د.عمار قربي
ربما كانت المؤسسية ودولة القانون من أهم معايير الانتماء إلى العصر الحديث .
صحيح أن المؤسسات قديمة قدم المجتمع البشري ، ولكن تحول الدولة نفسها إلى مؤسسة من المؤسسات، أي انفصال سلطتها عن شخص الحاكم ، واكتساب هذه السلطة لطابع قانوني لا شخصي، هو إنجاز كبير لهذه العصور الحديثة. ولهذا تتبوأ مؤسسة الدولة في عصرنا الحاضر مكانة سامية .
إن أكثر ما يميز الدولة الحديثة عن الدولة القديمة هو أنها دولة قانون، بينما ليس للدولة القديمة من مرجع سوى شخص حاكمها.
ومن هذا المنطلق – تحديدا -- تبدو الدول العربية دولا تعاني بقدر يكبر أو يصغر من الفوات التاريخي ، فهي مازالت اقرب إلى دولة القوة منها إلى الدولة الشرعية، وأقرب إلى دولة القبيلة والحزب الواحد ، منها إلى دولة المؤسسات. وهي اقرب إلى دولة الأشخاص ، منها إلى دولة الدستور . وأخيرا وليس آخرا”، حتى على الصعيد الإداري والقضائي نجد أن الدول العربية اقرب إلى دولة الولاء الشخصي ، منها إلى دولة الموضوعية القانونية .
فبدلا” من أن يكون الدستور في الدول العربية سابقا على شخص الحاكم، فإنه لا يزال في غالبية الأحوال يتبعه كظله ، ويرتهن بإرادته ، وغالبا ما يزول بزواله ، أو وفاته.
والدولة التي لا تلتزم على أعلى مستوياتها بالمبدأ المؤسساتي لا يمكن أن تفرض تطبيقه حتى على المستويات الدنيا ، وهذا هو السبب الرئيسي للفساد الإداري ، و القضائي في الدول العربية.
إن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ تساوي المواطنين جميعا في الحقوق والواجبات أمام القانون ، وفيما بينهم مجتمعين مع الحكام .
أما في دولنا العربية فتفتقد العلاقات الطابع الموضوعي المؤسسي ، وتقوم على عصبيات تتناقض مع مبدأ المساواة أمام القانون ، ويصبح المتحكم فيها العلاقات الشخصية والعائلية والقبلية و السلالية والتحزبية .
وبالتالي فإن الدولة ضرورة للتقدم والتطور الإنسانيين.
وهنا يبدأ الجدل حول العلاقة بين الدولة والطبقة المسيطرة اقتصاديا ، وهل الدولة هي فعلا أداة للطبقة المسيطرة اقتصاديا ؟ وإذا كانت كذلك فهل تسيطر الدولة بالقمع الجسدي المباشر أم أنها تحتاج إلى نوع من ( التقبل الاجتماعي ) من خلال الخدمات العامة التي تؤديها إلى مواطنيها ، ومن خلال السيطرة الأيديولوجية على كافة نشاطات المجتمع ؟ وهل هناك -- فعلا -- إمكانية لتحول مؤسسة الدولة من مفهوم الحارس لمصالح الطبقة المسيطرة اقتصاديا ، إلى دولة كلّ الطبقات المشكلة للمجتمع ؟ وفي هذا الإطار أيضا هل يمكن الفصل بين سلطة الدولة – السياسية – وبين مؤسسات الدولة ؟.
إن فقدان الدولة المؤسسة هو من أبرز سمات الحياة المجتمعية العربية ، وفي هذا الإطار يجب التفريق بين السلطة من جهة ، والدولة من جهة أخرى، نحن في الوطن العربي لدينا سلطات أو جماعات تمارس السلطة بعد ان اغتصبت الدولة والمجتمع معا” ، ولديها الجهاز العسكري والقمعي لكي تمارس هذه السلطة ، ان وجود سلطة قهرية وحصرية تفرض الاذعان على المجتمع بواسطة جهاز قمعي مدني بيروقراطي وعسكري ثيوقراطي لايعني ان الدولة المؤسسة موجودة ، ان قانون الدولة الاستبدادية هو التزوير بدلا” من ان تكون ملاذا” جامعا” لارادات الافراد والضامن لحريتهم ، والتدمير المنظم لكل انجاز او تراكم مهما كان صغيرا” بحيث يبدو معه زمن الدولة الاستبدادية دائري لاحياة فيه ولا جديد
الم تختزل الدول العربية في كثير من الأحيان بشخص الحاكم الذي أخصى كل شيءٍ تقريباً، ليكون الفحل الوحيد على الساحة هو وأجهزته.؟
هذه الممارسات لا تعني أبدا أن الدولة موجودة، إن الدولة كمؤسسة لها وظائف معينة في حياة المجتمع ، غير وظيفة القمع، ولكن الدولة العربية لم تكتف بممارسة القمع المادي المباشر فقط ، بل تمارس القمع الفكري الإيديولوجي الذي تحتكر وسائله من صحافة وتلفزة وإذاعة ، إضافة إلى المؤسسات التربوية والتعليمية….وهذا القمع قد يكون أهم من القمع المادي ، لأن ردود الفعل على القمع المادي مجسمة، بينما مناهضة الهيمنة الأيديولوجية تصبح من الصعوبة بمكان ، في ظل وعي سياسي واجتماعي محدود لدى أكثر الناس. حيث إن انعدام الوعي لدى الفئات الاجتماعية المضطهدة حال دون ظهور أي رد فعل مجسم ضد هذا الاضطهاد.
إن الدول العربية أخذت من مؤسسات الدول الحديثة مظاهرها فقط، إضافة إلى استعمالها بشكل منحرف، مما أدى إلى تقوية أصحاب السلطة في المجتمع، بينما المطلوب تأمين ضوابط عدم استعمال السلطة بشكل مؤذ وعشوائي على المواطنين، فالدولة عندنا وسيلة لفرض المزيد من الاستعباد، بينما -- في الحقيقة -- الدولة هي تحرير المواطن من الاستعباد
إن التقاليد الموجودة في المجتمعات العربية هي تقاليد سلطوية عميقة الجذور، ترجع إلى أيام الجاهلية ، في الهيكلية القبلية الموجودة عند العرب – وربما لازالت موجودة حتى اليوم – فالحاضر ما هو إلا تراكم للماضي . وفي هذا السياق نرى نزول الأديان السماوية التي أتت لتحرر الإنسان من وطأة السلطة المطلقة النابعة من القبيلة والعائلة ، بحيث يصبح الإنسان حرا يمارس مسؤوليته الشخصية بحرية ، وليحيا حياته الاجتماعية حسب معتقده الشخصي ، لا حسب تقاليد القبيلة والعائلة.
ثم أتت المبادىء الديمقراطية لتكمل مع الأديان تحميل الفرد -- بصفته الشخصية -- مسؤولية إدارة شؤونه ، والمساهمة في حياة المجتمع . ونشأت الدولة بشكلها المؤسسي الحديث الديمقراطي ، و التي بدورها خلقت ضوابط داخل المجتمع لمنع تسلط فئات اجتماعية معينة على مقاليد الحياة الاجتماعية ، وهذا هو مفهوم الدولة الحديثة ، أي دولة “المجتمع المدني “الذي لا يكون الفرد فيه عبدا لروابط عائلية ، أو قبلية ، أو سلطوية معينة تنبع من إقليمية ما ، أو من مصدر طائفي .
