تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2007
منشور بواسطة admin في منظمة العفو الدولية, tags: منظمة العفو الدولية 2007تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2007 -حقائق وأرقام -عقوبة الإعدام -المدنيون في مرمى النيران -- السودان وإسرائيل ولبنان -الحرب على الإرهاب -أوقفوا العنف ضد المرأة -الحد من الأسلحة -الحق في العيش بكرامة -عام من النضال -الحرية والخوف
تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2007 -حقائق وأرقام
تسلط هذه الحقائق والأرقام الضوء على الوضع في بعض المجالات الأساسية لعمل منظمة العفو الدولية خلال عام 2006، وهي:
- العنف ضد المرأة
- الحد من الأسلحة
- عقوبة الإعدام
- التعذيب والإرهاب
- قمع المعارضة
ولا تسرد هذه الحقائق والأرقام، وليس بوسعها أن تسرد، جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت في شتى أنحاء العالم خلال عام 2006، فهي تمثل بعض الحالات التي نمت إلى علم منظمة العفو الدولية ولا تُعد بأية حال قائمة شاملة. وكما يتضح من الإحصائيات الخاصة بعقوبة الإعدام، فإن الأرقام الحقيقية لحالات الانتهاكات وإهدار الحقوق أكبر بالتأكيد مما تبين هذه النبذة السريعة.
وللحصول على مزيد من المعلومات عن دراسات الحالات، أو عن بلدان بعينها، أو عن تحليلات لقضايا معينة، يُرجى كتابة الكلمات المطلوبة في الخانة المخصصة للبحث. ومن ذلك مثلاً:
- العدالة الدولية
- المحكمة الجنائية الدولية
- الإجلاء القسري
- بيلاروس
- الهجرة
في عام 2006، كان لدى منظمة العفو الدولية:
2.2 مليونمن الأعضاء والمناصرين في أكثر من150بلداً وإقليماً في جميع أنحاء العالم
330إشعاراً بالتحرك العاجل، أصدرتها منظمة العفو الدولية لصالح أفراد معرضين للخطر
5000من الأفراد والجماعات المحلية ومنظمات حقوق الإنسان والعائلات تم العمل معهم في شتى أنحاء العالم.
7000من المدافعين عن حقوق الإنسان وجمعيات حقوق الإنسان تم تدريبهم على مستوى العالم.
120 زيارة قامت بها منظمة العفو الدولية إلى 77 بلداً وإقليماً خلال عام 2006.
57بلداً تحتجز سجناء رأي وسجناء رأي محتملين تم توثيقها.
473تقريراً وتقريراً موجزاً توثق الوضع في
153 بلداً وإقليماً، تمتد من أفغانستان إلى زمبابوي، وتناولها تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2007.
121حملة تم إطلاقها
العنف ضد المرأة
185دولة صدقت على “معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
62 دولة أبدت تحفظات عند التوقيع
9دول لم توقع
دولة واحدة وقعت ولكنها لم تصدق على الاتفاقية، وهي الولايات المتحدة الأمريكية
العنف في محيط الأسرة
واحدةمن كل ثلاثنساء، على الأقل، في أنحاء العالم تتعرض للضرب، أو للإجبار على ممارسة الجنس، أو تتعرض بطريقة أخرى للإيذاء خلال حياتها. وعادة ما يكون المعتدي شخصاً من أحد أفراد عائلتها أو شخصاً معروفاً لها.
الاتجار في البشر
مليونا شخصهم ضحايا الاتجار في البشر كل عام، وأغلبهم من النساء والفتيات.
127دولة يأتي منها هؤلاء الضحايا، ومعظمها في وسط وشرق أوروبا، وفي آسيا، وغرب إفريقيا، وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
137دولة يُرسل إليها هؤلاء الضحايا، ومعظمها في غرب أوروبا، وآسيا، وأمريكا الشمالية.
المرأة أثناء الصراعات
70 بالمئة من القتلى والجرحى خلال النزاعات التي وقعت مؤخراً كانوا من غير المقاتلين، وغالبيتهم من النساء والفتيات.
عشرات الألوف من النساء والفتيات تعرضن للاغتصاب أو غيره من صور العنف الجنسي الشديد منذ اندلاع الأزمة في دارفور في عام 2003.
لا أحد قُدم إلى ساحة العدالة عن تلك الفظائع في دارفور.
المصدر: منظمة العفو الدولية، “صندوق رعاية الطفولة” التابع للأمم المتحدة (اليونيسيف)، “صندوق الأمم المتحدة لتنمية المرأة”، الأمم المتحدة، منظمة الصحة العالمية
الحد من الأسلحة خلال عام 2006:
1,250,000 شخص شاركوا في “مناشدةالمليون وجه”، والتي تُعد أكبر حملة من هذا النوع، حيث طالبوا بوضع ضوابط أكثر صرامة على تجارة الأسلحة.
153 حكومة صوتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ديسمبر/كانون الأول، لصالح بدء العمل من أجل وضع معاهدة دولية بشأن تجارة الأسلحة.
دولة واحدة صوتت ضد وضع المعاهدة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
24دولة أخرى امتنعت عن التصويت.
تجارة الأسلحة
22 مليار دولار أمريكيفي المتوسط تُنفق على الأسلحة كل عام في دول في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.
22 مليار دولار أمريكيكان يمكن أن تتيح لهذه الدول توفير مكان لكل طفل في المدارس وخفض معدل وفيات الأطفال بمقدار الثلثين بحلول عام 2015.
85 بالمئة من أعمال القتل التي سجلتها منظمة العفو الدولية كانت تنطوي على استعمال أسلحة صغيرة وأسلحة خفيفة
رصاصتانهما نصيب كل رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض من مجموع الذخائر التي تُنتج كل عام.
60بالمئة من الأسلحة النارية في العالم يملكها أفراد بصفتهم الشخصية.
المصدر: منظمة العفو الدولية، تقارير الأسلحة الصغيرة للأعوام 2002 و2003 و2004 و2005، تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة للعام 2005، “قاعدة بيانات التجارة في البضائع” التابعة للأمم المتحدة، اقتراح “مؤسسة التمويل الدولية”، يناير/كانون الثاني 2003، وزارة الخزانة البريطانية، التقرير العالمي للعام 2004 الصادر عن “برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز”، الكونغرس الأمريكي
“حملة الحد من الأسلحة”، هي حملة مشتركة تقوم بها منظمة العفو الدولية بالتعاون مع “شبكة التحرك الدولي بخصوص الأسلحة الصغيرة”ومنظمة “أوكسفام”.
موقع الحملة: www.controlarms.org
عقوبة الإعدام في عام 2006:*
20 ألف شخص تحت طائلة الإعدام في شتى أنحاء العالم
3861شخصاً حُكم عليهم بالإعدام في 55دولة.
1591** سجيناً أُعدموا في25دولة، وهو رقم يقل عن2148شخصاً أُعدموا في22 دولة في عام 2005.
128دولة ألغت عقوبة الإعدام في القانون أو في الواقع الفعلي.
كانت الدولة التاسعة والتسعينالتي تلغي عقوبة الإعدام بالنسبة للجرائم العادية هي الفلبين، التي اتخذت هذا الإجراء في عام 2006.
91 بالمئة من جميع حالات الإعدام التي نمت إلى علم منظمة العفو الدولية نُفذت في ست دول، هي: الصين وإيران، والعراق، والسودان، وباكستان، والولايات المتحدة الأمريكية.
65شخصاً أُعدموا في العراق، على حد علم منظمة العفو الدولية، بينما أُعدم ثلاثةفي العام السابق.
69 دولة لا تزال تطبق عقوبة الإعدام.
3أشخاص تم إعدامهم خلال 2005
* الأرقام الخاصة بعدد الأشخاص الذين حُكم عليهم بالإعدام والذين نُفذ فيهم الحكم لا تشمل إلا الحالات التي علمت بها منظمة العفو الدولية، ولكن الأرقام الفعلية أعلى من ذلك.
** هذا الرقم أعلى من الرقم المنشور في تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2007، حيث وردت معلومات جديدة في الأسابيع القليلة الأخيرة.
المصدر: منظمة العفو الدولية
التعذيب والإرهاب
144دولة صدقت على “اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”
102دولة وقعت بها حالات تعذيب ومعاملة سيئة على أيدي قوات الأمن أو الشرطة أو غيرها من السلطات الحكومية، وهي موثقة في تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2007.
“الحرب على الإرهاب”
400معتقل ينتمون إلى ما يزيد عن 30جنسية لا يزالون محتجزين في معتقل غوانتنامو، الرمز الواضح للمظالم في سياق “الحرب على الإرهاب”، بحلول نهاية 2006.
200معتقل أضربوا عن الطعام منذ بدأ استخدام المعتقل
40معتقلاً حاولوا الانتحار
3أشخاص تُوفوا في معتقل غوانتنامو، في يونيو/حزيران 2006، في حوادث انتحار، على ما يبدو.
؟؟ (عدد غير معروف) من المعتقلين في مراكز اعتقال أخرى سرية أو “مواقع سوداء” في شتى أنحاء العالم
المصدر: منظمة العفو الدولية
العدالة الدولية*
المحكمة الجنائية الدولية
104دولة صدقت على قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
100دولة أبرمت “اتفاقية حصانة” مع الولايات المتحدة الأمريكية -- والتي تستثني مواطني الولايات المتحدة من المقاضاة
6أمر بإلقاء القبض تم صدروها
3قضايا قيد التحقيق -- شمال أوغندا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ودارفور في السودان
المحكمة الجنائية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة
161شخصاً اتهموا بانتهاكات خطيرة للقانون الدولي
المحكمة الخاصة بسيراليون
10أشخاص يواجهون محاكمة، من بينهم تشارلز تايلورالذي تم ترحيله إلى محكمة خاصة في مارس/آذار 2006
كلهمرفضوا الاعتراف بالجرم -- فقد اتهموا بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات أخرى للقانون الدولي
المحكمة الخاصة برواندا
27 حكماً تم إصدارها تضمنت33 شخصاً
عقوبة الإعدام
وامتد النجاح إلى حملة منظمة العفو الدولية من أجل عالم خال من الإعدامات. ففي يونيو/حزيران، أصبحت الفلبين هي الدولة الثامنة والثمانين التي تلغي عقوبة الإعدام تماماً. وحظي هذا الحدث بالترحيب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، على وجه الخصوص، إذ يُنفذ في هذه المنطقة عدد كبير جداً من أحكام الإعدام بالنسبة إلى ما يُنفذ على مستوى العالم كله. وفي يوليو/تموز، لعبت المنظمة دوراً في حشد عدد من جماعات حقوق الإنسان والنشطاء والمحامين والبرلمانيين من 21 بلداً لتشكيل “شبكة مناهضة عقوبة الإعدام في آسيا”، التي تُعد بمثابة جبهة موحدة ضد عقوبة الإعدام على المستوى الإقليمي. وفي أعقاب الجهود القوية والنشيطة التي بذلتها منظمة العفو الدولية على مدار السنوات الأخيرة في أوروبا، أجرت مولدوفا تعديلاً على دستورها لإضفاء الصفة الرسمية على إلغاء عقوبة الإعدام بشكل كامل، كما صدَّقت على المواثيق الدولية التي تقتضي إلغاء العقوبة. وأصدرت قرغيزستان دستوراً جديداً لا ينص على اعتبار الإعدام عقوبة، ومن ثم لا يجيز تنفيذ تلك العقوبة.
وخلال عام 2006، أُعدم ما لا يقل عن 1544 شخصاً في 25 بلداً في أنحاء العالم. وصدرت أحكام بالإعدام ضد 3861 شخصاً على الأقل في 55 بلداً، ويُعتقد أن الأعداد الحقيقية أعلى من ذلك بكثير. ونُفذ أغلب الإعدامات، حوالي 90 بالمئة، في خمس دول فقط، وهي: إيران، وباكستان، والصين، والعراق، والولايات المتحدة الأمريكية. أما الدولتان اللتان أُعدم فيهما أشخاص أُدينوا بارتكاب جرائم بينما كانت أعمارهم أقل من 18 عاماً، فهما إيران وباكستان.
المدنيون في مرمى النيران -- السودان وإسرائيل ولبنان
السودان
“سمعنا الجنجويد يقررون فتح نيران أسلحتهم على المسجد ولذا قررنا الفرار منه … لقد أسروا النساء … وكان الرجال يمسكون بخناقهن ويجلسون على أجسادهن حتى لا يستطعن الحراك، ونزعوا ملابسهن ثم استخدموهن كنساء. وكان أكثر من رجل يستخدم امرأة واحدة. وكنت أسمع النساء يبكين طلباً للمساعدة، لكن لم يكن هناك أحد يساعدهن”.
امرأة تحدثت لمنظمة العفو الدولية عن الهجوم على دجورلو، بتشاد في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2006. ويستحيل معرفة عدد النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب منذ بداية النـزاع المسلح في دارفور العام 2003. ولا شك في أن عددهن يبلغ الآلاف.
بالرغم من اتفاق السلام، الذي وُقع في مايو/أيار، فقد تصاعد القتال في دارفور، حيث شنت الحكومة والطرف الآخر الوحيد الذي وقع على الاتفاق، وهو أحد فصائل المتمردين المسلحة، هجوماً جديداً على الجماعات المسلحة التي لم توقع على الاتفاق. وأدت الهجمات عبر الحدود، والتي شنتها ميليشيات “الجنجويد” التي تساندها الحكومة السودانية، إلى نقل فظائع الحرب وما يتبعها من انتهاكات حقوق الإنسان إلى داخل تشاد، وهو الأمر الذي يهدد بتفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة. ويُعتقد أن مئات المدنيين قد قُتلوا بينما اضطُر عشرات الآلاف إلى النزوح من ديارهم؛ بسبب الهجمات المباشرة والمتعمدة التي شنتها القوات الحكومية والقوات الموالية لها. وفي هذا الصدد، ركزت أنشطة منظمة العفو الدولية على الحاجة إلى نشر قوات دولية لحفظ السلام من أجل حماية المدنيين في دارفور وشرق تشاد، بالرغم من ممانعة الحكومة السودانية.
* وزار مندوبون من منظمة العفو الدولية تشاد، في مايو/أيار ويوليو/تموز ونوفمبر/تشرين الثاني، بعد أن رفضت السلطات السودانية السماح لهم بزيارة دارفور. وفي المخيمات الواقعة في شرق تشاد، استمع مندوبو المنظمة إلى روايات مفزعة من النازحين من دارفور، وكذلك من مواطنين تشاديين تعرضوا لاعتداءات، حيث أُخليت مساحات شاسعة من مناطق شرقي تشاد من جراء الغارات عبر الحدود (السودان/تشاد: نثر بذور دارفور- الاستهداف العرقي في تشاد على أيدي ميليشيات “الجنجويد” القادمة من السودان” (رقم الوثيقة: AFR 20/006/2006)). وفي نوفمبر/تشرين الثاني، وثَّق أعضاء المنظمة مصرع ما يزيد عن 500 شخص في شرق تشاد، ومن المؤكد أن عدد من قُتلوا مع استمرار الهجمات هو أضعاف هذا العدد. وزار مندوبو المنظمة بعض القرى المدمرة، وتحدثوا مع عدد من الناجين من الهجمات وأعمال الاغتصاب. وأظهرت شهادات العديدين تقاعس الحكومة التشادية عن نشر قواتها لحماية المدنيين، بما في ذلك القوات المرابطة بالقرب من مواقع الهجمات. وجددت منظمة العفو الدولية دعوتها إلى مجلس الأمن الدولي من أجل نشر قوة دولية لحفظ السلام في شرق تشاد.
