عبد المجيد منجونة:
أمام هذا العنوان تشابكت أمامي سبل عدة لمعالجة الموضوع، حيث كان علي أن اختار بين المعالجة المهنية البحتة ، وتسليط الأضواء على مفاهيم سيادة القانون، وحول ما استقرت عليه النظم الديموقراطية بموضوع استقلال القضاء ونفاذ أحكامه ، دون الولوج إلى مدى تطابق النصوص مع ما يجري على الأرض العربية بصورة عامة وفي سورية بصورة خاصة ، وبين أن اترك النظر الفقهي البحت وأدخل في معطيات الواقع وما يجري في بلدنا وأبحث في موقع الدستور والقانون من التطبيق ، والماهية الحقيقية لمفهوم استقلال القضاء في ضوء التطبيق والممارسة وقد خرجت بما سأعرضه عليكم ،وأملي أن تجدوا فيه جواباً شافياً على المسألة بشقيها شاكراً لإدارة المنتدى تفضلها بندبي لهذه المهمة الشاقة اتساعاً وتشعباً وحساسية ، وليس لي من مناص وأنا من المحامين الذين يؤمنون بأن الكلمة الحرة هي سلاحهم وساحتهم فهم فرسانها وحملة مشاقها ما بقي على الأرض حياة وما أشرقت عليها شمس .
في سيادة القانون ، القانون هو أداة التنظيم الذي تتجه إليه إرادة المشرع في دولة ما نحو حل إشكالية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو استجابة لحالة تفرض نفسها على المجتمع، أو الدفع للانتقال إلى حالة متقدمة أو مغايرة لما هو قائم في المجتمع من عرف أو عادات ولا يكفي وجود القوانين “على اختلافها ” كي نعتبر المجتمع وعمارته السياسية والإدارية مما ينطبق عليه وصف “دولة القانون” ولعل ما قاله الحكيم صولون الأثيني رداً على سؤال : كيف تكون الحكومة المنظمة صالحة ؟ أجاب: ” عندما يطيع الشعب الحكومة ويطيع الحكام القوانين” يجمل المقصود ، واعتبر مونتسكيو :” إن حياة الجماعة تحددها سلطة غير شخصية هي القانون، والذي يبقى مستقيماً إزاء تعسف الأفراد وطباعهم ، وباعتبار القوانين المحصلات الضرورية الناجمة عن طبيعة الإنسان الاجتماعي بطبعه وأن الدولة شركة بين أفراد تتمتع بوسائل تهدف إلى تأمين حقوق الجميع “، ولبّ قول هؤلاء جميعاً ، قول الرسول ص (الناس سواسية كأسنان المشط) ، وقول الخليفة الأول رضي الله عنه :( القوي ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف قوي عندي حتى آخذ الحق له ) وكذا الخليفة الثاني رضي الله عنه :( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) ، ولن يكون لسيادة القانون معنىً إن لم تكن هذه السيادة سائدة على جميع السلطات في الدولة تشريعية وتنفيذية وحتى قضائية ، وقد يقول قائل كيف تكون له سيادة على السلطة التشريعية وهي الجهة التي تشرعن للدولة والمجتمع قوانينها ، صحيح هذا القول في ظاهره ولكن التجربة الإنسانية أظهرت أن كثيراً ما تتغول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وتسيطر عليها وهنا تتوحد كلا السلطتين في مواجهة الشعب وتطلعاته كمجموع أو كأفراد ولأن على السلطة التشريعية أن تهتدي (وحسب كل مجتمع ) بالقواعد الدستورية والتشريعية ومبادئ الحق الطبيعي المؤسسة على احترام حقوق الإنسان وحرياته أثناء سنها لأي تشريع، ولأنه في حال عدم وجود ضوابط كابحة لها ، فإنها تستطع أن تسن ما تشاء من التشريعات وتضع الناس تحت رحمة هذه التشريعات،وحينها يرفع النظام عقيرته وتعلو ألسنة دعاته بأن سيادة القانون متوافرة لأن السلطة خاضعة له رغم أن هذه القوانين قد تسعف بحقوق الأفراد وتغتال حرياتهم ، وهنا يتحقق الطغيان باسم القانون وسيادته وتصبح كل الدول مهما كانت عمارتها القانونية دولة قانون والأمثلة ف ي القرن العشرين ماثلة لنا جميعا ، فالأنظمة الفاشية اعتبرت أن سيادة القانون تتجسد بمدى قدرة الدولة على فرض النظام واستتباب الأمن واللجوء إلى كل الوسائل بدون حدود أو قيد لتحقيق ذلك ، فحيث يوجد نظام قانوني يحقق الهدوء ، ويفرض الطاعة ويمحق التمرد توجد سيادة للقانون.