فالمجتمع المدني كما يقتضي المدلول الاشتقاقي، مجتمع “متمدن”. والحال أن المجتمع لا يتمدن إلا بالقانون، والمدنية لا تعني سوى سيادة القانون وأولويته على القوة الغابية، والمجتمع المدني متى ما انتظم في قوانينه المدنية، الخاصة والعامة، استغنى عن التدخل التعسفي للدولة
” المجتمع المدني ” إذن هو الغاية التي يجب أن تحميها الدولة الحديثة .
ان الاشكالية الرئيسية في العالم العربي : هل الدولة تعبيرا” عن المجتمع ام مفروضة عليه .
إن إشكالية وجود الدولة في المجتمع العربي معقدة للغاية ، فحتى الآن لا توجد دولة واحدة يتفق عليها الجميع ، فالبعض يراها دولة الأمة الإسلامية ، والبعض يراها دولة الأمة العربية ، والآخر يراها دولة الكيانات القطرية…، و تعود هذه الإشكالية إلى اختلاف عميق بين تقاليد العالم العربي وتقاليد العالم الغربي، وهو اختلاف ينبع من حقيقتين :
أولا” : إن الفكر السياسي الحديث يختلف عن الفكر السياسي العربي القديم من حيث أن الأول لم يجاوز كونه عملية ضبط للسلطة في تعسفها وتقييدها إزاء المواطن ، ونلاحظ أن كل الفكر السياسي الغربي تمحور حول قضية منع الدولة من الاعتداء على المواطن ، وكيفية جعل الدولة ممارسة لسلطاتها دون الجور على المواطن . فتاريخيا ومن أيام العصر الروماني نرى أن الرومان أدركوا أن التعدد يمنع الانفراد بالسلطة ، وبالتالي يمنع التعسف ، ولهذا أعطوا صلاحيات واسعة -- نوعا ما -- لما يسمّى بمجلس النبلاء آنذاك، أيضا اليونانيون القدماء أدخلوا مفهوم القانون إلى مجتمعهم ،وكانوا سباقين في تحقيق “المجتمع المدني” عن طريق إنشاء “القانون المدني” ، بعدها جاء مونتسيكو ليقول بثلاث سلطات، سلطة تنفيذية ، وسلطة تشريعية ، وسلطة قضائية ، انطلاقا من مبدأ أن السلطة توقف السلطة ، وهناك قول له :”كل من له سلطة يميل إلى إساءة استعمال السلطة ” . فهو يعتبر أنّ إساءة استعمال السلطة سمة عامة في طبيعة الإنسان البشرية ، ومن هذا المنظار لا يمكن أن نتصور دولة أو نظام حكم لا يتسلط فيه أحد على أحد آخر، لذا تنبع الحاجة إلى إيجاد نظام يكون فيه الدستور والقانون اداة بيد المظلومين والمهمشين لا سيفا” مسلطا” على رقابهم -- دولة يمنع والى أقصى حد تسلط الحاكمين على المجتمع ، بحيث تكون وظيفة الدولة هي إنشاء ضوابط على سلطة الحاكم .
أما السلطة في الفكر العربي كانت ، ولازالت ، تعني “الهيبة “أو “السيادة ” . ومن هنا نرى أن صاحب السلطة هو صاحب السيادة الوحيد في المجتمع والباقي رعايا واتباع ، ، كل هذا يعني أن الإنسان في المجتمع العربي لا وجود له كفرد ، و لا حماية له كشخص بشكل مستقل عن الدولة ” العربية “، لذا بسهل علينا تفسير عدم وجود معارضات منظمة بشكل جماعي في تاريخنا العربي لأن المعارضة -- كتنظيم -- لم تقبلها ، ولم تعرفها -- أصلا”-النظم السياسية العربية * .فالمعارضة حق للشعب في مواجهة الحاكم فإذا كان الشعب كله غائبا” او مغيبا” فمن اين تأتي المعارضة
ثانيا” : إن تاريخ الدولة في الوطن العربي يختلف عن تاريخ الدولة في العالم الغربي، فتاريخ الدولة في الأول هو تاريخ الطبقة الحاكمة ، أما تاريخ الدولة في الثاني فهو تاريخ المجتمع المحكوم .
إن الدولة في العالم الغربي هي شخص معنوي، و بهذا المفهوم المجرد نضع أيدينا على أسّ الفكر الغربي
أما تراث الدولة في وطننا العربي – كيان عضوي يتجسد في شخص الحاكم -فهو تراث “السلاطين ” ، والقواعد التي تأسست عليها الدولة العربية كانت -- في معظمها -- هي “الأحكام السلطانية” التي تحكم بمقتضى الحاكم ، وتؤسس حكمه ، وتضمن رفاهيته دون اعتبار كبير لحقوق الرعية ، أو مصالحها ، ودون أن تسمح بوجود أي مؤسسات أخرى تصون هذه الحقوق وتدافع عنها ولذلك فالدولة عندنا تتبع لشخص الحاكم ، لأن دولتنا ليست حقيقة مجردة .
أيضا يجب علينا أن نميز بين نظام الخلافة و الدولة التي تطبق الشر ع، فالدولة الأموية أو العباسية مثلا كانت تطبق الشر ع وتحرص على إقامة الحدود الشرعية ، ولكن هذا لم يمنع الفقهاء من جهة ، والمؤرخين من جهة أخرى من اعتبارها دولة جائرة وظالمة ، بل ومغتصبة للحكم ، يجب التمييز إذاً بين التطبيق الشكلي أو المظهري للشر ع ، و نظام الخلافة الذي يتوخى مضمون الشرع وتعاضده، فالدولة “الشرعية**” كانت تستخدم الشرع لتثبت حكمها ، وتطلب الطاعة من الرعية ، وتقمع المعارضين إن وجدوا .
المشكلة بدأت مع طغيان المجتمع على الفرد وذوبان الاخير فيه ، الامر الذي يذكر بموقع الفرد في العشيرة : ان المجتمع المعاصر هو أي شيء الا ان يكون دولة حقيقية ، بل هو اقرب الى عشيرة متورمة او مجموعة من افراد مذررين ومع ذلك فإن هذا النكوص الى الوراء هون ماحصل تقريبا” في كل الانظمة الاشتراكية والقومية والدينية ذات الطابع الشمولي بدءا” من الاتحاد السوفييتي وانتهاء بنا مرورا” بالنازي والفاشي بالغرب ، على الرغم من الاختلاف الجذري في المضمون الاجتماعي لهذه الانظمة . لقد كان من المفترض ان تدفع الانظمة الثورية المجتمع الى الامام متجاوزة ومستبطنة ما قدمته الليبرالية ، ولكن الذي حصل هو العكس لقد الغت الفرد وذوبته في المجتمع والحقت الاخير بالدولة ، والدولة بالسلطة ، وبالغالب بسلطة مشخصنة بامتياز ، سوريا” كان المأمول ان يركز على استعادة الافراد لحقوقهم واستعادة المجتمع استقلاله عن الدولة ، والفصل بين الاخيرة والسلطة لاعادة التوازن الحقيقي بين المثلث : الفرد المجتمع الدولة الى نصابه الصحيح بما في ذلك البحث العميق عن الصيغ الدستورية والقانونية التي تكفل ذلك .
