إن الظلم  أينما كان يهدد العدل في كل مكان”.

مارتن لوثر كينغ

تنهض دعائم العدل على احترام حقوق كل إنسان. وقد جسد هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقوله إن “الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم”.

وعندما يمثل المرء أمام القاضي متهماً بارتكاب فعل جنائي، يواجه آلية الدولة بعدتها وعتادها الكامل. ومن ثم، فالطريقة التي يعامل بها عندما يتهم بارتكاب جريمة تدلل بدقة على مدى احترام تلك الدولة لحقوق الإنسان الفرد. فكل محاكمة جنائية تشهد بالتزام الدولة باحترام حقوق الإنسان، ويغدو الاختبار عسيراً في حالة المتهمين بارتكاب جرائم سياسية، أي عندما تشك السلطات في أن الشخص يمثل تهديداً للقابضين على زمامها.

وعلى كل حكومة التبعة في تقديم المسؤولين عن ارتكاب الجرائم إلى العدالة. ومع هذا فهي لا تخدم العدالة عندما تسمح للجور بأن يشوب محاكماتهم.  وعندما يتعرض المرء للتعذيب أو سوء المعاملة على يد الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون، أو عندما يدان الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها، أو عندما تحيد المحاكم عن العدالة في نظر قضاياهم أو يبدو الأمر كذلك؛ يفقد النظام القضائي مصداقيته. وما لم تصن حقوق الإنسان في مخافر الشرطة وغرف الاستجواب ومراكز الاحتجاز وقاعات المحاكم وزنازين السجون، فإن الحكومة تكون قد أخفقت في أداء واجباتها وخانت المسؤوليات التي أنيطت بها.

ويبدأ خطر تعرض المرء لانتهاكات حقوق الإنسان بمجرد أن يشتبه المسؤولون في أمره، ويستمر الخطر عند لحظة القبض عليه وخلال احتجازه قبل تقديمه للمحاكمة، وأثناء المحاكمة وإبان مراحل الاستئناف جميعاً، إلى حين تطبيق أية عقوبة عليه. وقد وضع المجتمع الدولي معايير للمحاكمة العادلة أعدت لتحديد حقوق الأفراد وحمايتهم خلال كل هذه المراحل.

والحق في المحاكمة العادلة من حقوق الإنسان الأساسية. فهو أحد المبادئ واجبة التطبيق في شتى أرجاء العالم التي اعترف بها “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، وهو الإعلان الذي اعتمدته حكومات الأرض قبل خمسين عاماً، ومازال يمثل حجر الزاوية في النظام الدولي لحقوق الإنسان. ومنذ عام 1948، أصبح هذا الحق المعترف به في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” التزاماً قانونياً واقعاً على جميع الدول بوصفه جزءًا من قانون العرف الدولي.

وقد أعيد التأكيد على الحق في المحاكمة العادلة، وفصلت أبعاده منذ عام 1948، في مجموعة من المعاهدات الملزمة قانوناً مثل “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1966. كما جرى الاعتراف به والنص عليه في الكثير من المعاهدات، وغيرها من المعايير، التي لا تندرج تحت بند المعاهدات الدولية والإقليمية التي اعتمدتها الأمم المتحدة والهيئات الحكومية الدولية الإقليمية. وقد وضعت هذه المعايير لكي تطبق على جميع النظم القضائية في العالم وعلى نحو يراعي التنوع الهائل في الإجراءات القانونية -- فهي تنص على الحد الأدنى من الضمانات التي ينبغي أن توفرها جميع النظم.

وتمثل هذه المعايير الدولية لحقوق الإنسان، فيما يتعلق بالمحاكمة العادلة، ضرباً من الاتفاق في الرأي أجمعت عليه أمم الدنيا بشأن المعايير اللازمة لتقييم الطريقة التي تعامل بها الحكومات الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم. وهذا الكتاب بمثابة دليل لتلك المعايير.

التعليقات مغلقة