ومن هنا يقول بعض الفقهاء (إن ملكاً بالغ القوة قد يكون أخطر على حرية الشعب وسيادته من عصابة قطاع الطرق ) وتصاعدت قوى الرفض لهذا الربط بين سيادة القانون وبين فرض النظام على الشعب ، وسقطت النظم الفاشية التي كانت قائمة في عدة مواقع من العالم ، وحوسب قادتها وأعيدت السيادة للقانون فوق كل الهامات مهما تسيّدت وفي الأنظمة الشيوعية /الاشتراكية التي اعتبرت أن الحكم هو لدكتاتورية البروليتاريا ولمصالحها وحياتها ومستقبلها ، وألغت وجود كل الطبقات الأخرى واعتبرت أن القانون وسلطات الدولة بمختلف تشكيلاتها [مجالس السوفيتات والقضاء والجيش والشرطة والإدارات ] وحتى الحزب إنما هي وسائل مهمتها نقل المجتمع إلى الاشتراكية كمرحلة تأسيسية للهدف النهائي وهو إقامة المجتمع الشيوعي حيث تذوب الدولة وتتلاشى مؤسساتها ويتحقق مجتمع الوفرة والذي تنتفي فيه الصراعات على المصالح والملكية …ألخ وكما يقول لينين :” القانون لا ينفصل عن السياسة ، وهو يمثل وسيلة للحكم يستخدم لمصلحة الطبقة التي تمسك زمام الحكومة ” ، كما جاء في المادة 3 من الدستور السوفيتي الصادر عام 1936 [كل السلطة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتي ة هي لشغيلة المدن والقرى يمارسونه عن طريق مجالس سوفيتات نواب الشغيلة] وتكرست في التطبيق مركزية شديدة بحيث إلتغت روح المبادرة وانطلقت كل السلطة إلى الحزب ومنه إلى اللجنة المركزية ومنها إلى المكتب السياسي ومنها إلى الأمين العام وبحث ارتبط كل شيء بالدولة والمجتمع بإرادة ورؤية وصحة وقدرة هذا الشخص ومن هنا كان المقتل وقد يقول قائل: ” كيف تسري سيادة القانون على القضاء أيضاً ؟ وهو الحصن المحامي والملجأ لحقوق الإنسان والمجتمع ، ولسيادة القانون أيضا .
لقد تطورت مفاهيم السلطة القضائية بحيث أصبحت الهيئات القضائية ذاتها تخضع للمراقبة والتدقيق من قبل السلطة القضائية، ومؤسسة مخاصمة القضاة ، والتفتيش القضائي والطعن لمحصلة القانون ، كلها أساليب نابغة من ذات المؤسسة القضائية لتحقيق أعلى ما يمكن من الحصانة لسلطة القضاء والحيلولة دون فقدان الحقوق أمام أية جهة قضائية بأحاكم لا يسوغها القانون ولاتجد لها مستنداً فيه ، مما يؤدي إلى ضياع الحدود وقد استقرت أمم العالم ومن خلالها هيائتهاالدولية والإقليمية على أمور هامة ، وهي تتطور يومابعد يوم بحيث بات من الصعب القول أين يمكن لها الوقوف منذ الخمسينات أصبحت الأولية تعطى للمعاهدات الدولية على القانون الوطني ، بحيث تصبح هذه المعاهدات ومنذ أن يتم التوقيع والتصديق عليها من الجهات التشريعية الوصائية هي الأولى بالإتباع في حال تعارض النص الدولي مع النص الوطني ، وإقرار المعاهدات والاتفاقات يدخلها في صلب القوانين المحلية إلا أنه وفي النصف الثاني من القرن العشرين بدأت تتطور السلطة الدولية ليكون لمنظمة الأمم المتحدة صلاحية معالجة حتى القضايا الداخلية في الدول الأعضاء ، ومن هذا إصدار مجلس الأمن قرارات متعددة تتعلق بمشكلة رواندا ، وتيمور الشرقية ومشاكل يوغسلافيا السابقة ، واستغلت الولايات المتحدة هذا التطور لتوظفه في خدمة مصالحها وسياستها بحيث أصبحت تتصرف بالعالم كشرطي وقاض وجلاد بآن واحد ، وافتقد العالم مؤسسة أو منظمة أو حتى دولة تقف أمام تغولها على حقوق الشعوب وسيادته الوطنية بحيث احتلت في عام 84 غرينادا و89بنما و 94 هايتي لتسقط حكوماتها وتعتقل من تشاء منها ، وتضرب بالعراق ويوغسلافيا السابقة ويحل حلف الأطلسي محل الأمم المتحدة في حل مشكلتها ، وتضرب في السودان وتضرب في أفغانستان وبما تفعله لم تعد هناك سيادة للدول ولاأمان للشعوب والأمم وحق التدخل الذي لجأت إليه الأمم المتحدة منذ أزمة غونغو في الستينات أصبح ملكاً مطلقاً للقطب الأحادي يوظفه وفق مصالحه التي تخدم سياساته ولو كالت بمكيالين وتقبلت في كل وقت ، إن العولمة التي تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على بسط مفهومها على دول العالم والتي تعني سيطرتها على شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية موظفة بكل ما لديها من قوى ضاغطة ومن خلو الساحة الدولية من القطب الآخر أو – القطبية المتعددة – أطاحت وتطيح بكل السيادات الو طنية ، وتحولت بالتالي أغلب دول العالم إلى مجرات تدور في فلك الإرادة الأمريكية .