المشهد العربي
على كل: وبصرف النظر عن الاختلافات الجزئية ما بين قطر عربي وآخر، فإن المشهد العربي إضافة لعوامل التخلف المشتركة بين دوله ، نجد أنه يضاف إلى كل وضعية قطرية على حده جملة من العوامل التحديدية ، تتراوح مابين انفجار سكاني في مصر وحرب أهلية في الجزائر والصومال واحتلال أمريكي للعراق، وما بين التصحر والفساد الإداري في اغلب الدول الأخرى ، أما المركزية البيروقراطية والنزعة الفئوية ، فهي تصادر فائض إنتاج المجتمع العربي بأكمله ، وربما إنتاجه نفسه ، لصالح فئة بعينها قد تكون طائفة أو قبيلة أو حتى أسرة ، كما قد تكون حزبا” أو جيشا” .
وإذا كان من الصعب حصر الأسباب، فمن الأصعب أكثر حصر النتائج . وكل ما يمكن قوله باختصار هو أن اللوحة التي يقدمها مشهد الوطن العربي لوحة قاتمة تغلب عليها المساحات السوداء ، وهذا على مختلف الأصعدة بلا استثناء .
فعلى الصعيد الاقتصادي: نجد هناك صناعة مفلسة ، ومعامل متصدئة ،و تلكؤ في التصنيع، وتزايد التبعية ،ومشاريع لاعقلانية، وزراعة مهملة ،وإنتاجية متراجعة، وعجز غذائي متفاقم ، ومديونية خانقة لا تستثني الأقطار الخليجية ، واعتماد على الخارج في الغذاء والدواء والسلع ، وتعثر مسيرة التنمية ضمن استمرار وتعايش أنماط الإنتاج القديمة السابقة على الرأسمالية مع نمط الإنتاج السائد ، إضافة إلى دخول علاقات إنتاج رأسمالية حديثة غير متجذرة في البنية الاجتماعية، وكذلك تخلف القوى المنتجة ،وتخلف التكنولوجيا في عالم تقوده الاحتكارات الكبرى والشركات المتعددة الجنسية تحت ستار العولمة وباسمها ، وهذا كله يشير إلى جنينية المجتمع المدني العربي .
وعلى الصعيد التعليمي : نجد تدهورا” عاما”، كمي ونوعي، في المراحل الابتدائية والثانوية، من حيث المناهج والطرق والمضامين، وتضخم كاذب في المرحلة الجامعية ، وأمية تعيد إنتاج نفسها بعناد وبأعداد أكثر ، وإجمالا”نقول : انه لدينا تعليم غير متكيف مع البيئة ولا يلبي حاجات المجتمع ، ولا وظيفة اجتماعية له سوى تخريج أعدادا” متزايدة من حاملي الشهادات العاطلين عن العمل ممن كادت أن تتحول بهم ومعهم الجامعات إلى تكايا سلطانية في عالم أصبحت فيه المعرفة سلطة وقوة يمكن امتلاكها والمشاركة بإنتاجها في عصر البنوك والمعلومات والاتصالات .
وعلى الصعيد الثقافي: هناك إخفاقات ثقافية تنتشر رقعتها كلما زادت الثروة النفطية الريعية ،بل إن العروبة نفسها كفكرة وكعقيدة باتت مهددة بعد العدوان الأمريكي على العراق ، والنظام العربي الكبير نفسه مهدد بالانقراض من الداخل بسبب الاحباطات المتتالية لدى الشعب العربي ، فالسياسات الثقافية سياسات افقارية متعمدة ، أما الرقابات السياسية والقيود المالية فتجعل من الكتب في المكتبات سلعة نادرة ، وهناك أجهزة ثقافة وإعلام فاقدة للمصداقية ومغلبة للإيديولوجية على الثقافة إلى حد الابتذال ، ولازلنا حتى الآن نعيد طرح نفس الأسئلة منذ مائة عام ،ولازلنا نعيد صياغة نفس الإشكاليات بطريقة جديدة ،فقضايا التخلف والتجزئة والعدالة والحرية والديمقراطية مازالت هاجسنا ، أما تحديات المستقبل فتحمل في طياتها ظهور بذور هويات منافسة للهوية القومية ، وحتى انها تهدد الوحدة الوطنية القطرية ، وخاصة مع استمرار التشرذم على محاور قبلية وعشائرية وطائفية ومذهبية ، حيث أن مسألة الهوية لم تحسم حتى الآن ولو على المستوى النظري ، فما زال فهمنا لذاتنا ولعلاقاتنا بالآخرين قليل التبلور، بل غامض ، ومرجعيتنا حتى الآن مرتبطة بالخارج المتبدل ، مما يدل على تراكم معرفي ضعيف .
وعلى الصعيد الاجتماعي : العائلة العربية تراتبية ، أبوية ، ولازالت التربية تعتمد على القسر بدلا” من الإقناع والعلاقات الندية ، ولازالت مكانة المرآة قريبة من الدونية في اغلب الأسر العربية ، وتبقى السمة العامة ، انعدام الحرية والديمقراطية ، والنمو السرطاني لقيم مبتذلة في النظام الاجتماعي العربي الجديد ، وانفجار سكاني ، وبطالة وجنون وأزمة سكن وأزمة زواج .
وعلى الصعيد الخدمي : هناك اكتظاظ وتزييف للمدن ، وانفجار سكاني في المدن الكبرى وتلوث ، واختناقات في حركة السير والمرور ، وأزمة مواصلات مرعبة، وبنية تحتية للخدمات متآكلة وعاجزة عن تجديد نفسها.
وعلى الصعيد الصحي : نلاحظ عودة معدلات وفيات الأطفال إلى الارتفاع ، وتوطن أمراض سارية ووبائية ، وأحياء مختنقة بقمامتها ، وسوء تغذية ونقص تغذية معممان ، ونقص في الدواء و مشافي يرثى لحالها .
وعلى الصعيد القانوني : نجد إيقاف أو تراجع خائف لحركة تحديث التشريعات ، ولاسيما فيما يتعلق بالأسرة والمرأة والأحوال الشخصية عامة ، وفي بعض الدول ، هناك إحياء لتشريعات قروسطية .
وعلى الصعيد العسكري: ورغم المخصصات والاقتطاعات الهائلة على حساب المجتمع المدني ، عجز مبين عن استيعاب التكنولوجيا المتطورة ، وشبه قنوط من امتلاك القدرة على خوض الحرب الحديثة وعن تحقيق التوازن الاستراتيجي مع العدو القومي المرشح في الأشهر القادمة لشن حرب شاملة ضد سورية ولبنان .ولازال المقاتلون يخدمون في قصور الضباط والشقق المفروشة بدلا” من وجودهم على الجبهات او في الثكنات ، ولازالت بورصة تنقلات العساكر تحقق واردا” مهما” للمتنفذين من أمراء الجيش .
كل هذا وإسرائيل لا تزال قابعة في المنطقة تعسف بشعبنا الفلسطيني وتعبث بمقدرات الوطن العربي كله بعد استلام كل العرب للشروط الأمريكية دون كرامة أو مساومة .
وعلى صعيد الدولة التي كانت وما زالت تعاني من انفصام وازدواجية مزدوجة تحيي المفهوم القروسطي للدولة : من جهة دولة منفصلة عن المجتمع ومتعالية عليه ، تسوده وتستعبده وقد تناصبه العداء وتتخذه موضعا” للابتزاز ، ومن الجهة الثانية سلطة منفصلة عن الدولة تأمرها ولا تأتمر بها ، وتتخذها أداة لها بدلا” من أن تكون هي أداتها ، وتمارس العدوان عليها بدلا” من أن تكون هي حاميتها من التعدي عليها.
