، وقد شهدت بأن السلطة القضائية كانت أقل تسامحا في عهد مبارك مما كانت عليه في عهد الاحتلال البريطاني منذ أكثر من 80 عاما. وقالت ان أحكام الإدانة ينبغي أن تلغى “حمايةً لسمعة النظام”. كما حثت د.عبد الرحمن السلطات المصرية على مواءمة تشريعات البلد و المعايير الدولية لحرية التعبير، ووقف “استخدام قانون العقوبات لتجريم حرية التعبير وحرية الصحافة.” وفي أواخر العام كان استئناف الحكم لا يزال قيد التداول.
واجه عيسى حكما بالسجن في قضية أخرى بارزة. ففي 28 أيلول/سبتمبر، أصدرت محكمة استئناف القاهرة حكما عليه بالسجن لمدة شهرين بتهمة “نشر معلومات كاذبة” عن صحة الرئيس مبارك البالغ من العمر 80 عاما. كان عيسى من بين عدد من الصحافيين الذين كتبوا عن غياب مبارك من دون تفسير في صيف 2007 – وهي التغطية التي تم انتقادها علنا من قبل زوجة الرئيس سوزان مبارك. وفي خطوة غير مألوفة، وجهت جهات الادعاء الحكومية اتهامات مباشرة ضد عيسى.

وبعد إدانة واسعة النطاق في مصر وجميع أنحاء العالم للحكم بتأييد الحبس بحق عيسى، أصدر الرئيس مبارك عفوا رئاسيا عنه. وقد رحبت لجنة حماية الصحفيين ومنظمات أخرى بالقرار ودعت مجددا إلى رفع التجريم عما يسمى بجرائم الصحافة. ولم يزل عيسى يواجه الاتهام في أكثر من عشر قضايا أخرى في نهاية العام.

أقام أحد رجال الدين البارزين في البلاد دعوى سب وقذف ناجحة ضد اثنين من الصحفيين. ففي تشرين الأول/أكتوبر ، قضت محكمة جنائية في محافظة الجيزة بتغريم عادل حمودة رئيس تحرير صحيفة الفجر والكاتب محمد الباز مبلغ 80 ألف جنيه مصري (14341 دولارا) لكل منهما بتهمة الإساءة إلى سمعة الشيخ محمد سيد طنطاوي، الإمام الأكبر وشيخ الأزهر. تعود القضية إلى مارس 2007 عندما نشرت الصحيفة مقالا ساخرا يدعي أن الشيخ كان يخطط لزيارة الفاتيكان. وقد رافق المقال صورة تظهر طنطاوي في زي البابوية، وفقا لما ذكرته التقارير الإخبارية. وكان طنطاوي اتخذ موقفا علنيا عدائيا ضد وسائل الإعلام في عام 2007 عندما قال أن من تثبت إدانتهم بالتشهير “ينبغي أن يجلدوا 80 جلدة”.

تم احتجاز صحفي ومساعد إعلامي في ظل تضاؤل أو انعدام الإجراءات القانونية الواجبة. كان حسام الوكيل، مراسل جريدة الدستور ، قد اعتقل في أيلول/سبتمبر بينما كان يغطي احتجاجا على إغلاق مدرسة خاصة في الإسكندرية، بحسب ما أكده محاميه خلف بيومي للجنة حماية الصحفيين. بقي الوكيل رهن الاحتجاز لمدة شهر تقريبا على خلفية مزاعم بـ “الاعتداء والإساءة إلى أحد مأموري الضبط القضائي”، و”عرقلة حركة المرور في الشارع” ، ولم توجه إليه التهمة رسميا حتى نهاية العام المنصرم.
في نيسان/أبريل ، تم اعتقال المترجم محمد صلاح احمد مرعي بينما كان يعمل مع جيمس باك وهو مصور أمريكي كان يغطي أعمال الشغب في مدينة المحلة الكبرى الصناعية شمالي البلاد. أطلق سراح باك في اليوم التالي بعد تدخل السفارة الأمريكية، ولكن مرعي بقي رهن الاحتجاز لمدة ثلاثة أشهر تقريبا قبل أن يطلق سراحه دون توجيه اتهام. وقد احتجت لجنة حماية الصحفيين على هذا الاحتجاز المطول في رسالة إلى وزير الداخلية المصري حبيب العادلي.

تم اقتحام محطتين تلفزيونيتين، على خلفية ما ذكرت السلطات أنه انتهاكات للإجراءات التنظيمية في كلتا الحالتين، على الرغم من أن الشرطة تحركت فقط بعد ما أنتجت المحطتان موادا إعلامية حساسة. ففي نيسان/أبريل، داهمت الشرطة مكاتب شركة القاهرة للأخبار، التي تقدم الدعم الفني لهيئات البث الفضائية، وصادرت معدات الإرسال. وجاءت هذه المداهمات بعد أن بثت قناة الجزيرة لقطات تصور الاضطرابات الاجتماعية في المحلة الكبرى، بما فيها مشاهد للمتظاهرين وهم يمزقون ملصقات عليها صورة الرئيس مبارك. وقد تم تغريم نادر جوهر صاحب شركة القاهرة للأخبار مبلغ 150 ألف جنيه مصري (27000 دولارا) لتشغيله معدات بث دون الحصول على إذن، وهو الحكم الذي استأنفه جوهر.