إن سيادة القانون في دولة ما هي إلا تعبير عن مشروعيتها ومدى تقبل الشعب لها واستعداده للدفاع عنها ، ولقد نصت المادة/25/ من الدستور على أن [سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة ] كما نصت المادة/65/ من الدستور في جمهورية مصر العربية [تخضع الدولة للقانون واستقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات] ، كما نص الدستور المغربي في الفصل الرابع فيه[ القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة ويجب على الجميع الامتثال له وليس للقانون أثر رجعي] وهكذا لا نجد دستوراً في دولة عربية إلا ويحتوي على نصوص تجعل من سيادة القانون راية عالية له ، ولكن هذه النصوص لم تحل دون وقوع انتهاكات فاحشة لهذه النصوص خاصة في الدول العربية التي تسود فيها أنظمة الطوارئ والأحكام العرفية وتأخذ الامور أبعاداً تناقض كل القيم والحدود في الدول العربية التي لا تنتظمها دساتير؟؟ حيث تعلب إرادة الحكام دوراً بديلاً عن الدستور والقوانين ولنقف عند بعض القضايا التي حدثت في بلدنا في السنوات الماضية ومازالت قائمة حتى الآن والتي نذكر منها مايلي :
ـ الدستور : يعتبر الدستور هو التعبير الأسمى عن مشروعية الدولة ويعني خضوعها بجميع إداراتها وهيئاتها المختلفة ومواطنيها إلى سيطرة القانون، ولا يأخذ بأي قانون – صدى تحت أي ظرف – فيه مخالفة لنصوص أو المفاهيم الدستورية الأساسية ، وجاء في الدستور /أبو القوانين والأكثر ثباتاً وحصانة/ ، وفي المواد من /25 حتى 4/ على الحقوق الأساسية للمواطنين والتي تلتقي في أساسياتها مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [ طبعتها بشكل منفصل لتكون بين يديكم بدلاً من تلاوتها ] ولما كان فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي صدر بموجب القرار رقم 2 لمجلس قيادة الثورة 8/3/1963 قد صدر بشكل مخالف للأصول التي نص عليها قانون حالة الطوارئ بالمادة 2 من المرسوم 51 تاريخ 1962 والذي أكد على أن إعلان حالة الطوارئ يتم بمجلس الوزراء وبحضور رئيس الجمهورية وعلى أن يعرض على مجلس النواب في اول اجتماع له وعلى أن يحدد في مرسوم الإعلان ، عن تطبيق الحالة الصلاحيات والمدى والإجراءات التي يتم اتخاذها وهي خاضعة للتقييد والتوسيع من مجلس الوزراء ، ولما كان الدستور الدائم قد صدر في عام 1973 /ومجلس الشعب المنتخب تتالت دوراته من عام 73 حت ى الآن /دون أن تعرض الحالة عليه او يقف عند الحدود والصلاحيات الممنوحة للحاكم العرفي أو نائبه مما يجعل من الإعلان عن فرض حالة الطوارئ 1963 معدومة وفاقدة لأي أثر أو مفعول قانوني وعلى كل الجهات صاحبة الصلاحية [ المحكمة الدستورية العليا ، مجلس الشعب ، القضاء العادي ] عدم العمل به من خلال الامتناع عن إعطاء أي مفاعيل للأوامر الصادرة عن الحاكم العرفي أو نوابه ولايغني الإعلان عن عدم اللجوء للأوامر العرفية إلا في الحالات التي تستدعي ذلك وفي أضيق الحدود لأن هذا الإعلان يبقى معلقاً على إرادة من أطلقه ولايستند إلى أي مرجعية قانونية، وخاضعاً لتقديرات الحاكم العرفي والسلطة ولم تكتف السلطة بتوظيف حالة الطوارئ كفيما قضت الظروف ، بل إنها تجاوزت حتى على نصوصه فقد نصت الفقرة /ز/ من المادة الرابعة من المرسوم 51/1962 المعدل بالمرسوم التشريعي رقم 1/1963 [تحددي العقوبات التي تفرض على مخالفة هذه الأوامر وعلى ألا تزيد على الحبس مدة ثلاث سنوات وعلى الغرامة حتى ثلاثة آلاف ليرة أو إحداها، وإذا لم يحدد الأمر العقوبة علىمختلفة أحكامه ، فيعاقب على مخالفتها بالحبس مدى لاتزيد على ستة أشهر وبغرامة لاتزيد على خمسمائة أو إحدى هاتين العقوبتين ، كل ذلك مع عدم الإخلال بالعقوبات الأشد المنصوص عليها في القوانين الأخرى ] من هذا النص يتبين أن الحاكم العرفي يملك حق الاقتراح العقوبة على القضاء على أن لا تتجاوز الثلاث سنوات ، وما جرى كان يتجاوز القانون ونصوصه بحيث بقي الكثيرون في المعتقلات سنوات طويلة دون إحالة إلى القضاء وبأمر عرفي مستمر ولما كان الدستور بما نص عليه يتعارض مع إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي مضى عليها ما يقارب الأربعين عاماً ، وبما أن الأحكام العرفية ما زالت قائمة وتتكئ عليها أجهزة الدولة في التقييد والملاحقة والأحكام وفي التظلل بظلها في كل تصرفاتها وخاصة السلطات الأمنية ، فإنهم بذلك يعطلون النصوص الدستورية ويجمدونها وبما أن مهمة رئيس الجمهورية (السهر على احترام الدستور) وفق ما نصت عليه المادة 93 من الدستور التي أوكلت إليه هذه المسؤولية الكبيرة فإن الحاجة والضرورة وما تتطلبه المرحلة الراهنة من استحقاقات ومتطلبات من تحصيل للجبهة الداخلية ومن إفساح المجال لكل مواطن أن يعبر عن رأيه وأن يشارك في عملية البناء والتصدي تدفعنا لنتطلع إلى خطوة جريئة تاريخية من السيد رئيس ا لجمهورية لإنهاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية كلياً أو حصرها في منطقة الحدود مع الكيان الصهيوني ، وبذا يستعيد الدستور ونصوصه سموهما وسيادتهما ونعبر ببلدنا إلى آفاق القانون وسيادته ، وبذا تنتفي حالات التجاوز على القانون ومراكز القوة .