وإذا كانت أفكار الحداثة السياسية ،المتمثلة في قلب العلاقة بين المواطن والدولة وفي إرساء أسس السلطة السياسية على التمثيلية والانتخاب والقانون والديمقراطية السياسية ،وفي نزع مزاعم القدسية الدينية والإيديولوجية التي تتذرع بها كل سلطة استبدادية حماية لسيطرتها ….
إذا كانت هذه الأفكار قد تغلغلت باكرا” في جسم المجتمع العربي ، فإنها اليوم تعاني من تعثر رهيب يحول دون تحويل السلطة السياسية الاستبدادية إلى سلطة سياسية حديثة وديمقراطية ، وهذا ما يشكك في المشروعية السياسية العربية . والشاهد على ذلك الفجوة والهوة الكبيرة بين السلطة والشعب ،وغياب مشاركة الجماهير في مراقبة الحاكمين ، وضمور الحريات ، وضآلة الحقوق الاجتماعية والديمقراطية للمواطن العربي …الخ..
أما على الصعيد الإيديولوجي : فهناك انقلاب مذهل في الوعي من طلب للتحديث وعطش إلى الحضارة وتحرق إلى بناء المستقبل إلى انتفاء ويأس وقنوط وإضراب عن الحضارة، وطلب تعويضي لإحياء عصر ذهبي ماضوي .
وفي هذا الانقلاب الإيديولوجي تلعب شريحة واسعة من الانتلجنسيا العربية دورا” معيقا” فبدلا” من أن تكون المركز الجاذب لمفهوم التحديث ،أضحت المركز الطارد له ، وبدلا” من أن تظل وفية لوظيفتها التاريخية في التوعية لضرورة التحديث ، وبحتمية الانتقال إلى العقلنة والتنظيمية وبضرورة الدعوة إلى الديمقراطية والعمل على تعريبها وتعميمها ، أمست شريحة واسعة منها تعتبر أن وظيفتها هي على العكس تماما” .
إننا نتراجع إلى الوراء في عالم يتقدم إلى الأمام .
الديمقراطية هي الحل
إن الحديث عن الديمقراطية الذي شاع في الآونة الخيرة في كل ربوع الوطن العربي بحكم التغيرات التي طرأت على النظام العالمي ، على أهميته وضرورة إدراك مزايا هذه الديمقراطية كأسلوب في الحكم والحياة ، إلا انه يبقى مجرد دعوة عاطفية دون جذور ما لم تتم ترجمتها والتعبير عنها عبر منظمات وهيئات تعبر عن درجة النضج ومستوى التطور الذي يتمتع فيه المجتمع ، وعبر ملامسة الهموم اليومية التي يعاني منها المواطن في حياته المباشرة في الحي والعمل والمنزل .
إن الديمقراطية ليست حلا” سحريا” للمشاكل المطروحة وليست بنت اللحظة الآنية، إنها ارث من العقلانية والاعتراف بالأخر المتعدد ،وبحق هذا الآخر في إبداء الرأي والتعبير وان كان مختلفا” ، فهي حوار مستمر للوصول إلى حلول لهذه المشاكل .
أن مؤسسات المجتمع المدني هي مجال لممارسة السياسة عن غير طريق السياسة و فالدولة التوتاليتارية، بالغائها المجتمع المدني، ألغت المجتمع السياسي ،وعلى العكس ، تبدو مهمة المجتمع المدني إلغاء خصخصة السياسة اولا”.
ولهذا يصبح نضالنا من اجل اقامة المجتمع المدني كوسيلة من وسائل تحرير الشعب العربي المحتل من قبل حكوماته!
نحن الآن امة خارج التاريخ ، وخطابنا التقليدي احد أسباب خروجنا من التاريخ ، ولكي نعود الى التاريخ يجب ان نعود من بوابة المجتمع المدني ، لانه الوحيد الذي يسمح بتحرير مجتمعنا وهو القادر على تقديم خطاب عصري ملائم ومساير للمتغيرات العالمية ، لان منظمات المجتمع المدني هي مدارس للتنشئة السياسية على الديمقراطية ؛فهي تزود أعضاؤها بقدر لا بأس به من المهارات والفنون التنظيمية والسياسية .فبحكم ما تنطوي عليه من حرية نسبية في تنظيم الاجتماعات والحوار؛والمنافسة لاختيار القيادات؛ومن ثم الترشيح والانخراط في الحملات الانتخابية ؛والتصويت ومراقبة ومحاسبة هذه القيادات؛ فإن أعضاء هذه التنظيمات يتلقون ويمارسون قدرا من الثقافة السياسية العالية .
تقوم منظمات المجتمع المدني باختلاف أنواعها بتوسط العلاقة بين الفرد والدولة ؛فالفرد لا يستطيع وحده مواجهة الدولة وتحقيق مصالحة والتعبير عن آرائه وهواجسه على نحو فردى لكنه يستطيع من خلال عضويته في تنظيمات سياسية كالأحزاب ومهنية كالنقابات واجتماعية كالمنظمات غير الحكومية والثقافية كالأندية والروابط الفكرية أن يعبر عن رأيه وأن تصان مصالحة وأن يتحقق الصالح الخاص بشكل أفضل من خلال تحقيق الصالح العام
إذن المجتمع المدني المنشود، عبارة عن مجموعة من المؤسسات المدنية والاجتماعية وجملة من القنوات والمسارب التي يعبر بها المجتمع الحديث عن مصالحه وغاياته، ويتمكن من الدفاع عن نفسه في مواجهة طغيان المجتمع السياسي المتمثل بالدولة. إن المجتمع المدني يحتوي على الايديولوجيا بمكوناتها المتعددة
أن تنظيمات المجتمع المدني هي التي تحصن الفرد ضد سطوة الدولة من ناحية؛ وتحصن الدولة ضد الاضطرابات الاجتماعية العنيفة من ناحية أخرى؛فعضوية أحد هذه التنظيمات تتيح للفرد قدرا اكبر من الحماية في حالة انتهاك أحد أجهزة الدولة لحقوقه الإنسانية_المدنية أو الاقتصادية أو السياسية.كما أن هذه التنظيمات تقنن السلوك الاحتجاجي لأعضائها في مواجهة الدولة ؛آي أنها تدير الصراع الاجتماعي الذي يكون اعضاؤها طرفا فيه بشكل سلمى منظم؛حتى لو لجأت للإضراب أو الاعتصام والتظاهر والمقاطعة .وهذا بعكس فئات المجتمع الأخرى غير المنخرطة في تنظيمات للمجتمع المدني ؛والتي حين تعبر عن سخطها أو إحباطها فأنها تفعل ذلك بشكل عشوائي عنيف تأخذ شكل الشغب والنهب والتدمير ؛آي أنه بقدر ما تمثل تنظيمات المجتمع المدني قيدا على تعسف الدولة أو الحاكم ضد أعضائها فأنها بنفس القدر تضبط وتقنن سلوك هؤلاء الأعضاء ؛ومن ثم تجنب الدولة مغبة الاحتجاجات العشوائية الغوغائية العنيفة،وبنفس المعنى فأن عضوية المواطنين في تنظيمات المجتمع المدني العلنية هي أحد صمامات الأمان المضادة لنزاعات التطرف الفكري والسلوكي.