وبناء على ادعاءات مماثلة بالعمل من دون تصريح، داهمت الشرطة في تموز/يوليو مكتب محطة تلفزيون “العالم” الإيرانية الحكومية، وصادرت أجهزة كمبيوتر و اجهزة تصوير، وأشرطة فيديو. وتزامنت مداهمة المكتب مع إنتاج فيلم إيراني يصور اغتيال السادات من منظور إيجابي. كان قرار السادات باستضافة شاه إيران المنفي محمد رضا شاه بهلوي أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1979.

في تشرين الثاني/نوفمبر، منعت محكمة في القاهرة وسائل الإعلام من تغطية محاكمة رجل الأعمال الملياردير هشام طلعت مصطفي، المتهم بالتحريض على قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم التي تردد أنها كانت عشيقته. وكانت صحيفة المصري اليوم اليومية، وصحيفة الوفد اليومية قد خرقتا حظر النشر في القضية، ومن ثم تواجهان اتهامات لم يتم الفصل فيها بنهاية العام المنصرم. وكانت أجهزة الأمن قد صادرت في وقت سابق نسخا من اثنتين من الصحف اليومية المستقلة وهما الدستور و البديل كانتا تحملان تغطيات عن هذه القضية، وفقا لما ذكرته التقارير الإخبارية.

ثمة تطورات تم رصدها في قضيتين بارزتين تعود وقائعهما إلى عام 2007. ففي شباط/فبراير، أيدت محكمة استئناف بالقاهرة حكما بالإدانة بحق صحافية بقناة الجزيرة بتهمة الإساءة إلى سمعة مصر. فبينما أسقطت المحكمة عقوبة الحبس لمدة ستة أشهر ضد الصحفية هويدا طه متولي ، أبقت على الحكم بغرامة قدرها 20 ألف جنيه مصري (3607 دولارا). كانت متولي قد أدينت في عام 2007 بعد أن عثرت السلطات على لقطات غير “ممنتجة” يظهر فيها أناس يعيدون تمثيل حالات تعذيب قيل انها حدثت في مراكز الشرطة المصرية. كانت متولي – وهي منتجة تلفزيونية مصرية الجنسية – بصدد استخدام مشاهد إعادة تمثيل وقائع التعذيب تلك في إنتاج فيلم وثائقي عن اعتدائات الشرطة.

أما المدون عبد الكريم سليمان ، الذي حكم عليه في عام 2007 بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة الإساءة إلى الإسلام وإهانة الرئيس مبارك ، فقد كان في حالة صحية سيئة في سجن برج العرب، بحسب ما ذكرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومقرها القاهرة في آب/أغسطس. محاكمة سليمان -- المعروف أيضا باسم كريم عامر – تعد أول حالة لمدون يقدم إلى المحاكمة بسبب كتاباته، وكان لها أثر سلبي على المدونين الآخرين. وقال وائل عباس للجنة حماية الصحفيين -- وهو أحد أبرز المدونين في مصر -- إن “بعض المدونين اختاروا التوقف عن التدوين بعد ما حدث لكريم وتصاعد حدة التخويف والتهديد لكل من يعمل على مسألة حرية التعبير”.

إيران
واجه سجل الرئيس محمود أحمدي نجاد في مجال السياسات الاقتصادية وحقوق الإنسان انتقادات واسعة من الأكاديميين والناشطين والصحفيين. وردا على ذلك، سعى الرئيس الإيراني إلى قمع وسائل الإعلام المستقلة عن طريق التلاعب بالإعانات الحكومية، وممارسة الرقابة، واستخدام أساليب عقابية كالاعتقال والمضايقة.

تجاوز معدل التضخم الإيراني الرسمي 25 في المائة، وهي الزيادة التي قال محللون أنها تفاقمت بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي من عائدات النفط. وعلى صعيد حقوق الإنسان، شنت حكومة أحمدي نجاد حملة على حرية التعبير على الانترنت وفي وسائط الإعلام التقليدية، بالإضافة إلى الضغوط على الأقليات وسوء معاملتهم، ووفقا لتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش ، فقد أعدمت السلطات سبعة من الأحداث في عام 2008 وحده.

منذ انتخاب أحمدي نجاد في عام 2005 ، كانت الحكومة قد استخدمت الإعانات الرسمية كسلاح حاسم ضد الصحف والمجلات، وفقا لتقارير المحللين والأخبار. وذكرت الصحف الإصلاحية والانتقادية أنها تفقد الدعم على الورق المستورد والمعدات وهي الامتيازات التي لا تزال متاحة على نطاق واسع لوسائل الإعلام الموالية للحكومة. وتقول صحيفة آفتاب يزد اليومية أنها تواجه خفضا في الدعم الحكومي بعدما صنفت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي -- وهي الجهة المسئولة عن مراقبة الصحافة -- الصحيفة في تقرير عام 2007 كواحدة من أبرز الصحف التي تنتقد الحكومة.