2ـ أيضاً في الدستور فقد نصت المادة 8 من الدستور على أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية رغم أن الدول التي سبقتنا إلى تبني هذه المقولة قد ألغتها بمعظمها إلا أن الدستور الدائم 1973 وقبله الدستور المؤقت لعام 69 أورد هذا النص وما زال قائماً حتى الآن، والمسألة ليست مسألة نص؟ فالبرغم أن المفهوم السياسي والقانوني للقيادة تعني وضع الخطط الاستراتيجية أو إقرارها في كل ما يتعلق ببناء وتقدم الوطن والمجتمع ، ومراقبة ومتابعة الأجهزة التنفيذية والسهر على حسن العمل بهديها ، إلا أن الأخوة البعثيين قرءوا هذا النص وجسدوه بأنه تحزيب للدولة وكافة أجهزتها بحيث تحول حزب البعث إلى جسر عبور للمواقع والمناصب والوظائف(حبيب كحالة ) وبذلك وقعت قيادة المجتمع والدولة في مغبة مخالفة الدستور الفقرتين /3 و4/ من المادة 25 منه ولم تكتف بذلك بل أحدثت خروقاً في الجسد التكافؤي الطلابي حينما أعطت هذه القيادة للشبيبيين ومن بعد المظليين والمظليات علامات إضافية لدخول الكليات الجامعية ، بحيث إلتغت عملياً ما نصت عليه الفقرتان المذكورتان ورغم أن التجاوز على الدستور أمراً استقرت عليه السلطات المختلفة في الكثير من القضايا إلا أنني اكتفي بما ذكرت حتى لاأطيل عليكم فيما أنتم تعرفونه وتعانون منه وقد قصرت الأمثلة على الدستور ، باعتباره كما سماه الفقه القانوني (بأبي القوانين) ، أما التجاوز على القوانين فكثيرة حالاته وكثيرة شجونه وانعكاساته السلبية على المجتمع والدولة , إن سيادة القانون تتحقق حينما تتقيد سلطات الحكم كلها بالقانون أمام المواطن ,تحقق ذلك حينما يؤمن النظام ـ أي نظام ـ بسيادة الشعب وبأن الشعب هو المرجع الأساسي للحكم وبأن حمايته من كل تجاوز وتعميق حريته وأمنه والتعامل مع أفرده على أساس من المساواة وتكافؤ الفرص والعمل لتحقيق طموحاته الوطنية والقومية , المهمة الأساس والأسمى لأي نظام مهما حمل من شعارات ورايات والتجربة الإنسانية أكدت أن تسييج أي نظام بالأدوات الأمنية وبالأحكام العرفية وحالة الطوارئ لم تحم هذه النظم من السقوط أو من مواجهة حالات الثورة والتمرد والعنف المسلح وأن العمارة السياسية الديموقراطية بتجلياتها الأساس:
1ـ فصل السلطات .
2 ـ حرية الأحزاب .
3 ـ حرية الصحافة .
4 ـ الاحتكام إلى الشعب من خلال انتخابات حرة وتبادل السلطة بالوسائل السلمية هي السبيل الأنجع للانتقال بالجماهير من السلبية والهامشية إلى قلب معارك البناء ، والتحديث والتحرير والوحدة في استقلال القضاء ، لعل في كثير من نواحي البحث في سيادة القانون تصب في تعميق وتسييد استقلال القضاء ، ورغم أن أحد أبرز معالم البناء الديموقراطي لأي دولة هو استقلال القضاء وكون سلطته مستقلة كلياً عن السلطة التنفيذية أو التشريعية وهذا الاستقلال يعني استقلالاً إدارياً ومالياً وحصانة دستورية وقانونية تحول دون اتخاذ أي إجراء بحق أي قاض إلا بأصول محددة يحددها قانون السلطة القضائية فقط ، وكم أصدر القضاة في دول العالم قرارات كان لها أكبر الأثر في إعلاء هامة القضاء والقضاة وتسييد هيبتهم وقراراتهم فوق كل الهامات ، وهنا نذكر بقرار القاضي الإسلامي في عهد عمر بن عبد العزيز “رضي الله عنه الذي قضى بخروج الجيش الإسلامي من مدينة طشقند لعدم تقيده بما كان التعامل سائداً مع البلدان المفتوحة ، كما القرار الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا بمصر بفسخ قرار أنور السادات بحل نقابة المحامين وإعادة النقابة المنتخبة ، كما القر ارات العديدة التي صدرت عن محكمة القضاء الإداري في بلدنا بإبطال الأوامر العرفية لتجاوز الحاكم العرفي لصلاحياته [ مع التنويه في هذا المجال بأن المحكمة الإدارية بسورية فرقت بين صدور أوامر عرفية عن الحاكم العرفي مخالفاً ومتجاوزاً فيه صلاحياته أو يمس الحريات العامة أو الأحكام القضائية أو الملكية الخاصة وحق القضاء الإداري بإبطالها باعتبارها غير محجوبة عنها ، وبين قرار إعلان الأحكام العرفية فإنه لايدخل تحت مظلة القضاء الإداري باعتباره من أعمال السيادة ، قرار 31/أساس 268 / 1972 ] ، وجاء في الدستور بالمادة131 منه : السلطة القضائية مستقلة ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقرار يعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى كما نصت المادة 132 يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى ويبين القانون طريق تشكيله واختصاصاته وقواعد سير العمل به ، والمادة 133 : 1 ـ القضاة لا سلطان عليهم في قضائه لغير القانون .
