تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2006 -(1) تقارير +سورية
منشور بواسطة admin في منظمة العفو الدولية, tags: منظمة العفو الدولية2006الجمهورية العربية السورية -تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2006 -نظرة على أحداث العام -نظرة عامة على الوضع العالمي -ما الذي تفعله منظمة العفو الدولية -عقوبة الإعدام -حق المرأة في التحرر من العنف-اللاجئون وطالبو اللجوء والنازحون داخلياً -العدالة الدولية -الحد من الأسلحة
الجمهورية العربية السورية
رئيس الدولة: بشار الأسد
رئيس الحكومة: محمد ناجي العطري
عقوبة الإعدام: مطبَّقة
المحكمة الجنائية الدولية: تم التوقيع
“اتفاقية المرأة”: تم التصديق مع إبداء تحفظات
“البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية المرأة”: لم يتم التوقيع
تغطية الأحداث التي وقعت خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2005
خلفية : الإفراج عن سجناء سياسيين : السجن لأسباب سياسية : حالات الاعتقال والتعذيب في سياق “الحرب على الإرهاب” : المدافعون عن حقوق الإنسان عرضة للاعتداءات : حالات “الاختفاء” : التعذيب والمعاملة السيئة : التمييز ضد الأكراد : التمييز والعنف ضد المرأة : عقوبة الإعدام : اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة : الزيارات القطرية لمنظمة العفو الدولية
استمرت القيود المشددة المفروضة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وقُبض على عشرات الأشخاص، وظل مئات آخرون في السجون، لأسباب سياسية، ومن بينهم سجناء رأي وآخرون حُكم عليهم بعد محاكمات جائرة. ومع ذلك، أُفرج عن حوالي 500 سجين سياسي بموجب قراري عفو. وشاع التعذيب وسوء المعاملة. وظل المدافعون عن حقوق الإنسان يتعرضون للمضايقة. كما ظلت النساء وأبناء الأقلية الكردية عرضةً للتمييز.
ازدادت عزلة سوريا في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في بيروت، في 14 فبراير/شباط 2005. وأكدت الأمم المتحدة، في مايو/أيار، أن سوريا سحبت قواتها من لبنان. واستمر سريان حالة الطوارئ، التي فُرضت في عام 1962 . وظل اتفاق الشراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي، والذي بدأت خطواته في أكتوبر/تشرين الأول 2004 ويتضمن بنداً عن حقوق الإنسان، مجمداً عند مرحلة الإقرار النهائي.
في 30 مارس/آذار، صدر أمر بالإفراج عن نحو 312 سجيناً سياسياً، ومن بينهم سجناء رأي، وذلك بموجب عفو رئاسي. وكان معظم هؤلاء من الأكراد الذين اعتُقلوا في أعقاب اضطرابات عنيفة في شمال شرقي سوريا، في مارس/آذار 2004 .
وأُطلق سراح حوالي 190 سجيناً سياسياً، من بينهم سجناء رأي، بموجب عفو رئاسي، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني. وكان من بينهم عبد العزيز الخيِّر، الذي قُبض عليه في فبراير/شباط 1992، وحُكم عليه بعد محاكمة جائرة أمام محكمة أمن الدولة العليا، في أغسطس/آب 1992، بالسجن لمدة 22 عاماً بتهمة الانتماء إلى “حزب العمل الشيوعي”؛ وهيثم الحموي، ومحمد شهادة، ويحيى شربجي، ومعتز مراد، وهم نشطاء في العمل الاجتماعي من بلدة داريا، وقُبض عليهم في مايو/أيار 2003، وحُكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات إثر محاكمات جائرة أمام محاكم عسكرية ميدانية؛ ومصعب الحريري، الذي قُبض عليه في 24 يوليو/تموز 2002، وكان عمره آنذاك 14 أو 15 عاماً، بعد وقت قصير من عودته مع والدته إلى سوريا بعد أن عاشا لفترة في السعودية. وفي 19 يونيو/حزيران، أصدرت محكمة أمن الدولة العليا حكماً بالسجن لمدة ست سنوات على مصعب الحريري، لما زُعم عن انتمائه إلى جماعة “الإخوان المسلمون”.
على مدار العام، قُبض على عشرات الأشخاص لأسباب سياسية، وبينهم عشرات من سجناء الرأي. وظل عدة مئات من الأشخاص على الأقل، وبينهم سجناء رأي، مسجونين لأسباب سياسية. وقُدم عشرات للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة العليا، وجميعها تفتقر بشكل فادح إلى الاستقلالية والحياد. وكان كثير ممن مثلوا للمحاكمة من المشتبه في انتمائهم إلى أحزاب سياسية محظورة أو تعاطفهم معها، ومن بينها حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي”، وجماعة “الإخوان المسلمون”، و”حزب التحرير”، و”حزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي” الموالي للعراق.
وكان من بين سجناء الرأي:
* ستة أشخاص قُبض عليهم في عام 2001، وصدرت ضدهم أحكام بالسجن لمدد متفاوتة أقصاها 10 سنوات، إثر محاكمات جائرة في عام 2002، وذلك لاشتراكهم في الحركة المطالبة بالديمقراطية، والتي أُطلق عليها اسم “ربيع دمشق”. وكانوا لا يزالون في السجن.
* كمال اللبوني، وهو من المعتقلين السابقين في “ربيع دمشق”، وكان قد أُفرج عنه في سبتمبر/أيلول 2004، بعد أن أمضى ثلاث سنوات في السجن. وقد أُعيد القبض عليه في 8 نوفمبر/تشرين الثاني، لدى وصوله إلى دمشق بعد أن أمضى عدة أشهر في أوروبا والولايات المتحدة. وكان من بين التهم الموجهة إليه، والمتعلقة بأنشطته السلمية لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، “نشر معلومات توهن نفسية الأمة” و”إثارة النعرات الطائفية والمذهبية”، و”الانتماء إلى جمعية سرية”.
* علي العبد الله، والذي قُبض عليه في 15 مايو/أيار، بعد أسبوع من تلاوته بياناً في مجموعة النقاش المعروفة باسم “منتدى جمال الأتاسي”، نيابةً عن المراقب العام لجماعة “الإخوان المسلمون” المحظورة الذي يقيم في المنفى. وقد أغلقت السلطات المنتدى بعد ذلك. ووُجهت إلى علي العبد الله تهمة “الترويج لمنظمة محظورة”. وقد أُفرج عنه بموجب العفو الرئاسي، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني.
* رياض الدرار، والذي قُبض عليه في 4 يونيو/حزيران، بعد أن ألقى خطبة في تأبين الفقيه الإسلامي الشيخ محمد معشوق الخزنوي. وقد وجهت إليه محكمة أمن الدولة العليا تهمة “إثارة النعرات الطائفية والمذهبية”، وهي تهمة تُوجه عموماً إلى الأشخاص الذين يسعون إلى تعزيز حقوق الأكراد. وقد ظل محتجزاً رهن الحبس الانفرادي.
حالات الاعتقال والتعذيب في سياق “الحرب على الإرهاب”
ظل عشرات السوريين رهن الاحتجاز أو يخضعون للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة العليا، لما زُعم عن انتمائهم إلى جمعية إسلامية سلفية، أو ما زُعم عن تدبيرهم لارتكاب أعمال إرهابية في مناطق مختلفة، بما في ذلك العراق. وكان من بين المعتقلين 16 شخصاً من بلدة العتيبي، قُبض عليهم في إبريل/نيسان 2004؛ و24 شخصاً من بلدة قطنة، تتراوح أعمارهم بين 17 عاماً و24 عاماً، وقُبض عليهم في يوليو/تموز 2004. وأفادت الأنباء أنهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة أثناء احتجازهم لفترات طويلة بمعزل عن العالم الخارجي. وثارت مخاوف على نطاق واسع من أن هذه الاعتقالات والمحاكمات كانت محاولة من السلطات لتصوير سوريا باعتبارها بلداً يتعرض لخطر الإرهاب.
وذكرت أنباء إعلامية غير مؤكدة، نقلاً عن مصادر حكومية، أن السلطات السورية ألقت القبض في عام 2005 على نحو 1500 شخص زُعم أنهم كانوا يسعون إلى القتال إلى جانب القوات المناهضة للولايات المتحدة في العراق. وورد أن كثيرين منهم أُعيدوا إلى بلدانهم الأصلية. واعتباراً من يوليو/تموز، أفادت مصادر إعلامية ونشطاء لحقوق الإنسان في السعودية أن بعض المواطنين السعوديين قد اعتُقلوا وتعرضوا للتعذيب في سوريا، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2003، قبل إعادتهم إلى السعودية.
* وفي 3 سبتمبر/أيلول، ألقت السلطات القبض على الشقيقتين هبة الخالد، البالغة من العمر 17 عاماً؛ رولا الخالد، البالغة من العمر 20 عاماً، وكانت كلاهما حاملاً؛ وكذلك على نادية الستور وطفلها الرضيع، واحتجزتهن رهائن للضغط على أزواجهن، الذين زُعم أنهم من المتشددين الإسلاميين، لتسليم أنفسهم للسلطات. واحتُجزت السيدات الثلاث أول الأمر في مدينة حماة، ثم نُقلن إلى فرع فلسطين التابع للمخابرات العسكرية في دمشق، حيث كن لا يزلن محتجزات بحلول نهاية العام.
* وللعام الرابع، ظل محمد حيدر زمار، وهو من أصل سوري ويحمل الجنسية الألمانية، رهن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي في مكان غير معلوم وبدون توجيه تهمة له، وذلك على ما يبدو بسبب ما زُعم عن صلاته بتنظيم “القاعدة”. وورد أن قوات الأمن الأمريكية شاركت في القبض عليه واستجوابه في المغرب، في عام 2001، وكذلك في نقله سراً إلى سوريا بعد أسبوع أو أسبوعين. وذكرت الأنباء أنه خضع للتحقيق في سوريا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2002، على أيدي عناصر من الاستخبارات وأجهزة التحقيق الجنائي الألمانية.
وفي أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول، تكشفت معلومات، من خلال تحقيق في كندا، عن بعض تصرفات المسؤولين الكنديين فيما يتعلق بحالة ماهر عرار، وهو كندي من أصل سوري. وأشارت المعلومات إلى أن ما حدث مع ماهر عرار تكرر مع ثلاثة على الأقل من المواطنين الكنديين الآخرين ذوي الأصول العربية، حيث اعتُقلوا وخضعوا للتحقيق وتعرضوا للتعذيب في سوريا خلال السنوات السابقة، ويُحتمل أن يكون ذلك بتواطؤ من الاستخبارات الكندية أو أجهزة استخبارات أجنبية أو بمشاركتها. وادعى الثلاثة أنهم أُجبروا على التوقيع على إفادات دون السماح لهم بقراءة محتواها. وهؤلاء الثلاثة هم:
* أحمد أبو المعاطي، والذي اعتُقل لمدة 11 أسبوعاً عقب وصوله إلى سوريا، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2001. وقد ادعى أنه تعرض خلال تلك الفترة للضرب بأسلاك كهربائية، وللحرق بلفافات التبغ، ولصب مياه مثلجة عليه. وبعد ذلك، نُقل إلى مصر، حيث تعرض لمزيد من التعذيب.