* وفي مارس/آذار، طالب الاتحاد الإفريقي بأن تُنقل مهام حفظ السلام في دارفور، التي تنهض بها “بعثة الاتحاد الإفريقي في السودان” إلى قوة من الأمم المتحدة، حيث تفتقر “بعثة الاتحاد الإفريقي في السودان” إلى المعدات والإمكانات المالية، كما فرضت الحكومة السودانية قيوداً على نشاطها. وفي يوليو/تموز، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً موجزاً بشأن الموارد والسلطات والصلاحيات التي تحتاجها أية قوة لحفظ السلام. وفي ديسمبر/كانون الأول، وضعت المنظمة “قائمة الأولويات من أجل حماية فعالة للمدنيين في دارفور” (رقم الوثيقة: AFR 54/084/2006).
* واحتجَّ أعضاء منظمة العفو الدولية على الهجمات التي شنتها القوات الحكومية والقوات الموالية لها على أفراد وتجمعات في شمال دارفور، وذلك من خلال مناشدات التحرك العاجل وحالات المناشدة بخصوص أحداث بعينها، ومن بينها مقتل 70 من الرجال والنساء والأطفال خلال هجوم في كورما، في يوليو/تموز، ومقتل 67 شخصاً في منطقة جبل مون، في أكتوبر/تشرين الأول. وتعرض مئات آخرون من المدنيين للقتل والتعذيب والاغتصاب، كما أُجبر الآلاف على النزوح من ديارهم قسراً، بدءاً من سبتمبر/أيلول، عند تجدد العمليات العسكرية لمكافحة التمرد في شمال دارفور وغربها.
* وفي مبادرة، جرت في سبتمبر/أيلول، تحت شعار “يوم من أجل دارفور”، سعت منظمة العفو الدولية، ضمن ائتلاف من المنظمات الأخرى المعنية بحقوق الإنسان، من أجل السماح بنشر قوات لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة من أجل حماية المدنيين. وفي غضون ثلاثة أسابيع، كان 23 ألف شخص قد وقعوا على الالتماس الذي وجهته منظمة العفو الدولية عبر الإنترنت إلى مجلس الأمن الدولي، كما استمر عدد الموقعين في التزايد بعد ذلك. وخُصص يوم آخر للأنشطة بشأن دارفور، في ديسمبر/كانون الأول، ركزت خلاله منظمة العفو الدولية وغيرها من الجماعات على محنة النساء (“السودان/تشاد: “لا أحد يساعدهن”- الاغتصاب يمتد من دارفور إلى شرق تشاد” (رقم الوثيقة: AFR 54/087/2006).
* وقد غدا مئات الآلاف من النازحين في المخيمات مسجونين من الناحية الفعلية على أيدي ميليشيات “الجنجويد”، وهو ما بينته منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر، في أكتوبر/تشرين الأول، بعنوان: السودان: “صرخات من أجل الأمان” (رقم الوثيقة: AFR 54/055/2006). وفي نوفمبر/تشرين الثاني، شنت القوات السودانية عمليات قصف جوي دون تمييز باستخدام طائرات حربية وطائرات مروحية حصلت عليها من روسيا والصين ومن ثم، دعت المنظمة إلى التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي الصادر في عام 2005 بفرض حظر على توريد الأسلحة إلى جميع أطراف النزاع في دارفور (“السودان/الصين: مناشدة من منظمة العفو الدولية إلى الحكومة الصينية بمناسبة القمة الصينية الإفريقية من أجل التنمية والتعاون” (رقم الوثيقة: AFR 54/072/2006)).
* وفي نوفمبر/تشرين الثاني، دعت منظمة العفو الدولية الاتحاد الإفريقي إلى حث الحكومة السودانية على الموافقة على نشر بعثة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة (“اللجنة الإفريقية: البيان الشفوي لمنظمة العفو الدولية عن وضع حقوق الإنسان في إفريقيا” (رقم الوثيقة: AFR 01/012/2006)). وأشارت المنظمة إلى أن مئات الآلاف من السكان يتهددهم الخطر من جراء انعدام الأمن والقيود التي فرضتها الحكومة السودانية على المنظمات الإنسانية، مما اضطرها إلى تخفيض عمليات تقديم المساعدات في دارفور، وهو الأمر الذي تناولته المنظمة في تقريرها الصادر بعنوان: “السودان: دارفور- تهديدات للمساعدات الإنسانية” (رقم الوثيقة: AFR 54/031/2006).
* وفي ديسمبر/كانون الأول، احتجَّت منظمة العفو الدولية على الطابع المتهاون الذي اتسم به القرار الصادر عن “مجلس حقوق الإنسان” في الأمم المتحدة في جلسة خاصة عن دارفور. فقد وافق المجلس على إيفاد بعثة إلى دارفور لتقييم الوضع، ولكنه لم يستجب للأزمة الإنسانية الهائلة والملحة بالنظر إلى توفر أدلة دامغة على وجود صلات بين الحكومة السودانية والانتهاكات التي ترتكبها ميليشيات “الجنجويد”.
* وحصلت منظمة العفو الدولية على أسماء أشخاص قُتلوا في بلدة كولوي في شرق تشاد خلال هجوم شنته ميليشيات “الجنجويد” القادمة من السودان، في نوفمبر/تشرين الثاني. وقال أحد مندوبي منظمة العفو الدولية الذين زاروا شرق تشاد “لدى مغادرتنا، شكرني الإمام وأعرب عن شكره لمنظمة العفو الدولية لحضورها إلى المنطقة. وقد أكد أنه سبق وتوجه إلى العاصمة مرتين للتحدث مع السلطات، كما تحدث مراراً مع مسؤولين حكوميين وعسكريين في المنطقة، كما جاءت هيئات دولية عديدة، ولكن لم يحدث مطلقاً من قبل أن سأل أحد عن أسماء المدنيين الذين قُتلوا، وأضاف أن لهذا الأمر مغزى كبيراً”.
إسرائيل ولبنان: المدنيون تحت القصف
في يوليو/تموز، اندلع نزاع عسكري واسع بين القوات الإسرائيلية وقوات “حزب الله” في لبنان، بعد أن عبر مقاتلون من “حزب الله” الحدود إلى داخل إسرائيل وهاجموا دورية عسكرية إسرائيلية. وعندما تم الاتفاق على وقف إطلاق النار، بعد 34 يوماً، كانت الهجمات الإسرائيلية قد أسفرت عن مقتل ما يزيد عن ألف مدني في لبنان، وشردت قرابة مليون نسمة، كما دمرت آلاف المنازل ومعظم مرافق البنية الأساسية المدنية في لبنان. وفي أثناء النزاع، أطلق “حزب الله” صواريخ على مناطق مدنية في إسرائيل، مما أسفر عن وفاة 43 مدنياً وتشريد عدة آلاف من منازلهم في شمال إسرائيل وإلحاق أضرار بمئات المباني.
* وقد زار مندوبون من منظمة العفو الدولية إسرائيل ولبنان خلال القتال، وفي أعقاب وقف إطلاق النار مباشرة لإجراء بحوث عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب، على أيدي الطرفين. والتقى مندوبو المنظمة مع مئات الأشخاص الذين دُمرت حياتهم من جراء الهجمات التي شُنت دون وجه حق، كما زاروا مواقع عديدة تعرضت للقصف بالصواريخ أو القذائف المدفعية أو القنابل، بما في ذلك القنابل العنقودية، وتحدثوا مع ممثلي منظمات غير حكومية. والتقى مندوبو المنظمة مع عدد من كبار المسؤولين العسكريين والحكوميين في إسرائيل، وكذلك مع مسؤولين لبنانيين ومسؤولين من “حزب الله”، وحصلوا منهم على معلومات بخصوص الأحداث. وطلبت المنظمة مراراً معلومات من إسرائيل و”حزب الله” بشأن عمليات عسكرية بعينها.
* ومنذ اندلاع النزاع، دعت منظمة العفو الدولية الطرفين إلى احترام التزاماتهما بموجب القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب)، وخاصة ما يتعلق منها بحماية المدنيين، ومع ذلك فقد تحمل المدنيون القسم الأعظم من أعباء النزاع. وقد ضمت منظمة العفو الدولية صوتها إلى صوت الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وغيره من قادة العالم في الدعوة إلى وقف إطلاق النار. وفي يوليو/تموز، نشرت المنظمة تقريراً بعنوان: “إسرائيل/لبنان: يجب على إسرائيل و”حزب الله” تجنب الهجوم على المدنيين- التزامات جميع أطراف النزاع في إسرائيل ولبنان بموجب القانون الإنساني الدولي” (رقم الوثيقة:MDE 15/070/2006).
* وعقب انتهاء العمليات العسكرية، وبعد إجراء مزيد من البحوث والمناقشات مع المسؤولين، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرين موجزين يتناولان بعض جوانب النزاع. ففي أغسطس/آب، نشرت المنظمة تقريراً بعنوان: “إسرائيل/لبنان: تدمير متعمد أم “أضرار جانبية”؟- الهجمات الإسرائيلية على البنية الأساسية المدنية” (رقم الوثيقة: MDE 18/007/2006). وخلص التقرير إلى أن القوات الإسرائيلية شنت هجمات دون تمييز وبشكل غير متناسب، وواصلت تنفيذ إستراتيجية تهدف، على ما يبدو، إلى معاقبة الشعب اللبناني وحكومته لعدم وقوفهم ضد “حزب الله”، وكذلك إلى إلحاق أضرار بقدرات “حزب الله”.
* وفي سبتمبر/أيلول، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً بعنوان: “إسرائيل/لبنان: تحت القصف: هجمات “حزب الله” على شمال إسرائيل” (رقم الوثيقة: MDE 02/0025/2006). وخلص التقرير إلى أن “حزب الله” ارتكب انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك جرائم حرب، حيث كانت الهجمات الصاروخية التي شنها بمثابة هجمات متعمدة على مدنيين وأهداف مدنية، فضلاً عن أنها هجمات دون تمييز. كما مثلت هذه الهجمات انتهاكاً لقواعد أخرى في القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك حظر الهجمات الانتقامية على السكان المدنيين.
* وفي نوفمبر/تشين الثاني، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً بعنوان: “إسرائيل/لبنان: هجمات غير متناسبة على الإطلاق-المدنيون يتكبدون ويلات الحرب” (رقم الوثيقة: MDE 02/033/2006). وتناول التقرير مزيداً من الجوانب المتعلقة بالنزاع، وعواقب العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. واستعرض التقرير بشكل تحليلي أنماط الهجمات الإسرائيلية وعدداً من الحوادث المعينة التي قُتل فيها مدنيون في لبنان. وسلَّط التقرير الضوء على أثر الهجمات الإسرائيلية الأخرى على حياة المدنيين، بما في ذلك تركة عمليات القصف الواسعة النطاق بالقنابل العنقودية، والتي شنتها القوات الإسرائيلية على جنوب لبنان خلال الأيام الأخيرة من الحرب. كما لخص التقرير النتائج التي توصلت إليها منظمة العفو الدولية فيما يتعلق بمسلك القوات الإسرائيلية ومقاتلي “حزب الله” بصفة عامة.
* وتحدث المواطن اللبناني أحمد بدران إلى مندوبي منظمة العفو الدولية في قرية الغازية في جنوب لبنان، بعد أن شاهد جثث ثمانية من أفراد عائلته تُستخرج من تحت كومة من الأنقاض، فقال: “لقد فقدت جميع أطفالي، وأمي، وأخواتي. وزوجتي في حالة شديدة الخطورة. كيف يمكن للمرء أن يقول لأم أنها فقدت جميع أطفالها؟”. وكان صاروخ إسرائيلي قد أصاب منزل أحمد بدران، يوم 7 أغسطس/آب، فقتل أطفاله الأربعة وأمه وأختيه، كما أصاب زوجته بجراح بالغة”.
* ودعت منظمة العفو الدولية الأمم المتحدة إلى تشكيل لجنة دولية تُكلف بالتحقيق في الدلائل على وقوع انتهاكات للقانون الدولي من جانب إسرائيل و”حزب الله”، وبوضع قواعد لتقديم تعويضات للضحايا. كما دعت المنظمة إلى فرض حظر على إمداد الطرفين بالأسلحة، وإلى وقف استخدام القنابل العنقودية فوراً. وحثت المنظمة جميع أطراف النزاع على التحقيق في الادعاءات الخاصة بوقوع انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى ضمان تقديم تعويضات للضحايا.
* وفي أعقاب النزاع، ركز أعضاء منظمة العفو الدولية في شتى أنحاء العالم جهودهم على مطالبة إسرائيل بأن تسلم الأمم المتحدة فوراً الخرائط التي تبين المواقع التي استخدمت فيها القنابل العنقودية، وذلك للمساعدة في إزالة القنابل العنقودية الصغيرة التي لم تنفجر، وهي قنابل ما زالت تؤدي إلى مقتل وتشويه مدنيين لبنانيين. وكانت قرابة مليون قنبلة عنقودية لم تنفجر لا تزال مزروعة في جنوب لبنان عندما بدأ سريان وقف إطلاق النار، مما يشكل تهديداً بعيد المدى للسكان المدنيين.
* وفي ديسمبر/كانون الأول، قام وفد من منظمة العفو الدولية، ضم الأمينة العامة للمنظمة أيرين خان، بزيارة لبنان وإسرائيل والأراضي المحتلة، لإجراء محادثات رفيعة المستوى مع المسؤولين. ونشرت المنظمة تقريراً موجزاً، ليكون متزامناً مع الزيارة، وعنوانه: إسرائيل والأراضي المحتلة: الطريق إلى العدم (رقم الوثيقة: MDE 15/093/2006). وركز التقرير على أزمة حقوق الإنسان المتواصلة في الأراضي المحتلة على مدى السنوات الست الماضية.
الحرب على الإرهاب
في إطار الحملة العالمية التي شنتها منظمة العفو الدولية لمناهضة الانتهاكات التي تُرتكب في سياق “الحرب على الإرهاب”، عرضت المنظمة وأدانت مئات من حالات التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي ادعت بعض الدول أنها كانت رداً ضرورياً على التهديدات الأمنية. كما أدانت المنظمة بقوة الهجمات المتعمدة على المدنيين والهجمات دون تمييز على أيدي الجماعات المسلحة.
* ففي يناير/كانون الثاني، عقدت منظمة العفو الدولية تجمعاً في لبنان استغرق يومين لمنظمات معنية بحقوق الإنسان من بلدان الشرق الأوسط. وخلص المشاركون إلى أنه لا يجوز نقل أي معتقل من دولة إلى أخرى استناداً إلى مجرد تأكيدات دبلوماسية بأنه لن يتعرض للتعذيب أو غيره من صنوف المعاملة السيئة بعد نقله، وأن مذكرات التفاهم المبرمة لهذا الغرض بين حكومة المملكة المتحدة وبعض الحكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تهدر الحظر المطلق على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.
* وقدمت منظمة العفو الدولية وجماعات أخرى معنية بحقوق الإنسان تقريراً موجزاً إلى “المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان” في قضية “رمزي ضد هولندا”، سعت فيها إلى تأكيد الحظر المطلق بموجب القانون على نقل أي شخص إلى دولة يكون فيها عرضةً للتعذيب.