وهكذا كلما حللنا مفهوم المجتمع المدني تكشفت لنا عناصر عديدة تجعل من المفهوم مرادفا لمعنى التقدم الإنساني عموما فهو ينطوي على تغيرات للحرية والمبادرة والمشاركة واحترام حقوق الآخرين والالتزام بإدارة الخلاف إدارة سلمية والتعاون من أجل المصالح المتبادلة.
وان أي طرح للمجتمع المدني يجب أن يترافق باعتراف النخبة المثقفة بتخلفنا أولا”، ثم عليها أن تحلل و تقوم أسباب هذا التخلف عبر مراجعة ذاتية ناقدة تعرض جميع جوانب المجتمع للبحث والتمحيص، بما في ذلك التراث والتاريخ وما تبقى لدينا من إيديولوجيا سابقة، فالأسباب الأساسية للتخلف العربي هي داخلية أكثر منها خارجية، ويجب أن يتم التركيز في إيجاد الحلول على الأسباب الرئيسية، وذلك لان حلها يساهم في إنهاء تأثير الأسباب الثانوية فالعرب لم يتخلفوا لأنهم وقعوا فريسة للاستعمار فحسب، وإنما لفقدانهم إيديولوجية تطويرية ديناميكية تمكنهم بقيمها وأهدافها من التفاعل المستمر مع متطلبات العصر المتغير، ولهذا يجب على المثقفين والنخب آلا يستمروا بمحولاتهم التبريرية الرامية إلى إلقاء تبعية تخلفهم على عوامل خارجية يدعون أنهم لا يستطيعون السيطرة عليها،
فالأحزاب والمنظمات الشعبية، وفي مقدمتها النقابات والجمعيات الأهلية… هي المدارس التي يتدرب فيها المواطن على ممارسة حقوقه وأداء واجباته تتحمل مسؤولية كبرى في إشاعة الديمقراطية في حياة المجتمع .
الاحزاب
ولنناقش بشيء من التفصيل قضية الأحزاب العربية بشقيها المعارض والموالي:
إن أهم شيء يجب أن تتسم به الأحزاب هو المصداقية . فكيف نقنع الجماهير بأننا، حقا”، طلاب ديمقراطية، إذا كانت تشهد كل يوم في حياة أحزابنا، وعلاقاتنا ببعضنا البعض وبالجماهير، ممارسات تتنافى مع الديمقراطية ؟ كفانا أن بعض من كانوا يطالبون بالديمقراطية بيننا، مارسوا أقسى أساليب الاستبداد حين قفزوا إلى السلطة ، إن المطلوب أن تحس الجماهير بأننا نطالب بالديمقراطية لها ، وليس لأننا موضع قهر نريد أن نزيحه ، وبعبارة أخرى علينا بالممارسة والتثقيف أن نقنع الناس بأن الديمقراطية قضية كل واحد منهم، وليس قضية قوى معارضة تريد أن تصل إلى الحكم فحسب .وبدون ذلك سيتعذر علينا جميعا” أن نحرز النجاح في مطالبتنا بالديمقراطية .
ويتسنى ذلك عمليا” بممارسة الديمقراطية داخل أحزابنا ،وفي العلاقات بين القوى المعارضة وبعضها البعض .
أيضا” على أحزابنا أن تمتاز بالديمقراطية في بناءها الذاتي، فمن غير المتصور نظريا” وعمليا” أن يكون حزب ما ديمقراطيا” في تعامله مع أحزاب أخرى أو مع الناس إذا لم يكن يمارس الديمقراطية في حياته الداخلية، والجماهير تنظر إلى أي حزب يتغنى بالديمقراطية ولا يمارسها في داخله بعين الشك والريبة ، مفضلة الابتعاد .
إن التنظيم الحزبي يمارس في داخله نوعا” من السلطة التي تقود عمله وتوجه نشاطه وتصدر قرارات ملزمة لاعضاءه، وكل حزب يشترط التزام العضو بمقررات الحزب، وحيث يوجد إلزام والتزام تثور قضية الديمقراطية بمكوناتها مجتمعة، فالتزام العضو إذا لم يقابله حق في اختيار الهيئة الحزبية التي لها أن تصدر القرارات الملزمة، إهدار ليس لحق العضو فقط بل لحقه كانسان، ولا يمكن أن يبرر ذلك تحت أي مسمى مهما كان ساميا” هذا المسمى، إن حصر العضو بين خيار الانصياع المطلق وبين تهمة التخلي عن المبدأ، يعد حرمانا” له كانسان من حقه الطبيعي في حرية الرأي والاختيار، وهنا نذكر بوجوب الانتخاب بطريقة الاقتراع السري للاختيار بين مرشحين متعددين لأي منصب حزبي، وليس بالتصويت العلني على قائمة معدة سلفا”، وأيضا” يجب أن يكون لهذا الاختيار صفة الدورية المنظمة تجديدا” لشباب الحزب وتحاشيا” من خطر القيادات الأبدية التي لا يتخلص الحزب منها إلا بالموت، وأخيرا” يجب أن يكون للحزب نظام داخلي يبين بوضوح حقوق الأعضاء وواجباتهم ومسؤوليات كل مستوى قيادي وحدود تلك المسؤوليات ، وعلى هذا النظام أن يحمي العضو من الفصل التعسفي .
إن الحزب هو الأعضاء وليس القيادات ، والأحزاب الجديرة بالوجود هي التي تتجاوز مؤسسيها وتجدد قياداتها مع الاستمرار في دعم عضويتها من الشعب ، وهنا يكمن الفرق بين مجموعة سياسية يعرف أفرادها بعضهم بعضا”، وتربط بين كوادرها الأساسية صلات شخصية ، وبين حزب حقيقي موجود بعضويته الواسعة بين الجماهير تتزايد كوادره وتتعدد .
أيضا” ..لا يمكن أن ينمو الحزب ويزداد نفوذه بين الناس ،إلا إذا كان يسمح بتعدد الآراء والاتجاهات داخله ، فأعضاء الحزب جميعا” ملتزمون ببرنامجه السياسي ومقررات هيئاته المنتخبة ،ولكن بعد أن تكون تلك القرارات صادرة عن مناقشات صريحة وعبر الاختلاف في وجهات النظر ، ولذلك يجب مراجعة برنامج الحزب من وقت لآخر من خلال نقاش طويل وصريح بين كل الرؤى المتباينة ،وهذا هو الأسلوب الوحيد لإنضاج الفكر السياسي للحزب وتطويره بشرط أن تتم المناقشات بعيدا” عن تبادل الاتهامات وإلصاق مختلف النعوت بهذا الطرف أو ذاك لينتفي بذلك كل إرهاب فكري أو إقصاء أصحاب الآراء المختلفة من مواقع المسؤولية .
إن غياب الديمقراطية الحزبية ليس له من متنفس سوى الانقسام والتفتت والتعدد كنتيجة حتمية لمصادرة الأسلوب الديمقراطي ، فسواء فصلت القيادة من يعارضونها أم انشق هؤلاء المعارضون لإحساسهم بأن الحزب لا يقدم لهم فرصة جدية للتأثير في سياسته فإن النتيجة واحدة ، وهي التشرذم الذي عانته اغلب الأحزاب في الساحة العربية ، أما إذا أتيح للمتنازعين حمل السلاح فيمكن أن يتحول الصراع إلى دموي ،كأسلوب لحسم الخلاف في الرأي بين رفاق النضال ويطلق كل فريق على الأخر صفات جاهزة مثل الخيانة والعمالة والتخاذل والسلبية و الاستسلامية والانتهازية والرجعية واليمينية العفنة …الخ..