* عبد الله المالكي، والذي قال إنه تعرض للضرب على باطن القدمين، وللتعليق في إطار سيارة مع ضربه، كما عُلق من يديه في إطار معدني وتعرض للضرب، وذلك أثناء احتجازه في فرع فلسطين التابع للمخابرات العسكرية في دمشق لمدة 22 شهراً، اعتباراً من مايو/أيار 2002.
* مؤيد نور الدين، والذي قال إنه تعرض للضرب مراراً على باطن القدمين بأسلاك كهربائية، وكذلك لصب مياه باردة عليه، أثناء احتجازه في سوريا خلال الفترة من 11 ديسمبر/كانون الأول 2003 إلى 13 يناير/كانون الثاني 2004 .
المدافعون عن حقوق الإنسان عرضة للاعتداءات
تزايد نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان في سوريا، ولكنهم تعرضوا للاعتقال والمضايقة. وكان عدة منظمات لحقوق الإنسان غير مرخص لها تمارس نشاطها. ومُنع 10 على الأقل من المدافعين عن حقوق الإنسان من السفر إلى خارج البلاد.
* ففي 18 إبريل/نيسان، قُبض على نزار رستناوي، وهو من مؤسسي “المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا” التي لم يُرخص لها. وكان لا يزال محتجزاً بتهم غير معروفة بحلول نهاية العام.
* وفي 22 مايو/أيار، قُبض على محمد رعدون، رئيس “المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا”، بسبب تصريحات أدلى بها عن وضع حقوق الإنسان في سوريا. وقد وُجهت إليهم تهم “نشر أخبار كاذبة” و”الاشتراك في منظمة غير مشروعة ذات طبيعة دولية”. وقد أُطلق سراحه بموجب عفو رئاسي، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني.
لم تقدم الحكومة معلومات عن آلاف السوريين واللبنانيين وأبناء الجنسيات الأخرى الذين “اختفوا” أثناء احتجازهم لدى القوات السورية خلال السنوات السابقة. ومن بين هؤلاء حوالي 17 ألف شخص، معظمهم من الإسلاميين الذين “اختفوا” إثر اعتقالهم في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين، بالإضافة إلى مئات اللبنانيين والفلسطينيين الذين اعتُقلوا في سوريا أو اختُطفوا من لبنان على أيدي القوات السورية أو الميليشيات اللبنانية والفلسطينية. ومع ذلك، أعلنت الحكومة، في سبتمبر/أيلول، أسماء قاض وضابطين برتبة عماد، باعتبارهم ممثلي سوريا في اللجنة السورية اللبنانية المشتركة المزمع أن تتولى معالجة قضية حالات “الاختفاء”. وقد رحبت جماعات حقوق الإنسان المحلية بهذه الخطوة، ولكنها أعربت عن تشككها في افتقار اللجنة إلى الاستقلالية وكذلك في تمتعها بصلاحيات محدودة.
استمر ورود أنباء على نطاق واسع عن تعذيب المعتقلين السياسيين والجنائيين وإساءة معاملتهم، وخاصةً خلال فترات الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والاحتجاز السابق للمحاكمة. ووردت أنباء عن حالتين، على الأقل، من حالات الوفاة بسبب هذه المعاملة.
* ففي نهاية مارس/آذار، تُوفي أحمد علي المسالمة، وهو من أعضاء جماعة “الإخوان المسلمون”، بعد أسبوعين من الإفراج عنه بعد اعتقاله لمدة أربعة أسابيع. وكان قد قُبض عليه بعد عودته من السعودية، حيث ظل يعيش لمدة 24 عاماً. وقد تعرض للتعذيب أثناء احتجازه وحُرم من تلقي علاج أساسي، حسبما زُعم.
* وفي 30 مايو/أيار، تُوفي الشيخ محمد معشوق الخزنوي، وهو فقيه إسلامي ومن العناصر التي تجاهر بآرائها في أوساط الأكراد، وذلك بعد 20 يوماً من “اختفائه”، أثناء احتجازه على أيدي عناصر من المخابرات العسكرية، على ما يبدو. وقد كانت أنفه وأسنانه مكسورة، كما كان هناك جرح في جبهته.
* واعتلت صحة سراج خلبوص على نحو شديد، ويُحتمل أن يكون ذلك نتيجةً لتعرضه للتعذيب أثناء احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي، في سبتمبر/أيلول، في سجن المزة وفرع الفيحاء للأمن السياسي في دمشق. وقد تعرض للضرب، والقفز على جسده وهو ملقى، والضرب بعصي غليظة، والتهديد بالاغتصاب، والتعريض للبرد الشديد، والحرمان من النوم والإذلال، فضلاً عن مشاهدة آخرين وهم يُعذبون بالصدمات الكهربائية. وقد أُطلق سراحه في 25 أكتوبر/تشرين الأول.
ولم يتم التحقيق في معظم ادعاءات التعذيب. ومع ذلك، وردت أنباء تفيد بأنه صدر، في يونيو/حزيران، حكم بالسجن لمدة شهرين على اثنين من كبار المسؤولين في مبنى محكمة معدن في الرقة، لإدانتهما بتهمة تعذيب آمنة العلوش، في مارس/آذار 2002، لإجبارها على “الاعتراف” بجريمة قتل. وبالرغم من ذلك، ظلت آمنة العلوش تقضي حكماً بالسجن لمدة 12 عاماً، صدر ضدها في إبريل/نيسان 2004 .
ما زال الأكراد السوريون يعانون من التمييز بسبب الهوية، بما في ذلك القيود على استخدام اللغة والثقافة الكردية. وظل عشرات الآلاف من الأكراد السوريين بدون جنسية في واقع الأمر، ومن ثم حُرموا من الحصول على فرص كاملة في مجالات التعليم والتوظف والرعاية الصحية، كما حُرموا من حقوق أخرى يتمتع بها المواطنون السوريون، فضلاً عن حرمانهم من الحق في الحصول على جنسية وعلى جوازات سفر. وفي يونيو/حزيران، قرر “حزب البعث” الحاكم، في أول مؤتمر يعقده منذ 10 سنوات، إعادة النظر في الإحصاء السكاني لعام 1962، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى منح الجنسية السورية للأكراد الذين ما زالوا بدون جنسية.
ظلت المرأة تتعرض للتمييز في ظل عدد من القوانين، بما في ذلك القوانين المتعلقة بالزواج والطلاق والأسرة والميراث واكتساب الجنسية. كما كانت المرأة تفتقر إلى الحماية الكافية من العنف في محيط الأسرة، وغير ذلك من صور العنف. فعلى سبيل المثال، يمكن لمرتكب جريمة الاغتصاب أن يفلت من العقاب المحتمل إذا تزوج ضحيته. كما يمكن للرجل الذي يقتل إحدى قريباته الإناث لارتكابها “الزنا” أو أية “علاقة جنسية خارج إطار الزواج” أن يفلت من العقاب أو أن يحصل على عقوبة أخف كثيراً من تلك التي تُفرض على غيره من مرتكبي جرائم القتل. وما زال هناك افتقار لتوثيق نطاق العنف ضد المرأة على نحو جيد، ولم يُعلن إلا عن عدد قليل من الحالات خلال العام.
* وفي أغسطس/آب، قُتلت هدى أبو عسالي، وهي كردية، على أيدي أبيها وشقيقها أثناء حفل زفافها في السويداء، لأنها تزوجت رجلاً كردياً بينما كانت تدرس في الجامعة في دمشق بعيداً عن بيت أسرتها. ولم يُحاكم أحد بخصوص واقعة القتل، على حد علم منظمة العفو الدولية.
استمر فرض عقوبة الإعدام على عدد كبير من الجرائم، ولكن السلطات لم تفصح إلا عن قليل من المعلومات بخصوص استخدامها. ولم يُعرف عدد الأشخاص الذين حُكم عليهم بالإعدام أو نُفذ فيهم الحكم خلال عام 2005 . ومع ذلك، أبلغت الحكومة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن 27 شخصاً قد أُعدموا خلال عامي 2002 و2003، وإن لم يتضح ما إذا كان هذا هو العدد الإجمالي، أم إنه لا يشمل حالات الإعدام التي نُفذت بعد محاكمات أمام محكمة أمن الدولة العليا والمحاكم العسكرية. وفي مقابلة صحفية، نُشرت في أغسطس/آب، ادعى وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس أنه أجاز شنق 150 من المعارضين السياسيين أسبوعياً خلال سنوات الثمانينيات من القرن العشرين، وأنه وقع على أوامر بإعدام آلاف المعتقلين، الذين لم تُبلغ عائلاتهم بذلك.
اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة
في معرض التعليق على التقرير الدوري الثالث المقدم من سوريا، انتقدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تقاعس الحكومة عن تنفيذ إصلاحات في مجال حقوق الإنسان، حسبما أوصت اللجنة في عام 2001 . وأعربت اللجنة عن قلقها بشأن استمرار حالة الطوارئ؛ والقيود على حرية التعبير وغيرها من الحقوق الأساسية؛ والتمييز؛ والعنف ضد المرأة؛ واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان؛ وتطبيق عقوبة الإعدام في سوريا.
الزيارات القطرية لمنظمة العفو الدولية
ناقشت منظمة العفو الدولية مع السلطات السورية إمكان قيام المنظمة بزيارة إلى البلاد، ولكن لم يتم التوصل إلى قرار بهذا الصدد. ويُذكر أنه لم يُسمح لمنظمة العفو الدولية بدخول سوريا منذ عام 1997 .
تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2006
شهد عام 2005 مواجهات ناجحة مع بعض من أقوى الحكومات في العالم. فقد كشفت وسائل الإعلام ما تتسم به من رياء، وفنَّدت المحاكم ما تتذرع به من حجج، وقاوم نشطاء حقوق الإنسان ما تنتهجه من أساليب قمعية. وبعد خمس سنوات من الانتكاسات التي عانتها حقوق الإنسان في سياق “الحرب على الإرهاب”، بدا أن رياح التغيير قد أقبلت في الأفق.
ومع ذلك، فقد تعرضت أرواح الملايين في شتى أرجاء العالم للخطر من جراء إنكار الحقوق الأساسية، كما كان أمن البشر عرضةً لتهديدات جمَّة بسبب الحروب والهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة، فضلاً عن الجوع والأمراض والكوارث الطبيعية، بينما كُبلت الحريات تحت وطأة القمع والتمييز والإقصاء الاجتماعي.