* وتناولت منظمة العفو الدولية بالتحليل برنامج الولايات المتحدة الخاص بعمليات “الترحيل الاستثنائي”، أي نقل أشخاص من دولة إلى أخرى مع تجاوز الإجراءات القضائية والإدارية الواجبة، وذلك في تقريرها الصادر، في إبريل/نيسان، بعنوان: “الولايات المتحدة الأمريكية: خارج مجال الرادار -- الرحلات الجوية السرية إلى التعذيب و”الاختفاء” (رقم الوثيقة: AMR 51/051/2006). وكان مئات من المشتبه في صلتهم بالإرهاب قد نُقلوا، منذ عام 2001، إلى دول تتسم إجراءات الاستجواب فيها بطابع الوحشية والإكراه، على المستويين البدني والنفسي. وتعرض كثير من المعتقلين للاختفاء القسري، وهو جريمة بموجب القانون الدولي.
* وتكشفت تفاصيل فريدة عن مراكز الاحتجاز السرية التي تديرها الولايات المتحدة، والمعروفة باسم “المواقع السوداء”، من خلال ما عرضه ثلاثة يمنيين، احتجزتهم الولايات المتحدة، أو احتُجزوا بأوامر منها، لما يزيد عن 18 شهراً، ثم احتُجزوا لأكثر من تسعة أشهر بدون تهمة في اليمن، وهم محمد عبد الله الأسد، ومحمد فرج أحمد باشميلة، وصلاح ناصر سليم علي. وكان أعضاء منظمة العفو الدولية قد نظموا حملات من أجل تقديمهم للمحاكمة أو إطلاق سراحهم، وحضر مندوبون من المنظمة جلسات المحاكمة، التي أُجريت في نهاية المطاف، في فبراير/شباط 2006، وأسفرت عن الإفراج عنهم جميعاً بشكل نهائي، في مارس/آذار.
* ونظم الفرع الفرنسي لمنظمة العفو الدولية حملة واسعة على شبكة الإنترنت لنشر الحقائق عن عمليات “الترحيل الاستثنائي”، وذلك بتعاون وثيق مع الفنان ليروي كيسيا ( www.terrorairlines.com). واستضاف الفرع الأمريكي للمنظمة مناقشة عبر الإنترنت، في أغسطس/آب، بعد أن صرح بيتر بوير وغيره من المحققين السابقين أمام الكونغرس الأمريكي بأنه لم يكن ضرورياً اللجوء إلى التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة لكسب “الحرب على الإرهاب”. وفي ديسمبر/كانون الأول، نظم الفرع الأردني للمنظمة حملةً، بالتعاون مع رسام الكاريكاتير خلدون غرايبة والمعتقل السابق خالد الأسمر، من أجل إغلاق المعتقل الأمريكي في خليج غوانتنامو بكوبا.
* وفي التقرير المعنون: “الإرهاب ومكافحة الإرهاب: الدفاع عن حقوقنا الإنسانية” (رقم الوثيقة: ACT 40/009/2006)، والصادر في أغسطس/آب، عرضت منظمة العفو الدولية بالتفصيل كيف تصدى أعضاء المنظمة، وغيرهم من النشطاء في شتى أنحاء العالم، بقوة للضربات التي تُوجه إلى حقوق الإنسان في سياق “الحرب على الإرهاب”. ولفت التقرير الأنظار إلى النزاعات وغيرها من الظروف التي يتم فيها التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان، إذ تركز الدول على القضايا المتعلقة بالأمن الوطني.
* وأُطلق سراح مراد كورناز، وهو مواطن تُركي مقيم في ألمانيا، من معتقل غوانتنامو، في أغسطس/آب 2006 . وتعقيباً على ذلك، قال محاميه: “إنه الآن وسط أهله مرة أخرى، ولا يمكن وصف فرحتهم وهم يحتضنون ابنهم الذي افتقدوه طويلاً”. وكان مراد كورناز قد اعتُقل بدون تهمة أو محاكمة لما يقرب من خمس سنوات، إلى أن بدأت السلطات الألمانية في التحرك لصالحه، وذلك في أعقاب جهود بذلتها أسرته ومجموعة من المحامين، فضلاً عن منظمة العفو الدولية.
أوقفوا العنف ضد المرأة
“لا أدري حقاً ما الذي جعلني أقرر ذلك المساء استدعاء الشرطة، لكنني أقول دائماً إنه منظر تنظيف بقع الدماء التي سالت مني.” كانت هذه كلمات سيدة بريطانية تُدعى لورين، حيث ظلت ثماني سنوات تتعرض للضرب بشكل متواتر على يدي رفيقها دون أن تخبر أحداً بذلك، وهي تفسر ذلك بقولها: “يسألني الناس لماذا لم أتركه وأرحل، لكن رفيقي كان يوجه إلى كثيراً من التهديدات التي كان ينفذها دائماً. كنت خائفة منه للغاية. وهكذا يصل المرء إلى مرحلة يتعايش فيها مع هذا ويصبح نمطاً عادياً للحياة، يتكيف المرء مع هذا ويتحمله ويداريه.” وتتلقى خدمات الطوارئ في المملكة المتحدة مكالمة هاتفية كل دقيقة في المتوسط بخصوص العنف في محيط الأسرة.
ومن المهد إلى اللحد، وفي السلم وفي الحرب، تتعرض النساء للتمييز والعنف على أيدي الدولة والمجتمع والأسرة.
شكلت قضية العنف في محيط الأسرة إحدىالقضايا الأساسية التي ركزت عليها أنشطة منظمة العفو الدولية عام 2006. وتحمِّلُ منظمة العفو الدولية سلطات الدولة المسؤولية عندما تحجم عن اتخاذ إجراءات كافية لحماية النساء من العنف في محيط الأسرة، وذلك من خلال عدم إصدار أو تنفيذ قوانين أو إجراءات بعينها، أو عدم توفير البرامج التدريبية المتخصصة أو الرعاية الطبية اللازمة، أو عدم توفير دور الإيواء وغيرها من الخدمات أو عدم دعم القائم منها. وإذا ما أحجمت دولة ما عن بذل ما يكفي من الجهود لمنع أعمال العنف ضد المرأة، والتحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها؛ فإنها تكون شريكةً في المسؤولية عن هذه الانتهاكات.
شكلت قضية العنف في محيط الأسرة إحدىالقضايا الأساسية التي ركزت عليها أنشطة منظمة العفو الدولية. وكانت حملة المنظمة جزءاً من حركة عالمية أوسع لمواجهة العنف ضد المرأة، باعتبار ذلك من قضايا حقوق الإنسان. وفي أكتوبر/تشرين الأول، نشر الأمين العام للأمم المتحدة دراسة عميقة عن العنف ضد المرأة بجميع أشكاله. وأهابت الدراسة بدول العالم أن تكفل المساواة بين الجنسين، وأن تجعل قوانينها وممارساتها متماشيةً مع المعايير الدولية، وأن تجمع بيانات عن المشكلة بهدف تعزيز السياسات وعملية التخطيط، وأن تخصص الإمكانات والاعتمادات المالية اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. وفي نوفمبر/تشرين الأول، رحب أعضاء منظمة العفو الدولية بالحملة التي نظمها مجلس أوروبا بشأن العنف في محيط الأسرة، وحثوا الدول الأعضاء في المجلس على تحقيق أهداف الحملة المتمثلة في إلغاء القوانين التي تنطوي على التمييز، وتعزيز الخدمات لضحايا العنف، والتصدي لأوجه التحيز والتحامل على المستوى الاجتماعي.
* ودعت منظمة العفو الدولية حكومات العالم إلى تنفيذ “برنامج منظمة العفو الدولية المؤلف من 14 نقطة لمنع العنف في محيط الأسرة”، والذي يدعو الحكومات إلى حماية السلامة البدنية والعقلية للنساء اللائي تعرضن للإيذاء. كما يؤكد على ضرورة ألا تنطوي سياسات الحكومات أو ممارساتها أو قوانينها على التمييز ضد المرأة، ويدعو الحكومات إلى التشاور والعمل بشكل وثيق مع الضحايا من النساء ومع المنظمات التي لديها خبرة في التصدي للعنف في محيط الأسرة.
* وكانت الحاجة إلى توفير مكان آمن للضحايا هي جوهر “نشاط منظمة العفو الدولية على مدى 16 يوماً” بمناسبة “اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة”، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني. ومن خلال 16 حالة مناشدة نُشرت على الإنترنت، حثت منظمة العفو الدولية الحكومات على إقامة وتمويل دور إيواء للنساء الفارين من العنف في محيط الأسرة. فهناك بعض الحكومات التي لا توفر أية ملاجئ للنساء اللاتي يواجهن الإيذاء في محيط الأسرة، أو لا تدعم الملاجئ القائمة، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية. وأحياناً ما يكون الدعم متقطعاً أو غير كاف في بلدان أخرى، مثل بلجيكا ومنغوليا. وسلطت منظمة العفو الدولية الضوء على الصعوبات الخاصة التي تواجهها النساء المهاجرات في الدانمرك، حيث يتهددن خطر فقدان الحق في الإقامة إذا ما أنهين علاقتهن بأزواج أو رفقاء من مرتكبي الإيذاء، وكذلك المشاكل التي تواجهها النساء من السكان الأصليين في الولايات المتحدة، بما في ذلك نساء السكان الأصليين في ألاسكا، واللاتي لا يمكنهن اللجوء إلى دور إيواء تقدم خدمات ملائمة من الناحية الثقافية.
* وفي أغسطس/آب، ذكر المدير العام للشرطة في ألبانيا أنه أصدر تعليماته إلى الشرطة بتنفيذ توصيات منظمة العفو الدولية الواردة في التقرير الذي صدر، في مارس/آذار، بعنوان: “ألبانيا: العنف ضد المرأة في محيط الأسرة” (رقم الوثيقة: EUR 11/002/2006). وكانت منظمة العفو الدولية، في هذا التقرير، قد دعت الشرطة إلى التعامل بجدية مع أنباء العنف في محيط الأسرة، والتحقيق فيها، وتوفير الحماية للشاكيات والشهود، وتسهيل عمل المنظمات النسائية، واتخاذ إجراءات تأديبية ضد ضباط الشرطة الذين “يهملون” الشكاوى المتعلقة بالعنف ضد المرأة أو “يتعاملون معها بنوع من اللامبالاة”.
* وفي التقرير الذي نشرته منظمة العفو الدولية، في مايو/أيار، بعنوان “سيراليون: النساء يتعرضن لانتهاكات لحقوق الإنسان في القطاع القانوني غير الرسمي” (رقم الوثيقة: AFR 51/002/2006)، بينت المنظمة أن السلطات التي يتمتع بها الحكام التقليديون، من خلال المحاكم العُرفية، يمكن أن تحرم المرأة من حقوقها. ففي كثير من الأحيان، تقع النساء تحت رحمة قوانين عُرفية تنطوي على التمييز بسبب تقاعس الشرطة عن الاستجابة للمناشدات التي تطلب العون، وتقاعس المحاكم المحلية عن ممارسة ولايتها القضائية.
* ويعكس التقاعس عن التصدي للمستويات المرتفعة من العنف مواقف اجتماعية وثقافية تقلل من شأن الجرائم وترسخ التمييز ضد المرأة، وهو ما أظهرته منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر، في يونيو/حزيران، بعنوان “جامايكا: العنف الجنسي ضد النساء والفتيات في جامايكا -- “قليل من الجنس ليس إلا” (رقم الوثيقة:AMR 38/002/2006). ولا يكفل القانون في جامايكا حماية قانونية للنساء في حالات اغتصاب الزوج لزوجته، أو سفاح الأقارب، أو المضايقات الجنسية. وفي المحاكم، لا يُعتد بشهادة المرأة صراحةً بنفس القدر الذي تحظى به شهادة الرجل.
* وتؤثر مخاطر التعرض للعنف الجنسي، سواء في محيط الأسرة أو في المجتمع، على قدرة المرأة على الذهاب إلى الأسواق أو إلى العمل أو الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، وهو الأمر الذي تناولته منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر، في سبتمبر/أيلول، بعنوان “بابوا غينيا الجديدة: العنف ضد المرأة- ليس أمراً حتمياً، وليس مقبولاً على الإطلاق!” (رقم الوثيقة: ASA 34/002/2006). وخلال اجتماعات مع مندوبي المنظمة، لم يبد مسؤولو الشرطة وغيرهم من المسؤولين تفهماً يُذكر لالتزامات الدولة فيما يتعلق بحماية المرأة.
* وفي أكتوبر/تشرين الأول، أعربت حمدة فهد جاسم آل ثاني عن شكرها لمنظمة العفو الدولية لما بذلته من جهود لصالحها، وذلك بعدما سُمح لها بأن تلحق بزوجها. وكانت قد ناشدت منظمة العفو الدولية قائلة: “أناشدكم أن تمدوا لي يد العون من أجل وضع حد لمعاناتي ومساعدتي على العودة إلى زوجي الذي اخترته بكامل إرادتي، فهذا هو أبسط الحقوق الأساسية التي وهبني الله إياها، وأرستها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان”. وكانت حمدة فهد جاسم آل ثاني، وهي من العائلة الحاكمة في قطر، قد اختُطفت من مصر على أيدي عناصر من أجهزة أمن الدولة واحتُجزت سراً، وذلك عقب زواجها بدون موافقة أسرتها، في عام 2002 .
الحد من الأسلحة
كان تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أكتوبر/تشرين الأول، بمثابة انتصار كبير لمنظمة العفو الدولية ولشريكيها في “حملة الحد من الأسلحة”، وهما منظمة “أوكسفام” و”شبكة التحرك الدولي بخصوص الأسلحة الصغيرة”. فبعد ثلاث سنوات من العمل الدؤوب في شتى أنحاء العالم، وبعد ثلاثة أسابيع من الجهود المتصلة والمتسقة في نيويورك قبيل التصويت، اقتنعت 139 دولة بالتصويت لصالح قرار من الأمم المتحدة ببدء العمل لإقرار معاهدة بشأن تجارة الأسلحة. وفي ديسمبر/كانون الأول، صوتت 153 دولة لصالح اعتماد القرار رسمياً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم تصوِّت ضد القرار سوى دولة واحدة، هي الولايات المتحدة.
وينص القرار على أن تجمع الأمم المتحدة آراء الدول بخصوص إمكان وضع المعاهدة ونطاقها وجوانبها، ثم تشكل في عام 2008 لجنة من الخبراء لوضع الأسس لمعاهدة شاملة وملزمة قانوناً. وكان من النتائج المباشرة للمساعي، التي بُذلت قبل التصويت، أن قرار الأمم المتحدة تضمن إشارة صريحة إلى التزامات الحكومات بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وإذا كانت منظمة العفو الدولية تتطلع إلى تحقيق تقدم على وجه السرعة، فمن الملاحظ أن التقدم الذي تحقق كان سريعاً بشكل غير معهود في الأمم المتحدة. ومن الممكن أن يكون القرار بمثابة خطوة أولى أساسية نحو فرض حظر عالمي على عمليات نقل الأسلحة التي تدمر حياة مئات الآلاف من البشر.
* وقد شارك ما يزيد عن مليون شخص من مختلف أنحاء العالم في “التماس المليون وجه”، فوضعوا صورهم الشخصية على موقع “حملة الحد من الأسلحة” على شبكة الإنترنت. وضمت قائمة المؤيدين طائفة متنوعةً من الشخصيات، تمتد من الأسقف ديزموند تيتو إلى جميع لاعبي الفريق الفرنسي لكرة القدم. وكان صاحب الصورة المليون هو جوليوس أريل، وهو رياضي يعمل من أجل السلام في كينيا، وهو الذي قدم الالتماس إلى الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، في نيويورك، في يونيو/حزيران. وفي سياق كسب تأييد الحكومات قبل مداولات الأمم المتحدة بشأن التصويت على القرار، نشرت “حملة الحد من الأسلحة” تقريراً بعنوان: “أسلحة بلا حدود” (رقم الوثيقة:
POL 34/006/2006
، يتناول الطابع العالمي لتجارة الأسلحة.