طبعا” ربما يقول قائل إن ظروف العمل علني ،وانتهاء بضرورة عزل الخلايا الحزبية عن بعضها البعض لضرورات أمنية ،حتى لا يؤدي سقوط احدها بيد الأجهزة القمعية إلى سقوط الحزب كله .
ولكن الديمقراطية اقتناع فكري أولا” ، وإذا كان هذا الاقتناع سائدا”، عولجت القضايا التي تفرضها ظروف السرية بروح ديمقراطية السري تحول دون تأمين هذه الممارسات الديمقراطية ،بدءا” من استحالة عقد مؤتمر حزبي ،
علينا أن نميز بين الاختلاف بالرأي والخروج على الحزب ، التمييز بين الخطأ الذي يمكن أن يقع فيه عضو الحزب والخطيئة التي تتمثل في خيانة الحزب .
إن استمرار التثقيف الديمقراطي وعرض مقتضيات السرية على انها شر لابد منه وليست الأصل في أسلوب عمل الحزب له دور في تغيير قواعد العمل السري ، إن تربية الكادر الحزبي على أن قواعد العمل السري هي الأصل تصبح عقبة في طريق تحول هذا الحزب إلى
حزب جماهيري ، وهذا ما يفسر الشك المتبادل بين الأحزاب التي يجمع بينها الأهداف أكثر مما يفرق بينها ، ولو نظرنا إلى تعامل الأحزاب مع بعضها ،لوجدنا ما فعلته هذه القوى ببعضها البعض يفوق ما فعله الاستعمار بها مجتمعة وسقط من ضحيا الاقتتال الحزبي أكثر من الحزبيين الذين سقطوا على أيدي إسرائيل .
إن هذا التناحر يسبب ابتعاد الجماهير عن هذه الزمر المتصارعة التي تشغلها صراعاتها عن النضال المستمر من اجل المطالبي اليومية للجماهير ، وعلى العكس ، فإن سيادة الممارسات الديمقراطية في العلاقات بين الأحزاب والقوى الوطنية هي في نهاية الأمر اقصر طريق لحشد الناس في تحقيق أهداف امتنا .
المطلوب ، ألا يدعي أي طرف احتكار الحقيقة دون الآخرين ، فالإقرار الواعي بأن وجود الآخرين في الساحة أمر طبيعي وليس دائما” وليد مؤامرات سوداء أو نتيجة عمليات اختراق ينظمها الاستعمار والرجعية ، يحمل بالضرورة على أن الصواب والخطأ مفهوم نسبي ولا ينفرد بأحدهما طرف دون سائر الأطراف .
لا ننكر على احد حقه في النقد ، إلا أن النقد يجب آلا يستهدف تصفية الطرف المنقود ،وإزاحته من العمل السياسي ، فاتساع القاعدة الشعبية يؤمن التفوق للجميع
النقد هدفه الوصول إلى الكمال ، والصراع من خلال النقد يساعد كل طرف على إنضاج فكره وبلورة شعاراته وتطوير أشكال نشاطه ، وهكذا ، يشتد عود الأحزاب المتصارعة من خلال النقد الموضوعي .
وأرجو ألا يفهم من حديثي أنني أدعو إلى اندماج الأحزاب والقوى الوطنية في تنظيم سياسي واحد لطمس ما بينها من خلافات ، على غرار تلك الجبهات الموجودة في بعض الدول العربية ، فاختلاف الأحزاب تعبير صادق عن اختلاف المصالح داخل المجتمع الواحد .
من صفات الأحزاب العربية أيضا”، تكون عدد كبير منها على أسس طائفية أو عشائرية بالرغم من الأسماء الملونة التي تحملها تلبك الأحزاب . حتى ان بعض أحزابنا الحديثة التي تتجاوز الطائفية والعشائرية في طروحاتها ، وتقدم نفسها على أساس سياسي وعقلاني ، كثيرا” ما تكتشف أن عضويتها تأتي ، أساسا” من الطوائف أو العشائر المضطهدة في المجتمع التي تناضل فيه .
وأخيرا” شخصنة الحزب في ذات الأمين العام أمرا” ليس بعيدا” عن أحزابنا ، حيث لدينا أحزاب توحدت في شخص زعيمها ، بحيث أصبح قوله لا يرد ،ومشيئته إرادة الحزب . ،فإذا كان الحزب في المعارضة ، فكلمة زعيمه هي كلمة الحزب كله، أما إذا كان الحزب بالسلطة فإن كلمة الزعيم هي كلمة القطر كله، وكأنما اختزل المواطنون جميعا” في شخص واحد.
والشخصنة في الحزب تسبب ثلاثة أخطار :
1- يتمثل في أن الحزب يدور وجودا” وعدما” مع وجود شخص الزعيم
2- محاولة عدد من الكوادر الحزبية لسبب أو لأخر تأكيد المعنى الزعامي لدور الزعيم في قيادة الحزب حتى لو لم يرغب الزعيم بذلك .
3-إن أسلوب تأميم القيادة لصالح الفرد أو الشلة القيادية، يفتح الطريق أمام الانحرافات الفردية وظهور نوازع الفرد الخاصة في التسلط والاستبداد
إن تجربة الحياة الحزبية في الوطن العربي لأسباب كثيرة لم تثبت كفاءة عالية، فباختصار نقول إن أهم ما يميز أحزابنا العربية هو غياب الأسلوب العلمي والتخطيط في العمل الحزبي وغياب الأسلوب العلمي في التفكير وفي الحركة ، إن التخطيط العلمي في العمل السياسي يتضمن ثلاثة عناصر متلازمة ومتكاملة ، وهي النظرية والاستراتيجية والتكتيك ، وغياب احد هذه العناصر يودي بالحزب إلى الانحسار ، ولذلك استحقت أكثر أحزابنا الهزيمة و الفشل .
ان احزابنا شمولية لانها تنطلق من الولاء شرطا” للانتماء اولا” واسبقية الايديولوجيا على السياسة والمصلحة العمومية ، ثم كيف يمكن لهذه الاحزاب ان تقنع الرأي العام بأحزاب تطالب بإلغاء حالةى الطوارئ وهي مستمرة داخل احزابها
إن أحزابنا وحركاتنا الوطنية المعاصرة لم تزدهر في مناخ شابته بذور الليبرالية ، كما أن جماهيرنا شهدت من الألاعيب السياسية الحزبية ما خيب آمالها وخلق فيها الاستعداد لتقبل تجديد، يقوده المثقفون أو النخبة بعيدا” عن مكر الأحزاب *
دور المثقفين
إن المثقفين العرب مسؤولون بشكل كبير عن هذا التقصير ، حيث لم يكن لهم دور فاعل في هذه القضايا ، فهم -- في معظم الأحيان -- أقرب إلى “فقهاء السلطان ” منهم إلى المفكرين الأحرار المستقلين ، حيث كان كل همهم التبرير لتقلد السلطة ، ومن ثم تبرير كل تصرفاتها وسلوكها مهما كان ، أو السكوت عنها ، وهو أضعف الإيمان. لذلك كانوا أعواناً “للسلطة الاستبدادية” ، وبمكافحة الاستبداد إلا أن أغلب المفكرين من بعده ركزوا جهودهم على محاربة الاستعمار ، ولم يعطوا قضية الحريات العامة أهميتها الموضوعية .
