د. عمار قربي

- دراسة توثيقية -     تمهيد ومدخل

تقترن حالة الطوارئ المعلنة في سورية بتلك الظلال الداكنة السوداء التي خيّمت في سماء سوريّة عبر أربعين عاما” ويزيد حينما عطّل الدستور , ونقل الاختصاص في المحاكمة من القضاء الدستوري إلى القضاء العسكري والاستثنائي الذي تضعف فيه الضمانات القانونيّة تارة،و تنعدم تارة أخرى ، فصدرت أحكام جائرة عن القضاء الاستثنائي، حتى غصّت السجون بالمعارضين السياسيين و الأبرياء على حدّ سواء، ولقد أدّى هذا الوضع مع مرور الزمن الطويل إلى خلق عقلية اتسمت بالشدّة طالت أذهان معظم المسؤولين في السلطة التنفيذيّة والعاملين في أجهزة الأمن، مما أدّى إلى تغييّب الحريّات العامة وانتهاك حقوق الإنسان .

تقول المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي وقعت عليه سورية : ” يجوز للدول الأطراف في العهد الحالي، في أوقات الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة والتي يعلن عن وجودها بصفة رسمية، أن تتخذ من الإجراءات ما يحلها من التزاماتها طبقا للعهد الحالي إلى المدى الذي تقتضيه بدقة متطلبات الوضع، على ألا تتنافى هذه الإجراءات مع التزاماتها الأخرى بموجب القانون الدولي ودون أن تتضمن تميزا على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الديانة أو الأصل الاجتماعي فقط ”

وقد رفد الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان هذه المادة بتوصيات أهم ما جاء فيها : انه لا يجوز في حالة الطوارئ ( الاعتداء على الحياة –البتر – المعاملة اللا إنسانية – التعذيب والتنكيل – اخذ الرهائن -- الاعتداء على كرامة الأشخاص …)،ويجب توافر كافة الضمانات القضائية أثناء المحاكمات .

حتى إن شرعة حقوق الإنسان المقرة في الأمم المتحدة وضحت طريقة ومدة فرض حالة الطوارئ فنصت على ” على كل دولة طرف في العهد الحالي أن تستعمل حقها في التحلل من التزاماتها أن تبلغ الدول الأخرى الأطراف في العهد الحالي فورا عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالنصوص التي أحلت منها نفسها والأسباب التي دفعتها إلى ذلك. وعليها كذلك و بالطريقة ذاتها، أن تبلغ الدول بتاريخ إنهائها ذلك التحلل ” .

وباعتبار أن الظروف الاستثنائية التي تفرض بموجبها حالة الطوارئ هي حالة مطاطة وحالة إشكالية مختلف عليها بين الدول، لذلك وضحت اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة بأن الظروف الاستثنائية تعني ثلاثة حالات وهي :

-النزاعات المسلحة الدولية -- حروب التحرير الوطنية -- الاضطرابات والتوتر الداخلي.

أي حالتين مختصة بالحرب وحالة واحدة تختص بالوضع الداخلي.

أما المادة “3 ” في اتفاقيات جنيف الناظمة لحالات الحرب  تؤكد على أن الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، بما فيه أفراد القوات المسلحة الذين سلموا أسلحتهم والأشخاص الذين وضعوا خارج حالة القتال لسبب المرض أو الجروح أو الاعتقال أو أي سبب آخر، يجب أن يعاملوا بشكل إنساني وبدون تمييز قائم على العرق أو اللون أو الدين أو الاعتقاد أو الجنس أو المولد أو الثروة  وهذا ينطبق على كل زمان ومكان .

كما أن الميثاق العربي لحقوق الإنسان والذي صادقت عليه سورية  يتعرض للموضوع في المادة الرابعة التي تنص على :

ب – يجوز للدول الأطراف في أوقات الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة أن تتخذ من الإجراءات ما يحلها من التزاماتها طبقا لهذا الميثاق إلى المدى الضروري الذي تقتضيه بدقة متطلبات الوضع.

جـ – ولا يجوز بأي حال أن تمس تلك القيود أو أن يشمل هذا التحلل الحقوق والضمانات الخاصة بحظر التعذيب والإهانة والعودة إلى الوطن واللجوء السياسي والمحاكمة وعدم جواز تكرار المحاكمة لذات الفعل وشرعية الجرائم والعقوبات. “.

تاريخ الطوارئ في سورية

بدأت سورية بمعرفة قانون الطوارئ منذ أيام الانتداب الفرنسي على سورية حيث اتبع الانتداب الأراضي السورية لأحكام وقانون الجمهورية الفرنسية وكان من ضمنها قانون الطوارئ ، كما أصدرت الحكومة الفرنسية القرار رقم 4 س الصادر بتاريخ 10-1-1925 بشأن حفظ الأمن في الأراضي المشمولة بالانتداب الفرنسي والقرار رقم 5ص الصادر بتاريخ 10/1/1925 الذي يعاقب التعرض للجيوش الفرنسية، والقرار رقم 208 س بتاريخ 19/8/1925 الناظم لأحوال الحرب ، وكذلك القرار رقم 302/س الصادر بتاريخ 1-11-1925 الخاص بمعاقبة إباحة أسرار العمليات العسكرية وعدم الإطاعة، ثم القرار رقم 313 في 25/5/1926 الخاص بمراقبة الأسلحة والذخائر، ثم القرار 51 ل.ر تاريخ 3/5/1932 الذي أعطى للمحاكم الأجنبية صلاحية النظر في مخالفاتها، وما يهمنا هو  القرار رقم 233ل.ر الصادر بتاريخ 9/9/1939 بإعلان الأحكام العرفية وقرارات أخرى تقمع أعمال العنف .