* وفي إطار مبادرة أُطلق عليها اسم “العد التنازلي على مدى 100 يوم”، ونُظمت قبل التصويت الحاسم في الجمعية للأمم المتحدة، سافر مندوبون من 70 فرعاً من فروع منظمة العفو الدولية إلى نيويورك؛ لكسب التأييد من “مؤتمر الأمم المتحدة للمراجعة بشأن الأسلحة الصغيرة والخفيفة”. واستعان نشطاء “حملة الحد من الأسلحة” في أنشطتهم ومساعيهم بتقرير أصدرته الحملة بعنوان: “البندقية الآليةطراز “إيه كي 47″: الأداة المفضلة للقتل في العالم” (رقم الوثيقة:
ACT 30/011/2006
، بالإضافة إلى كُتيب بعنوان “مجموعة مبادئ عالمية بشأن عمليات نقل الأسلحة، نشرته منظمة العفو الدولية والمنظمتان الأخريان المشاركتان معها. وبالرغم من أن مجموعة صغيرة من الحكومات، بزعامة الولايات المتحدة، أعاقت التوصل إلى اتفاق في المؤتمر، فقد تبنى الأمين العام للأمم المتحدة، في خطابة الافتتاحي، الدعوة إلى إبرام معاهدة دولية بشأن تجارة الأسلحة، كما تبنتها حكومات كثيرة.
وشهد عام 2006 مبادرات وأنشطة أخرى في سياق الحملة، ركزت على مسألة تصدير الأسلحة إلى مناطق النزاعات في العالم، حيث تتفشى انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب.
وفي يناير/كانون الثاني، نشرت منظمة العفو الدولية شهادات من أفراد في هايتي (رقم الوثيقة:
AMR 36/001/2006
، وشهادات عن فترة الصراع في سيراليون (رقم الوثيقة:
AFR 51/001/2006
ومن الأسباب التي ساعدت على استمرار النزاعات، وأعمال القتل الواسعة النطاق في سيراليون، إمدادات الأسلحة التي تُموَّل من عمليات بيع الماس بشكل غير قانوني. وفي هايتي، اتسع نطاق العنف المسلح، وامتد من الجماعات السياسية المسلحة إلى العصابات الإجرامية التي تقتل وتغتصب المئات كل عام؛ وذلك بمعونة الأسلحة التي تُهرب من بلدان مجاورة، بما في ذلك الولايات المتحدة.
* وتستورد البلدان النامية في الوقت الراهن ما يزيد عن ثلثي ما يُصدر من الأسلحة والمعدات الدفاعية في العالم، وتلجأ بشكل متزايد إلى الاستعانة بمتعهدين خاصين في سلسلة من عمليات إعادة نقل الأسلحة إلى أماكن أخرى. وقُبيل انعقاد “مؤتمر الأمم المتحدة للمراجعة”، نشرت منظمة العفو الدولية و”مركز البحوث الخاصة بعمليات نقل الأسلحة”، في مايو/أيار، تقريراً بعنوان: “الموت في الحال: تصدير الأسلحة والوساطة في بيعها، والمخاطر على حقوق الإنسان” (رقم الوثيقة:
ACT 30/008/2006
ويوثِّق التقرير الرحلات الجوية غير المعلنة لنقل الأسلحة من جمهورية البوسنة والهرسك إلى العراق، والتي نظمتها وزارة الدفاع الأمريكية، وكذلك شُحنات الأسلحة التي نُقلت بحراً من البرازيل إلى المملكة العربية السعودية، ومن الصين إلى ليبيريا، من خلال وسطاء وناقلين أجانب، مع غض النظر عن أنماط انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الجهات التي تتسلم هذه الأسلحة.
* وإذا كان النقاش الدولي قد انصب على نقل التقنية النووية، وتقنية الصواريخ بعيدة المدى إلى دول مثل إيران وباكستان وكوريا الشمالية، فلم يوجه العالم اهتماماً كبيراً للدول التي دأبت على تصدير الأسلحة التقليدية والصغيرة، والتي تسهم في وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان وفي تأجيج العنف المسلح. فخلال النزاع الذي اندلع في يوليو/تموز وأغسطس/آب بين إسرائيل ولبنان، استخدمت القوات الإسرائيلية طائرات مروحية مقاتلة، وقنابل وصواريخ، وقنابل عنقودية ومعدات أخرى، حصلت عليها من الولايات المتحدة على وجه الخصوص، بينما شن “حزب الله” هجمات على شمال إسرائيل بصواريخ الكاتيوشا وغيرها من الصواريخ التي قيل إنها صُنعت بمساعدة إيران وسوريا. وقد نشرت منظمة العفو الدولية، في يونيو/حزيران، تقريراً عن دور الصين في إمداد مناطق النزاعات بالأسلحة، وفي استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في بلدان مثل جنوب إفريقيا، والسودان، وميانمار، ونيبال (“جمهورية الصين الشعبية: إدامة النزاعات وانتهاكات حقوق الإنسان” (رقم الوثيقة:
ASA 17/030/2006
الحق في العيش بكرامة
“المدرس ينهرني عندما أتحدث لغتي… المدرسون لا يريدون أن يسمعوا أغانينا”.
طفل في إحدى المدارس المخصصة لطائفة “الروما” (الغجر) في كرواتيا
يؤدي الفقر المدقع والتمييز والعزل والانتهاكات الأخرى في المدارس إلى حرمان الأطفال الذين ينتمون إلى طائفة “الروما” من حقهم في التعليم في البوسنة والهرسك وكرواتيا وسلوفينيا.
ويُعد الحق في العيش بكرامة حقاً أصيلاً لكل إنسان في كل مكان، وهو ما يعني أنه لا يجوز حرمان أي شخص من حقه في السكن الملائم وفي الحصول على ما يكفي من الغذاء والمياه والمرافق الصحية، فضلاً عن التعليم والرعاية الصحية.
وتمثل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في الحصول على الغذاء وعلى أعلى مستوى يمكن بلوغه من الرعاية الصحية والتعليم، جانباً جوهرياً من حقوق الإنسان، شأنها شأن الحق في حرية التعبير والحق في نيل محاكمة عادلة. ومنذ ما يقرب من 60 عاماً، اعتُمد “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، والذي أقر المبدأ القائل بأن حقوق الإنسان ذات طابع عالمي وأنها لا تتجزأ، وأنه ينبغي لجميع البشر أن ينعموا بحقوق الإنسان كافةً. ويشكل هذا المبدأ جوهر الرسالة التي تنهض بها منظمة العفو الدولية.
وتعمل منظمة العفو الدولية بشكل متزايد على توثيق الوقائع التي تبين أن انتهاكات حقوق الإنسان تفضي إلى تفشي الفقر وزيادة حدته. إذ لا تتوفر لأولئك الذين يعيشون في فقر أية سبل تُذكر للوصل إلى مواقع السلطة التي تتيح لهم صياغة السياسات المتعلقة بالفقر، وكثيراً ما يُحرمون من الإنصاف الفعال عن الانتهاكات التي تمس حقوقهم.
وتسعى منظمة العفو الدولية إلى إخضاع الحكومات والشركات الكبرى وغيرها من الجهات ذات النفوذ للمحاسبة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تستهدف الفقراء وتؤدي إلى تعميق الفقر.
وفي غمار الحملات الأخرى بشأن بلدان أو مناطق بعينها، ركزت منظمة العفو الدولية على عمليات إخلاء السكان من منازلهم قسراً في إفريقيا. ففي بلدان مثل أنغولا، وزمبابوي، والسودان، وغانا، وغينيا الاستوائية، وكينيا، ونيجيريا، كانت عمليات الإخلاء تُنفذ في كثير من الأحيان دون سند قانوني، مع الإفراط في القوة، بل واستخدام القوة المميتة أحياناً، وذلك دون توفير سكن بديل ملائم. وتؤثر عمليات الإخلاء القسري بشكل غير متناسب على الذين يعيشون في فقر، وكثيراً ما تؤدي إلى الحرمان من عدد آخر من حقوق الإنسان. (“إفريقيا: عمليات الإجلاء القسري تبلغ حد الأزمة” (رقم الوثيقة: AFR 01/009/2006)).
وكانت المجالات الأساسية التي انصب عليها نشاط منظمة العفو الدولية، خلال عام 2006، هي حملة “الحد من الأسلحة”؛ وحملة “أوقفوا العنف ضد المرأة”، ولاسيما العنف في محيط الأسرة؛ والتعذيب وغيره من الانتهاكات في سياق “الحرب على الإرهاب”؛ والحاجة إلى نشر قوات لحفظ السلام من أجل حماية المدنيين في دارفور بالسودان؛ والصراع بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي “حزب الله” في لبنان.
وفي غمار الحملات الأخرى بشأن بلدان أو مناطق بعينها، ركزت منظمة العفو الدولية على عمليات إخلاء السكان من منازلهم قسراً في إفريقيا. ففي بلدان مثل أنغولا، وزمبابوي، والسودان، وغانا، وغينيا الاستوائية، وكينيا، ونيجيريا، كانت عمليات الإخلاء تُنفذ في كثير من الأحيان دون سند قانوني، مع الإفراط في القوة، بل واستخدام القوة المميتة أحياناً، وذلك دون توفير سكن بديل ملائم. وتؤثر عمليات الإخلاء القسري بشكل غير متناسب على الذين يعيشون في فقر، وكثيراً ما تؤدي إلى الحرمان من عدد آخر من حقوق الإنسان. (“إفريقيا: عمليات الإجلاء القسري تبلغ حد الأزمة” (رقم الوثيقة: AFR 01/009/2006).
ففي بيرو، على سبيل المثال، عملت منظمة العفو الدولية جاهدةً لكي تضمن أن تحترم السلطات حق النساء من السكان الأصليين وغيرهن من النساء المهمشات في الحصول على المعلومات بخصوص الرعاية الصحية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى خفض المعدلات المرتفعة للوفيات في أوساط الأمهات (انظر وثيقة منظمة العفو الدولية بعنوان “بيرو: النساء ضحايا للفقر والإقصاء -- الحرمان من الحق في الرعاية الصحية للأمهات والأطفال”. رقم الوثيقة: AMR 46/004/2006)
وفي أوروبا، ضمت منظمة العفو الدولية صوتها إلى أصوات جماعات أخرى محلية ودولية معنية بحقوق الإنسان في التنديد بأنماط الإجلاء القسري التي تستهدف السكان من طائفة “الروما”، والحرمان من الحق في السكن الملائم في بلغاريا واليونان وصربيا والجبل الأسود (كوسوفو). واعتباراً من يوليو/تموز 2005، سعت منظمة العفو الدولية من أجل إعادة توطين نحو 350 من النازحين داخلياً في كوسوفو ممن ينتمون إلى طوائف “الروما” و”الأشكلي” و”المصريين”، وبينهم نحو 138 طفلاً صغيراً، حيث كانوا يعيشون في مخيمات تتعرض للتلوث الناجم عن موقع سابق لصهر الرصاص، مما يشكل خطراً جسيماً على صحتهم.
وتُعد منظمة العفو الدولية لحملة عالمية من أجل الكرامة الإنسانية. وسوف تتصدى الحملة لانتهاكات حقوق الإنسان التي تؤدي إلى نشر الفقر وتأصيله. وقد أصدرت المنظمة تصوراً عاماً لإطار الحملة (في ملف من نوع PDF)، وذلك لتشجيع أوسع مشاركة بينما تضع المنظمة رؤيتها بشأن الحملة
عام من النضال
تناضل منظمة العفو الدولية من أجل تحسين وضع حقوق الإنسان، من خلال حشد جهود عامة الناس في كل مكان ومن خلال التضامن العالمي، وذلك انطلاقاً من استنكارها القاطع لانتهاكات حقوق الإنسان وتمسكها بالأمل في بناء عالم أفضل. وإذا كان البعض ممن بيدهم مقاليد السلطة يحاولون تأجيج الانقسامات من أجل خدمة مصالحهم وأغراضهم الخاصة، فإن أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها وحلفاءها في شتى أرجاء المعمورة يظلون على وحدتهم وتضامنهم والتزامهم بالنضال لكي تصبح جميع حقوق الإنسان واقعاً ملموساً لجميع البشر.
منظمة العفو الدولية مستقلة عن أي حكومة أو إيديولوجية سياسية أو مصالح اقتصادية أو دين من الأديان. وهي لا تساند أي حكومة أو نظام سياسي أو تعارضه، كما إنها لا تؤيد بالضرورة آراء الضحايا الذين تسعى إلى حماية حقوقهم. ولضمان استقلاليتها، فهي لا تسعى إلى قبول الأموال من الحكومات أو الأحزاب السياسية في عملها التوثيقي لانتهاكات حقوق الإنسان أو حملاتها ضدها. ويعتمد تمويلها على المساهمات التي تقدمها عضويتها على نطاق العالم بأسره وعلى أنشطة جمع الأموال.وتذهب جميع الأموال التي يتم التبرع بها لمنظمة العفو الدولية في المساعدة على وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان أينما تقع.
وتتطلع منظمة العفو الدولية إلى بناء عالم يتمتع فيه كل فرد بجميع حقوق الإنسان المنصوص عليها في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” وفي غيره من المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وسعياً لتحقيق هذه الغاية تقوم منظمة العفو الدولية بأبحاث وأنشطة من أجل منع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كافةً، سواء المدنية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية. فهذه الحقوق جميعها كلٌ لا يتجزأ، من الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات إلى الحق في السلامة الجسدية والعقلية، ومن الحق في الحماية من التمييز؛ وذلك في إطار تعزيز وإعلاء شأن جميع حقوق الإنسان.
ويكمن تفرد منظمة العفو الدولية، بين المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، في قدرتها الإستراتيجية على توجيه مشاعر التعاطف والغضب لدى عامة الناس في مختلف أرجاء العالم. إذ يبذل أعضاء المنظمة وأنصارها جهوداً لا تكل؛ من أجل التأثير على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة والشركات والهيئات الحكومية الدولية، ومن خلال عملهم هذا يغيرون حياة الأفراد، سواء أكانوا من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان أو الناجين منها، أو من المدافعين عن حقوق الإنسان والمناضلين في سبيلها، بل وحتى إن كانوا من مرتكبي الانتهاكات.
ويعمل أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها، والذين يربو عددهم على 2.2 مليون، جنباً إلى جنب مع شركاء آخرين على المستويين الدولي والمحلي، فيحولون بحوث المنظمة إلى قوة للتغيير. ويتصدى هؤلاء النشطاء للحكومات، وغيرها من المؤسسات والأفراد، لا من خلال الرسائل البريدية والإلكترونية والمناشدات فحسب، بل كذلك من خلال حشد الضغط الشعبي عبر المظاهرات في الشوارع، والاعتصامات الليلية، فضلاً عن المساعي المباشرة لكسب التأييد. ويبادر آلاف من أعضاء منظمة العفو الدولية بالاستجابة لمناشدات التحرك العاجل دفاعاً عن الأفراد الذين يتهددهم خطر وشيك. وفي الوقت نفسه، تعمل الأنشطة الدعائية، من خلال وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت، على نقل رسالة منظمة العفو الدولية بسلاسة وبلغات متعددة إلى مزيد من الملايين.