إن البداية الحقيقية تبدأ من اضطلاع المثقفين بمسؤولية غرس مفهوم التضحية ونكران الذات، وعليهم أن يقدموا النموذج لما يجب أن يكون عليه مجتمعهم من خلالهم كأفراد في إطار الظروف المتاحة، والتي تيسر الأمر لكي يتحولوا من خلال الممارسة الفعالة والمكثفة من أفراد إلى جماعات أو فئات مثقفة ، وعليهم أن يسعوا لقيادة المشاركة الفعالة في المجتمع وحس الجماهير على ذلك والضغط الجماعي على الحكومات العربية للأخذ بالمنهج الديمقراطي في إدارة وحكم المجتمع العربي ، وذلك بكسر حدة الضغوط المجتمعية على المثقف لأداء الوظيفة الحقيقية له ، وهنا لابد من أن نتذكر نماذج تاريخية قديمة وحديثة ، عربية وأجنبية ممن يمثلون عمالقة التحرر الاجتماعي مثل سقراط وأفلاطون وابن رشد وابن خلدون وتشرشل والأفغاني وقاسم أمين …وغيرهم
ومن هنا كان رهاننا على الوعي، وعلى شحذ هذا الوعي من خلال ممارسة النقد الذاتي، فالوعي ، كما علمنا روادنا النهضويون الكبار ، يبقى هو مدخلنا إلى العصر ومنفذنا إلى التاريخ , وان امة كبيرة وعريقة مثل الأمة العربية لا تستطيع أن تبقى أبدا” في حالة انحباس عن العصر وفي مجرى الاختناق من التاريخ .فليس من بديل عن الوعي ، والوعي النقدي ليحرر الفعالية التاريخية للعرب من عنق الزجاجة التي نحن فيها أكثر من ربع قرن
المثقف يجب أن يمنح كل ولائه وجهده دون تحفظ لقضية الديمقراطية وانتصارها كل في مجتمعه ، وبجميع أبعادها الاقتصادية والاجتماعية و طبعا السياسية ، بمعنى أنه على صعيد الفكر والتطبيق يقف باستمرار، ويناضل باستمرار مع كل ما من شأنه أن يساعد في تطبيق الديمقراطية ، ويسرع في تكريسها في المجتمع ، وهو في نفس الوقت يقف باستمرار، ويناضل باستمرار ضد كل محاولة تهدف إلى عرقلة الديمقراطية .
وعلى عاتق المثقف تقع مهمة الدعوة إلى التحرر والحرية ، بما في ذلك حرية أولئك الذين يختلف معهم في أسس التفكير . إذ بدون هذه القناعة الديمقراطية العميقة لن يتأتى للمجتمع العربي أن ينتقل من مجتمع الرأي الواحد إلى المجتمع مدني الحديث و المتفتح والمتعدد . وذلك لأننا على أتم اقتناع بأن القبول بالتعدد والقبول بالرأي الأخر يعتبر إحدى علامات النضج الحضاري ، بينما يندرج التزمت والتصلب المعتقدي في سياق التخلف ، بل يعتبر لبنة أساسية في عملية إعادة إنتاج التخلف ، لأنه يطفىء نور الحوار ويشعل بديلا” عنه فتيل الصراع الدموي الذي لا ينتهي ويتخلص من الاستدلال العقلي بالضربة القاضية
المثقف العربي مدعو اليوم إلى إعادة تأسيس الوعي الاجتماعي على مبدأ الإنسان أولاً وعلى فكرة التاريخ ومبدأ التقدم تالياً. والإنسان ليس شيئاً مجرداً قابعاً في مكان ما خارج العالم، وليس مفهوماً ميتافيزيقياً، بل هو بالضبط الفرد الطبيعي والكائن الاجتماعي السياسي، عضو المجتمع والدولة. بل إن الفرد الطبيعي هو أساس المجتمع المدني وأساس الدولة، ذلك لأن مفهوم الإنسان العام والكلي لا يتجلى واقعياً إلا في الفرد الطبيعي. فالعام لا يوجد وجوداً فعلياً إلا في الخاص والفردي وهذان لا يوجدان وجوداً فعلياً إلا في نطاق العلاقة التي تؤدي بهما إلى العام والكلي
فدور المثقف يجب أن يشبه دور “المايسترو ” في الفرقة الموسيقية ، كذلك هو دوره في الموقع الذي يعمل فيه .
إنه بتحالف كل القوى الإصلاحية في البلد من الحكومة أو المعارضة ، يأتي العلاج الحاسم والجذري بفضح القوى المعيقة للديمقراطية وللإصلاح والتحديث والمحاسبة .
المعارضة
باختصار انتهي الى القول : ان على المعارضة ان يكون لديها اجندة شاملة ،وسأحاول هنا بعجالة ان ارشح ثلاثة طرق للتعاطي السياسي:
1- الموقف المبدئي فيما يخص كل القضايا الجوهرية و الاساسية التي لا يمكن المساومة عليها من مثل بناء الدولة الديموقراطية، واقامة دولة المساواة والعدل دولة الحرية والمسؤولية، وتحقيق النماء والتقدم والتوزيع العادل للثروة.
2- العلاقة مع السلطة عليها ان تتحلى بقدر لابأس به من المرونة
من خلال الشفافية والشجاعة والوضوح والمبادءة، واعتماد الطرح الملتزم باختيارات المرحلة أي: ” المرتبة تصاعديا حسب الأسبقيات، في ارتباطها بموازين القوة والقدرات الذاتية، والمعطيات الواقعية الممكنة،وفي هذا السياق اجد ان البيانات التي صدرت عن المعارضة السورية في الخارج او في الداخل ضد التهديدات الامريكية على سورية ، ساهمت في كسر الحاجز النفسي عند عامة الناس ولو في الحديث عن المعارضة كما ساهمت في تأكيد طهرية هذه المعارضة وترفعها عن المكاسب وفي اعلاء مصداقيتها عند الشعب في الوقت الذي كانت تكيل فيه السلطة اقذع الاتهامات لهذه المعارضة ، مما احرج السلطة وجعلها تغير خطابها نوعا” ما ، واصبحنا نراوح في هامش يمتد من وصف احدهم لهذه البيانات بقولة حق يراد بها باطل ، وحتى توصيف المعارضة السورية بالوطنية على لسان الدكتور اللواء بهجت سليمان او رياض نعسان اغا على مستوى اصغر . ان هذه البيانات اعطت السلطة السورية دروسا” في كيفية بناء الوحدة الوطنية فقد ضمت القوائم اسماء من كل الطوائف ومن مشارب مختلفة من اقصى اليمين حتى اقصى اليسار . فلامانع برأيي من اعتماد الاتصال والتواصل الإعلامي، او حتى الحوار والتفاوض المباشر مع السلطة عند الضرورة، عبر الطرح المتكامل للملفات، بمختلف القضايا والإصلاحات والمطالب، التي تشغل الرأي العام، وبواسطة الاقتراحات والمشاركة في الاستشارات، وتحقيق المكتسبات السياسية والاجتماعية، واعتماد التأثير الإعلامي دائما” وابدا” ، في نشر المكاسب المختلفة، وتغطية الكفاحات اليومية؛ بمقتضى الالتزام والضرورة والحاجة؛ ومساندة النضالات الجماهيرية المشروعة مهما كانت الجهة التي تتبناها. وهنا اجد ان زيارة د. هيثم الى سورية كانت مفيدة ، مفيدة للسلطة عبر تلميع صورتها في الخارج وايضا” كانت مفيدة للمعارضة من حيث ان هذه الزيارة أتت دون رضوخ لاي شروط من السلطة ، وايضا” سمع العالم بما فيه الشعب السوري خطابا” معارضا” لم يعتد ان يسمعه من قبل في قلب دمشق، ناهيكم عن رفع معنويات الالاف من ذوي المعتقلين والمنقيين
3ـ االعلاقة مع الجماهير: اولوية الجهود يجب ان تنصرف تجاه رفع مستوى وعيها
بالسير بها عبر آليات التثقيف ، والإشراك باستشارتها في مختلف المواقف والإصلاحات والمطالب، واستقطاب دعمها للمواقف بالعرائض وأشكال التعبئة…، وبالرفع من مستوى وعيها بجعلها تمارس النضال الديموقراطي ومتطلباته، والذي لا قيمة له دون حركية جماهيرية، وتحفيز قابليتها للمشاركة السياسية بمختلف مستوياتها، وشرح مختلف المواقف لها بكل وضوح وشفافية دون مزايدة أو تزلف، وتركيز اهتمامها حول قضاياها الجوهرية، ومواكبة نمو حاجياتها؛ مع ضرورة الارتقاء بها حسب الشروط الموضوعية، للنمو دون وصاية أو سوء تقدير، ودونما سقوط في الشعبوية، أو المغالاة في الحسابات الزائفة، وما تؤدي إليه من قفز في الفراغ، وتنبيهها في حينه من مختلف المخاطر التي تتهددها. للإرتقاء بها عبر مسارات التكوين والتثقيف والتنظيم إلى مجتمع مدني مهيكل محصن ضد كل الأشكال الإستبدادية القمعية من بوليسية وعسكرية وأوتوقراطية وثيوقراطية، على اعتبار أنه هو الذي سينتقل بالسلطة إلى مستوى دولة الحق والقانون ومنها إلى الدولة الديموقراطية.