ويوثق تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2006 انتهاكات حقوق الإنسان في 150 بلداً وإقليماً في مختلف أنحاء العالم، ويسلط الضوء على الحاجة الماسة لأن تبادر الحكومات وأطراف المجتمع الدولي والجماعات المسلحة وغيرها من القوى في مواقع السلطة أو النفوذ بتحمل مسؤولياتها. كما يبين التقرير مدى الحيوية التي تتصف بها حركة حقوق الإنسان في العالم، وهو الأمر الذي يتجلى في المبادرات المحلية أو في مؤتمرات القمة العالمية أو في المظاهرات الحاشدة.
وبالرغم من الغضب على استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، فإن أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها في جميع أنحاء العالم يتمسكون بأهداب الأمل ويواصلون نضالهم من أجل الحرية والعدالة لجميع البشر.
نظرة على أحداث العام
بعض التفاؤل
أيرين خان، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
تغطية الأحداث التي وقعت خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2005
التعذيب ومكافحة الإرهاب : مبادرات الإصلاح : الأقوال والأفعال : التزامات منظمة العفو الدولية
اعتقلت الحكومة كريشنا بهادي، أحد دعاة حقوق الإنسان في نيبال، 28 مرة، لكنني عندما قالته بُعيد القبض عليه للمرة السابعة والعشرين في أحد معتقلات الشرطة في كاتماندو، في فبراير/شباط 2005، كان حديثه متفائلاً بصورة تدعو للدهشة، إذ قال لي إن الحكومة كلما زادت من حبس المتظاهرين السلميين من أمثاله، زاد ذلك من قوة قضية حقوق الإنسان. والواقع أن انتشار القلاقل السياسية والإدانة الدولية لأفعال الحكومة النيبالية يؤيد آراء كريشنا. فلما كان محروماً من أية مادة يقرؤها في السجن باستثناء الكتب الدينية، فقد انتهى من قراءة كتاب بهاغافاد جيتا (وهو نص مقدس لدى الهندوس)، ويتأهب لقراءة الكتاب المقدس، ومن بعده القرآن. وهو لا يشك في أن كفاحه وكفاح الآخرين من أمثال سوف ينتصر، قائلاً إنها مسألة وقت لا أكثر.
ولا يشعر كريشنا بأي إحباط، وأنا أشاركه موقفه، على الرغم من انتشار الأذى والظلم والعنف والانتهاكات في شتى أرجاء العالم، على نحو ما يسجله تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2006.
فعلى ساحة حقوق الإنسان تتناثر الوعود التي لم تتحقق ومظاهر عجز القيادات، إذ تقول الحكومات إنها تناصر قضية حقوق الإنسان، ولكنها تبدى ردود فعل قمعية إذا كان الأمر يتعلق بسياساتها الخاصة وأفعالها الخاصة. وتلقي الانتهاكات الجسيمة في أفغانستان والعراق بظلالها على جانب كبير من مناقشة حقوق الإنسان، إذ يغذي التعذيب والإرهاب بعضهما بعضاً في حلقة مفرغة، وتزداد وحشية وكثافة الهجمات التي تقوم بها الجماعات المسلحة في هذين البلدين وفي غيرهما، وتذهب ضحيتها أعداد هائلة من الأرواح.
ومع ذلك، فإن نظرة أدق على أحداث عام 2005 تدعوني للتمسك بالأمل، إذ بدت بعض الدلائل الواضحة على أن نقطة التحول قد بدأت تلوح بعد خمس سنوات من الانقضاض على حقوق الإنسان تحت ستار مكافحة الإرهاب. فعلى مدار العام المنصرم، واجه عدد من أقوى حكومات العالم نذراً تدعوها للانتباه للأخطار الكامنة في التهوين من قيمة حقوق الإنسان في أفعالها داخل حدودها وخارجها، حيث كشفت وسائل الإعلام أساليب الرياء والخداع التي تتبناها هذه الحكومات، كما تصدى لها النشطاء، وفنَّدتها المحاكم.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنني أرى أسباباً أخرى للتفاؤل، إذ يستمر تناقص العدد الكلي للصراعات الدائرة على مستوى العالم، بفضل قدرة المجتمع الدولي على “إدارة الصراع”، ومنع نشوب الصراع، ومبادرات بناء السلام، وهو ما يبث الأمل في قلوب الملايين في بلدان مثل أنغولا وسيراليون وليبيريا.
كما بدأ الإصلاح المؤسسي في الأمم المتحدة لتدعيم جهاز حقوق الإنسان الدولي، على الرغم من محاولة عدد من الحكومات لتعطيل التقدم إما بسبب استخفافها بالأمر أو رغبة في “إفساده”.
واكتسبت الدعوة لتحقيق العدالة بشأن عدد من أبشع الجرائم في نظر القانون الدولي زخماً كبيراً في شتى أنحاء العالم، من أمريكا اللاتينية إلى بلدان البلقان. ورغم أن النظم القضائية الوطنية الفاسدة والتي تفتقر إلى الكفاءة والمنحازة سياسياً لا تزال تمثل حاجزاً رئيسياً في وجه العدالة، فإن الاتجاه بدأ يتحول ضد ظاهرة الإفلات من العقاب في بعض مناطق العالم. فقد شرعت عدة بلدان بفتح التحقيقات أو إجراء المحاكمات للأشخاص الذين يُشتبه في ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وازداد التأييد لمحكمة الجنايات الدولية، على الرغم من معارضة الولايات المتحدة الأمريكية، فأصبحت المكسيك الدولة الطرف المئة التي تصدِّق على “نظام روما الأساسي الصادر للمحكمة الجنائية الدولية”. ويُعد قرار مجلس الأمن الدولي بإحالة الوضع في دارفور إلى تلك المحكمة سابقةً مهمةً، ودليلاً على الصلة بين العلاقة التي تربط الأمن بالعدالة.
لقد خرج الناس العاديون إلى الشوارع مطالبين بحقوقهم وساعين للتغيير السياسي. ففي بوليفيا، أفقر بلدان أمريكا الجنوبية، أدت المظاهرات الهائلة التي نظمها أفراد مجتمعات السكان الأصليين والفلاحون وعمال المناجم إلى استقالة رئيس الجمهورية وانتخاب أول رئيس للدولة من أبناء السكان الأصليين. بل إن بعض الحكومات القمعية لم تستطع مقاومة المظاهرات الجماهيرية الهائلة واضطرت إلى تقديم بعض التنازلات.
ولا شك أن البعض سوف يعارض هذا الشعور بالتفاؤل، لكنني أستمد القوة من هذه التطورات، وأهم من ذلك، من الدلائل الفذة على حركة النشطاء في مختلف أنحاء العالم وعلى التضامن الإنساني عبر الحدود؛ ومن الطاقة والالتزام اللذين يبديهما أعضاء منظمة العفو الدولية على امتداد العالم؛ ومن الحشود الهائلة التي خرجت من أجل “طي صفحة الفقر للأبد”، عشية انعقاد مؤتمر “قمة مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى” (مجموعة الثمانية)؛ ومن التأييد المتدفق من الناس العاديين لضحايا موجة المد البحري (تسونامي) في آسيا، وإعصار كاترينا في الولايات المتحدة، وزلزال كشمير.
لقد دلت أحداث عام 2005، من الفلاحين الذين خرجوا يتظاهرون احتجاجاً على الاستيلاء على الأراضي في الصين إلى النساء اللائي اجتمعن لتأكيد حقوقهن في الذكرى العاشرة لانعقاد “مؤتمر المرأة العالمي” الذي نظمته الأمم المتحدة، على أن فكرة حقوق الإنسان، إلى جانب الحركة العالمية الشعبية التي تكفل لها التقدم، أقوى وأشد بأساً عنها في أي وقت مضى.
التعذيب ومكافحة الإرهاب
عندما نُفذت هجمات انتحارية بالقنابل في وسط لندن، في يوليو/تموز 2005، كان رد الفعل من جانب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يتمثل في إعلان خطط من شأنها فرض قيود تحد بشكل كبير من حقوق الإنسان حتى يبين للعالم أن “قواعد اللعبة بدأت تتغير”. أما اللورد ستاين، وهو أحد قضاة محكمة اللوردات العليا المتقاعدين في المملكة المتحدة، فقد أصدر رداً مناسباً يقول “إن الحفاظ على سيادة القانون ليس لعبة، بل يتمثل في التمتع بالعدالة وحقوق الإنسان الأساسية والقيم الديموقراطية”.
ولحسن الحظ، فقد رفض البرلمان الموافقة على عدد من أفظع نصوص مشروع القانون الذي اقترحته حكومة المملكة المتحدة. وخلال عام 2005، لقيت الحكومة الهزيمة مرتين بشأن مشروع “قانون مكافحة الإرهاب”، وهي أولى الهزائم البرلمانية التي يصادفها توني بلير رئيس الوزراء على امتداد السنوات التسع التي أمضاها في منصبه.
كما وجه القضاء لوماً شديداً لحكومة المملكة المتحدة لوماً شديداً، إذ رفضت أعلى محكمة في البلاد، وهي مجلس اللوردات، حجة الحكومة التي تقول إنها تستطيع قبول المعلومات التي تحصل عليها الحكومات الأجنبية عن طريق التعذيب كأدلة في محاكم المملكة المتحدة. وفي قضية أخرى، رفضت محكمة الاستئناف ادعاء الحكومة بأن قوات المملكة المتحدة في العراق غير ملزمة بالتقيِّد بالقانون الدولي والمحلي لحقوق الإنسان. كما قضت المحكمة بأن نظام التحقيق في وفاة سجناء عراقيين على أيدي أفراد القوات المسلحة للمملكة المتحدة هو نظام يعتوره نقص شديد.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، وُجِّهَت طعون مماثلة لما تزعمه إدارة الرئيس بوش بأن من حقها، في سياق حربها على الإرهاب، أن تعفي نفسها من حظر استخدام التعذيب وسوء المعاملة. وصدر تعديل تشريعي يهدف إلى تأكيد الحظر المفروض على التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة لجميع السجناء على أيدي مسؤولين أمريكيين أو عناصر تعمل لحساب الولايات المتحدة، أينما يكونون. ولم يقتصر الأمر على تهديد رئيس الجمهورية برفض مشروع القانون، مستخدماً حق النقض (الفيتو)، بل إن نائب الرئيس سعى لإعفاء “وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية” من القانون. واعترفت هذه الوكالة نفسها بأنها استخدمت “الإغراق الوهمي” (الغمر الكامل بالماء) في إطار أساليب التحقيق، وزعم المدعي العام أنه من سلطة الولايات المتحدة أن تسيء معاملة المعتقلين في الخارج ما داموا ليسوا مواطنين أمريكيين.
وفي النهاية، كان الرئيس بوش هو الذي تراجع واضطُر إلى سحب معارضته لمشروع القانون. ومع ذلك فقد كان للقانون عواقبه السيئة، إذ أُلحق به تعديل يحرم معتقلي غوانتنامو من الحق في رفع طلبات المثول أمام المحاكم الفيدرالية للدفاع عن أنفسهم، ويحظر عليهم أن يطلبوا من المحاكم النظر في معاملتهم في المعتقل أو النظر في الأوضاع داخل ذلك المعتقل. إلا إن التنازل العلني من جانب الرئيس بوش كان دليلاً على الضغوط التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية بسبب الانقسامات القوية داخل الولايات المتحدة وزيادة القلق بين حلفائها في الخارج.