ويبتكر أعضاء منظمة العفو الدولية أشكالاً جديدة وخلاَّقة من الأنشطة، سواء على شبكة الإنترنت أو في الشوارع. ففي عام 2006، على سبيل المثال، نظم أعضاء فرع منظمة العفو الدولية في غواتيمالا عشية عيد الميلاد “عروض مقايضة للألعاب التي على شكل أسلحة”، فكانوا يقدمون للأطفال لعباً جديدة مقابل اللعب التي على شكل أسلحة، كما نظموا عروضاً مسرحية في الشوارع لإقناع الآباء بعدم شراء تلك الألعاب التي على شكل أسلحة. وأجرى فرع المنظمة في المغرب دراسة مسحية عن الفقر ومسؤولية الحكومة، بينما سعى الفرع الأسترالي إلى التعرف على آراء العامة بشأن القوانين الجديدة لمكافحة الإرهاب في بلدهم. وأعد الفرع النرويجي لبدء حملته على شبكة الإنترنت، تحت عنوان “حساب التعهدات”، حيث يتعهد النشطاء بأن يقوموا بأحد الأنشطة إذا ما انضم إليهم عدد كاف من النشطاء الآخرين.
وكانت المجالات الأساسية التي انصب عليها نشاط منظمة العفو الدولية، خلال عام 2006، هي حملة “الحد من الأسلحة”؛ وحملة “أوقفوا العنف ضد المرأة”، ولاسيما العنف في محيط الأسرة؛ والتعذيب وغيره من الانتهاكات في سياق “الحرب على الإرهاب”؛ والحاجة إلى نشر قوات لحفظ السلام من أجل حماية المدنيين في دارفور بالسودان؛ والصراع بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي “حزب الله” في لبنان.
الفرد هو الأساس
يمثل الفرد محور الاهتمام فيما تقوم به منظمة العفو الدولية من أنشطة، سواء باعتباره ضحيةً من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان أو ناجياً منها، أو شريكاً في الدفاع عن حقوق الإنسان، أو مناضلاً يعمل بالتعاون مع آخرين وفي سبيل الآخرين. وتنبع جميع الحملات التي تشنها المنظمة من حالات أفراد يحتاجون إلى الحماية أو الدعم، سواء أكانت هذه الحملات على المستوى العالمي أو المحلي، وسواء أكانت تستهدف حكومات أو مؤسسات متعددة الأطراف، وسواء أكانت تركز على شخص واحد يتهدده خطر التعذيب، أو على قوة شرطة تحتاج إلى التدريب من أجل التصدي بصورة فعالة للعنف في محيط الأسرة.
وتُعد الروابط بين الأفراد على المستوى العالمي بمثابة قوة دفع تحفز جميع حملات منظمة العفو الدولية، كما تشكل حجر الأساس لمعظم الأنشطة التي تقوم بها الجماعات الجديدة المعنية بحقوق الإنسان، سواء أكانت تعمل على مستوى محلي محدود أو على مستوى العامة في منطقة بعينها، أو على مستوى مجتمعات بأسرها. وقد يكون أولئك المدافعون عن حقوق الإنسان ضحايا ونشطاء في الوقت نفسه، فهم يناضلون دفاعاً عن حقوقهم وحقوق عائلاتهم ومجتمعاتهم. ومن ثم، فإن العمل مع أمثال هؤلاء المدافعين عن حقوق الإنسان يعني السعي إلى تحقيق تغيرات هيكلية؛ بما يؤدي إلى خلق مجال فسيح يتيح للناس تنظيم أنفسهم والاحتجاج على المظالم، كما يعني هذا العمل مساعدة الأفراد أنفسهم.
ويمكن لهذه الأنشطة أن تحقق تحسناً فعلياً في حياة الأفراد. وينسج أعضاء منظمة العفو الدولية روابط التضامن على المستوى العالمي مع ضحايا الانتهاكات وذويهم ومع المدافعين عن حقوق الإنسان وأهليهم. ويمثل هذا الجانب الإنساني في عمل منظمة العفو الدولية قوةً تُلهم الأعضاء، وتوحد صفوفهم، كما تجتذب تأييداً أوسع من قطاعات المجتمع ومن الحكومات. وتعرض المنظمة حالات كل فرد لا من منطلق العمل لمصلحة هذا الفرد وحده، بل من منطلق العمل من أجل مصلحة جميع الأفراد الذين يعانون من انتهاكات مماثلة، ومن أجل إحداث تحول في الرأي العام أو تسليط الأضواء على انتهاكات واسعة النطاق، ومن أجل تحقيق التغيير في السياسات والممارسات. ومن شأن هذا السياق الإنساني أن يبين بجلاء للحكومات وللرأي العام مدى العواقب الوخيمة التي يسببها التقاعس عن حماية حقوق الإنسان.
واصلت منظمة العفو الدولية توسيع أنشطتها لصالح الأفراد لتشمل الساحة الدولية بأسرها، كما واصلت نضالها من أجل توفير دعم عالمي لعمل “المحكمة الجنائية الدولية، ومن أجل إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب. وسعت المنظمة بقوة من أجل تقديم المسؤولين عن أخطر الجرائم التي عرفتها الإنسانية إلى ساحة العدالة، سواء أمام المحاكم الدولية أو المحلية.
* وبعد الجهود التي بذلتها منظمة العفو الدولية وغيرها على مدى سنوات، قامت الحكومة النيجيرية، في مارس/آذار، بتسليم الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور إلى “المحكمة الخاصة بسيراليون”؛ لمحاكمته عن التهم المنسوبة إليه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيما يتصل بدوره في الحرب الأهلية في سيراليون.
* وفي مارس/آذار، أصبح توماس لوبانغا دييلو، الذي اتُهم بتجنيد أطفال واستخدامهم كجنود في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أول شخص يُقبض عليه ويُسلم إلى “المحكمة الجنائية الدولية”.
* وأثمرت المساعي التي بذلتها منظمة العفو الدولية وغيرها، في يوليو/تموز، عندما اتخذ مجلس رؤساء الدول والحكومات في الاتحاد الإفريقي قراراً يطلب من السنغال إجراء محاكمة على وجه السرعةللرئيس التشادي السابق حسين حبري، المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب فضلاً عن التعذيب. وحثت منظمة العفو الدولية السنغال على سن التشريعات اللازمة لتحقيق هذه الغاية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، اعتمد مجلس الوزراء السنغالي قراراً يسمح بمحاكمة حسين حبري.
ويُعد السعي إلى محاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي جانباً أساسياً في نضال منظمة العفو الدولية، فهو لا يضمن تحقيق العدالة للضحايا وذويهم فحسب، بل يكفل أيضاً ألا تقع حقوق الآخرين فريسةً للانتهاكات في الحاضر، وألا تتكرر هذه الانتهاكات في المستقبل.
الحرية والخوف
في 10 ديسمبر/كانون الأول 2006، وبينما كان العالم يحتفل باليوم العالمي لحقوق الإنسان، كنت أنا في جَيّوس بالضفة الغربية. وهذه القرية الصغيرة أصبح يقسمها اليوم “جدار”، أو إن شئت مزيداً من الدقة، سورٌ حديديٌّ مرتفع. وكان بناء هذا الجدار، الذي يمثل استخفافاً بالقانون الدولـي، يهدف في الظاهر إلى زيادة أمن إسرائيل، لكـن النتيجة الرئيسية له هي الفصل بين السكان الفلسطينيين المحليين وبين بساتين موالحهم ومزارع أشجـار زيتونـهم. وهكذا فإن ذلك المجتمع الزراعي الذي كان يعرف الرخاء يوماً ما قد سقط في هوة الفقر.
وقال أحد المزارعين الفلسطينيين الغاضبين “إنني أُضطر كل يوم إلى مكابدة امتهان الوقوف في نقـاط التفتيش، والعوائق السخيفة والقيود الجديدة التـي تحول بيني وبين الوصول إلى بستاني في الجانب الآخر. فإذا لم أستطع زراعة زيتوني، فكيف أظل على قيد الحياة؟”.
وكنت أثناء استماعي له أتطلع، في آخر مرمى الطرف، إلى الأسقف الحمـراء الجميلة والجدران البيضاء في مستعمرة إسرائيلية ضخمة ومزدهرة. وتساءلت في نفسي إن كان من يقيمون فيها يؤمنون فعلاً بأن بوسع ذلك الجدار، الذي يهدد مستقبل جيرانهم، أن يعزز أمنهم حقاً.
وفي وقت سابق من ذلك الأسبوع، كنت قد زرت بلدة صغيرة في جنوب إسرائيل اسمها سديروت، وكانت قـد تعرضت لهجمات صاروخيـة من جماعات فلسطينية في غزة.
وقالت لي إسرائيلية شابة تقيم فيها “إننا خائفون، لكننا نعرف أن في الجانب الآخر نساءً مثلنا يعانين أيضاً، ويَعشْنَ في خوف أيضاً، وهُنَّ أسوأ حالاً منا. إننا نتعاطف معهن ونريد أن نعيش في سلام معهن، ولكن قادتنا يزيدون من الخلافات بيننا ويغرسون المزيد من الشكوك. وهكذا نعيش في خوف محرومات من الأمن”.
كانت المرأة الإسرائيلية الشجاعة تفهم ما عجز كثيرون من قادة العالم عن فهمه، أي إن الخوف يدمر فهمنا المشترك وإنسانيتنا المشتركة. فعندما نعتبر الآخرين تهديداً لنا، وعندما نصبح على استعداد للمساومة على حقوقهم الإنسانية تحقيقاً لأمننا، فإننا نلقي بأنفسنا في دائرة مفرغة لا تؤدي إلى شيء.
إن رسالتها تدفعنا إلى التعقل في وقت يخضع فيها عالمنا لاستقطاب مشابه لما كان عليه في ذروة الحرب الباردة، وإن كانت الأخطار أشد اليوم من عدة جوانب. فالواقع أن حقوق الإنسان -- أي تلك القيم العالمية، والمبادئ العامة، والمعايير المشتركة التي قُصد بها أصلاً التوحيد ما بيننا -- تُهْدَرُ اليوم في مقايضات باسم الأمن، كحالها في ذلك الوقت. فجدول الأعمال اليوم، مثلما كان عليه في زمن الحرب الباردة، يتحكم فيه الخوف، الذي يحفزه ويحض عليه، ويطيل أمده بعضُ القادة الذين تجردوا من المبادئ.
وقد يكون الخوف دافعاً إيجابياً على التغيير، كما يحدث في حالة البيئة، إذ إن الانزعاج من الاحتباس الحراري على مستوى العالم يرغم الساسة على اتخاذ بعض الإجراءات، وإن جاءت متأخرة. ولكن الخوف قد يكون أيضاً مصدراً للخطر والانقسام عندما يولِّد التعصب، ويشكل تهديداً للتنوع، ويبرر الافتئات على حقوق الإنسان.
وفي عام 1941 كان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قد طرح رؤيته لنظام عالمي جديد يقوم على “الحريات الأربع”، ألا وهي: حرية التعبير، وحرية الدين، والتحرر من الخوف ومن الحاجة. وكان روزفلت نموذجاً للقيادة الملهمة التي تتغلب على الشك وتوحد بين الناس. أما اليوم فما أكثر القادة الذين يدوسون بأقدامهم على الحرية ويعلنون وجود نطاق ما يفتأ يتسع من المخاوف، كالخوف من أن يكتسح المهاجرون البلد، والخوف من “الآخر” وفقدان الهوية، والخوف من القتل بقنابل الإرهابيين، والخوف من “دول الشر” التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل.
ويزدهر الخوف في ظل القيادة التي تتسم بالجبن قِصر النظر. والحق أن للخوف أسباباً حقيقية كثيرة، ولكن المنهج الذي يتخذه الكثيرون من قادة العالم يتسم بقصر النظر، إذ يضع سياسات وإستراتيجيات تهدر سيادة القانون وحقوق الإنسان، وتزيد من مظاهر التفاوت، وتغذي العنصرية وكراهية الأجانب، وتؤدي إلى فصم عرى المجتمعات والإضرار بها، وتغرس بذور العنف وتؤجج الصراع.
وقد ازداد تعقيد السياسات القائمة على الخوف بسبب ظهور الجماعات المسلحة والشركات التجارية الكبرى التي ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان أو توافق عليها. والواقع أن هذين الطرفين، وإن اختلفت أساليب كل منهما، يتحديان سلطة الحكومات في عالم يزداد فيه زوال الحدود ما بين الدول. وليس بوسع الحكومات الضعيفة والمؤسسات الدولية العاجزة مساءلة هذين الطرفين، وهو ما يجعل البشر فريسةً سائغةً للخوف.
ويبين التاريخ أن التقدم لا يتحقق بالخوف بل بالأمل والتفاؤل. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يعزز بعض القادة الخوف؟ والجواب بسيط: فالخوف يتيح لهم توطيد سلطتهم، وترسيخ يقين زائف، وتفادي المساءلة.
فعلى سبيل المثال، لجأت حكومة هوارد في أستراليا إلى رسم صورة لطلاب اللجوء المستميتين الذين يركبون قوارب مثقوبة باعتبارهم يشكلون خطراً على الأمن القومي الأسترالي، وأخذت تطلق تحذيرات زائفة من أن اللاجئين يغزون البلاد، وهو الأمر الذي ساهم في نجاحها في انتخابات عام 2001 . وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، استند الرئيس الأمريكي جورج بوش على الخوف من الإرهاب في زيادة سلطاته التنفيذية، دون إشراف من الكونغرس، أو فحص من جانب القضاء. وأثار الرئيس السوداني عمر البشير المخاوف بين مؤيديه وفي العالم العربي من أن نشر قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور سوف يكون ذريعة لغزو تقوده الولايات المتحدة، على غرار غزو العراق. وفي غضون ذلك، واصلت قواته المسلحة والميليشيات المتحالفة معه أعمال القتل والاغتصاب والنهب، وهي بمنجاة من العقاب. واستغل الرئيس روبرت موغابي، رئيس زمبابوي، إثارة المخاوف العنصرية في تحقيق برنامجه السياسي الخاص بالاستيلاء على الأراضي لمؤيديه.
ولن يتحقق الحل الدائم إلا من خلال التزام مشترك قائم على القيم المشتركة. إذ إن التحديات العالمية في عالم يزداد تكافله، مثل التحدي الذي يمثله الفقر أو الأمن، أو الهجمة أو التهميش، تتطلب استجابات قائمة على القيم العالمية لحقوق الإنسان، فهي وحدها التي تستطيع لَمَّ الشمل وتعزيز رفاهيتنا الجماعية. فحقوق الإنسان تمثل الأساس اللازم لمستقبل ثابت. ولكن السائد حالياً، على ما يبدو، هو حماية أمن الدول لا حماية أرواح الناس وأرزاقهم.
الخوف من الهجرة والتهميش
تستغل السلطات في البلدان المتقدمة، بل وفي الاقتصاديات الناشئة، الخوف من التعرض لغزو جحافل الفقراء في تبرير اتخاذها لإجراءات أشد صرامة ضد المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وكذلك تبرير انتهاك المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ومعايير المعاملة الإنسانية.
وقد أصبحت إجراءات اللجوء تخضع للقواعد السياسية والأمنية للرقابة على الحدود، حتى غدت من وسائل الاستبعاد لا الحماية. فعلى مر السنين، انخفضت معدلات الاعتراف باللاجئين انخفاضاً كبيراً في شتى أرجاء أوروبا، وإن كانت أسباب طلب اللجوء، مثل العنف والاضطهاد، لا تزال قوية كعهدها دائماً.