2 ـ شرف القضاء وضميرهم وتجردهم ضمان لحقوق الإنسان وحريتهم وحتى يتحلى القاضي بالحياد وعدم الخضوع لأي سلطة قد تؤثر في قناعاته أو تدفع بعه لاتخاذ قرارات لا تنبع من قناعاته وما توفر في الإضبارة من أدلة أو قرائن فقد نصت المادة 81 من قانون السلطة القضائية ( يحظر على القضاة إبداء الآراء السياسية ،ويحظر على القضاة الاشتغال بالسياسية ) وهذا النص العام الذي يشمل كل الجهات القضائية تم التأكيد عليه من خلال قانون العقوبات العسكرية في الفصل الثامن منه وتحت عنوان عدم انتماء العسكريين إلى الأحزاب السياسية وعدم الاشتراك في الأعمال السياسية وفي المواد /147 حتى 15 منه نص على عقوبات تتراوح بين ستة أشهر وحتى عشر سنوات وهذه النصوص تشمل القضاة العسكريين، ولما كنا لا نستثني بلداً عربياً او ثالثياً من محاولات السلطات التنفيذية تتضيق مساحة استقلال القضاء ويحدث ذلك حتى في الدول الغربية ، كما لا نستطيع أن نسقط تأثير الرأي العام على قناعات القضاة مما استدعى في بعض الدول عزل الهيئات القضائية [نظام المحلفين] عن التأثيرات العامة فإننا نسلط الأضواء على واقع السلطة القضائية في بلدنا في النص الدستور من الواضح أن نظامنا السياسي الذي رسمه الدستور الدائم 1973 هو نظام رئاسي في معطياته الرئيسية ، ومن جملة هذه المعطيات إبعاد رئيس الجمهورية عن سلطة القضاء بحيث حصل اتهامه وبجرم الخيانة العظمى فقط ” أنه لا يسأل عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه” واشترط أن يطلق ذلك ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل وبتصويت علني من مجلس الشعب بأكثرية ثلثي أعضائه وبجلسة سرية خاصة ” وعلى أن تجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية العليا المادة 91 وقد جاء المرسوم 89/1961 قانون السلطة القضائية وتبعاً لأن النظام الذي كان قائماً ، حين صدور القانون ، نظام برلماني ورئيس الجمهورية لايمارس السلطة التنفيذية مباشرة بل بواسطة مجلس الوزراء بخلاف النظام الرئاسي ومع ذلك فقد أسندت رئاسة مجلس القضاء إلى رئيس الجمهورية فيه ، ولما كانت جلسات المجلس كثيرة ورئيس الجمهورية لايحضرها فإن وزير العدل هو الذي يرأس الجلسات ووزير العدل من السلطة التنفيذية وهو ما زال قائماً ببلدنا مما أدى إلى خضوع السلطة القضائية والقضاة للسلطة التنفيذية وبشكل مباشر بحيث بات القضاة موظفين يخضعون لنصوص القانون النافذ الحالي ، بل وطبقت عليهم بعض نصوص قانون العاملين بالدولة ، كما أنهم باتوا يتلقون التوجيهات والأوامر بواسطة تعميمات تصدر عن وزير العدل ، وعليهم تنفيذها مهما كانت مضامينها , كما أن توظيف المادة 8 والاتكاء عليها لتحزيب الدولة وكافة إداراتها لم يستثن القضاء ولا الجيش من ذلك ، بحيث الزم العسكريون بما فيهم القضاة بالانتساب لحزب البعث وكذلك لم يتم تعيين قاض في العشرين سنة الأخيرة تقريباً إذا لم يكن حزبياً بل فقد تم تطبيق سياسة التحزيب بشكل كامل بالنسبة لقضاة التحقيق والنيابة العامة [ وهذا نتيجة طبيعية لما ذكرناه ] لأن الغالبية العظمى من القضاة انتسبوا للحزب كي يلجأو إلى الدولة ووظائفها وبذا وقعت الدولة في محظور مخالفة الدستور وكذلك قانوني العقوبات العسكرية المواد / 147- 15/ والسلطة القضائية المادة / 81 / وتحول القضاة إلى جزء من حركة الدولة ونظامها السياسي حيثما اتجه ، ولعل قائلا يقول : هل يتنافى استقلال القاضي وحريته ويقظة ضميره مع انتسابه للحزب لقد استقر الاجتهاد والفقه القانوني على أن استقلال القضاء وحصانته لا تعنيان أن لا علاقة للقاضي ـ كمواطن وإنسان ـ بالوطن و الأمة وتطور أوضاعها ، فالقاضي هو من نسيج المجتمع يتأثر به ويتكون معرفياً على ما اختزنه من أعراف وقيم المجتمع ومن تطلعاته نحو التطور والتقدم لذلك فالمقصود هنا بالاستقلال هو عدم وجود مرجع أعلى للقاضي سوى القانون وضميره ووجدانه ولان سلطة تعيينه و ترفيعه بيد السلطة التنفيذية ممثلة بوزير العدل والجمهورية وتتدخل فيه جهات عديدة منها الأمن والحزب وأدارته المحامي العام ] فقد خضع القاضي والحال هذه إلى درجة كبيرة للتسلسل الإداري والحزبي والأمني مما حول القضاة وخاصة أجيالهم الجديدة ] إلى موظفين كجزء من الجهاز الإداري الذي يدير مصالح الدولة وإدارتها ولو عدنا إلى تشكيل مجلس القضاء الأعلى وفق نص المادة / 65 / من قانون السلطة القضائية نجده يتألف من :