وأبدت الحكومات الأوروبية تململها إزاء توالي الأنباء التي تكشف دورها باعتبارها شركاء صغاراً للولايات المتحدة في سياق “الحرب على الإرهاب”. وثارت ضجة احتجاج عامة عندما نشرت أجهزة الإعلام أنباءً عن احتمال وجود تواطؤ بين الإدارة الأمريكية وبعض الحكومات الأوروبية بشأن “المواقع السوداء لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية”، والمقصود بها معتقلات سرية زُعم وجودها في الأراضي الأوروبية. كما إن الأدلة المتزايدة على نقل السجناء بصورة غير قانونية عبر المطارات الأوروبية إلى بلدان يتعرضون فيها لخطر التعذيب (حالات النقل الاستثنائية) أدت إلى إثارة إدانة جماهيرية واسعة النطاق.
وقد اكتسبت المطالبة بإغلاق معتقل خليج غوانتنامو قوة دفع أعظم عندما أضافت الأمم المتحدة، ومؤسسات أوروبية شتى أصواتها، إلى جانب أصوات الزعماء السياسيين وقادة الرأي، ومن بينهم شخصيات أمريكية بارزة، إلى الضغط المتزايد. وهكذا تحول ما كان يمثل الصوت المنفرد لمنظمة العفو الدولية التي تنادي في البرية إلى الإدانة المتصاعدة لأكبر الرموز الصارخة لسوء استعمال الولايات المتحدة للسلطة، وهذا من شأنه تأكيد عزمنا على مواصلة النضال حتى تغلق الإدارة الأمريكية معسكر غوانتانامو، وتكشف عن حقيقة المعتقلات السرية التابعة لها، وتعترف بحق المعتقلين في المحاكمة وفقاً لمعايير القانون الدولي أو تطلق سراحهم.
ولكن هذه التحولات التي سبقت الإشارة إليها لا تعني أن دعم الإجراءات القمعية قد اختفى أو أن الاعتداءات على حقوق الإنسان تحت ستار مكافحة الإرهاب قد تضاءلت. فالولايات المتحدة لم ترفض رفضاً قاطعاً استخدام أشكال معينة للتعذيب أو سوء المعاملة، كما إنها لم تشرع في إجراء تحقيق مستقل في الدور الذي قام به بعض كبار المسؤولين الأمريكيين في الانتهاكات المرتكبة في سجن أبو غريب في العراق وغيره، على الرغم من تزايد الأدلة المتوافرة على تورط بعض الكبار.
وعندما أعلنت المحاكم البريطانية عدم شرعية اعتقال الأجانب دون تهمة أو محاكمة، أصدرت حكومة المملكة المتحدة تشريعاً جديداً يقضي بتحديد إقامة الأشخاص فيما يعتبر من الناحية العملية نوعاً من الإقامة الجبرية في المنزل، كما تواصل طلب “تأكيدات دبلوماسية” لتمكينها من إعادة الأشخاص إلى بلدان يُحتمل أن يكونوا فيها عرضةً للتعذيب.
ولم تنخفض أيضاً “القيمة التصديرية” لتلك “الحرب على الإرهاب”، إذ تواصل بعض البلدان، مثل الأردن ومصر واليمن، بموافقة صريحة أو ضمنية من الولايات المتحدة، احتجاز أشخاص دون تهمة أو محاكمة للاشتباه في ضلوعهم في أنشطة الإرهاب.
وأما ما يختلف فيه عام 2005 عن الأعوام السابقة فهو التغيير الذي يحدث في المزاج العام، بفضل عمل دعاة حقوق الإنسان وغيرهم، وهو التغيير الذي يدفع حكومة الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية إلى اتخاذ موقف دفاعي. فلم يعد الناس على استعداد لقبول المقولة الخاطئة التي تزعم أن تقليل حريتنا سوف يزيد من أمننا، بل إن عدد الحكومات التي غدت تتعرض للمحاسبة في ازدياد، سواء في مجالسها التشريعية أو أمام المحاكم وغيرها من الهيئات العامة. ويزداد الوعي يوماً بعد يوم بأن انتهاك حقوق الإنسان وسيادة القانون أبعد ما يكون عن تحقيق النصر في “الحرب على الإرهاب” بل يؤدي إلى الاستياء وإلى عزل المجتمعات التي تستهدفها هذه التدابير، ويهيئ الفرصة التي يتحينها المتطرفون، ويقوض أمننا الجماعي.
لقد بدأ رسم الحدود مهما تكن هشة، وترتفع الأصوات الآن، وهو ما يذكي الأمل في الوصول إلى نقطة التحول المرجوة في النقاش، وفي اعتماد منهج يستند بصورة أكبر على المبادئ في مسألة حقوق الإنسان والأمن في المستقبل.
وخلافاً لما يقوله رئيس الوزراء البريطاني، فإن قواعد اللعبة لم تتغير. ولن ينتفع الأمن أو تنتفع حقوق الإنسان حقاً بالحكومات التي تعمد إلى التلاعب بهذه القواعد الأساسية.
وإذا كان من الواجب علينا أن نواصل إدانتنا، وبأشد لهجة ممكنة، لما ترتكبه الجماعات المسلحة من الهجمات البشعة التي تنم عن الجبن ضد المدنيين، فإن من واجبناً أيضاً أن نقاوم، بنفس القوة، الإستراتيجيات الحمقاء والخطيرة التي تضعها الحكومات الساعية لمحاربة الإرهاب بالتعذيب.
مبادرات الإصلاح
أدى الشعور المتزايد بخيبة الأمل والانتقاد الشديد لجهاز حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إلى دفع الحكومات، في نهاية المطاف، إلى الشروع في بعض الإصلاحات المهمة، وذلك في إطار إعادة التفكير في الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة في إدارة شؤون الحكم على المستوى الدولي.
فقد قررت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مضاعفة الميزانية المخصصة لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وأن يركز في عمله، إلى حد أكبر كثيراً، على حماية حقوق الإنسان من خلال التواجد الميداني.
كما قررت الدول الأعضاء التخلص من لجنة حقوق الإنسان التي ساءت سمعتها، واقترحت أن يحل محلها مجلس لحقوق الإنسان تنتخبه الجمعية العامة للأمم المتحدة بحيث يكون مسؤولاً أمامها وبحيث يستطيع فحص حالات جميع الدول، ومن بينها، أولاً وقبل الجميع، الدول الأعضاء فيه. ورغم أن الاقتراح جاء ثمرةً لحل وسط، فإنه يمثل فرصة مهمة للارتقاء بجهاز حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وللأسف، فقد كان مستقبل هذا المجلس لا يزال معلقاً، وقت مثول هذا التقرير للطباعة، وذلك بسبب رفض الولايات المتحدة مؤازرته، متعللة في الظاهر بأن به “جوانب نقص” أكثر مما ينبغي. والواقع أنه لا ينبغي السماح لدولة واحدة، مهما تكن قوتها، بتقويض اتفاق الآراء الدولي العريض، وأتمنى أن تقاوم الحكومات الأخرى ضغط الولايات المتحدة، وأن تساند القرار حتى يتسنى إنشاء المجلس ويبدأ عمله.
إنني أتفاءل بالتأييد الذي أبدته الحكومات للتغييرات المستحدثة في جهاز حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وهو الأمر الذي يلفت الانتباه، بالنظر إلى أن مجموعة المقترحات التي قدمها الأمين العام للأمم المتحدة قد قُوبلت بالرفض أو التخريب، رغم ما تتسم به من طموح ونظرة مستقبلية، بما في ذلك المقترحات المتعلقة بتوسيع عضوية مجلس الأمن، وتعزيز الحد من انتشار الأسلحة، وزيادة قدرة الأمم المتحدة على العمل الفعال لمنع مذابح الإبادة الجماعية.
كما أتفاءل ببعض المكاسب التي حققها العام المنصرم ولم تحظ بالذيوع الذي حظي به غيرها. فقد انتهت الأمم المتحدة من وضع مشروع اتفاقية دولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وللتصدي للحالات التي لا تعترف الدولة بوقوعها مثل قيام عناصر تابعة لها بالقبض على الأشخاص واحتجازهم وتعذيبهم، بل وقتل السجناء في أحيان كثيرة. ولذلك فإن منظمة العفو الدولية، التي بدأت النضال في سبيل “المختفين” منذ 35 عاماً تقريباً، ترحب بهذه المساهمة المهمة في حماية حقوق الإنسان.
وقد عينت الأمم المتحدة ممثلاً خاصاً معنياً بقضية حقوق الإنسان والشركات المتعددة الجنسية وغيرها من الشركات التجارية. وعلى الرغم من أن الشركات يمكن أن تكون قوة تؤدي إلى التغيير الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، فإن لبعض العمليات التجارية تأثيراً يضر ضرراً فادحاً بحقوق الإنسان، على نحو ما تشهد عليه أعمال العنف التي أفرزتها المصالح النفطية والمعدنية في بعض المناطق مثل دلتا نهر النيجر في نيجيريا، وفي جمهورية الكونغو الديموقراطية، وفي السودان، وكما يشهد عليه استعداد صناعة المعلومات والتكنولوجيا للانصياع للسياسات التي تحد من حرية التعبير في الصين. ومع ذلك، فقد نجح التآلف القوي بين المصالح السياسية والتجارية في مقاومة الجهود الدولية المبذولة بتعزيز المساءلة القانونية للشركات التجارية عن حقوق الإنسان. وعلى الرغم من الخلاف الشديد الذي يحيط بمعايير الأمم المتحدة الخاصة بالشركات التجارية وحقوق الإنسان، فلقد ظلت قضية مساءلة الشركات في موقعها الراسخ على جدول الأعمال الدولي. وبناءً على الخبرة المكتسبة من هذه المعايير، أصبحت المهمة الآن تتمثل في وضع مجموعة واضحة من المواثيق والمبادئ الدولية لحقوق الإنسان لتطبيقها على العاملين بالشركات.
الأقوال والأفعال
تُقاس قوةُ المؤسسات بقوة الإرادة السياسية للذين يحكمونها. ولكن، في كثير من الأحيان لا تتورع الحكومات القوية عن التلاعب بالأمم المتحدة وبالمؤسسات الإقليمية لتعزيز مصالحها القومية الضيقة. والولايات المتحدة نموذج صادق على ذلك، ولكنها للأسف لا تنفرد بذلك، إذ تبدى ذلك أيضاً في الاتفاق الذي عقدته روسيا في القوقاز وفي آسيا الوسطى، وفي توسيع الصين لتعاونها الاقتصادي مع عدد من أشد الحكومات ممارسة للقمع في أفريقيا.