ومن صور النفاق الذي تتسم به السياسات القائمة على الخوف أن تدين الحكومات بعض الأنظمة الحاكمة وترفض في الوقت نفسه حماية الهاربين منها؛ إذ أدانت الحكومات الغربية سياسات حكومة كوريا الشمالية، ولكن هذه الحكومات نفسها لا تقول إلا أقل القليل من مصير نحو 100 ألف شخص من كوريا الشمالية، يُقال إنهم يختبئون في الصين، وتقوم السلطات الصينية بترحيل المئات منهم قسراً كل أسبوع إلى كوريا الشمالية.
ويمثل العمال المهاجرون “وقود” آلة الاقتصاد العالمي، ولكن الحكومات في شتى أنحاء العالم -- من دول الخليج إلى كوريا الجنوبية إلى الجمهورية الدومينيكية -- ترفض استقبالهم بقوة غاشمة، وتستغلهم، وتمارس التمييز ضدهم، وتتركهم دون حماية.
وقد غرق، أو كان في عداد المفقودين في البحر، ستة آلاف إفريقي في عام 2006 أثناء محاولتهم المستميتة الوصول إلى أوروبا. ونجح 31 ألف شخص آخرين، أي ستة أضعاف العدد في 2005، في الوصول إلى جزر الكناريا. ومثلما عجز سور برلين عن منع فرار الهاربين من القمع الشيوعي، فإن الرقابة المشددة على حدود الدول الأوروبية تعجز عن منع دخول الساعين إلى الفرار من الفقر المدقع.
ولا يكمن الحل على المدى الطويل في بناء الأسوار لمنع دخول الناس بل في تعزيز النظم القادرة على حماية حقوق المستضعفين مع احترام حق كل دولة في السيطرة على الهجرة. وتوفر المواثيق الدولية هذا التوازن. والواقع أن محاولات إضعاف “اتفاقية اللاجئين” الصادرة عن الأمم المتحدة، أو التنصل من “اتفاقية العمال المهاجرين” الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي لم تصادق عليها دولة غربية واحدة، هي محاولات سوف تأتي بنتائج عكسية.
وإذا كانت الهجرة غير النظامية هي ما يخافه الأغنياء، فإن الرأسمالية المعربدة التي تغذيها العولمة هي ما يخافه الفقراء. فالأسواق المزدهرة تقدم فرصاً هائلة للبعض، ولكنها في الوقت نفسه تزيد من توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، إذ إن ثمار العولمة تتسم بالانحراف الشديد، على مستوى العالم وداخل البلدان أنفسها. فأمريكا اللاتينية يثقل كاهلها عدد من أعلى مستويات التفاوت في العالم. ورغم استمرار نمو الاقتصاد في الهند بمعدل يزيد على سبعة في المئة سنوياً على امتداد نصف العقد الماضي، فما زال أكثر من ربع السكان يعيشون تحت خط الفقر.
وتكشف هذه الإحصائيات عن الباطن الحالك للعولمة. وينبغي عدم النظر إلى تهميش شرائح ضخمة من البشر باعتباره من التكاليف المحتومة للازدهار العالمي. فليس هناك شيء محتوم في السياسات والقرارات التي تنكر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد.
وقد وضعت منظمة العفو الدولية برنامجاً متنامياً للعمل في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يرمي إلى الكشف عن حقيقة الخوف لدى الناس، ألا وهي أن بعض الحكومات الفاسدة والشركات التجارية الجشعة تلقى بالبشر في هوة الفقر التي لا خلاص منها.
ولما كانت متطلبات التعدين والتنمية الحضرية والسياحة تمثل ضغوطاً على الأراضي في شتى أنحاء إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فإن ملايين البشر في مجتمعات محلية بأكملها يتعرضون للإجلاء قسراً من منازلهم دون تطبيق الإجراءات القانونية الواجبة، ودون تعويض، ودون توفير مأوى بديل لهم. وكثيراً ما تُستخدم القوة المفرطة في إخراج الأفراد من ديارهم، بحيث نشأت مشكلة جديدة هي النزوح بسبب التنمية. ومع ذلك، فلا يبدو أن أحداً قد تعلم شيئاً يُذكر من خبرة الماضي. ففي إفريقيا وحدها زاد عدد النازحين منذ عام 2000 عن ثلاثة ملايين بحيث أصبح الإجلاء القسري من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً في القارة وأقلها اعترافاً بوجوده. إذ إن حالات الإجلاء القسري تجري باسم التقدم الاقتصادي، لكنها تؤدي إلى تشريد أفقر الفقراء، وكثيراً ما تحرمهم من المياه النقية، أو الرعاية الطبية، أو المرافق الصحية، أو العمل أو التعليم.
ولطالما كانت إفريقيا ضحية جشع الحكومات والشركات الغربية. وهي تواجه الآن تحدياً جديداً من الصين، إذ لا تبدي الحكومة والشركات الصينية اكتراثاً يُذكر لما يسمى “أثر حقوق الإنسان” في القارة. فقد كان من شأن الموقف الصيني المتمثل في الإذعان للسيادة الوطنية، والنفور من حقوق الإنسان في السياسة الخارجية، والاستعداد للتعامل مع النظم الحاكمة الظالمة، أن يجعل الحكومات الإفريقية تشعر بالود تجاه الصين. ولكن هذه الأسباب نفسها هي التي تجعل المجتمع المدني في إفريقيا لا يبدي نفس الترحيب بالصين. والواقع أن الشركات الصينية لا تراعي المعايير الدولية في معاملة العمال، ولا في رعايتهم الصحية أو ضمان سلامتهم. فالصين هي أكبر مستهلك للنفط الذي تنتجه السودان ومن أكبر موردي الأسلحة للسودان، وذلك ما يجعل الصين تحمي السودان من الضغوط التي يبذلها المجتمع الدولي، ولو أن بعض الدلائل تشير إلى أنها قد تُعدِّل من موقفها.
وقد أدى ضعف بعض الدول وفقرها الشديد وفساد حكومتها المتأصل إلى إيجاد فراغ في السلطة تغزوه الآن بعض الشركات وغيرها من القوى الاقتصادية. ففي بعض البلدان التي تجمع بين الثراء الشديد في الموارد والفقر الشديد للسكان، تستخدم الشركات التجارية الكبرى سلطتها للحصول على امتيازات من الحكومات، وحرمان السكان المحليين من مزايا هذه الموارد، وتدمير أرزاقهم، ونزوحهم عن ديارهم، وتعريضهم للتدهور البيئي. وقد أدى الاستياء من الظلم وإهدار حقوق الإنسان إلى قيام مظاهرات يجري قمعها بوحشية. ومن الأمثلة على ذلك دلتا نهر النيجر الغنية بالنفط في جنوب نيجيريا، والتي مزقتها أحداث العنف على مدار العقدين الماضيين.
ولطالما قاومت الشركات العملاقة المواثيق الدولية المُلْزمة. وعلى الأمم المتحدة أن تتصدى لذلك التحدي، وأن تضع مواثيق، وتنشر آليات من شأنها مساءلة الشركات الكبرى عن تأثيرها في حقوق الإنسان. ويزداد إلحاح الحاجة إلى المواثيق العالمية والمساءلة الفعالة، بسبب ظهور الشركات المتعددة الجنسيات في السوق العالمية، وهي شركات تنتمي إلى نظم قانونية وثقافية متنوعة.
كما إن اشتداد طلب الشركات المندمجة الكبرى على الأراضي والأخشاب والموارد المعدنية يشكل تهديداً للهوية الثقافية والحياة اليومية نفسها للكثير من مجتمعات السكان المحليين في أمريكا اللاتينية، إذ تعرض بعضها للتمييز العنصري فأُسقطت في هُوة الفقر المدقع وسوء الأحوال الصحية، حتى أصبحت على شفا الانهيار. وفي هذا الإطار كان عجز الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 2006، عن اعتماد “إعلان حقوق الشعوب الأصلية” يمثل شهادة مؤسفة أخـرى على تغلب المصالح ذات النفوذ على قدرة المستضعفين نفسها على البقاء.
وعلى الرغم من زيادة غنى الأغنياء يوماً بعد يوم، فإن أمنهم لا يزداد بالضرورة تبعاً لذلك. فارتفاع معدلات الجريمة، وأحداث العنف المسلح تمثل مصدراً دائماً للخوف، وهو ما يدفع حكومات كثيرة لانتهاج سياسات تزعم مناهضتها الشديدة للجريمة، ولكنها في الواقع تلصق الجرائم بالفقراء، وتعرضهم لخطر مزدوج يتمثل في أحداث العنف من جانب العصابات والرقابة الوحشية من جانب الشرطة. بل إن ارتفاع مستويات العنف من جانب المجرمين والشرطة في سان باولو، ووجود الجيش في شوارع ريو دي جانيرو في عام 2006، شاهد على فشل سياسات الأمن العام في البرازيل. ومن الواضح بجلاء أن توفير الأمن لفئة واحدة على حساب حقوق فئة أخرى لا ينجح؛ إذ تدل التجارب على أن أفضل وسيلة لتدعيم الأمن العام هي تطبيق منهج شامل يجمع بين تحسين رقابة الشرطة وتوفير الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والمسكن للمجتمعات المحلية الفقيرة، بحيث يشعر أفرادها أيضاً بأنهم يستفيدون كذلك من وجود مجتمع يتمتع بالأمن والاستقرار.
وفي نهاية المطاف، فإن تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للجميع يمثل أفضل منهج للتصدي لمخاوف الأغنياء والفقراء على حد سواء.
التمييز والحق في الاختلاف
يغذي الخوف مشاعر الاستياء، ويؤدي إلى التمييز والعنصرية واضطهاد الأقليات العرقية والدينية، وإلى كراهية الأجانب التي تفضي بدورها إلى الاعتداء عليهم، وعلى المواطنين الذين وُلدوا في بلاد أجنبية.
وعندما تغض الحكومات الطرف عن العنف العرقي، فإن ذلك العنف قد يصبح داءً مستوطناً. وتشيع في روسيا جرائم الكراهية للأجانب والأقليات، ولكن مرتكبيها كانوا حتى عهد قريب لا يُحاكمون إلا فيما ندر، لأن هذه الجرائم كانت تغذي الدعاية القومية للسلطات.
ومع توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً، يتعرض التزامه بالمساواة وعدم التمييز لاختبار مرير يتمثل في معاملته لطائفة “الروما” (الغجر) فيه.
فلا تزال المواقف المناهضة لطائفة “الروما” راسخة في أوروبا، من دبلن إلى براتسلافا، وتتسم بالفصل العنصري والتمييز في التعليم والصحة والإسكان، والاستبعاد من الحياة العامة، وهو ما لا يزال قائماً في بعض البلدان.
وفي كثير من البلدان الغربية، ينشأ التمييز من الخوف من الهجرة التي لا ضابط لها، كما أنه تفاقم، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، بسبب إستراتيجيات مكافحة للإرهاب التي تستهدف العرب والآسيويين والمسلمين. وهكذا فقد أدى الخوف والعداء من جانب إلى الشعور بالاغتراب والغضب في الجانب الآخر.
وكان من شأن زيادة الاستقطاب أن تزيد المتطرفين قوةً على الجانبين معاً، فتقلصت بذلك المساحة المتاحة للتسامح وقبول الاختلاف. وتتكاثر أمام أعيننا الأحداث الدالة على الخوف من المسلمين ومعاداة السامية، وقد ارتفعت مشاعر العداء للغرب ولأمريكا في مناطق كثيرة في العالم عما كانت عليه في أي يوم مضى، على نحو ما تدل عليه سهولة تدبير بعض الجماعات لأعمال العنف، في أعقاب نشر بعض الصحف الدانمركية رسوماً رأى فيها كثير من المسلمين إساءةً إليهم.
وكانت الحكومة الدانمركية على حق في الدفاع عن حرية التعبير، ولكنها لم تقم بالتأكيد القوي والفوري لالتزامها بحماية المسلمين المقيمين في الدانمرك من التمييز والنبذ الاجتماعي. ودعا الرئيس الإيراني إلى عقد مناظرة لتعزيز إنكاره لوقوع حقيقة تاريخية، هي الإبادة النازية لليهود. كما أقر البرلمان الفرنسي قانوناً جديداً يُجرِّمُ إنكار أن الأرمن عانوا من الإبادة الجماعية على أيدي الدولة العثمانية.
تُرى أين يجب رسم الخط الفاصل بين حماية حرية التعبير، ومنع التحريض على الكراهية العرقية؟
على الدولة أن تلتزم بتعزيز عدم التمييز ومنع وقوع الجرائم العنصرية، ولكنها تستطيع الوفاء بهذا الالتزام دون الحد من حرية التعبير، ولا يجب الاستخفاف بتقييد حرية التعبير. نعـم، لاشك أنها يمكن أن تُستغل في نشر الأكاذيب إلى جانب الحقائق، ولكنه لا سبيل سواها لإقامة الحجة على كـذب الأكاذيب، ولا سبيل سواها لإظهار الحقيقة وإقامة العدل. ومن ثم، ينبغي عدم وضع أي قيـد على حرية التعبير، إلا إذا توافر القصد الواضح للتحريض على الكراهية العنصرية أو الدينية، لا حيث يكون القصد التعبير عن الرأي مهما يكن مُرَّ المذاق.
وفي قضية “شركة ألبرت -- إنغلمان ضد النمسا” (يناير/كانون الثاني 2006) وصفت “المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان” حرية التعبير بأنها “من الأسس الجوهرية للمجتمع الديموقراطي، ومن الشروط الأساسية لتقدمه وتحقيق كل فرد لذاته … ولا تنطبق الحرية فقط على “المعلومات” أو “الأفكار” [التي تُعتبر مقبولة] بل أيضاً على ما يتسبب في الإساءة أو إحداث صدمة أو يثير القلق، فهذا شأن مقتضيات التعددية والتسامح ورحابة الأفق، فإذا غابت غاب ما يسمى “المجتمع الديموقراطي”".
وتعد حرية التعبير عنصراً أساسياً من عناصر الحق في اختلاف الآراء، فإذا غاب الاختلاف تعرض الحق في حرية التعبير للخطر. وإذا غاب الاختلاف اختنقت الحرية. وإذا غاب الاختلاف اشرأبت هامة الطغيان.
ومع ذلك فلا تزال حرية التعبير والاختلاف تتعرض للقمع بشتى الأساليب، من اضطهاد الكُتَّاب والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في تركيا، إلى أحداث القتل السياسي التي يتعرض لها المناضلون اليساريون في الفلبين.
وربما كان الشكل الوحيد المتاح للاحتجاج المتاح للمعتقلين في المعتقل الأمريكي في خليج غوانتنامو هو الإضراب عن الطعام. وفي عام 2006، لجأ نحو 200 معتقل إلى ذلك، فقام الجنود بإطعامهم بالقوة، وذلك بإدخال أنبوب داخل فتحة الأنف، وهو أسلوب يتسبـب في ألم بالغ وإهانة شديدة. وعندما قيل إن ثلاثة رجال قد انتحروا، وصف قائد القوات الأمريكية فـي خليج غوانتنامو ما حدث بأنه “حرب غير نظامية”.
وكثيراً ما كانت الحكومات تلجأ إلى ذريعة الأمن القومي لقمع الاختلاف. وفي السنوات الأخيرة، أدى اشتداد المخاوف بشأن الإرهاب وانعدام الأمن إلى تعزيز القمع، أو مخاطر القمع، بأساليب شتى.