أما سورياً فأول قانون سوري  أشار إلى الأحوال العرفية فقد حمل الرقم 1815 بتاريخ 16/2/1928 وهو ينظم الإدارة العرفية في سورية على أثر الثورة التي قامت في سورية، و هذا القرار يعتبر أساسا لكل الأحكام التي صدرت بخصوص الأحوال العرفية وحالة الطوارئ ، حيث جاء القرار رقم 66ف.ل في 4/8/1941 الذي انشأ محاكم عسكرية خاصة بالمخالفات والجرائم العسكرية الصرفة ، ومن ثم صدر القرار رقم 83 ف.ل بتاريخ 9/8/1941 الذي فصل في إجراءات المحاكمة أمام تلك المحاكم العسكرية.

ويقي القانون السوري قاصراً عن التمييز بين حالة الحرب وحالة الطوارئ الداخلية حتى بدء الحرب في فلسطين حيث صدر القانون رقم 400 والقانون رقم 401 بتاريخ 10/ 5/ 1948 الخاصين بإعلان الأحكام العرفية في أراضي الجمهورية السورية،وحددت مدة سريان هذه الأحكام  بستة أشهر ابتداء من تاريخ النشر، وبقراءة أحكام هذه القوانين نستطيع أن نقول أنها بقيت تحترم حقوق الإنسان المدنية ولم تتعلق سوى بالعسكريين وما تقضيه حالة الحرب من سرية في المعارك والأسرار العسكرية ما عدا القرار رقم 41 تاريخ 7/6/1948القاضي بمنع سفر المواطنين خارج الأراضي السورية دون إجازة.

وبتاريخ 22حزيران 1949 صدر المرسوم التشريعي رقم 150 بتنظيم الإدارة العرفية، لاغياً بذلك القانون 400 السابق  ، وقد جاء في أسباب صدور هذا المرسوم التشريعي النص التالي:  “لا يوجد في التشريع السوري النافذ نص قانوني يحدد اختصاص السلطة العسكرية والقضاء العسكري وعلاقتهما بالسلطة الإدارية وبالقضاء المدني في حالة إعلان الإدارة العرفية، وقد وجدت وزارة الدفاع الوطني من الضرورة تلافي هذا النقص بإعداد مشروع المرسوم المرفق، وهو يتضمن تحديد اختصاص القضاء العسكري وتنظيم الإدارة العرفية على أسس واضحة”  ثم صدر القانون  رقم 130 الصادر بتاريخ 8/12/1955 استكمالاً  للمرسوم التشريعي150 السابق وأحدث مديرية خاصة بالدفاع السلبي.، وبتاريخ 27/9/1958 صدر القانون رقم 162 الخاص بشأن حالة الطوارئ الذي ألغى كل ما سبقه من قوانين . وأخيرا  جاء المرسوم التشريعي رقم 51 الصادر بتاريخ 22/12/1962  أي صدر في عهد الوحدة بين سورية ومصر و سمي بقانون حالة الطوارئ فألغى القانون 162 ،وما زال العمل في هذا القانون نافذاً حتى الآن .ومن الجدير بالذكر أن حالة الطوارئ قد رفعت بعام 1961 وقبل انفصال الوحدة بين سورية ومصر ، وحين قيام الانفصال أعيد فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية حتى شهر كانون الأول”12″ من عام 1961. ثم أعيد إعلان فرض الأحكام العرفية أثناء أحداث عصيان حمص 28/3/1962 ومن ثم صدر المرسوم التشريعي رقم 51 تاريخ 23/12/1962 حينما تحركت قطاعات الجيش في8/3/1963 حيث تم إعلان الأحكام العرفية بالأمر العسكري رقم 2 تاريخ8/3/1963 والذي مازال مطروحا حتى هذه اللحظة.

حالة الطوارئ المعلنة الآن

أعلنت حالة الطوارئ في سورية في الثامن من آذار اثر انقلاب عسكري قاد حزب البعث إلى السلطة من ذلك التاريخ وحتى الآن ، وبقيت حالة الطوارئ المعلنة دون شرعية دستورية باعتبار أنها استندت إلى المرسوم التشريعي رقم 51 لعام 1962حيث تنص المادّة الأولى منه على ما يلي :

أ‌-  يجوز إعلان حالة الطوارئ في حالة الحرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها ، أو في حالة تعرّض الأمن أو النظام العام في أراضى الجمهورية أو في جزء منها للخطر بسبب حدوث اضطرابات داخلية أو وقوع كوارث عامة .

ب‌-يمكن أن تتناول حالة الطوارئ مجموع الأراضي السورية أو جزء منها.

أما المادة الثانية فتنص على :

أ ـ تعلن حالة الطوارئ بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية وبأكثرية ثلثي أعضائه، على أن يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له.

ب ـ يحدد المرسوم القيود والتدابير التي يجوز للحاكم العرفي اتخاذها والمنصوص عليها في المادة الرابعة من هذا المرسوم التشريعي دون الإخلال بأحكام المادة الخامسة منه .

وتنص المادة الخامسة : -يجوز لمجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية توسيع دائرة القيود والتدابير المنصوص عليها في المادة السابقة عند الاقتضاء، بمرسوم يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له.