وخلال عام 2005، أثبتت الدول التي تتحمل الشطر الأكبر من المسؤولية عن الأمن العالمي في مجلس الأمن أنها من بين أكثر الدول استعداداً لإصابة المجلس بالشلل بغرض منعه من اتخاذ إجراءات فعالة بصدد حقوق الإنسان. ويشهد على ذلك بوضوح موقف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تجاه العراق، وموقف روسيا والصين فيما يتعلق بالسودان، إذ تتناسى هذه الدول، على ما يبدو، دروس التاريخ التي تقول إن الطريق إلى تدعيم الأمن العالمي يتمثل في احترام حقوق الإنسان.
وقد برز نفاق “مجموعة الثمانية” بصورة خاصة في عام 2005، إذ زعمت حكومات هذه المجموعة أنها وضعت قضية القضاء على الفقر في إفريقيا في مقدمة جدول أعمالها، بينما ظلت تواصل دورها باعتبارها من أكبر موردي الأسلحة للحكومات الإفريقية. وهناك ست دول من الدول الثماني الأعضاء في تلك المجموعة تُعتبر من بين الدول العشر الكبرى المصدرة للأسلحة في العالم، كما تصدر الدول الثماني جميعها كميات ضخمة من الأسلحة التقليدية أو الأسلحة الصغيرة إلى البلدان النامية. ومن شأن هذا أن يجعل دول “مجموعة الثمانية” تتحمل مسؤولية خاصة عن المساعدة في إنشاء نظام فعال للسيطرة العالمية على نقل الأسلحة. ولكن، على الرغم من الضغوط التي مارستها حكومة المملكة المتحدة، لم يتفق قادة “مجموعة الثمانية”، خلال مؤتمر القمة المنعقد في غلين إيغيلز في يوليو/تموز 2005، على ضرورة وضع معاهدة بشأن تجارة السلاح.
ومع ذلك فإن الدعوة إلى وضع معاهدة عالمية للحد من الأسلحة الصغيرة حظيت بالتأييد من 50 بلداً على الأقل في شتى أنحاء العالم. وكانت رسالة الحملة التي قادتها منظمة العفو الدولية، و”منظمة أوكسفام”، و”شبكة التحرك الدولي بخصوص الأسلحة الصغيرة”، رسالةً واضحةً مؤداها أن: تجارة الأسلحة خرجت عن نطاق السيطرة، ولا بد من وضع ضوابط لها على وجه السرعة.
وفيما يتعلق بالمؤسسات الإقليمية، فإنني أشعر بالإحباط لأن صوت الاتحاد الأوروبي لا يزال خافتاً إلى حد كبير بشأن حقوق الإنسان. ولا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتوقع الحفاظ على مصداقيته في مجال حقوق الإنسان وصون موقعه الأخلاقي الرفيع إذا دفن رأسه الجماعية في الرمال عند مواجهة الانتهاكات التي يرتكبها شركاؤه السياسيون والتجاريون الكبار، أو إذا أغمض عينيه عن سياسات أعضائه أنفسهم وممارساتهم تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء وإزاء مكافحة الإرهاب. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أن يبدي استعداداً أكبر للتصدي لأوجه القصور البشعة في موقف روسيا من حقوق الإنسان في جمهورية الشيشان، وأن يقاوم أيضاً الضغوط التي يتعرض لها من جانب الشركات التجارية لإلغاء حظر الأسلحة المفروض على الصين. وكان هذا الحظر قد فرض أصلاً في أعقاب الانقضاض الوحشي عام 1989 على المتظاهرين في ميدان تيانانمان، بهدف إظهار التزام الاتحاد الأوروبي بتعزيز حقوق الإنسان في الصين. ولا ينبغي رفع هذا الحظر حتى تقدم الحكومة الصينية تنازلات كبيرة في مجال حقوق الإنسان.
وقد وضع الاتحاد الإفريقي إطاراً تقدمياً لحقوق الإنسان، ونهض بدور مهم في تسوية الأزمة في توغو، ولكنه للأسف يفتقر إلى القدرة والإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ وعوده بصورة متسقة. إذ نشأت عراقيل تتمثل في القيود المتعلقة بالنقل والإمداد، وفي رفض الحكومة السودانية والميليشيات المسلحة الالتزام بالقانون الدولي. ومن ثم، لم يتمكن مراقبو حقوق الإنسان التابعين للاتحاد الإفريقي من النجاح في مهمتهم الميدانية في دارفور، ولم يبد الاتحاد الإفريقي رغبة في التصدي لأحوال حقوق الإنسان المتردية في زيمبابوي، وعجز عن إقناع نيجيريا أو السنغال بالتعاون مع الجهود المبذولة لإحالة كل من تشارلز تايلور، رئيس ليبريا السابق، وحسين حبري، رئيس تشاد السابق، إلى العدالة. والواقع أن الزعماء الأفارقة يسيئون إلى أنفسهم وإلى أبناء إفريقيا حين يستخدمون التضامن الإفريقي في حماية بعضهم البعض من العدالة والمساءلة.
وإزاء هذا التكاسل من جانب المؤسسات ومناحي التقصير من جانب الحكومات، فإن الرأي العام، سواء في إفريقيا أو أوروبا أو في أي مكان آخر، يطالب الحكومات بالتزام أقوى بحقوق الإنسان داخل البلدان وخارجها. وبفضل دعاة حقوق الإنسان وغيرهم، وبفضل الضغط المتنامي للرأي العام، أصبح المجتمع الدولي مضطراً إلى الاعتراف بأن حقوق الإنسان تمثل الإطار الذي يجب تصور الأمن وتنفيذه من خلاله. فبدون احترام حقوق الإنسان، لن يتسنى الحفاظ لا على الأمن ولا على التنمية.
ويزداد الاعتراف بحقوق الإنسان على الصعيدين الدولي والإقليمي باعتبارها معياراً لمصداقية وسلطة المؤسسات والدول كل على حدة. وكان هذا من الأسباب التي دعت الحكومات إلى الطعن في تولي ميانمار رئاسة “رابطة دول جنوب شرقي آسيا” (الآسيان)، كما دعت الاتحاد الأوروبي إلى أن يقرر في النهاية عدم إلغاء قرار حظر مبيعات الأسلحة إلى الصين، ودفعت الهند إلى الاستناد إلى اعتبارات حقوق الإنسان كعنصر رئيسي في موقفها من نيبال.
ولا بد من النظر إلى حقوق الإنسان، سواء على أساس المبادئ أو الاعتبارات العملية معاً، باعتبارها عنصراً جوهرياً من عناصر الإستراتيجيات الدائمة لضمان الأمن على المستويين العالمي والإقليمي، لا باعتبارها خياراً إضافياً يتم اللجوء إليه حين تتحسن الأحوال. ولا يراودني أدنى شك في أن أحداث عام 2005 تثبت أن الحكم على السلطة السياسية والأخلاقية للحكومات سوف يستند بشكل متزايد إلى مواقف تلك الحكومات إزاء حقوق الإنسان داخل حدودها وخارجها. وفي هذا يكمن إنجاز من أهم إنجازات حركة حقوق الإنسان في الفترة الأخيرة.
إننا نواجه تحديات واضحة. فهناك الاعتداءات الوحشية التي تشنها الجماعات المسلحة، وهناك تزايد زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وارتفاع مد الغضب والعزلة اللذين تشعر بهما المجتمعات المحلية المسلمة في شتى أنحاء العالم، والصراعات المنسية في إفريقيا وغيرها، ووجوه التفاوت المتزايدة والفقر الصارخ، وهي جميعاً دلائل على الأخطار والانقسامات التي يحفل بها العالم الذي تتعرض فيه حقوق الإنسان للتهديد يومياً. ولكن ذلك أبعد ما يكون عن تثبيط همتي، إذ أعتقد أن هذه التحديات تزيد من قوة الدافع على العمل.
وفي غضون وضع جدول أعمالنا لعام 2006، تستمد منظمة العفو الدولية والملايين من أعضائها ومناصريها التشجيع من المنجزات الرائعة لحركة حقوق الإنسان، ومن إيمان الناس العاديين بقوة حقوق الإنسان. ونحن في منظمة العفو الدولية لا نبخس قدر هذه القوة، بل سوف نستعين بها في مواجهة أولئك الذين يتاجرون بالخوف والكراهية، وفي التصدي لقصر النظر الذي يتسم به أقوى زعماء العالم، وفي محاسبة الحكومات.
التزامات منظمة العفو الدولية
تلتزم منظمة العفو الدولية في عام 2006 بتحقيق ما يلي:
- مقاومة الاعتداءات على مواثيق حقوق الإنسان، وخصوصاً الحظر المطلق للتعذيب وسوء المعاملة.
- الدعوة إلى إغلاق معتقل خليج غوانتانامو والمعتقلات السرية، والكشف عن حقيقة “ترحيل الأشخاص بصورة استثنائية” و”المعتقلين الأشباح”.
- الإدانة الدامغة للاعتداءات المتعمدة التي تقوم بها الجماعات المسلحة على المدنيين.
- النضال من أجل وضع حد للإفلات من العقاب، وتدعيم نظم العدالة على المستويين الوطني والدولي.
- فضح انتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب في سياق الصراعات المسلحة، والنضال في سبيل عقد معاهدة دولية بشأن تجارة السلاح، بغرض الحد من مبيعات الأسلحة الصغيرة.
- وقف تنفيذ عقوبة الإعدام على مستوى العالم تمهيداً لإلغائها.
- مناصرة حق النساء والفتيات في التحرر من العنف والتمييز.
- تعزيز حماية اللاجئين والنازحين والمهاجرين.
- الكشف عن الصلة بين الفقر وانتهاكات حقوق الإنسان، واعتبار الحكومات مسؤولة عن استئصال شأفة الفقر من خلال احترام جميع حقوق الإنسان.
- النضال في سبيل محاسبة الشركات وأصحاب النفوذ الاقتصادي عن انتهاكات حقوق الإنسان.
- النضال في سبيل التصديق العالمي على المعاهدات السبع الأساسية لحقوق الإنسان، والتي تعتبر ذات أهمية جوهرية لأمن البشر والكرامة الإنسانية.
- تأييد المدافعين عن حقوق الإنسان ودعاتها في كفاحهم من أجل المساواة والعدل
نظرة عامة على الوضع العالمي
نظرة عامة على الوضع العالمي
البحث عن أمن البشر
تغطية الأحداث التي وقعت خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2005
التعذيب والإرهاب : الصراع وما يعقبه : دافع الخوف: من وراء المعاناة بسبب الهوية : فقراء ومنبوذون وبعيدون عن الأنظار : الخاتمة
شهد عام 2005 بعض التحديات الكبرى للحكومات، تمثلت في الصراعات الضارية، والاعتداءات الإرهابية، والانتشار السريع لوباء نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والفيروس المسبب له، واستمرار انتشار الفقر والكوارث الطبيعية على نطاق واسع.
وكان ينبغي مواجهة هذه التحديات بأساليب تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، ولكن ذلك لم يحدث في أكثر الأحيان، إذ واصلت الحكومات، فرادى وجماعات، اتباع سياسات كثيراً ما أدت إلى التضحية بحقوق الإنسان لأسباب سياسية أو اقتصادية.