وقد كُتبَ عُمْرٌ جديدٌ “للأساليب القديمة” لانتهاك حرية التعبير، وحق الاجتماع وحق تكوين الجمعيات، في إقليم شمال إفريقيا والشرق الأوسط. أما في الدول ذات النظم الديموقراطية المتحررة، فإن شبكة القوانين والسياسات المناهضة للإرهاب، وهي شبكة تتسع باطراد، تشكل تهديداً محتملاً لحرية التعبير. ففي عام 2006، على سبيل المثال، أصدرت المملكة المتحدة قانوناً بإنشاء جريمة ذات تعريف غامض هي جريمة “تشجيع الإرهاب”، وهي تتضمن الفكرة التي تثير حَيْرَةٌ أكبر وهي “تمجيد الإرهاب”.
وفي الولايات المتحدة، أبدت السلطات حرصاً على التوصل إلى مصدر تسريب الأنباء التي نُشرت في صحيفة “واشنطن بوست” عن السجون السرية التي تديرها وكالة الاستخبارات المركزية، وتسمى “المواقع السوداء”، أكبر من حرصها على التحقيق في السياسات التي أدت إلى إنشاء هذه السجون السرية أصلاً، مخالفةً بذلك القوانين الدولية والقوانين الأمريكية نفسها.
وكان الاتجاه التسلطي في روسيا ذا آثار فادحة على الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فبعد ان نجح الرئيس فلاديمير بوتين في تخويف جانب كبير من الصحافة الروسية أو في السيطرة عليه، راح يحول اهتمامه إلى المنظمات غير الحكومية الروسية والدولية في عام 2006، بإصدار قانون ينظم تمويلها وأنشطتها، وهو قانون كان مثار خلاف. وعشية اجتماع “مجموعة الدول الثمانية الصناعية الكبرى”، عقد الرئيس بوتين اجتماعاً دعائياً مع مجموعة من المنظمات الدولية غير الحكومية، ومن بينها منظمة العفو الدولية. وحينما أُحيط علماً بما لذلك القانون من آثار ضارة على المجتمع المدني في روسيا، وحَثَّهُ الحاضرون على إيقاف تنفيذه ريثما تجري مشاورات أخرى بشأن إدخال تعديلات فيه، رَدَّ عليهم قائلاً “لم نصدر هذا القانون حتى نلغيه”. ولم تمض ثلاثة أشهر حتى استغلت السلطات القانون الجديد في إغلاق “جمعية الصداقة الشيشانية الروسية، وهي منظمة غير حكومية لحقوق الإنسان تعمل على فضح الانتهاكات المرتكبة في الشيشان.
ومما يدعو للأسف أن روسيا ليست البلد الوحيد الذي يسعى لإسكات الأصوات المستقلة في مجال حقوق الإنسان. فقد أصدرت حكومات شتى، من كولومبيا إلى كمبوديا ومن كوبا إلى أوزبكستان، قوانين جديدة لفرض القيود على منظمات حقوق الإنسان وعمل المناضلين، فوصمتهم بالخيانة أو بالتخريب، ورفعت القضايا على من تجاسروا على فضح انتهاكات حقوق الإنسان، كما شنت حملات لتلويث سمعتهم بالتعاون مع بعض أجهزة الإعلام التي لا خلاق لها، في محاولة لبث الرعب ونزع الشرعية عن عمل المناضلين.
وفي عصر التكنولوجيا أصبحت شبكة الإنترنت هي الأفق الجديد في الكفاح من أجل الحق في الاختلاف. ولكن بعض الحكومات، مثل إيران، وبيلاروس، وتونس، والصين، ومصر، والمملكة العربية السعودية، تلجأ بمساعدة عدد من أكبر شركات تكنولوجيا المعلومات في العالم، إلى فرض الرقابة على “غرف الدردشة”، ومحو المدونات، ووضع القيود على وسائل البحث، وحجب المواقع. وقد زُجَّ في السجن بالبعض في أوزبكستان، وسوريا، والصين، وفيتنام، ومصر بسبب نشر المعلومات في الإنترنت وتبادلها.
إن من حق كل فرد أن ينشر ويتلقى المعلومات ويعبر عن معتقداته السلمية دون خوف أو تدخل. ولهذا، قامت منظمة العفو الدولية، بتأييد من صحيفة “الأوبزيرفر” البريطانية (التي نشرت أول نداء من منظمة العفو الدولية عام 1961) بشن حملة في عام 2006 للتدليل على أنه لا الحكومات ولا الشركات الكبرى تستطيع إسكات المناضلين في سبيل حقوق الإنسان، على شبكة الإنترنت أو سواها.
الخوف وحرية المرأة
تتجلى العلاقة الخبيثة بين التمييز والاختلاف بأوضح ما يكون في مجال قضايا المرأة، إذ تعرضت المناضلات للاعتقال بسبب المطالبة بالمساواة بين الجنسين في إيران، وتعرضن للقتل بسبب الدعوة إلى تعليم الفتيات في أفغانستان، وتعرضن للعنف الجنسي والتشنيع بهن في شتى أنحاء العالم. وأما المناضلات في مجال الميول الجنسية والحقوق الإنجابية فكُنَّ يُستهدفن بصفة خاصة ويتعرضن للتهميش وللاعتداء.
وتتعرض المدافعات عن الحقوق الإنسانية للمرأة لخطر مزدوج، باعتبارهن مناضلات وباعتبارهن نساء، أي بسبب العمل وبسبب الهوية معاً. وهن يتعرضن للهجوم من جانب الدولة والمجتمع، ليس فقط لأنهن يفضحن انتهاكات حقوق الإنسان، بل أيضاً لأنهن يتحدين هياكل السلطة الأبوية والأعراف الاجتماعية والثقافية لإخضاع المرأة والرضا عن التمييز وتسهيل العنف ضد المرأة.
وفي غضون السنوات الأخيرة، عانت الحقوق الإنسانية للمرأة من اتجاهين متلازمين هما “رد الفعل المعادي” و”التراجع”، إذ إن رد الفعل المعادي لحقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب قد أضر بالمرأة مثلما أضر بالرجل، كما إن الحكومات قد تراجعت عما وعدت به من تعزيز المساواة بين الجنسين، في المناخ الذي يسوده الخوف والأصولية الدينية.
ولا يزال العنف ضد المرأة، في جميع المجتمعات بشتى أنحاء العالم، من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان وأشدها شيوعاً اليوم.
وتشتد حدة العنف بسبب الإفلات من العقاب، واللامبالاة، والتفاوت. ومن الأمثلة الصارخة على الإفلات من العقاب ذلك الصراع الدائر في دارفور، إذ زادت حوادث الاغتصاب في عام 2006، بازدياد حدة الصراع المسلح وانتشاره إلى المناطق المجاورة في تشاد. ومن أبشع الأمثلة على اللامبالاة ما حدث في غواتيمالا، التي شهدت مقتل ما يزيد على 2200 امرأة وفتاة منذ عام 2001، ومع ذلك لم يتم إجراء تحقيقات إلا في عدد بالغ القلة من الحالات، ولم يُحاكم الجناة إلا في عدد أقل من هذا القليل. والأمثلة كثيرة على تأثير التفاوت، وربما كان من أشدها إثارة للأسى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال، في بيرو مثلاً، بسبب التمييز في الخدمات الصحية.
ويشهد العالم إنفاق مليارات الدولارات من أجل “الحرب على الإرهاب”، ولكن أين هي الإرادة السياسية أو الموارد اللازمة لمحاربة الإرهاب الجنسي ضد المرأة؟ وقد كان العالم كله يعلن عن غضبه من الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، فأين التعبير عن الغضب من الفصل بين الجنسين في بعض البلدان اليوم؟
وسواء كان مرتكب العنف جندياً أو من قادة المجتمع، وسواء كانت السلطات توافق رسمياً على العنف أو كانت الثقافة والعادات تسمح بها، فلا تستطيع الدولة التحلل من مسؤوليتها عن حماية المرأة.
فالدولة ملزمة بضمان حرية الاختيار عند المرأة، لا بأن تضع القيود عليها. فإذا شئنا مثالاً لذلك وجدنا النقاب أو الحجاب الذي ترتديه المسلمات، والذي أصبح قضية خلافية فيما بين الثقافات المتباينة، إذ يرى فريق إنه رمز مرئي للقهر، ويرى الفريق الآخر أنه الرمز الأساسي للحرية الدينية. وإذا كان من الخطأ إرغام المرأة في المملكة العربية السعودية أو إيران على ارتداء النقاب، فمن الخطأ كذلك منع المرأة أو الفتاة في تركيا أو فرنسا قانوناً من ارتداء منديل الحجاب. ومن الغباء أن يزعم القادة الغربيون أن قطعة من الملابس تشكل حاجزاً رئيسياً أمام الوفاق الاجتماعي.
وتقضى ممارسة المرأة لحقها في التعبير والدين بأن تتمتع بحرية اختيار ما تريد أن ترتديه. ومن واجب الحكومات والزعماء الدينيين إيجاد المناخ الآمن الذي تستطيع كل امرأة فيه ممارسة هذا الاختيار دون التعرض لخطر العنف أو القسر.
ومعنى الطابع العالمي لحقوق الإنسان أنها تنطبق على المرأة مثلما تنطبق على الرجل. وهكذا فإن عالمية الحقوق، في الفهم والتطبيق معاً، تُعتبر أقوى سلاح لمواجهة العنف ضد المرأة، والتعصب، والعنصرية، وكراهية الأجانب، والإرهاب.
الخوف من الإرهاب
لا يشتد ساعد الخوف في مناخ مثلما يشتد في مناخ الإرهاب ومكافحة الإرهاب، حيث تتجلى أشد آثاره ضرراً. فمن حق الناس، سواء كانوا في مومباي أو مانهاتن، أن يتمتعوا بالأمن، ومن واجب الحكومات أن توفر ذلك الأمن. ولكن إستراتيجيات مكافحة الإرهاب التي أُسيء فهمها لم تنجح نجاحاً يُذكر في تقليل خطر العنف أو في ضمان العدالة لضحايا الهجمات، بل إنها أضرت ضرراً كبيراً بحقوق الإنسان وسيادة القانون.
وحينما حالت المحاكم في عام 2004 دون متابعة الحكومة البريطانية تطبيق سياسة اعتقال الأشخاص إلى أجل غير مسمى دون تهمة أو محاكمة، لجأت الحكومة بصورة متزايدة إلى ترحيل الأشخاص، أو إلى ما يسمى “أوامر الرقابة”، التي تتيح لوزير الداخلية، من الناحية الفعلية، فرض الإقامة الجبرية في المنزل على الأشخاص دون إقامة الدعوى الجنائية. ومن ثم، يُدان المشتبه دون أن تصدر أية محكمة حكماً بذلك، ويتعرض جوهر سيادة القانون إلى التشويه مع الحفاظ عليه صورياً.
وفي عام 2006، أصدرت اليابان قانوناً يقضي بتعجيل ترحيل أي شخص يعتبره وزير الداخلية “إرهابياً محتملاً”. واستناداً إلى ذلك، لن يُبت في مصير الأشخاص استناداً إلى ما فعلوه بل استناداً إلى قدرة الحكومات، التي تحيط بكل شيء علماً، على التنبؤ بما يمكن أن يفعلوه!
وتمارس الإدارة الأمريكية بلا هوادة وبلا قيود سلطة تنفيذية تقديرية، إذ تعتبر هذه الإدارة العالم ميدان قتال كبير في ما تشنه من “الحرب على الإرهاب”، فتُقْدمُ على اختطاف من تشتبه فيه أو تقبض عليه أو تحتجزه أو تعذبه، إما مباشرة أو بمعونة بلدان أخرى بعيدة عن بعضها البعض مثل باكستان وغامبيا، وأفغانستان والأردن. وفي سبتمبر/أيلول 2006، اعترف الرئيس بوش أخيراً بما كانت منظمة العفو الدولية تعرفه منذ أمد طويل، ألا وهو أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تدير معتقلات سرية في ظروف تعتبر جرائم دولية.
ولا تتمثل عولمة انتهاكات حقوق الإنسان بدقة أكبر مما تتمثل به في برنامج الحكومة الأمريكية الخاص بحالات “الترحيل الاستثنائي”. وقد أسفرت التحقيقات التي أجراها مجلس أوروبا، والبرلمان الأوروبي، إلى جانب التحقيق العام في كندا، عن توفر أدلة قاطعة تؤكد ما كانت منظمة العفو الدولية قد انتهت إليه، من مشاركة عدد من الحكومات الأوروبية وغيرها في ذلك، أو تواطئها أو رضاها منه، سواء كانت ديموقراطية مثل كندا أو استبدادية مثل باكستان. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بترحيل مئات الأشخاص دون وجه حق إلى بلدان مثل سوريا والأردن ومصر. وفي ظل هذا النظام المحاط بالسرية والغموض، يتعرض أولئك الأشخاص لخطر الاختفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. وقد انتهى الأمر ببعضهم في غوانتنامو، أو في السجون التي تديرها الولايات المتحدة في أفغانستان، أو “المواقع السوداء” التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية. ومن جهة أخرى، لا يستطيع المحامون مخاطبة السلطات، أو المطالبة بالفحص القضائي أو المحاكمة العادلة للمحتجزين في معتقلات سرية، لسبب بسيط وهو أنه لا أحد يعرف أين هم، ولا الجهة التي تحتجزهم. كما تصبح الرقابة الدولية أمراً مستحيلاً لهذه الأسباب نفسها.
وتستخدم الإدارة الأمريكية لغة مزدوجة المعايير بلا أدنى خجل، وإلى حد مثير. فلقد أدانت سوريا باعتبارها جزءاً من “محور الشر”، ولكنها نقلت مواطناً كندياً هو ماهر عرار إلى قوات الأمن السورية كي تتولى التحقيق معه، رغم أنها تعلم حق العلم أنه يتعرض بذلك لخطر التعذيب. وكانت باكستان من الدول الأخرى التي توددت إليها الإدارة الأمريكية واعتبرتها من حلفائها في “الحرب على الإرهاب”، على الرغم من بواعث قلقها بشأن سجل باكستان في مجال حقوق الإنسان.
ومن حسن الحظ أن بلداناً كثيرة بدأت تدرك باطراد، على ما يبدو، أن تحقيق الأمن بغض النظر عن تكاليفه هو إستراتيجية خطرة وتنطوي على مساوئ، إذ تزداد صرامة المؤسسات الأوروبية في طلب المساءلة، ويقل استعداد المحاكم للتسليم بمزاعم الحكومات. وقد أدى التحقيق العام في كندا إلى طلب اعتذار وتعويضات من السلطات الأمريكية عما حدث لماهر عرار، والمطالبة بالتحقيق في الحالات المماثلة الأخرى. وتؤدي التقارير الصادرة من مجلس أوروبا والبرلمان الأوروبي إلى المطالبة بزيادة الرقابة على أجهزة الأمن. بل إن إيطاليا وألمانيا قد أصدرتا أوامر بالقبض على بعض عملاء وكالة الاستخبارات المركزية.
لقد نشأت قوة دفع واضحة تناصر الشفافية والمساءلة ووضع حد للإفلات من العقاب.
ولكن على الولايات المتحدة تتقبل هذا الأمر؛ إذ أقنع الرئيس بوش الكونغرس، في نوبة الحُمَّى الدعائية عشية الانتخابات، بإصدار “قانون اللجان العسكرية”، الذي يلغي تأثير الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في 2006 في “قضية حمدان ضد رامسفيلد”، ويضفي الطابع القانوني على ما وجده العالم غير أخلاقي. وقد وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” هذا القانون بأنه “قانون استبدادي سوف يعتبر من الدرجات الدنيا في تاريخ الديموقراطية الأمريكية”.