ويعتبر توسيع دائرة القيود التي نصت عليها هذه المادة فتحاً لباب واسع من فرض قيود جديدة لا حصر لها يفوّض مجلس الوزراء الحاكم العرفي باتخاذها وفقا” لنصّ تلك المادّة ، ومن الجدير بالتنويه أنّ هذه المادّة قد تعدت في قرض القيود على المادة الرابعة من نفس القانون و

التي تتعلق بصلاحيات الحاكم العرفي أو نائبه والتي يصدرها بأوامر كتابية يحيل بموجبها المخالفين إلى المحاكم العسكرية .

أمّا القيود التي نصّت عليها المادّة الرابعة فهي :

-وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور في أماكن أو في

أوقات معينة ،وتوقيف المشتبه منهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام توقيفا” احتياطياً،و لإجازة السلطات في تحرّي الأشخاص والأماكن في أي وقت ،وتكليف أي شخص بتأدية أيّ عمل من الأعمال.

أ‌-   مراقبة الرسائل والمخابرات أيّا” كان نوعها ، ومراقبة الصحف والنشرات والمؤلفات والرسوم والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل الدعاية والإعلان ، قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإلغاء امتيازها وإغلاق أماكن طبعها.

ب‌-   تحديد مواعيد فتح الأماكن العامة وإغلاقها .

ت‌- سحب إجازات الأسلحة والذخائر والمواد القابلة للانفجار والمفرقعات على اختلاف أنواعها والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة.

ث‌-   إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة .

ج‌-   الاستيلاء على أيّ منقول أو عقار وفرض الحراسة المؤقتة على الشركات والمؤسسات وتأجيل الديون و الالتزامات المستحقة على ما يجري الاستيلاء عليه .

ح‌-   تحديد العقوبات التي تفرض على مخالفة هذه الأوامر ، على ألاّ تزيد على الحبس مدة ثلاث سنوات وعلى الغرامة حتى ثلاثة آلاف ليرة أو إحداها ، وإذا لم يحدد الأمر العقوبة على مخالفة أحكامه ، فيعاقب على مخالفتها بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ليرة ، أو بإحدى هاتين العقوبتين … كل ذلك مع عدم الإخلال بالعقوبات الأشدّ المنصوص عليها في القوانين الأخرى .

تلك هي القيود التي يستطيع الحاكم العرفي فرضها بموجب إعلان حالة الطوارئ وفقا” لنصّ المادّة الرابعة من القانون /51/ على أن يعرض المرسوم الذي قضى بتوسيع دائرة القيود على مجلس النواب في أول اجتماع له.

ولم يكتف القانون /51/ بفرض القيود خلال إعلان حالة الطوارئ فقط بل نقل الاختصاص بنظر مخالفة الأوامر العرفية من القضاء العادي إلى القضاء العسكري في المناطق التي أعلنت فيها حالة الطوارئ مهما كانت صفة الفاعلين أو المحرضين أو المتدخلين .

كما أنّ الكثير من الجرائم قد نقل الاختصاص فيها إلى القضاء العسكري بعد أن كان القضاء العادي مختصا” للنظر فيها .

ووفقا” لنصّ المادة السادسة من قانون الطوارئ ” 51″  فقد تم نقل اختصاص الجرائم التالية من القضاء المدني إلى القضاء العسكري :

أ- الجرائم المنصوص عنها في المواد -- من المادّة /260/ حتى المادّة /339/ من قانون العقوبات.

ب- الجرائم المنصوص عنها في المواد -من المادّة /369/ حتى المادّة /387/من قانون العقوبات .

ت- الجرائم المنصوص عنها في المواد -من المادّة/427/حتى المادّة /459/ من قانون العقوبات .

ث- الجرائم المنصوص عنها في المواد-من المادّة /573/حتى المادّة /586/.
وعليه فان /142/ مادة من قانون العقوبات قد تمّ نقل الاختصاص فيها من القضاء العادي إلى القضاء العسكري ، لما يتميز به القضاء العسكري من الشدة ونقص الضمانات .

عدم دستورية قانون الطوارئ

واستنادا” إلى ما سلف وبمقاربة تلك القوانين إلى الواقع نستنتج أن حالة الطوارئ المعلنة حتى الآن غير شرعية وتفتقر إلى موجباتها القانونية وتتلخص أسباب عدم دستورية حالة الطوارئ في سورية ب:

1-  إن فرضُ حالة الطوارئ والأحكام العرفية الذي صدر بموجب البلاغ رقم “2″ بتاريخ 8/3/1963 قد صدر بشكل مخالف للأصول التي نص عليها قانون حالة الطوارئ باعتبار أن هذا البلاغ قد صدر عن ما سمي وقتها بمجلس قيادة الثورة وليس عن طريق مجلس الوزراء كما ينص الدستور الذي يشترط حضور رئيس الجمهورية ، ووفقا” للقانون /51/ نفسه فان إعلان حالة الطوارئ منذ 8/3/1963 حتى اليوم إنما صدر عن جهة غير مخوّلة بإعلانها ..كما أن فرض حالة الطوارئ لم تعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له كما ينص الدستور إضافة لأنه لم يحددَ في مرسوم الإعلان عن تطبيق الحالة لا الصلاحيات ولا المدى ولا الإجراءات التي يتم اتخاذها وهي خاضعة للتقييد والتوسيع من مجلس الوزراء حسب نصوص الدستور السوري، وبالتالي فان الأوامر العرفية التي صدرت خلال تلك الفترة إنّما صدرت دون غطاء من القانون /51/ لعام 1962 وخارج دائرة القانون .