ويقول الصحفي البارز في طهران محمود شمس الوزين لوكالة أنباء أفتاب: “الحكومة تدفع بالصحافة إلى أزمة بسبب السياسات التي تنتهجها”. وأضاف قائلا: “إن الحكومة تسعى جاهدة لجعل المنتجات الثقافية متطابقة، وهذا هو السبب في تضرر المؤسسات الخاصة.”
وتستخدم الإدارة أساليب أخرى من وراء الكواليس أيضا، إذ تحث المؤسسات الحكومية على حجب الدعاية والإعلانات عن المطبوعات التي تنتقد الحكومة، حسبما أفادت مصادر لجنة حماية الصحفيين. وفي ظل الاقتصاد القائم إلى حد كبير على الحكومة، فإن المطبوعات تعتمد اعتمادا كبيرا على عائدات الإعلانات من الشركات والبنوك والهيئات الحكومية. كما تسعى السلطات إلى السيطرة على التغطيات الإخبارية من خلال ممارسة الضغط الهادئ على المطبوعات. ووفقا لما ذكرته التقارير الإخبارية فإن سعيد مرتضوي، المدعي العام القوي في طهران يصدر توجيهاته لرؤساء التحرير بخصوص ما يمكن تغطيته وكيف، مستخدما التهديد بإيقاف المطبوعة كوسيلة ضغط.

وجه احمدي نجاد منذ اعتلائه سدة الحكم هجوما قاسيا ضد المجتمع المدني في إيران. وقد تم حل عشرات المنظمات الأهلية والمدنية، أو منعها من النشاط. وفي تموز/يوليو هددت وزارة العمل الإيرانية بحل جمعية الصحافيين الإيرانيين، وهي المنظمة الصحفية غير الحكومية الوحيدة في البلاد، على خلفية ادعاءات بمخالفات في انتخاب قيادة الجماعة. وفي نهاية السنة، يبدو أن الحكومة قامت بالتراجع عن تهديدها بعد أن قامت الجمعية بانتخابات مجلس إدارة جديد. وقد قدمت الجمعية التي تضم عضويتها أكثر من 4000 صحافي، دعماً هاماً للكثير من للصحفيين المحليين

تعرض أكثر من 30 صحفيا للاعتقال أو التحقيق أو قضوا وقتا في السجن خلال العام المنصرم، وفق ما أوردته جماعات حقوقية وصحفية. كذلك تم نشر العديد من التقارير التي تتهم السلطات بحرمان السجناء من حقوق الإنسان الأساسية. وفي كثير من الحالات ، لم تعرف أماكن الاحتجاز، أو عقدت المحاكمات في جلسات سرية، أو تم حرمان المتهمين من حق الحصول على محامين للدفاع. وعلى الرغم من أن بعض الصحفيين المسجونين كانوا يعانون أمراضا جسدية خطيرة، لم تكن الرعاية الطبية متاحة على نحو منتظم في الوقت المناسب.

واجه الصحفيون الذين يدافعون عن حقوق المرأة بصفة خاصة رد فعل قوي من الحكومة. ثمة ما لا يقل عن سبعة من الكتاب المعروفين بكتاباتهم عن حقوق المرأة تم استدعاؤهم إلى المحكمة خلال العام. الكاتبة بروين أردلان، التي تكتب للموقع الإلكتروني التغيير من أجل المساواة ، واجهت مجموعتين من التهم، بما فيها اتهامات بتعريض الأمن القومي للخطر. وقد حكمت عليها الدائرة السادسة للمحكمة الثورية الإسلامية بالسجن لمدة ستة أشهر، إلا أنها حصلت على حكم بإخلاء سبيلها في الاستئناف في أواخر السنة. وقد نالت أردلان جائزة أولوف بالمه السويدية لحقوق الإنسان في عام 2007.

واصلت الحكومة اتخاذ إجراءات صارمة ضد عدد من المطبوعات الكردية، والأزيرية، والعربية، بالإضافة إلى حملاتها ضد الصحفيين الذين يسعون لتغطية معاملة النظام للأقليات العرقية.
وعندما أجرت لجنة حماية الصحفيين تعدادها السنوي عن الصحافيين السجناء في 1 ديسمبر كان ما لا يقل عن خمسة كتاب ومحررين إيرانيين يقبعون في السجون، مما يجعل من إيران سادس أسوأ البلدان في العالم في مجال سجن الصحفيين. أربعة من هؤلاء المعتقلين كانوا قد كتبوا تقارير نقدية لجهات صحفية منتمية لأقليات عرقية، أو تقارير تنتقد معاملة الحكومة للأقليات. واتهم الخمسة جميعهم بأشكال مختلفة من النشاط المناهض للدولة.

وتشمل قائمة المسجونين محمد حسين فلاحي يازده

التعليقات مغلقة