1 ـ رئيس الجمهورية ينوب عنه وزير العدل الذي هو عضو في مجلس القضاء الأعلى ،
2 ـ رئيس محكمة النقض ،
3 ـ النائبين الأقدمين لرئيس محكمة النقض ،
4ـ معاون وزير العدل ،
5 ـ النائب العام ،
6 ـ رئيس إدارة التفتيش القضائي ومن هذا التشكيل يتبين أن عدد القضاة ( الذين يمارسون عملياً القضاء ) ثلاثة وأن الأربعة الآخرين هم من السلطة التنفيذية أو قريبين منها [فقضاة النيابة العامة وفق الفقرة الأولى من المادة 56 من قانون السلطة القضائية يرتبطون بقاعدة تسلسل السلطة يرأسهم وزير العدل وهم ملزمون باتباع الأوامر الخطية الصادرة من رؤسائهم /فقرة 2/] وهكذا يتبين ان قانون السلطة القضائية المستمر من 1961وحتى الآن يجعل الهيمنة للسلطة التنفيذية على سلطة القضاء ،وجاء بعدئذ التفسير القاصر للمادة 8 من الدستور بحيث أصبح القضاء بعد تحزيبه فاقدا لقسم كبير من استقلاله بالمعنى الحقوقي للكلمة حتى المحكمة الدستورية العليا الذي نص عليها الدستور في المواد 139 حتى 148 نجد أن صلاحياتها في لنظر بمدى دستورية القوانين محدودة بعرض الأمر من قبل ثلث أعضاء مجلس الشعب أو برئيس الجمهورية ولا تستطع أية جهة أخرى أن تطعن بأي قانون ، مما يجعل من إعادة النظر بقانون السلطة القضائية بحيث تحصر رئاسته برئيس محكمة النقض وتعطي كل الصلاحيات لحماية وتأهيل وحصانة القضاة ورفع سويتهم المادية وتسهيل الثقافة المجانية لهم وهكذا يتحقق للسلطة القضائية استقلالها ومكانتها رغم أن الكثير من القوانين صدر قبل صدور الدستور وبات نصوصها لا تتوافق مع نصوص الدستور .
كما تقدم وبينا وكذلك الكثير مما صدر بعده يتقاطع تناقضاً مع أحكامه ومنها على سبيل المثال [ قانون الإيجار وتعديلاته (قبل صدور القانون رقم 6 /1979 قانون التوسع العمراني ـ والقانون 9/1974 قانون تقسيم وتنظيم عمران المدن ـ منع تنظيم عقود عمل مع المسرحين وفق المادة85 من قانون الموظفين والمرسوم التشريعي 46 تاريخ 23/7/1974 الخاص بترك العمل ، المرسوم التشريعي 3/1976 منع الاتجار بالأراضي ، المرسوم 12 التوزيع الإجباري للأراضي الداخلة في مناطق التنظيم ] ولم تكتف سلطة التشريع بما ذكرناه فقد تم إصدار جملة قوانين حجبت عن المواطن حق التقاضي الذي كفله الدستور له بالفقرة 4 من المادة 28 نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قانون الاستملاك [ حيث الفقرة الأخيرة من المادة 7 من قانون الاستملاك نصت على أنه يكون مرسوم الاستملاك مبرماً ولايقبل أي طريق من طرق الطعن] بل أن الفقرة الأولى من المادة 35 التي نصت على أنه إذا تم الاستملاك للمنفعة العامة ثم زالت صفة النفع العام فإن هذه العقارات تصبح أملاكا خاصة للدولة ويحق للجهة المستملكة التصرف بهذه العقارات بكل أوجه التصرف ؟؟ والفقرة ا لثانية منها تنص على أن الأرض المستملكة إذا كانت زراعية ولم تعد مخصصة للمنفعة العامة فإن بيعها يتم لمالكها السابق أولاً بالسعر الذي تحدده الجهة المستملكة وكذلك قانون العاملين بالدولة من المادة 38 التي تنص على صرف العاملين من الخدمة ولا يخضع هذا الصرف لأي طريق من طرق المراجعة ولايقتصر الأمر على صدور قوانين مخالفة للدستور بل ايضاً توجهت السلطة التنفيذية لإنشاء محاكم ولجان استثنائية لتقوم مقام القضاء في معالجة قضايا المواطنين وإخضاعها لأصول خاصة تخالف في كثير منها الأصول المتبعة بالقضاء واذكر بعضاً منها كتعداد وعلى سبيل المثال :
1 ـ قضاة التحديد والتحرير [ قضاة عقاريون يخضعون لإشراف وإمرة مدير المصالح العقارية] .
2 ـ قضاة التسجيل الاختياري [ قاضي الصلح هو الذي يقرر عائدية ملكية العقارات] .
3 ـ قضاة التجميل وإزالة الشيوع [ تعددت اللجان وأ‘طى لبعضها حق إصدار قرارات مبرمة ] .
4 ـ اللجان القضائية لتصفية الحقوق المكتسبة على المياه العامة ولم تعد ذات فعالية [ ومازال قانونها قائم ] .
5 ـ اللجنة القضائية للإصلاح الزراعي وأملاك الدولة والتي حد من بعض صلاحيتها في عام 1966 ـ لجنة تجديد الأجور للعمل الزراعي .