2-باعتبار أن هذا القانون يفرض في حالة الطوارئ فهو محدد بوقت ينتهي مع انتهاء الحالة ، وفي المقاربة السورية نجد أن حالة الطوارئ فرضت بسبب ظروف الانقلاب العسكري حينها والتي انتفت أسباب فرضها باستقرار الحكم واستتبابه ، فإعلان حالة الطوارئ انقضت فعليا بمرور الزمن وانقضاء الحالة التي أعلنت من أجلها.

3-إن إقرار الدستور السوري الصادر عام 1973، أي بعد إعلان حالة الطوارئ بخمس سنوات، يعد نهاية طبيعية لحالة الطوارئ المفروضة ،لان الدستور الجديد  يحكم كافة الأوضاع القانونية ويلغي كل النصوص المخالفة له.

4-إن فرض حالة الطوارئ يجب أن يعلن لمدة محددة باعتبار أنها حالة طارئة استثنائية وليست عادية . كما أن المشرع حينما أصدر القانون المذكور أصدره في إطار حياة برلمانيّة ديمقراطيّة وتحت سقف مجلس النواب ، وترك القرار في الاستمرار بإعلان حالة الطوارئ بيد مجلس النواب لذلك فان وجود مجلس النواب يشكل ضمانة لقبول الاستمرار بإعلان حالة الطوارئ أو إنهائها مع التنويه إلى أن المرسوم الذي تمّ بموجبه إعلان حالة الطوارئ لم يعرض على مجلس الشعب حتى الآن .

5-إن المحاكم العسكرية والميدانية في سورية المؤسسة على خلفية حالة الطوارئ قامت بمحاكمة مدنيين وقامت بإعدام الكثيرين من المواطنين في السجون دون أن يتوفر لهم الحد الأدنى من الضمانات في محاكمة عادلة، مع أن تلك المحاكم ينحصر عملها بمحاكمة العسكريين أثناء الحروب أو الكوارث التي يشارك فيها الجيش لأمور تتعلق بتلك الكوارث ، إضافة لان عقد المحاكم الميدانية يكون على من يتخلف عن أداء واجبه العسكري أو على من يفر من الخدمة أو يتصل بالعدو،وهذا ما نصت عليه المادة 2 من المرسوم التشريعي 109 لعام 1968 .

6-إن فرض حالة الطوارئ بداعي الحرب مع الكيان الصهيوني فقد مبرراته منذ العام  1974 لان الحالة مع العدو من ذاك التاريخ لا ينطبق عليها حالة الحرب. لأنّ حالة الحرب التي أجازت المادة الأولى من القانون /51/ إعلان حالة الطوارئ في ظلها غير معّرفة في القانون /51/ غير أنّ قانون الجيش قد عرّف حالة الحرب بأنها الحالة التي تعقب إعلان التعبئة العامة مباشرة ،وفي الدولة القانونية تكمّل التشريعات والقوانين بعضها بعضا” الأمر الذي يعيني أنّ إنهاء حالة التعبئة العامة يجب أن يستتبعها بالضرورة إنهاء حالة الطوارئ ، وهذا ما لم يحدث منذ أربعين عاما” ، إذ أعلنت حالة التعبئة العامة مرتين فقط و في كل مرة لا تدوم سوى بضعة شهور، بينما بقي إعلان حالة الطوارئ مستمرا” .

7- من العودة إلى الدستور السوري النافذ منذ عام 1973 نجد أن المادة /101/ من الدستور قد نصّت على : أن يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ ويلغيها على الوجه المبيّن في القانون . وعليه فان المادّة الثانية من القانون /51/ لعام 1962 قد تعارضت مع المادة /101/ من الدستور النافذ لجهة السلطة المخوّلة بإعلان حالة الطوارئ فبينما قررت المادّة الثانية من القانون /51/ بأنّ السلطة المخوّلة بإعلان حالة الطوارئ هي مجلس الوزراء المجتمع برئاسة رئيس الجمهورية، قررت المادّة /10/ من الدستور بأن رئيس الجمهورية وحده هو الذي يعلن حالة الطوارئ ، ويلغيها على الوجه المبين في القانون ……..الأمر الذي يعني أنّ المادّة الثانية من القانون /51/ لعام 1962 مخالفة لأحكام الدستور وأنّ الاستمرار بإعلان حالة الطوارئ بعد نفاذ الدستور السوري بتاريخ 13/3/1973 إنّما تمّ وفقا” لقانون غير دستوري لجهة تعارض أحكامه مع أحكام الدستور ولجهة عدم عرض المرسوم الذي أعلنت بموجبه حالة الطوارئ بتاريخ 8/3/1963 على أول مجلس شعب منتخب وفقا” للمادّة الثانية من القانون /51/ لعام 1962.