وفي الوقت نفسه، أظهر ملايين البشر في شتى أرجاء العالم مؤازرتهم لمطلب زيادة المساءلة والشفافية والإقرار بمسؤوليتنا المشتركة عن التصدي لهذه التهديدات بصورة جماعية. فمن الجموع الغفيرة التي التفت حول شعار “طي صفحة الفقر إلى الأبد”، إلى تصدي المحامين والنشطاء لحكومات دول قوية في قضايا تُعتبر فتحاً جديداً، كانت قوى المجتمع المدني تضغط على الحكومات للوفاء بمسؤولياتها.
وشهد العام المنصرم تفهماً متنامياً للحقيقة المتمثلة في أن احترام سيادة القانون أمر جوهري لأمن البشر، وأن تقويض مبادئ حقوق الإنسان في “الحرب ضد الإرهاب” لا يمكن أن يكون السبيل إلى الأمن. وبالمثل، تزايد الإدراك بأن عدم احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعدم حمايتها وتلبيتها يُعتبر ظلماً فادحاً وحرماناً من التنمية البشرية. والواقع أن جهود الناس العاديين، سواء في التصدي للحاجات العاجلة للمتضررين من الكوارث الطبيعية أو في التصدي لمحنة الأفراد من ضحايا القمع الحكومي، كثيراً ما كانت تُخجل الحكومات وتدفعها إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة.
ويقتضي أمن البشر أن يَسْلَم الأفراد وتَسْلَم المجتمعات ليس فقط من الحروب ومذابح الإبادة الجماعية والهجمات الإرهابية، بل أيضاً من الجوع والمرض والكوارث الطبيعية. وعلى مدار عام 2005، واصل النشطاء نضالهم من أجل مساءلة منتهكي حقوق الإنسان ذوي السمعة السيئة، ومساءلة الشركات المتعددة الجنسيات ذات الجبروت، وكذلك من أجل وضع حد للعنصرية والتمييز والنبذ الاجتماعي.
وكان عدد كبير من انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في عام 2005 من تلك التي تتجاوز الحدود الوطنية، من التعذيب و”تسليم” الأشخاص إلى الآثار السلبية لسياسيات التجارة وسياسات المعونة. وإذا كانت الحدود قد تعرضت للإزالة في بعض جوانب العلاقات الدولية، وخاصةً في مجال المعاملات الاقتصادية، فقد استمرت إقامتها في مجالات أخرى، ولاسيما مجال الهجرة.
ولا شك في أن ثمة إدراكاً متنامياً لضرورة وضع حلول عالمية للأخطار العالمية، من الإرهاب إلى أنفلونزا الطيور. كما كانت هناك حالات كثيرة تذكِّر بضرورة إصلاح الأمم المتحدة، من بينها استمرار عجز مجلس الأمن عن مساءلة الدول المخطئة؛ وافتضاح أمر الفساد بين عدد من كبار موظفي الأمم المتحدة المسؤولين عن تنفيذ “برنامج النفط مقابل الغذاء”؛ والصمت الذي صاحب العجز عن تحقيق أول أهداف الألفية للتنمية، والتي وضعتها الأمم المتحدة؛ وعجز المؤسسات المالية الدولية عن التصدي لعدم المساواة في مجالات التجارة والمعونة والديون. وقد اقترحت قيادة الأمم المتحدة نفسها عدداً من المبادرات البعيدة الأثر، ولكن النتائج المحدودة لمؤتمر القمة العالمي، الذي عقدته الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، كشفت عن ترجيح المصلحة الوطنية الذاتية الضيِّقة على الآمال الجماعية.
ومع ذلك، فقد تحقق بعض التقدم، ولاسيما في مجال تدعيم نظام العدالة الدولية الناشئ، المتمثل في “المحكمة الجنائية الدولية”، والمحاكم الدولية المخصصة، وزيادة تطبيق الولاية القضائية العالمية. وبعد سنوات من الدعوة إلى تخصيص موارد إضافية لمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، زادت ميزانيته زيادة ملحوظة. وكان موضوع إحلال مجلس لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة محل لجنة حقوق الإنسان، التي ساءت سمعتها كثيراً، لا يزال قيد المناقشة. وكان من شأن هذه الخطوات، وخاصة ازدياد قوة وتنوع العاملين في سبيل حقوق الإنسان على مستوى العالم، أن تشجع منظمة العفو الدولية على تجديد التزامها بإضفاء الطابع العالمي على العدالة باعتباره وسيلة لتلبية حقوق الجميع سعياً إلى إرساء أمن البشر.
التعذيب والإرهاب
استمر التحدي الذي واجهته حركة حقوق الإنسان في أعقاب الاعتداءات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/أيلول 2001 . فقد واصلت بعض الحكومات ترويج الزعم بأن حقوق الإنسان تمثل عقبة في طريق أمن البشر ولا تمثل شرطاً مسبقاً له. ومع ذلك، فبفضل جهود دعاة حقوق الإنسان وغيرهم، تنامي الانتقاد وازدادت مقاومة جهود الحكومات لإيلاء حقوق الإنسان مرتبة ثانوية بالقياس إلى المسائل الأمنية.
وعلى الرغم من الموارد والجهود الحكومية الملتزمة بالقضاء على الإرهاب، فقد شهد العام زيادة عد الهجمات التي شنها أفراد وجماعات مسلحة لأسباب شتى في بلدان كثيرة.
وقد وقعت اعتداءات متعمدة على المدنيين، تنتهك أولى المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في شتى أنحاء العالم. ففي الهند، على سبيل المثال، وقعت سلسلة تفجيرات بالقنابل في دلهي، أثناء الاستعداد لموسم الاحتفالات السنوي، في أكتوبر/تشرين الأول، مما أسفر عن مصرع 66 شخصاً وإصابة ما يزيد على 220 بجراح. وفي العراق تعرض، المئات للقتل أو الإصابة على أيدي الجماعات المسلحة على مدار العام. وفي الأردن، انفجرت ثلاث قنابل في بعض الفنادق في العاصمة عمان، أسفرت عن مقتل 60 شخصاً، في نوفمبر/تشرين الثاني. وفي المملكة المتحدة، وقعت تفجيرات بالقنابل في خطوط المواصلات العامة في لندن، في يوليو/تموز، فأدت إلى مقتل 52 شخصاً وإصابة المئات بجراح.
وكانت بعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومات لمكافحة الإرهاب تمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان. بل إن بعض الحكومات حاولت تقنين أو تبرير الأساليب المخالفة التي طالما اعتبرها المجتمع الدولي غير مشروعة ومن المحال تبريرها على الإطلاق.
واستمر احتجاز الآلاف من المشتبه في علاقتهم بالإرهاب، في معتقلات تديرها الولايات المتحدة في شتى أنحاء العالم، دون أدنى أمل في توجيه التهمة إليهم أو محاكمتهم محاكمة عادلة. وبنهاية عام 2005، كان نحو 14 ألف شخص، ممن احتجزتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها في غضون عمليات عسكرية وأمنية في العراق وفي أفغانستان، لا يزالون محتجزين في المعتقلات العسكرية الأمريكية في أفغانستان، وخليج غوانتنامو في كوبا، وفي العراق. وقد أضرب عشرات المعتقلين في غوانتنامو عن الطعام احتجاجاً على ظروف اعتقالهم، ولجأت السلطات إلى إطعامهم بالقوة.
كما تعرض المشتبه في علاقتهم بالإرهاب للاعتقال في بلدان أخرى أيضاً، وظل بعضهم رهن الاحتجاز فترات طويلة دون تهمة أو محاكمة، ومنها الأردن ومصر والمملكة المتحدة واليمن. وكان آخرون يرزحون في السجون ويواجهون خطر الترحيل إلى بلدان يُمارس فيها التعذيب بصورة مألوفة، وتعرض كثيرون من المعتقلين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.
وفي غضون عام 2005، ظهر بصورة جلية مدى تواطؤ أو مشاركة بلدان كثيرة في دعم سياسات وممارسات الولايات المتحدة، التي تنطوي على انتهاك حقوق الإنسان، في سياق “الحرب على الإرهاب”، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز سراً لفترات غير محدودة، وترحيل الأشخاص عبر الحدود الوطنية. وواجهت حكومات كثيرة مطالبتها مراراً بزيادة المساءلة، وصدرت قرارات قضائية رئيسية دفاعاً عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، بل وظهرت دلائل التوتر داخل حكومة الولايات المتحدة نفسها بشأن الحد من الحريات الأساسية.
واستمر في عام 2005 ظهور المعلومات التي ساعدت في فضح بعض الممارسات السرية التي تنطوي على انتهاك حقوق الإنسان، مما انتهجته بعض الدول تحت ستار محاربة الإرهاب. فعلى سبيل المثال، ظهر مزيد من المعلومات عن الترحيل غير المشروع لمن يُشتبه في علاقتهم بالإرهاب من بلد إلى آخر دون اتخاذ أي إجراء قانوني، وهو المعروف في الولايات المتحدة بمصطلح “حالات “الترحيل الاستثنائية”. واتضح أن الولايات المتحدة قامت، من خلال ذلك، بنقل كثير من المحتجزين إلى بلدان عُرف عنها استخدام التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة أثناء التحقيق، ومن بينها الأردن وسوريا ومصر والمغرب والمملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة واليمن. وكان من شأن هذه العمليات نقل ممارسة التعذيب في الواقع إلى بلدان أخرى.
ويتبدى المعنى الحقيقي لأسلوب الترحيل هذا في ما حدث في عام 2005 لشخص يُدعى محمد الأسد، وهو مواطن يمني يقيم في تنزانيا. إذ قُبض عليه في 26 ديسمبر/كانون الأول 2003، في منزله في مدينة دار السلام، وعُصبت عيناه، وكُبلت يداه، ونُقل عن طريق الجو إلى مكان مجهول. وكان ذلك بداية محنة استمرت 16 شهراً، تعرض فيها للاعتقال والتحقيق معه سراً، ومُنع من الاتصال بالعالم الخارجي أو معرفة مكان وجوده.
وقد ظل محتجزاً عاماً كاملاً في معتقل سري تعرض فيه للحرمان الشديد من التمتع بحواسه، فلم ينطقْ حُرَّاسُه الملثمون بكلمة واحدة يخاطبونه بها، بل كانوا يصدرون تعليماتهم إليه بلغة الإشارة. وكان يسمع على الدوام همهمةً خفيضة لأصوات رجال ذوي بشرة بيضاء، وكان الضوء الأبيض مضاءً حوله على مدار 24 ساعة يومياً. وقال المسؤولون التنزانيون لوالد محمد الأسد إن ابنه قد نُقل إلى حجز أمريكي، وإن أحداً لا يعرف أين يوجد. ولم تتلق أسرته أية أنباء عنه حتى نُقل جوَّاً إلى اليمن، في مايو/أيار 2005، حيث زُجَّ به في السجن، بناءً على طلب السلطات الأمريكية. وكان محمد الأسد لا يزال مسجوناً في اليمن دون تهمة أو محاكمة بحلول نهاية عام 2005 .