ولا تزال الإدارة الأمريكية تصمُّ آذانها عن النداءات التي تنطلق من شتى أنحاء العالم مطالبةً إغلاق معتقل غوانتنامو، ولا تشعر بأي ندم على إقامة تلك الشبكة العالمية من الانتهاكات باسم مكافحة الإرهاب، وتتناسى هموم الآلاف من المعتقلين وأسرهم، والإضرار بسيادة القانون وحقوق الإنسان، وتدمير السلطة الأخلاقية التي تتمتع بها، إذ انخفضت إلى أدنى حد لها في شتى أنحاء العالم، في حين تظل مستويات انعدام الأمن مرتفعة كما كانت.
وفي عام 1987 كتب برينان، القاضي في المحكمة العليا الأمريكية، قائلاً “في كل مرة ينفرج فيها ما تعتبره الولايات المتحدة “أزمة”، كانت الولايات المتحدة تشعر بتأنيب الضمير حين تدرك أن إلغاء الحريات المدنية لم يكن لازماً. ولكنها لم تستطع منع نفسها بعد ذلك من تكرار ذلك الخطأ عند نشوء الأزمة التالية”.
ويبعث الكونغرس الأمريكي الجديد الآمال في أن الأوضاع سوف تتغير، وأن الأعضاء من الحزبين الديموقراطي والجمهوري سوف يدركون مصلحة الحزبين في إعادة الاحترام لحقوق الإنسان في الداخل والخارج، وفي المطالبة بالمساءلة، وتشكيل لجنة تحقيق، وإلغاء “قانون اللجان العسكرية” أو تعديله بما يتفق والقانون الدولي.
التحرر من العنف
عندما يُهدر البعض القيم العالمية لحقوق الإنسان ويظلون بمنأى عن العقاب، ترفع المصالح الضيقة رؤوسها، وعادةً ما تكون من ورائها جماعات تمثل الانتماء الطائفي والعرقي والديني، وتستخدم العنف أحياناً. وعلى الرغم من أن ممارساتها كثيراً ما تخالف حقوق الإنسان، فإنها تكتسب التأييد من الناس العاديين في عدد من البلدان، لأنها تظهر بمظهر المناوئ للمظالم التي تتجاهلها الحكومات ويتجاهلها المجتمع الدولي.
وفي الوقت نفسه تتقاعس الحكومات عن التقدم لمحاسبة هذه الجماعات المسلحة عن انتهاكاتها، بل إنها، فيما يبدو، تشجع العوامل التي تفرزها وتتبناها.
ففي أفغانستان، أهدرت الحكومة، مثلما أهدر المجتمع الدولي، فرصة بناء دولة عاملة ناجحة تقوم على أسس حقوق الإنسان وسيادة القانون. والواقع أن الجماهير قد فقدت الثقة في الحكومة بسبب تفشى انعدام الأمن والإفلات من العقاب، وفساد المؤسسات الحكومية وعدم فاعليتها، إلى جانب ارتفاع مستوى البطالة والفقر، في الوقت الذي يزداد فيه الاستياء بسبب قتل الآلاف من المدنيين نتيجة العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة. واستغلت حركة “طالبان” وجود هذا الفراغ السياسي والاقتصادي والأمني في فرض سيطرتها على مناطق كبيرة في جنوب البلد وشرقها.
وقد كان للمغامرة العسكرية الطائشة في العراق عواقب وخيمة في مجال حقوق الإنسان والقانون الإنساني، مما خلَّف المرارة في نفوس السكان، وقَوَّى شوكة الجماعات المسلحة، وخفض مستوى الأمن في العالم. وقد تحول التمرد إلى صراع طائفي وحشي دموي. ولا تكاد الحكومة تبدي التزاماً بحماية حقوق الإنسان للعراقيين جميعاً. وأما قوات الشرطة العراقية فقد تسرب إليها الكثيرون من أفراد الميليشيات الطائفية فباتت تشجع الانتهاكات بدلاً من كبح جماحها. ويتسم نظام العدالة العراقي بالعجز إلى درجة مؤسفة، على نحو ما أكده إجراء المحاكمة المعيبة للرئيس السابق صدام حسين، وإجراءات تنفيذ الإعدام المرعبة.
وإذا كان لنا أن نأمل على الإطلاق في أن يتغير التكهن العام بمستقبل العراق، فلا بد أن تقوم الحكومة العراقية، مع من يدعمونها عسكرياً، بوضع بعض المعايير الواضحة لحقوق الإنسان، وذلك بنزع سلاح الميليشيات، وإصلاح حال الشرطة، ومراجعة النظام القضائي، وإنهاء التمييز الطائفي وضمان مساواة المرأة في الحقوق.
وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، أدى التأثير التراكمي للتدابير التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية، بما في ذلك القيود التي تزداد صرامة على حرية التنقل، وتوسيع المستعمرات، وبناء الجدار الفاصل داخل الضفة الغربية، إلى خنق الاقتصاد المحلي. وبات الفلسطينيون العاديون محصورين بين شقي الرحى، فهناك من جهة الصراع بين حركتي “حماس” و”فتح”، وهناك من جهة أخرى القنابل التي يلقي بها الجيش الإسرائيلي دون حساب للعواقب. ولما كان السكان الفلسطينيون، الذين يتكون معظمهم من الشباب، لا يجدون العدالة ولا يرون في الأفق نهاية وشيكة للاحتلال، فقد أصبحوا يتخذون مواقف جذرية. ولن تنجح هدنة في الصمود، ولن تثمر أية عملية سياسية في الشرق الأوسط، ما لم يبادر المسؤولون بالتصدي للإفلات من العقاب، وإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان وأمن البشر.
وفي لبنان، ازداد عمق الانقسامات الطائفية في أعقاب الحرب بين إسرائيل و”حزب الله”. والواقع أن عدم المساءلة عن الانتهاكات الجارية والسابقة، ومنها ما ارتُكب خلال الحرب الأخيرة، والاغتيالات السياسية وحالات الاختفاء القسري إبان الحرب الأهلية (1975 -- 1990)، يُعتبر من مصادر الإحساس بالظلم الذي تستغله جميع الأطراف. وتتعرض الحكومة للضغط عليها حتى تتنازل عن حيز أكبر “لحزب الله”. ويتهدد لبنان خطر حقيقي بالسقوط من جديد في هوة العنف الطائفي.
ويرسم أحد المعلقين صورة مستقبلية كالكابوس يرى فيها سقوط الدول، من هندوكوش إلى القرن الإفريقي، وفي قلب هذه المجموعة المزعزعة توجد العراق والأراضي المحتلة ولبنان، وعلى الجانبين باكستان وأفغانستان والصومال. ويتحدث معلقون آخرون عن إحياء التفكير الذي ساد فترة الحرب البادرة، أي الاستقطاب بيننا “نحن” وبينهم “هم”، وفي هذا الإطار تسعى الدول القوية لمحاربة أعدائها في حروب بالوكالة، أي أن تدور هذه الحروب في الفناء الخلفي لدولة أخرى. وإن صح هذا، فإن حقوق الإنسان سوف تواجه مستقبلاً بشعاً ورهيباً.
نظرة إلى المستقبل
للمرء أن يستسلم لأعراض مرض الخوف أو أن ينتهج منهجاً يختلف اختلافاً جذرياً، وهو منهج يقوم على الاستدامة لا على الأمن.
وربما يكون مصطلح الاستدامة مألوفاً لخبراء التنمية الاقتصادية والمعنيين بشؤون البيئة في المقام الأول، ولكنه ذو أهمية جوهرية أيضاً للمناضلين في سبيل حقوق الإنسان. فالإستراتيجية المستدامة تعني تعزيز الأمل وحقوق الإنسان والديموقراطية، بينما تقتصر الإستراتيجية الأمنية على التصدي للمخاوف والأخطار. وإذا كان أفضل سبيل لتأمين الطاقة يتمثل في التنمية المستدامة، فإن أفضل وسيلة لتحقيق أمن البشر تتمثل في المؤسسات التي تعزز احترام حقوق الإنسان.
وتتطلب الاستدامة رفض تقاليد الحرب الباردة، التي تجعل لكل دولة عظمى مجموعة ترعاها من الدول ذات النظم الاستبدادية ونظم الحكم الغاشمة. فالاستدامة تعني تعزيز القيادة ذات المبادئ الثابتة والسياسات المستنيرة.
وتتطلب الاستدامة تدعيم سيادة القانون وحقوق الإنسان، على المستويين الوطني والدولي. فلقد اجتذبت الانتخابات قدراً كبيراً من الاهتمام الدولي، من بوليفيا إلى بنغلاديش، ومن شيلي إلى ليبيريا. ولكن لم يعد كافياً، كما اتضح في حالتي جمهورية الكونغو الديموقراطية والعراق، إيجاد الظروف التي تتيح للناس الإدلاء بأصواتهم. فالتحدي الأكبر هو تعزيز الإدارة الصالحة، بما في ذلك إقامة هيكل قانوني وقضائي فعال، وسيادة القانون المستندة إلى حقوق الإنسان، ووجود صحافة حرة، ومجتمع مدني نشيط.
وتعتبر إقامة نظام يعمل بكفاءة في مجال سيادة القانون على المستوى الوطني الضمان الأخير لحقوق الإنسان. ولكن هذا النظام القانوني لن يحقق العدالة الحقة إلا إذا عمل حساباً للنساء والفقراء. إذ إن غالبية الفقراء اليوم محرومة من حماية القانون، وإدخالهم تحت مظلة القانون بصورة فعالة يتطلب إحقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في السياسات والبرامج العامة. أما المرأة فما زالت محرومة من المساواة أمام القانون في عدد كبير من البلدان، وحصولها على المساواة في التمتع بجميع حقوق الإنسان شرط أساسي ليس فقط لاستدامة حقوق الإنسان، بل أيضاً لتحقيق الازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
وتتطلب الاستدامة تنشيط عملية إصلاح الهيئات المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. فلقد عانت مصداقية مجلس الأمن الدولي مر المعاناة بسبب إهانته وتجاوزه من جانب أقوى أعضائه، وتجاهل بعض الحكومات له مثل السودان وإيران. ولكن أي فشل للأمم المتحدة يعني تقليص سلطة أقوى الدول الأعضاء فيه. ومن مصلحة الولايات المتحدة ذاتها أن تتخلى عن منهجها الانتقائي في التعامل مع الأمم المتحدة، وأن تعترف بقيمة تعدد الأطراف باعتبارها وسيلة جوهرية لتعزيز المزيد من الاستقرار والأمن من خلال حقوق الإنسان.
وقد ظهرت على “مجلس حقوق الإنسان” بالأمم المتحدة بعض الدلائل التي تبعث على القلق بشأن الانقسام بين بعض أعضائه، مما يعيد إلى الأذهان مشاكل الهيئة التي خلفها. ولكن التغيير ما زال ممكناً، إذ تستطيع البلدان الأعضاء أن تنهض بدور بنَّاء، وبعضها، مثل الهند والمكسيك، تقوم فعلاً بهذا الدور، حتى تزيد قدرة المجلس على التصدي لأزمات حقوق الإنسان، وتقل فرص وقوعه فريسة للتلاعب السياسي و”الانتقائية” السياسية.
وعلى الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أيضاً أن يؤكد وجوده، ويثبت زعامته باعتباره نصيراً لحقوق الإنسان. وتُعد مسؤولية الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان مسؤولية فريدة لا يستطيع كيان آخر أن يغتصبها. ويجب على جميع أجهزة الأمم المتحدة ومسؤوليها أن يلتزموا ويفوا بها.
وتعني الاستدامة، في سياق حقوق الإنسان، بث الأمل وتنميته. ولنا أن نستقي من الأمثلة العديدة في عام 2006 دروساً للمستقبل.
فقد كان إنهاء الصراع الذي استمـر عقداً كاملاً في نيبال، بكـل ما شهده من انتهاكات لحقوق الإنسان، مثالاً واضحاً لما يمكن تحقيقه بالجهود الجماعية، إذ قُوبل النداء القوي الذي وجهه شعب نيبال باستجابة من الأمم المتحدة والحكومات التي يهمها الأمر، والتي تعاونت مع الزعماء السياسيين الوطنيين والمناضلين في سبيل حقوق الإنسان داخل البلد وخارجه.
وللعدالة الدولية أهمية حاسمة في الحفاظ على احترام حقوق الإنسان. وفي عام 2006 قامت نيجيريا أخيراً بتسليم الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور إلى “المحكمة الخاصة لسيراليون”، لكي يُحاكم على ما ارتكبه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبدأت “المحكمة الجنائية الدولية” أولى محاكماتها لأحد أباطرة الحرب من جمهورية الكونغو الديموقراطية بتهمـة تجنيد الأطفال في الجيش. والمتهم التالي في قائمة هذه المحكمة هو “جيش الرب للمقاومة”، وهو جماعة متمردة أوغندية، وكذلك مرتكبو الفظائع في دارفور. ويمثل إصرار هذه المحكمة على مساءلة الجماعات المسلحة إلى جانب الحكومات سابقةً مهمة في الوقت الذي تستعرض الجماعات المسلحة قوتها التي تعود بأوخم العواقب على حقوق الإنسان.
وأدت الحملة الهائلة التي قامت بها منظمات المجتمع المدني إلى صدور قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2006 بالبدء في العمل على إعداد “معاهدة لتجارة السلاح”. إذ إن انتشار الأسلحة يشكل خطراً كبيراً على حقوق الإنسان، ويعتبر استعداد الحكومات للسيطرة عليه خطوة مهمة على طريق تحقيق “التحرر من الخوف”.
وقد حدثت هذه التطورات الإيجابية، وكثير غيرها، بسبب شجاعة المجتمع المدني والتزامه. وتتمثل أهم الدلائل التي تحيي الأمل في تغيير واقع حقوق الإنسان في حركة حقوق الإنسان نفسها، أي في الملايين من المدافعين، والمناضلين والناس العاديين، ومن بينهم أعضاء منظمة العفو الدولية، الذين يطالبون بالتغيير.
إن المسيرات، والالتماسات، والرسائل الإلكترونية، والمدونات على الإنترنت، والقمصان، والشارات على الذراع، قد لا تبدو هائلة في ذاتها، ولكنها تجمع بين الناس فتفجر بذلك طاقةً لا يجب الاستهانة بها على إحداث التغيير. لقد أصبحت دارفور كلمة شائعة في الأفواه باعتبارها رمزاً للتضامن الدولي، بفضل جهود المجتمع المدني. وإذا كانت أحداث القتل لم تتوقف للأسف، فلن يسمح المجتمع المدني لزعماء العالم بأن ينسوا دارفور ما دام أهلها يفتقرون إلى الأمن. ولا يزال أمام تحقيق العدالة للمرأة شوط طويل، ولكن الحملة التي تقوم بها شيرين عبادي، المناضلة الإيرانية في سبيل حقوق الإنسان والفائزة بجائزة نوبل للسلام، من أجل تحقيق المساواة للمرأة في إيران، قد أضاءت لهباً لن تخبو جذوته حتى يتحقق النصر في المعركة. وتزداد باطراد قوة الحملة التي تنشد إلغاء عقوبة الإعدام، بفضل المجتمع المدني.
إن ما في أيدي الناس من قوة سوف يغير وجه حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين. وسيظل هذا الأمل قوياً ومفعماً بالحياة.
التدوينات (RSS)