6 ـ الحكم في القضاء العسكري: الذي تعددت فيه الجهات القضائي من المحاكم العسكرية إلى المحاكم الميدانية [التي حكمت في قضايا المدنيين بدون الالتزام بأي قاعدة أصولية أو قانونية ] وإلى محكمة الأمن القومي إلى محكمة أمن الدولة العليا التي أحدثها المرسوم 47/1968 وهي تنظر بكل قضية مهما كان موضوعها التي يحيلها إليها الحاكم العرفي ومع كافة الأشخاص مهما كانت صفتهم أو حصانتهم ، ورئاستها منذ أكثر من عشرين سنة هي لعضو أعرف أنه كان مرشح للجنة المركزية لحزب البعث[ ولاأعرف حاليا موقعه الحزبي ] ولأن أكثر قضاياها سياسية فإنها تفتقد الحيادية خاصة وأن أحكامها غير خاضعة لأي طريق من طرق الطعن بل للتصديق؟؟ إن القوانين التي صدرت نتيجة لظروف معينة ، لابد من إعادة النظر بها ومن ثم وضعها في سيق قواعد العدل والإنصاف واستقلال القضاء [وحقوق الإنسان وحريته في خياراته ] وعلى سبيل المثال قوانين النقابات المهنية العملية ، وخاصة النصوص التي تتناول استقلالها كمنظمات أهلية ، وحق التوكل عن كل اصحاب الحق بالمخاصمة دفاعاً عن حرياتهم أو مصالحهم ، وتحديد أشغال مناصبهم بدورتين انتخابيتين فقط وإ لغاء حق رئيس مجلس الوزراء بحل هيئاتها وترك أمورها وشؤونها لمؤتمراتها وهيئاتها العامة ، ولايفوتني التنويه بمدى طغيان السلطة التنفيذية على الصحافة والدوريات وفق ما ورد بالقانون رقم 5/21 ، فلا مرجع للطعن بقرار رئيس الوزراء برفض طلب الترخيص ولامرجع للطعن بالمحظورات ، ولا مرجع يفصل في مدى انطباق قرار الإلغاء على المفاهيم العامة التي وردت به الوحدة الوطنية ـ المصلحة الوطنية [ ولايفوتنا هنا التأكيد على أن إنشاء محاكم استثنائية كان محظوراً في دستور عام 195 ]إذ نصت المادة العاشرة منه / لايجوز إحداث محاكم جزائية استثنائية ،وتوضع أصول خاصة للمحاكم في حالة الطوارئ / والفقرة التاسعة منها / لا يحاكم أحد أمام المحاكم العسكرية غير أفراد الجيش ويحدد القانون ما يستثنى من هذه القاعدة / ، وقد سكت دستورنا الحالي عن هذا الموضوع الهام ، مع أن الأصل هو المنع، لأن إنشاء السلطة القضائية نص عليها الدستور واختصاصها يشمل كل المنازعات إلا أن كان خلاف ذلك كما ذكرنا سابقاً وقد يقول قائل أن الظروف الاستثنائية تقتضي إجراءات استثنائية، إن الأخذ بهذا القول يعرض القضاء للتهميش ـ رغم أه ليته بالأساس لكل الظروف ـ ويعرض الحقوق الأساسية للمواطنين للتعسف لما يستتبعه القضاء الاستثنائي من إجراءات وأصول استثنائية ، وبما أن القضاء والمحاماة جناحا العدالة ، لاتستوي امورهما إلا بمقدار ما يتحقق في قوانينهما مساحة كاملة من الحرية والاستقلالية ومراعاة مني للوقت المحدد /ورغم أن الكثير من القوانين والنصوص التي تحد من سلطة القضاة وتعطي للسلطات التنفيذية سلطات واسعة تلحق العسف بالمواطن ومازالت بحاجة لعرض وتبيان ، فإن أنهي القول حول استقلال القضاء بالنقاط التالية :
1 ـ إن قرارات القضاء المبرمة حجة على الناس كافة ويتوجب على جميع الإدارات والمؤسسات والأفراد تنفيذها ، وعدم التنفيذ تحت أية حجة ، إنما هو استهانة بالقضاء وإضعاف لهيبته وسلطاته وانتقاص من هيبة الدولة ، وتقصير أصحاب الحقوق –بموجب هذه الأحكام – بمقاضاة المسؤول عن عدم تنفيذ القرار القضائي سببه الظروف الخاطئة التي تغولت بها السلطة التنفيذية ومراكز القوة فيها على القوانين والحقوق ، وتعطيل تنفيذ الأحكام هو إلغاء ضمني لحق التقاضي .
2 ـ إن ممارسة القاضي لدوره في الرقابة على دستورية القانون/من خلال إهماله وعدم إعماله على نصوصه/ واجب تحتمه القواعد الأساسية للدستور وميثاق حقوق الإنسان وذلك باعتبار أن الدستور هو القانون الأعلى وهو سيد القوانين وإعماله هو الاولى أمام أي تعارض بينه وبين أي قانون ، وباعتبار أن القانون يجب أن يصدر بما يتفق مع القواعد الدستورية وكذلك أيضاً بالنسبة للقرارات الإدارية الأوامر العرفية، الصرف من الخدمة [ لأن هذه القرارات يجب أن تتصف بالمشروعية والأصول الدستورية حتى يستطع الإنسان أن يجد لها ملاذاً ينصفه في وطنه] .
3 ـ إن الاهتمام بالقاضي ماديا ًومعنوياً وتأهيله علمياً والتأكيد على سلامة أخلاقه، وتعميق حياديته في كل القضايا والخلافات المنظورة امامه ، بتكريس استقلاليته وسمو مهمته وهيبته وخضوع الدولة والسلطة لقراراته يجذّر الأمان في المجتمع ويطفئ مشاعر الإحباط وخيبة الآمال لدى الناس ويشرعن الدول وسلطاتها الثلاث.