وكانت الشهادات الأخرى التي أدلى بها المعتقلون المفرج عنهم، والتي جمعتها منظمة العفو الدولية في عام 2005، تشبه التجربة التي خاضها ووصفها محمد الأسد بصورة مفزعة. فقد قامت الولايات المتحدة بنقل رجلين يمنيين آخرين إلى اليمن، في مايو/أيار 2005 ، حيث ظلاً في الحجز دون تهمة أو محاكمة بحلول نهاية العام. ووصف الثلاثة في مقابلات شخصية منفصلة مع منظمة العفو الدولية، جرت في يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2005، كيف ظلوا قيد الحبس الانفرادي فترات تتراوح بين 16 و18 شهراً في معتقلات سرية يديرها مسؤولون أمريكيون. وقد جاءت المقابلات التي أجرتها منظمة العفو الدولية بأدلة قوية جديدة على وجود الشبكة الأمريكية للمعتقلات السرية في شتى أرجاء العالم.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2005، وبعد أن قال وزير الخارجية البريطاني إنه لا علم له بلجوء الطائرات التي تحمل الأشخاص المنقولين إلى التزود بالوقود في المملكة المتحدة أو استخدام أية مرافق أخرى فيها منذ أوائل عام 2001، نشرت منظمة العفو الدولية تفاصيل إعادة تموين ثلاث رحلات جوية بالوقود في المملكة المتحدة بعد ساعات من نقل المعتقلين إلى بلدان يتعرضون فيها لخطر “الاختفاء” أو التعذيب أو غيره من صور المعاملة السيئة. وتزايد خلال عام 2005 الكشف عن معلومات أخرى، بفضل الأدلة التي قدمها الضحايا بأنفسهم من جانب والتحريات الحكومية من جانب آخر، وهي معلومات تشير إلى احتمال مشاركة بلدان أوروبية أخرى في عمليات نقل سرية مماثلة. وأُجريت التحريات في ألمانيا وإيطاليا والسويد في الدور الذي اضطلع به المسؤولون الحكوميون في حالات نقل معينة، كما أجرت السلطات الإسبانية تحقيقاً في استخدام المطارات والمجال الجوي الإسباني من جانب الطائرات التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وفي أيسلندا وأيرلندا وهولندا، طالب بعض مسؤولي الحكومة أو النشطاء بإجراء تحقيقات رسمية.
أما التحقيقات التي أجراها الصحفيون وأعضاء منظمة العفو الدولية وغيرهم في عام 2005 فتكاد تقطع بأن الحكومة الأمريكية تدير شبكة من السجون الخفية، المعروفة باسم “المواقع السوداء”. فقد تواترت الأنباء بأن “وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية” قد أدارت معتقلات سرية مماثلة في الأردن وأفغانستان وأوزبكستان وباكستان وتايلاند والعراق، وغيرها من الأماكن المجهولة في أوروبا ومناطق أخرى، بما في ذلك موقع في دييغو غارثيا التابعة لبريطانيا في المحيط الهندي. وقد “اختفى” نحو 30 شخصاً ممن يُعتبرون ذوي قيمة “استخبارية” عالية، وذلك أثناء احتجازهم لدى الولايات المتحدة، وزُعم أنهم معتقلون في بعض “المواقع السوداء” ومن ثم فهم محرمون تماماً من التمتع بحماية القانون.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني، شرع مجلس أوروبا في إجراء تحقيق في الأنباء التي تقول إن هناك مواقع في أوروبا شاركت في الشبكة الأمريكية للسجون السرية وفي عمليات نقل الأشخاص. وأعربت منظمة العفو الدولية عن مؤازرتها الشديدة لمطالبة الحكومات الأوروبية بالتحقيق في أمثال هذه المزاعم من جانب مسؤولي مجلس أوروبا، وقد صرح أحدهم قائلاً “إن الجهل ليس مقبولاً، سواء أكان مقصوداً أو عارضاً”.
وقد شاركت منظمة العفو الدولية في تنظيم مؤتمر في لندن مع منظمة غير حكومية تدعي “التمهل”، ومقرها في المملكة المتحدة، في نوفمبر/تشرين الثاني، وأدلى فيه بعض المعتقلين السابقين وأسر المعتقلين المحتجزين في غوانتنامو أو في معتقلات داخل المملكة المتحدة بشهاداتهم عن المعاناة الإنسانية الناجمة عن الاعتقال دون تهمة أو محاكمة. فقد تحدثت ناديا ديزداريفيتش، زوجة بوديلا هادز وهو من مواطني البوسنة والهرسك وما زال محتجزاً في غوانتنامو منذ أربع سنوات، عن العذاب النفسي الذي تعانيه أُسر المعتقلين قائلة:
“يصعب عليَّ القيام بواجب الأم نحو أطفالي لأنني لا أجد من الوقت ما يكفي لهم، وليس لهم في الدنيا سواي… فعندما يأتي الليل وأضع أولادي في الفراش ليناموا أبدأ عملي، وبينما ينام العالم كله في سلام أعمل أنا دون كلل في كتابة الشكاوى والطلبات والرسائل وفي تعلم القوانين ودراسة اتفاقيات حقوق الإنسان حتى أواصل نضالي في سبيل الحياة والإفراج عن زوجي والآخرين”.
وعلى مر السنين، كانت الحكومات تطلب “تأكيدات دبلوماسية” من البلدان التي عُرف عنها استخدام التعذيب حتى تسمح لها بترحيل الأشخاص إليها. وفي عام 2005، سعت حكومة المملكة المتحدة إلى الاعتماد على التأكيدات الدبلوماسية وعقدت مذكرات تفاهم مع الأردن ولبنان وليبيا، وكانت تسعى إلى اتخاذ ترتيبات مماثلة مع الجزائر ومصر ودول أخرى في المنطقة. وقد عارضت منظمة العفو الدولية استعمال هذه “التأكيدات الدبلوماسية” لأنها تنتقص من الحظر المطلق للتعذيب وهي في جوهرها غير موثوق بها ولا يمكن تنفيذها بالقوة.
ولا شك أن هذه الأدلة على مشاركة حكومات كثيرة في عمليات نقل التعذيب إلى بلدان أخرى أو تواطؤها أو تغاضيها عنها تؤكد ضرورة زيادة المحاسبة على المستوى العالمي في عالم أصبحت فيه مسؤوليات حقوق الإنسان لا تتوقف عند حدود دولة من الدول.
ونقل التعذيب إلى بلدان أخرى يعني أن الولايات المتحدة وبعض حليفاتها الأوروبية، وهي الدول التي استمرت على مدار عقود طويلة تدين التعذيب دون تحفظات في كل الأوقات وفي كل الظروف، قد أقدمت علناً على تحدي الحظر المطلق للتعذيب، والمعنى المضمر في هذا هو أنها تعتقد أنه يمكن تبرير بعض التعذيب وسوء المعاملة في إطار “الحرب على الإرهاب”.
وقد واصلت الإدارة الأمريكية محاولاتها لإعادة تعريف وتبرير أشكال معينة من التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة تحت ستار “الأمن القومي” والنظام العام. وقد سُئل المدعي العام الأمريكي ألبرتو غونزاليز عن موقف حكومة الولايات المتحدة من معاملة السجناء فأوضح أن حكومته سوف تضع التعريف الخاص بها للتعذيب. وعلى الرغم من إنكار القيادة الأمريكية أن الحكومة توافق على التعذيب، فقد برزت أدلة على أن “وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية” كانت تستخدم أساليب مثل “الغمر بالماء” (أي الإغراق الوهمي) أو الوضع في الأصفاد فترات طويلة أو التبريد الشديد مع السجناء في المعتقلات السرية. ويبدو أن بعض الأشخاص داخل الإدارة الأمريكية كانوا لا يزالون يعتقدون أن أشكالاً معينة من التعذيب وسوء المعاملة مقبولة إذا استخدمت في جمع المعلومات الاستخبارية اللازمة لمكافحة الإرهاب. ومع ذلك، فإن ازدياد المعارضة لهذه السياسات داخل الولايات المتحدة، حيث أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي في آخر العام قانوناً يؤكد حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وبين حلفاء الولايات المتحدة في “الحرب ضد الإرهاب”، يُحيي الأمل في اتخاذ موقف أكثر مراعاة للمبادئ تجاه حقوق الإنسان والأمن في المستقبل.
ولم تكن انتهاكات حقوق الإنسان في إطار سياسات مكافحة الإرهاب مقصورة على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. ففي أوزبكستان، زعمت السلطات أن المشاركين في المظاهرة التي وقعت في بلدة أنديجان، والتي قتل فيها بعض المتظاهرين السلميين، كانوا مدفوعين لفعل ذلك من “الإرهابيين”. وفيما بعد، أُدين أكثر من 70 شخصاً بارتكاب جرائم “إرهابية” في أعقاب محاكمات جائرة، وحُكم عليهم بالسجن مدداً طويلة بزعم مشاركتهم في مظاهرة الاحتجاج.
وفي الصين، واصلت السلطات التذرع بحجة “الحرب على الإرهاب” في العالم لتبرير إجراءات القمع الصارمة في منطقة شينجيانغ أوغور ذات الحكم الذاتي، والتي أدت إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد أبناء طائفة “الأوغور”. وإذا كانت الحملة الأخيرة “للضرب بشدة” على أيدي المجرمين قد هدأت في معظم مناطق البلاد، فإنها تجددت رسمياً في منطقة شينجيانغ أوغور، في مايو/أيار 2005، بهدف القضاء على “الإرهاب، والنزعات الانفصالية والتطرف الديني”، وأسفرت عن إغلاق عدد من المساجد غير المرخص بها واعتقال أئمتها. واستمر اعتقال أو سجن دعاة النزعة القومية من أبناء طائفة “الأوغور”، بما في ذلك النشطاء السلميون. وكان الذين وُجهت إليهم تهم “انفصالية” أو “إرهابية” خطيرة يواجهون خطر السجن مدداً طويلة أو الحكم بإعدامهم، وأما الذين يحاولون نقل معلومات إلى خارج البلاد بشأن نطاق القمع فكانوا يواجهون الاعتقالات التعسفي والسجن. وواصلت السلطات اتهام النشطاء من أبناء “الأوغور” بممارسة الإرهاب دون تقديم أدلة مُقْنعة على صدق هذه الاتهامات.
وفي سنغافورة وماليزيا، حيث تسمح تشريعات الأمن القومي باحتجاز المشتبه في علاقتهم بالإرهاب مدداً طويلة دون محاكمة، ظل العشرات محتجزين بموجب قوانين الأمن الداخلي دون تهمة أو محاكمة.