8- وأخيراً ، لم يدر في خلده المشرّع وهو يضع مواد القانون /51/ أو يخطر له ببال أنّ هذا القانون ليس إلا قانونا” استثنائيا” وان تطبيقه سوف يقتصر زمانا” ومكانا” على زمان ومكان العمليات الحربية أو منطقة الكوارث الطبيعية . ولو كان المشرع يعتقد ان هذا القانون سيطبق لفترات أطول لكان ضيّق دائرة القيود وأحاط تطبيق القانون بضمانات أكثر. ولقد أجمع فقهاء القانون على أنّه لا يجوز إعلان حالة الطوارئ إلا في زمان ومكان العمليات الحربية أي على الجبهات ، أما المناطق الداخلية فلا يجوز إعلان حالة الطوارئ فيها إلاّ لأسباب خاصّة حتى في حالة الحرب وهي الحالة التي تلي إعلان التعبئة العامة نتيجة اندلاع العمليات الحربية على جبهات القتال أو ظهور كوارث طبيعية تستدعي إعلان حالة الطوارئ .غير أنّ إعلان حالة الطوارئ لمدة تفوق الأربعين عاما ” متواصلة وعلى جميع الأراضي السوريّة قد أفقدت هذا القانون الصفة الاستثنائيّة وحوّلته من قانون استثنائي إلى قانون عادي ممّا جعله متعارضا ” مع مبادئ الدستور السوري النافذ وبالتالي أضحى قانونا” غير دستوري .

الحريات في الدستور السوري

لقد نظّم الدستور السوري الصادر في العام 1973 بالمرسوم التشريعي رقم /208/ وفي الفصل الرابع تحديداً الحريات العامة التي تتصل بحقوق الإنسان الأساسية في سورية ، وفيما يلي نصوص المواد التي نظّمت الحريات العامّة:

المادّة /25/ : الحرية حق مقدس ،وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم .

المادّة /26/ :لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وينظم القانون ذلك .

المادّة /27/ : يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم وفقا” للقانون .
المادّة /28/ : 1- كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم .

2- لا يجوز تحري أحدا” أو توقيفه إلاّ وفقا” للقانون .

3 -لا يجوز تعذيب أحدا” جسديا ” أو معنويا” أو معاملته معاملة مهينة ويحدّد

القانون عقاب من يفعل ذلك.

4-حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون .

المادّة /29/ : لا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص قانوني .

المادّة/ 31/ : المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلاّ في الأحوال المبيّنة في القانون .

المادّة /32/  : سريّة المراسلات البريدية والاتصالات السلكية مكفولة وفق الأحكام المبيّنة في القانون .

المادّة /38/ :لكل مواطن الحق أن يعرب عن رأيه بحريّة وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وان يسهم بالرقابة بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي ، وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقا” للقانون .

المادّة /39/ :للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلميا” في إطار مبادئ الدستور وينظم القانون ممارسة هذا الحق .

المادّة /48/ : للقطاعات الجماهيرية حق إقامة تنظيمات نقابية أو اجتماعية أو مهنية أو جمعيات تعاونية للإنتاج أو الخدمات وتحدّد القوانين إطار التنظيمات وعلاقاتها وحدود عملها.

ومن خلال استعراض الحقوق التي كفلها الدستور للإنسان في سورية يتضح لنا أنّ الدستور قد كفل معظم الحقوق الأساسية للإنسان وكلف الدولة أن تحرس هذه الحقوق وأن تصدر القوانين التي تمنع حدوث خروق على حقوق الإنسان وأن ترسي مبادئ العدالة ، حيث نجد أن الدستور نص بالتحديد على :

1- حق الرقابة على الدستور نفسة المادة /49/  منه.

2-حق المشاركة في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية .

3- حق التقاضي العادل وإتاحة إمكانية الطعن بالأحكام .

4- حق التعبير وإبداء الرأي بحرية وإبداء النقد  .

5- حق الاجتماع وحريته .

6- حق إقامة التنظيمات والجمعيات النقابية والاجتماعية والمهنية والاقتصادية والثقافية.

7- حق الحرية وعدم التفتيش وعدم الاعتقال التعسفي وعدم التحري

8- حق العمل وتكفل الدولة مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين .

9- حق حرمة المنزل وعدم دخوله أو تفتيشه إلاّ بموجب قرار يصدر عن جهة قضائية او قانونية .

10- حق التظاهر السلمي وعلى الدولة أن تحمي هذا التظاهر.

11- حق الكرامة بعدم التعذيب الجسدي أو المعنوي أو الإهانة.

12- حق الخصوصية بعدم مراقبة الرسائل أو الاتصالات الهاتفية .

13- التنقل بحرية ضمن أراضي الجمهورية العربية السورية وحق السفر خارجها .

14-  حق النشر بالصحف والإعلام .

إن هذا الدستور أقره الشعب السوري بالاستفتاء الجاري بتاريخ 12-3-1973 وأصبح ساري

التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية وأصبح لزاماً على السلطة أن تترجم مواد الدستور إلى قوانين و قرارت تكفل تمتّع المواطنين بهذه الحقوق ،ومن هنا جاءت تسمية علماء القانون في سورية لهذا الدستور بأبو القوانين ، وهذا يستلزم بالضرورة إلغاء جميع القوانين التي تعيق تمتّع المواطنين بهذه الحقوق وسنّ قوانين جديدة تحقق الغاية ذاتها وتفتح الطريق واسعا” لإرساء المبادئ التي نصّ عليها الدستور في المواد الآنفة الذكر ،أي أن الدستور الجديد قد جب كل ما قبله من دساتير وقوانين ومنها طبعاً قوانين  حالة الطوارئ .