تهمة العمالة للغرب :
ولكن هل العمل على فضح الممارسات الاستبدادية في البلاد العربية ينصب تحت اطار خدمة الاعداء ، وهل يتعتبر الضغط على الحكومات العربية باتجاه الافراج عن الحريات هو ارتباط مع الخارج ويفيد بشكل او بأخر اسرائيل ؟؟
اعتقد والواقع إن وجهة النظر هذه ليست سطحية فحسب ، بل غير وطنية أصلا لأن المستفيد الوحيد من حديثنا وكشفنا عن تلك السلبيات هو شعبنا ، لأنه يتخلص مما يشوب نضاله من نواقص ونقط ضعف ، فيزداد قوة وقدرة على مواجهة التحديات والعدو معاً ، ومن هنا يتضح لنا أن هذه الأصوات هي التي تخدم “العدو”.
إن العدو سيستمر في معاداتنا سواء كشفنا ذاتياً عن أخطائنا أم لم نكشفها ، فالصراع بيننا صراع مصير و صراع وجود . وإذا لم يجد العدو سلبيات واقعية يرتكز عليها في محاربتنا ، فسوف يخترع و” يفبرك ” سلبيات يستند إليها في دعاياته
لقد حان الوقت لنضع حداً لاتهام كل من يريد التحرر بأنه تابع للغرب، الديمقراطية هي عُصارة تجارب الأمم، وهي إرث إنساني من حق العرب أيضاً أن يطالبوا بنصيبهم فيها، والذي يروج في الحقيقة لهذه الاتهامات هي مرة أخرى أنظمتنا، أنظمتنا تستورد سلع الغرب، وتهدر المال العام لاقتناء أحدث تقنيات القمع الشعبي، ولمَّا يتعلق الأمر باقتباس مفاهيم سياسية تحرُّرية ترفع أصوات الولولة والتباكي على الشخصية الوطنية و تجعل ذلك مقدمة لفتكها بمعارضيها. أرجو أن تنبهوا إلى هذا الابتزاز الرخيص للمشاعر الوطنية لدى شعوبنا. وأرجو أن تقولوا إنه في أكثر أحواله مجرد محاولة متعمدة لخلق عدو خارجي وهمي يُلهي الناس عن المطالبة بتغييرات ضرورية في الداخل
من الحجج الاخرى غير العمالة للغرب هي حجة الخصوصية …اي خصوصية مجتمعنا .. ان تصنيم الخصوصية والتركيز عليها في عالم اليوم لا يخدم لا في تجاوز واقعنا ولا في التواصل التواصل الانساني العام ، طبعا” انا لا انكر ان لهناك خصوصيات تاريخية ولكن شدة التركيز عليها يعبر عن خوف عميق من الاخر ومن التأثر به .
سوريا”..يقال ان هناك مشروع للاصلاح تقلص فيما بعد الى مايسمى بالتطوير والتحديث وانتهى الان في مشروع الاصلاح الاداري ، اعتقد انه من غير المرجح توقع تغيير جذري من فوق . ليس فقط بسبب افتقار هذا الفوق لهكذا برنامج في الاصل . بل ولقوة الممانعة الكبيرة المشتشسرية في النظام من اصحاب المصالح . كما ان من الوهم توقع هذا التغيير من تحت في ظل الظروف وموازين القوى الراهنة ، وفي ظل ضعف القوى المعارضة المقيم شعبيا” وسياسيا” وفي ظل غياب او تغييب الشعب عن الشأن العام . ومع ذلك لا مفر من بعض الاصلاح الذي سوف يتم بالاستناد الى حاجة النظام للتكيف مع الاستحقاقات العالمية والاقليمية الراهنة بما في ذلك حاجته لاعادة انتاج نفسه بما يضمن وجوده واستمراره .
أنّ على الكادر الجديد أن يدرس كل المشاكل الجزئية المكلف بحلها في إطارها الكلي ، وبوعي تام لمسألة تداخل الأسباب والمسببات في الظاهرة الكلية للمجتمع. إن على هذا الكادر أن يؤمن بأن طريق الجولان يمرّ بالديمقراطية ، فبالعمل الديمقراطي نجعل مسألة النصر على الكيان الصهيوني أمرا محتوما.
إن غياب الحرية باعتبارها الهدف الاسمى لكل اجتماع بشري وشكل تجليها في إقامة ما يسمى بالمجتمع المدني ، وغياب الدولة الديمقراطية هو أزمة تاريخنا و جوهر انحطاطنا الراهن ، لانها الاطار العمومي لتكوين المواطنية وضمان الحريات وتوسيع فرص التعبير الفكري والثقافي للافراد بدلا” من تكون الدولة آلية للضغط الاجتماعي والسيطرة الفكرية الشاملة على الافراد والغاء العمومية بهدف تحقيق الامن المطلق عبر تجريد الافراد من حرياتهم وكسر ارادتهم السياسية .
، ومهمتنا اليوم إيجاد البدائل لكل ما هو مطروح ، ولكل ما هو أحادي، يجب أن نغير التصورات المعلبة والقوالب الذهنية الجاهزة ، وإذا كنا نطالب بالحوار مع أعدائنا ، فالأولى أن نتحاور فيما بيننا. فلم تعد الديمقراطية ترفا يهم المثقفين ، أو سلعة نستوردها من الخارج ، بل هي ضرورة حيوية لخروج الأمة من عنق الزجاجة ، وهي السبيل لاستعادة النظم الحاكمة شرعيتها ، ومصداقيتها ، وهي السبيل لاستعادة الإنسان العربي لدوره وكرامته وعزته بعد أن فقدها .
د.عمار قربي رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سورية
التدوينات (RSS)