صدر كتاب بعنوان (الهجرة إشكاليات وتحديات “فرنسا أنموذجا”) للدكتورة فيوليت داغر وهي عالمة نفسانية و رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومقرها باريس، ويصدر هذا الكتاب من سلسلة “براعم” التي تصدرها اللجنة ويشرف عليها الدكتور هيثم مناع والدكتور منصف المرزوقي، ويبلغ الكتاب حوالي 270 صفحة ذات الحجم العادي، قامت الدكتورة فيوليت بتشريح سياسي واقتصادي واجتماعي وفكري ونفساني لإشكالية الهجرة التي عادت للواجهة الفرنسية من جديد، خاصة منذ وصول نيكولا ساركوزي لسدة قصر الإليزيه، وصارت أولى أولويات حكومتة الحالية وبرنامجه الانتخابي والرئاسي…

وجاءت المقدمة لتعطي فيها انطباعا مبدئيا لإشكالية الهجرة، حيث استطاعت تهيئة نفسية القارئ لموضوع الكتاب انطلاقاً من تجربتها الشخصية.
ثم انطلقت لتتحدث عن (الهجرة إلى أوروبا)، مستعملة لغة الأرقام التي فرضت نفسها وصارت حقيقة لا يمكن تجاوزها، لتعطي رأيها في مسألة المد والجزر الذي تعرفه الهجرة من خلال تعداد المهاجرين، وخاصة خلال العقدين الأخيرين للألفية الثانية، دون إغفال لتفاقم الأزمة الاقتصادية، وما حملته من تقييد لليد العاملة الأجنبية من جراء التشريعات والاتفاقيات المختلفة التي يهدف من خلالها التضييق على طالبي الهجرة والمهاجرين، بعدها تعطي الكاتبة رؤية للتحولات الاجتماعية في أوروبا بعد نهاية الحرب الباردة ولم تنس الحديث حول الشراكة الأورومتوسطية.
وانتقلت بعدها الكاتبة للحديث عن (فرنسا بلد هجرات)، حيث تعرضت لحركة الهجرة لفرنسا وما رافقتها من ظواهر وما طبعها من سمات، لتعود بلمحة تاريخية إلى ماضي فرنسا الغابر وكيفية تشكل هذا البلد، الذي كان سكانه الأوائل مهاجرين قدموا من القارة الإفريقية، فبعد الثورة الصناعية ثم بعد الحربين العالميتين ،و لتزيد في تشريحها للقضية قامت بإعطاء رؤية للقوانين الناظمة والتشريعات التي جاءت بها فرنسا لتنظيم الهجرة كما اعطت أرقاما وسمات عن النمو الديمغرافي في فرنسا والمهاجرين.
وفي الفصل الثالث تحدثت الكاتبة عن (إشكاليات وتحديات)، عن مسألة تشكل الهوية والعوامل التي تخضع لها، ووضع المهاجر وعلاقته بالآخر في ظل تمسكه بهويته الحقيقية، وما يعترضه من عوائق في (إشكالية الاندماج)، وخاصة رفض المهاجر القادم من المغرب العربي لها مما جعلها موضع جدل واسع النطاق، وقد تحدثت بإسهاب عن جوانب مختلفة للاندماج وعبر نماذج متعددة، لتضيف شرحها لمسألة ظلت مستعصية التجاوز هي (الإسلام) في فرنسا، وتوجهات ساركوزي لما كان وزيرا للداخلية الذي ظل يريد رغبته في بناء إسلام لفرنسا وليس الاعتراف بالإسلام في فرنسا، إلا أن هاجس أهم تعبيرات العنصرية في أوروبا وهو (الإسلاموفوبيا) آثار الكثير من الجدل والحبر في أوساط المثقفين الفرنسيين وعامة الناس.
وجاء الفصل الرابع بعنوان (معاناة الغربة: مقاربة نفسية واجتماعية) وهنا أعطت الكاتبة تحليلا شاملا وعميقا للهجرة، من بداية الرحلة التي ترافق كل مغترب وواقعه المتوزع بين رغبته بالوصول للمنفى و الحنين للبلد والعودة وبعدها تحدثت في الفصل الخامس عن أبناء المهاجرين سواء ولدوا بفرنسا أو تنقلوا إليها صغارا، حيث قدمت معطيات وإحصائيات عنهم، لتنتقل لهجرة الأهل وتأثيراتها على تشكل شخصية الأبناء، ثم المرجعيات والعوامل التي تعمل على إدماجهم في النسيج الاجتماعي الغربي عموما والفرنسي خصوصا.
وفي الفصل السادس وهو الاخير روت د. فيوليت تجارب من الواقع، جعلتها خير شاهد على إشكالية الهجرة وتحدياتها.
وضم الكتاب مقالين للكاتبة الاول عن “مترتبات فوز ساركوزي في الإنتخابات الفرنسية على الحريات والسلم الأهلي”، أما المقال الثاني فهو عن أحداث الضواحي الباريسية .
نعتقد ان قراءة هذا الكتاب تعطينا فكرة كافية ووافية لموضوع شائك قلما استطاع احد ان يجمع تلابيبه كما قمامت ببراعة الدكتورة فيولييت داغر .
من قراءة موسعة لأنور مالك -فرنسا -بتصرف
التدوينات (RSS)