قوانين استثنائية أخرى

إن انتفاء الحياة السياسية والقضائية والتشريعية في سورية لم يستند على قانون الطوارئ فقط بل بفضل إحداث العديد من الهيئات والتشريعات و المراسيم التشريعية والمحاكم الاستثنائية المتكئة إلى حالة الطوارئ المعلنة ولهذا تبقى كل هذه الملحقات غير شرعية وفاقدة لدستوريتها ، ومن هذه التشكيلات نذكر : المرسوم “109 ” لعام 1968 الذي انشأ المحاكم الميدانية ،و المرسوم رقم “32″لعام 1980 المختص ببسط صلاحيات المحاكم الميدانية ، وقانون حماية الثورة الصادر بالمرسوم التشريعي “رقم 6 ” تاريخ 17/1/1965،وتوسيع صلاحيات محكمة امن الدولة العليا بالمرسوم “رقم 47 ” تاريخ 28/3/1968،ومن ثم توسيع اختصاص محكمة أمن الدولة العليا بعد صدور قانون أمن حزب البعث العربي الاشتراكي “رقم 53″  تاريخ 8/4/1979 كما أن قرار رئيس الجمهورية الصادر في معرض البت في أحكام محكمة أمن الدولة العليا ليس قرارا قضائيا بل إداريا. وهو من أعمال السيادة التي لا تقبل الطعن أمام أي مرجع قضائي أو إداري، لأنه من متعلقات أمن الدولة،إضافة إلى ذلك هناك القانون رقم ” 49 ” الصادر بتاريخ 7/7/1980 والذي يقضي بالإعدام على كل منتسب لحركة الأخوان المسلمين.

من هذا السياق نستنتج أن كل الذين اعتقلوا ونكل بهم وزجوا في المعتقلات والذين عذبوا وكل الذين شردوا والذين نفوا خارج سورية قسريا أو طوعيا كان بفضل حالة الطوارئ المعلنة تحت عنوان الحفاظ على امن الدولة ، ولهذا يصبح لا معنى للكلام الصادر مؤخراً عن مؤتمر البعث الحاكم بتضييق حالة الطوارئ إلى القضايا التي تمس امن الدولة لان هذه القضايا فضفاضة بإمكانها أن تشمل حضور محاضرة أو نشاط سلمي علني يدعو لاحترام حقوق الإنسان ويمكن أن يشمل نشر مقالات أو الكتابة على شبكة النت المعلوماتية ..الخ وكان الأجدر بالمؤتمرين أن يرفعوا توصية برفع حالة الطوارئ سيئة الصيت إلى غير رجعة ان كان هناك ثمة أجندة تدعو للإصلاح السياسي .

مبررات إعلان حالة الطوارئ

وفي ظل التمديد التلقائي والمستمر لحالة الطوارئ في سورية منذ ” 42″ عاماً يثور تساؤل منطقي وهو لماذا الإصرار على استمرار سريان تلك الحالة رغم انتفاء مبرراتها الحقيقية ؟!!

لاشك أن إجابات المهتمين بالشأن العام كانت متعددة ومختلفة باختلاف الرؤى والتوجهات الفكرية والسياسية ، ويمكن أن نلخصها ب:

-   إن استمرار حالة الطوارئ هو استمرار لترسيخ السلطة والحكم الفرديين كونها أداة طيعة تستخدم لتمكين السلطة التنفيذية بالقبض على زمام الأمور بقبضة حديدية وبسط ولاياتها على جميع سلطات الدولة وفرض هيمنتها ووصايتها التامتين على كل أجهزة الدولة وملحقاتها .

-   إن استمرار حالة الطوارئ إنما يعبر عن ثقافة الاستبداد السائدة في سورية منذ أربعين عاماً في كافة المجالات والمستويات .

-       إن استمرار حالة الطوارئ يعد برهاناً قاطعاً على ضعف السلطة وحاجتها لقانون الطوارئ ضماناً للبقاء في مقاعدها .

وفي كل الأحوال تبقى حالة الطوارئ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحالة العسكرتارية ذات الثقافة الأمنية،وطالما بقيت الأجهزة الأمنية تمارس نفوذاً لا محدود في تسيير شؤون البلاد طالما استمرت حالة الطوارئ لفترة أخرى .

إن كل ادعاءات السلطة المعلنة لاستمرار حالة الطوارئ تثير الدهشة ، لان القانون العادي هو في حد ذاته قانون طوارئ والدليل على ذلك وجود قوانين من مثل قانون المطبوعات المقيد لحريات الرأي والتعبير وقانون تداول المعلومات والقوانين الناظمة للنقابات المهنية والأنظمة الداخلية للمنظمات الشعبية ….حتى أن الحياة السياسية بسورية أصبحت محكومة بسياسة غض النظر والتي تسمح للسلطات بلحظة واحدة النكوص عن كل الوعود والضرب بيد من فولاذ ، وهذا يدعونا لنؤكد أن الإصلاح السياسي يجب أن يستند إلى الشرعيّة القانونيّة والدستوريّة ، فهذه الفترة الطويلة من الحكم بالطوارئ سبب عطالة في شكل الدولة فقد حلت السلطة محلّ الدولة ،ونتيجة لغياب الدولة فقد غابت الشرعيّة ، ففقد المواطن ضمانته الأساسيّة ، ممّا أدّى إلى فتح الباب على مصراعيه لسلسلة من التجاوزات طالت المجتمع والدولة معاً، وعصفت بحقوق الإنسان الأساسيّة .

وبالرغم من جسامة حجم الكارثة التي خلّفها إعلان حالة الطوارئ ، فانّ السلطات السوريّة قد رفضت إجراء أيّة مراجعة، كما رفضت أيّة دعوة للحوار الوطني لبدء مسيرة الإصلاح الشامل والعودة إلى الحالة الدستوريّة والقانونيّة التي تعيد للدولة وظيفتها وشرعيّتها .