4 ـ إن الإكثار من الهيئات واللجان والمحاكم الاستثنائية يشير إلى دوافع غير دستورية لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية للانتقاص من سلطة القضاء وخلق جهات موازية تجد السلطة فيها طريقاً للوصل إلى الغايات التي تبتغيها من وراء إنشاء هذه الجهات وللتخلص مما للقضاء من أصول وإجراءات تحفظ حقوق كل الأطراف ولذلك فإن العمل على إلغاء كل هذه الجهات واللجان الاستثنائية وإيكال أمر المنازعات إلى القضاء يجعل منه مرجعاً ذو مشروعية دستورية مصونة يمارس الرقابة الكاملة من خلالها حماية للحقوق والحريات يقول أستاذنا المرحوم نصرت منلا حيدر في بحث نشرته مجلة المحامون عام 1976 : إن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد فرض النظام واستتباب الأمن إن لم تحمل هذه السيادة نص تقييد الحكام وإلزامهم باحترام القانون ، كما أنها لا تتحقق بمجرد خضوع الدولة للقانون لأن سلطة التشريع قد تطلق يدها في وضع ما تشاء من التشريعات ولذا فإن سيادة القانون تتحقق بإخضاع الدولة للقانون وكفالة الرقابة القضائية لهذا الخضوع ، وأن يكون القضاة مستقلين استقلالاً تاماً متحررين من أي توجيه خارجي سوى التوجيه النابع من ضميرهم ووجدانهم ، وهم وسيلة وقائي ة لحماية الحقوق والحريات ولكنها ليست كافية أيضاً إن لم ينظر إليها باعتبارها الوسيلة الطبيعية والأصيلة لضمان هذه الحماية بالإضافة إلى تأصيل روح الحرية واحترام القانون لدى الحاكم والمحكوم، لأن هذه الروح إذا خمدت فلن تجدي في إحيائها دساتير ولا قوانين ولا محاكم يقول أحد القضاة الأمريكيين : ( إن استقلال القضاء يعتبر حصناً للشعب ، فإذا وضع القضاء في إطار سياسي يصبح آلة بيد السياسي ،ونضال الشعوب كان من جملة مقاصده العيش تحت ظل حكومة قوانين لا أشخاص وعندما يكون القاضي عضواً في المؤسسة الحزبية التي تحكم البلد فأين الضمان في حياده وعدالته واستقلاله وقوله كلمة الحق ) إن الحيلولة دون تمركز السلطة والقوة بيد موقع ما (أو سلطة ما) يقتضي إعطاء أولئك الذين يقومون على رأس أية سلطة من السلطات الثلاث الوسائل الدستورية الكافية ليقاوموا أي تدخل او تعد يصدر عن هذه السلطة أو تلك ولو كان الناس جميعاً أطهاراً أنقياء لما كان هناك حاجة لقيام الحكومات ولمبدأ الفصل بين السلطات لقد أثبتت السنوات الماضية على وضع الدستور الدائم(28عاماً ) وما اقتضته الظروف السابقة من تعديلات له ، الحاجة إلى إعادة قراءة نصوصه وتعديلها أو إلغائها على ضوء المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية التي يمر بها بلدنا والعالم ، وبم يجعله يغطي كل ما نتطلع إليه حاضراً ومستقبلاً ، وما وضعت الدساتير لكي تصنم أو تتحول إلى مقدس ، فالأساس هو الإنسان والحياة وما يفرضانه من ضرورات ، إننا نلمس في بلدنا تغيراً في بعض الأساليب التي كانت سائدة فهناك مطالبة وتوجيها بتنفيذ الأحكام القضائية كما أن هناك انحساراً في استعمال الأوامر العرفية ، كما أن هناك هامشاً للرأي الآخر ، رغم التضييق الشديد الذي مورس على هذا الهامش [ إذ لم يبق من نافذة للحوار الحر الديموقراطي إلا هذا الموقع الذي نستظل فيه بظل الدكتور المرحوم جمال الأتاسي والذي نتصور ان استمراره وإعادة فسح المجال لأمثاله سوف يغني التجربة الوطنية ويملأ العمارة السياسية لبلدنا في هذه الظروف بكل الدعم والصلابة والالتفاف الجماهيري ] إن ما هو مطلوب خطوات تاريخية جريئة تقدم عليها السلطة ، بدءاً من السيد رئيس الجمهورية ، تعيد صياغة العلاقة بين النظام والشعب وقواه السياسية والاجتماعية والثقافية على أساس من الثقة المتبادلة ، مبنية على إعادة النظر بالدستور وكل القوانين الاستثنائية بما فيها إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية أو حصرها في منطقة الحدود مع الكيان الصهيوني ( خاصة وأن أجيال عديدة من رجالنا ونسائنا لم يعيشوا الحالة القانونية الطبيعية منذ مايقارب الأربعين عاماً) وإلغاء المراجع والمحاكم واللجان الاستثنائية وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية وحرية إصدار الصحافة ، لأن تمكين الديموقراطية وتعميقها في حياتنا سيجعل من القانون سيداً يعلو الهامات والمواقع، ويدفع بالقضاء إلى مواقعه الطبيعية حصناً للحقوق والحريات تهابه النفوس المريضة وسيضع الجميع تحت الحساب ومظنة العقاب إن ارتكبوا ما يستحقه ، ويصبح محل تقدير الجماهير وعلماً من أعلام فخرها واعتزازها وسيجعل من هذا الوطن قلبا للعروبة ينبض بالحياة ومركز جذب لكل قوى التقدم والبناء والتحرير والوحدة

إكتب تعليقك