آثار حالة الطوارئ المفروضة على المجتمع السوري

إن التطبيق الواقعي لحالة الطوارئ كان لها انعكاسات خطيرة على مختلف مجالات الحياة في سورية وأفرزت آثاراً خطيرة على المجتمع السوري بكل أبعاده وولدت انتهاكات واسعة في شتى نواحي حقوق الإنسان السوري ، وبعجالة نستطيع أن نتلمس التالي :

1- لقد تسببت حالة الطوارئ المعلنة في سورية عبر أكثر من أربعين عاما بعطالة دستوريّة شلت اغلب مواد الدستور ، فبالعودة إلى نصّ المادّة الرابعة من القانون /51/ وتحديد القيود التي تصدر بأوامر كتابية عن الحاكم العرفي ومقارنتها بمواد الفصل الرابع من الدستور النافذ يتضح أن بعض مواد الدستور معطّلة بفعل قانون الطوارئ وهي المواد المتعلقة بالحريات والتي ذكرناها آنفاً واكتفي بذكر أرقامها :

المادّة /25/ والمادّة /27/ والمادّة /28/ والمادّة /31/ والمادّة /32/و المادّة /33/ والمادّة /38/ والمادّة /39/ والمادّة /48/ و المادّة /26/ .

هذه المواد العشر معطّلة بفعل القيود التي أصدرها الحاكم العرفي عبر أربعين عاما” ، ومن الجدير التنويه إنّ تطبيق حالة الطوارئ طوال هذه الفترة قد خلق عقلية” في أذهان المسؤولين عن الأمن في سوريّة تميزت بالشدة والقسوة وعدم رؤية أي حل للقضايا الوطنية إلاّ من خلال الحلول الأمنية، وهذا من أسوأ تطبيقات إعلان حالة الطوارئ .

2- مصادرة السلطة القضائية لصالح الأجهزة الأمنية ، لان القضاء أصبح مع حالة الطوارئ دون أية صلاحيات بصدد الاعتقالات، سواء لجهة الأمر بالاعتقال أو تنفيذه، ومسؤولية التحقيق مع المعتقل ، أو معاقبته ، أو الإفراج عنه ، فضلا عن أن ذلك يتعارض مع الفقرة 3 من المادة 9 من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية التي وقعت عليها سورية، واكتف السلطة القضائية بتلبية رغبات الأجهزة الأمنية .

3- غالبا لا يحال المعتقلين إلى القضاء سواء أكان القضاء الدستوري أو القضاء الاستثنائي ،وأحيانا يتم الحكم على المعتقلين بموجب محاكم ميدانية ، وهذه الإجراءات تمنع المعتقلين من توكيل محامين للدفاع عنهم وبالتالي منع المحامين من ممارسة عملهم الذي تنص عليه الفقرة السابعة من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية الموقعة من قبل الحكومة السورية.

4- في حال أحيل المعتقلين إلى محكمة امن الدولة لا يسمح لهم بتوكيل العدد الكافي من المحامين ولا يسمح لهم التشاور بحرية مع محاميهم ، ناهيكم عن طول الفترة التي يبقى فيها المعتقل محتجزاً ريثما يتم تحويله إلى محكمة امن الدولة لفترة قد تصل إلى سنوات .

5-  حرمان المواطنين من ممارسة حقهم في الطلب من القضاء البت بشرعية توقيف أي شخص ، فغالباً لا يؤخذ  بجدية أي طعن مقدم من قبل المحامين أو المعتقلين بشرعية توقيفهم أو التشكيك بقانونية محاكمتهم .

6- غالبا ما يتم منع أهالي المعتقلين من زيارتهم ، وأحيانا لا تعرف أماكن احتجاز هؤلاء أو أي شيء عن مصيرهم .

7- بموجب حالة الطوارئ صدرت عن محكمة امن الدولة العليا والمحاكم الميدانية أحكام بالإعدام لمعتقلين جملة وآحادا.

8- عدم نفاذ أي قرار قضائي من شأنه أن يبطل بعض الأحكام الصادرة بموجب القوانين العرفية وبقاء تلك القرارات دون تطبيق .

9- إن اغلب من أفرج عنهم بعفو من رئيس الجمهورية أو بانتهاء فترات أحكامهم كانوا مجردين من كافة حقوقهم المدنية والعسكرية مما أدى إلى عدم عودتهم للحياة الطبيعية وعدم عودتهم إلى وظائفهم وأعمالهم التي كانوا يشغلونها قبل اعتقالهم فأصبحوا عالة على ذويهم وأقاربهم.

10- إن اغلب من أفرج عنه بعد الاعتقال منع من السفر أو حتى الحصول على جواز سفر ،وبعض الذين حصلوا على جوازات كان بعد موافقة أمنية ولعدد محدد من السفرات .

11- إن المعتقلين أصبحوا محكومين بمراجعة الفروع الأمنية بتواتر معين بعد الإفراج عنهم .

12-تم إلغاء حق الملكية لبعض المعتقلين حيث صودرت  دور السكن بحجة الأمن .

13-نتيجة لفرض حالة الطوارئ هرب مئات المواطنين من سورية ممن استشعر المساءلة الأمنية خيشة البطش بهم وبقي هؤلاء دون جوازات سفر واصحبوا يعرفوا بالمنفيين سواء بشكل طوعي أو قسري ، ومما زاد الأمر سوءاً أن أولادهم وأحفادهم بقوا دون جنسية سورية ودون أن يأخذوا جنسية بلد المنفى مما جعلهم يعيشوا في تلك البلاد كمواطنين من الدرجة الثانية وجعلهم عرضة لمزاج تلك السلطات بالإبقاء عليهم أو تسليمهم للسلطات السورية نتيجة صفقة ما ، ولاسيما وان الآلاف منهم خارج سورية منذ أكثر من ربع قرن ، مما اثر سلبا على إمكانية عملهم أو زواجهم أو حقهم في التملك أو في السفر..الخ.

14- نتيجة لانعدام الشفافية في القطر ونتيجة لاستقالة القضاء من وظيفته بسبب حالة الطوارئ المعلنة ، لم تتوافر معلومات عن مئات المعتقلين ولم تفصح الدولة عن أماكنهم ولم توضح فيما إذا كانوا أحياء أم قتلوا أو توفوا ، مما تسبب بكثير من القضايا الاجتماعية العالقة كالإرث ووضع ممتلكاتهم ووضع زوجاتهم ومستحقاتهم لدى الدولة أو الغير وخاصة وان اغلب هؤلاء لم تسمع عنهم أخبار منذ 25 سنة وأكثر وأصبحت المحاكم ممتلئة بالقضايا من هذا النوع للبت في هذه الأمور دونما طائل .

15- نتيجة لحالة الطوارئ المفروضة وما سببته من هيجان امني فقد انتفت شخصنة العقوبة وأصبحنا نلحظ أن الاعتقال بدأ يطال أقارب المعتقلين ومعارفهم وخاصة إذا كان بعض المطلوبين خارج قبضة الأمن أو خارج البلاد ، وفي بعض الأحيان كان يتم ذلك من اجل الضغط على الفارين كي يسلموا أنفسهم إلا أن أحيانا كثيرة يتم ذلك لمجرد الانتقام ، وهناك عشرات الحوادث تم فيها اعتقال هؤلاء الأقارب لفترات تتجاوز العشر سنوات وبعضهم بقي لأكثر من عشرين سنة .

16- عانى أهل المعتقلين السوريين من الإجراءات الاستثنائية كعقوبة على قرابتهم تلك،  فمنعوا من التوظيف ومنعوا من السفر حتى ولو كان بهدف الحج إلى الأماكن المقدسة كما أنهم ابتلوا بالمراجعة الدورية لفروع الأمن مع الإشارة لان الكثير منهم لا يقطن في العاصمة .

17- عمدت السلطات واستناداً لإعلان حالة الطوارئ إلى مراقبة الاتصالات الهاتفية والبريدية، مخترقة بذلك سرية المراسلات والمكالمات الهاتفية.

18-لم تقتصر نتائج حالة الطوارئ على العاملين في الشأن العام أو ذويهم بل امتدت لتطال الناس العاديين ، ونتيجة لطغيان الأجهزة الأمنية والرعب الذي عشش في النفوس دون أية رقابة قضائية أو إعلامية على الإدارة العرفية استشرى الفساد في البلاد وأصبح التوقيف العرفي شيئا مألوفا يمكن أن يطال أي مواطن إذا باع سلعة بسعر أغلى من ثمنها أو لإقامة حفل زواج دون ترخيص ..الخ. .كما طبق التوقيف العرفي نتيجة لعلاقات تربط بعض المتنفذين مع أصحاب السلطة مما أدى لتوقيف بعض منافسيهم في التجارة أو ممن يختلفون معهم ، إضافة لحالات كثيرة تم فيها إصدار الأوامر العرفية بحق البعض بعد دفع أموال لمتنفذين في السلطة أو خارجها ،وتم كسر هذه الأوامر بدفع أموال أيضا حيث استغلت القرارات العرفية أو التهديد بها لجمع الأموال أو تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية.

19-إن حالة الطوارئ وما سببته من فوضى قانونية في البلاد جعلت المستضعفين يعيشون في بؤس وإحباط شديدين مما أهب لنشؤء تربة خصبة يمكن أن تولد العنف

- أوما اصطلح حديثا باسم الإرهاب -  بين صفوف هؤلاء  كحالة رفض لواقعهم وكرد فعل منهم تجاه الظلم الذي يعانوه .

خاتمة

إنّنا ونحن في مطلع الألفية الثالثة علينا أن نبحث عن الحلول الوطنية المستمدة من مبادئ الدستور لمعالجة قضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان الأساسية وتنظيم السلطة القضائية و منظمات المجتمع المدني والسماح بإنشاء صحف مستقلة لبناء حياة سياسيّة على أسس ديمقراطية سليمة .

إنّ المصلحة الوطنية العليا تحتم على الجميع حاكمين ومحكومين سلطة ومعارضة البحث عن نقلة نوعية لإرساء المبادئ التي نصّ عليها الدستور السوري النافذ منذ عام 1973 عبر رافعة قانونية تقيس القوانين النافذة وفقا” لمبادئ الدستور وتستبعد القوانين التي تقيّد الحريات العامة التي نصّ عليها الدستور في الفصل الرابع وصولا” إلى إطلاق الحريات العامة وحماية
حقوق الإنسان الأساسية

إنّ وقفة حازمة وجادة من اجل إلغاء حالة الطوارئ أضحت واجب كلّ مواطن سوري، لانّ خلاص سوريّة ممّا هي فيه أضحى مرهونا” بإلغاء حالة الطوارئ ، وجميع استطالاتها .

د. عمار قربي  رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سورية

إكتب تعليقك