وفي كينيا وبعض البلدان الإفريقية الأخرى، كانت مقولات مكافحة الإرهاب تُستخدم في تبرير القوانين القمعية، التي تهدف إلى إسكات أصوات المدافعين عن حقوق الإنسان وإعاقة عملهم.
وفي عام 2005، أدى افتضاح الممارسات غير المشروعة التي تلجأ إليها الحكومات باسم مكافحة الإرهاب إلى حشد وتأكيد المطالب المتنامية بالمساءلة، كما ساعد على ما يبديه دعاة حقوق الإنسان والمحامون والصحفيون وكثيرون غيرهم من عزم وتصميم في العمل في سبيلها على رفع غطاء السرية والكشف عن أن الدول تقوم بنقل واعتقال وتعذيب الذين تشتبه في علاقتهم بالإرهاب.
وشهد عام 2005 أيضاً بعض النجاحات في كفاح قوى المجتمع المدني لوقف اتجاه الحكومات إلى التذرع بدواعي الأمن لاستخدام المعلومات المنتزعة من خلال التعذيب. فقد انتهى العام بانتصار قضائي عندما خسرت حكومة المملكة المتحدة معركتها القانونية في المحاكم المحلية لإلغاء الحظر المفروض منذ قرون على قبول المحاكم في الإجراءات القضائية لمعلومات منتزعة عن طريق التعذيب. وكانت منظمة العفو الدولية قد تدخلت في القضية، ودفعت بأن الحظر المطلق للتعذيب وسوء المعاملة في القانون الدولي يحول دون مثل هذه القبول.
وأدت محاولات الحكومات لإضعاف شوكة الحظر المفروض على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة إلى الإضرار بالنزاهة الأخلاقية والفاعلية العملية للجهود المبذولة للقضاء على الإرهاب، وقد أظهر عام 2005 الضرورة القصوى لمساءلة الحكومات عن سيادة القانون، وأكدت من جديد أن القضاء المستقل النزيه يضطلع بدور حيوي في الحيلولة دون تقليص الضمانات الأساسية وكفالة احترام حقوق الإنسان.
الصراع وما يعقبه
استمر انخفاض عدد الصراعات المسلحة في شتى أنحاء العالم، ولكن المحصلة العامة للمعاناة البشرية لم تنخفض. وكان العنف المستمر يتغذى بوجبات منتظمة من الأحقاد التي ما زالت قائمة، والتي نشأت من سنوات الصراع المدمر وعدم محاسبة مرتكبي الانتهاكات. وتكفل استمرار هذا العنف سهولة الحصول على الأسلحة؛ وتهميش وفقر مجموعات كاملة من السكان؛، والفساد المنتظم والمنتشر؛ وعدم التصدي لإفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني من العقاب.
وقد تعرض الملايين للعنف والمشقة في الصراعات التي تسببت في نشوبها أو إطالة أمدها حالات التقاعس الجماعي للزعماء السياسيين والجماعات المسلحة، وإلى حد ما المجتمع الدولي. فكان الملايين يكابدون المزيد من انعدام الأمن والجوع والتشرد في أعقاب الصراعات، دون أن يقدم المجتمع الدولي الدعم اللازم لهم لإعادة بناء حياتهم.
كما أن تقاعس الحكومات والجماعات المسلحة عن السعي لإيجاد الحلول السلمية اللازمة لوضع حد للصراع، والالتزام بالتسوية من خلال المفاوضات، قد أضر أضراراً بالغة بالحقوق الإنسانية للناس العاديين. وقد سعت بعض الحكومات للانتفاع بالصراعات المؤثرة في بلدان أخرى، فقدمت السلاح لطرف دون الآخر، وهي تتبرأ من المسؤولية عن ذلك. وعندما تمكن المجتمع الدولي من حشد التأييد اللازم للضغط على الفصائل المتحاربة، سواء من خلال مجلس الأمن الدولي أو من خلال الهيئات الإقليمية، كانت الأطراف تتقاعس في كثير من الأحيان عن الوفاء بالتزاماتها، على نحو ما حدث في السودان وساحل العاج.
وفي سعيها لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، كانت القوات الحكومية والجماعات المسلحة، في كثير من الأحيان، تبدي تجاهلاً تاماً للسكان المدنيين الذين يتصادف وجودهم في طريقها؛ بل وكانت تعمد إلى استهداف المدنيين في إطار استراتيجيتها الحربية. وكانت الغالبية العظمى من ضحايا الصراعات المسلحة في عام 2005 من المدنيين، وتعرضت النساء والفتيات للعنف الذي يصاحب أي حرب، كما تعرضن بصفة خاصة للإيذاء، وخصوصاً الإيذاء الجنسي. ففي بابوا غينيا الجديدة، أفادت الأنباء أن أقارب الفتيات كانوا يقدموهن في مقابل البنادق. وفي جمهورية الكونغو الديموقراطية، اختطف مقاتلون مسلحون أعداداً كبيرة من النساء واغتصابهن، كما كان الأطفال يُجندون للقتال في ما يقرب من ثلاثة أرباع الصراعات التي وقعت في شتى أنحاء العالم.
وانصب اهتمام العالم إلى حد كبير على العراق والسودان وإسرائيل والأراضي المحتلة، بينما تجاهل العالم إلى حد كبير أو تناسي الصراعات الطويلة الأمد في أفغانستان، والشيشان في روسيا الاتحادية، ونيبال، وشمال أوغندا، وغير ذلك من مناطق العالم.
وفي العراق، تقاعست القوات المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة، والجماعات المسلحة، والحكومة الانتقالية جميعها عن احترام حقوق المدنيين. فقد شنَّت الجماعات المسلحة عمداً هجمات على المدنيين وتسببت في خسائر كبيرة في الأرواح، كما استهدفت المنظمات الإنسانية وعذبت أو قتلت عدداً من الرهائن. وكان مقتل اثنين من المحامين في محاكمة صدام حسين من دلائل الانعدام المزمن للأمن في البلاد، وهو الأمر الذي أدى إلى تقليص جذري لقدرة كثير من النساء والفتيات العراقيات على ممارسة حياتهم اليومية في أمان، كما تعرض عدد من السياسيات، والناشطات والصحفيات، من العراقيات وغير العراقيات للاختطاف أو القتل. وتكاثرت الأدلة في عام 2005 على أن القوات المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة ورجال الأمن الخصوصيين الأجانب قد ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها قتل المدنيين العُزَّل وتعذيب السجناء. كما أدى التقاعس عن إجراء تحقيقات فعالة في هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين إلى تقويض المزاعم التي ترددها قوات الاحتلال والسلطات الانتقالية بأنها تعمل على إعادة سيادة القانون في البلد.
وأدى إجلاء نحو ثمانية آلاف مستوطن إسرائيلي من قطاع غزة، في إطار ما يُسمى “خطة فك الارتباط”، إلى تحويل نظر العالم عن استمرار إسرائيل في توسيع المستوطنات الإسرائيلية وبناء جدار بطول 600 كيلومتر في الضفة الغربية المحتلة، حيث يقيم نحو 350 ألف مستوطن إسرائيلي، خلافاً لما يقضي به القانون الدولي. وكان وجود المستوطنات الإسرائيلية في شتى أرجاء الضفة الغربية هو السبب الرئيسي للقيود الصارمة، من قبيل نقاط التفتيش والحواجز، التي يفرضها الجيش الإسرائيلي على تنقل نحو مليونين من الفلسطينيين بين القرى والمدن داخل الضفة الغربية المحتلة. كما أدت هذه القيود المفروضة على حرية التنقل إلى إصابة الاقتصاد الفلسطيني بالشلل، والحد من إمكانية وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم وأماكن عملهم وإلى المؤسسات التعليمية والصحية. ونجم عن ذلك إذ تزايد حدة الفقر والبطالة والشعور بالإحباط وانعدام المستقبل في عيون السكان، ومعظمهم من الشباب، وساهم هذا الوضع بدوره في تصاعد أعمال العنف ضد الإسرائيليين وداخل المجتمع الفلسطيني نفسه، بما في ذلك تزايد انعدام القانون في الشارع والعنف في محيط الأسرة. ومع ذلك فقد شهد العام المنصرم انخفاضاً بارزاً في عدد القتلى من الجانبين، حيث قُتل نحو 190 فلسطينياً، من بينهم نحو 50 طفلاً، على أيدي القوات الإسرائيلية، وقُتل 50 إسرائيلياً، بينهم ستة أطفال، على أيدي جماعات فلسطينية مسلحة، وذلك بالمقارنة بما يربو على 700 فلسطيني و109 إسرائيليين قُتلوا في عام 2004 .
واستمرت الفظائع في إقليم دارفور بالسودان، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها المجتمع الدولي في عام 2005 للتوصل إلى حل سياسي يضع نهاية للعنف. فقد أقدمت قوات الحكومة السودانية والميليشيات المتحالفة معها (الجنجويد) على قتل أعداد من المدنيين أو إصابتهم في غارات بالقنابل وفي هجمات على القرى، فضلاً عن اغتصاب نساء وفتيات، وإرغام أبناء القرى على مغادرة أراضيهم. كما تصاعدت الانتهاكات على أيدي جماعات المعارضة المسلحة، وذلك بسبب انهيار هياكلها القيادية الناجم عن زيادة انقسام الفصائل والاقتتال بين الزعماء المتنافسين. وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة، كما وصفت هيئات الأمم المتحدة، الانتهاكات المرتكبة في دارفور بأنها مذهلة في نطاقها ومؤلمة في طبيعتها، إذ شملت انتهاكات حقوق الإنسان المنتشرة والمنتظمة، وانتهاكات القانون الإنساني، وإرغام الملايين على النزوح، وظهور الجوع. وفي أوائل عام 2005، توصلت الأمم المتحدة إلى اتفاق سلمي عن طريق المفاوضات، وهو ما أحيا الأمل في “الظفر بالسلام”، كما نشر الاتحاد الإفريقي قوات هناك، ولكن صلاحياته في مجال حماية المدنيين كانت محدودة، كما زادت من إعاقتها الضآلة النسبية للجنود الذين نشرهم الاتحاد الإفريقي وافتقارها إلى الدعم من حيث الإمداد والنقل. ولم يستمر السلام، إذ اكتشفت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة أن الحكومة وميليشيات “الجنجويد” كانت مسؤولة عن جرائم بموجب القانون الدولي، ومن ثم أحال مجلس الأمن قضية دارفور إلى “المحكمة الجنائية الدولية”. وعلى الرغم من شروع المحكمة في إجراء التحقيقات، فقد انتهى عام 2005 دون أن يُسمح لها بدخول أراضي السودان.
وقد ظهرت أنماط مماثلة لهذا في صراعات كثيرة أخرى لم تحظ بنفس الاهتمام الدولي في عام 2005، مثل استهداف المدنيين، والإيذاء الجنسي للنساء والفتيات على وجه الخصوص، واستخدام الأطفال كجنود، ونمط الإفلات من العقاب. وقد دارت رحى هذه الصراعات في المناطق الحضرية والريفية، وكانت تُستخدم فيها، بصفة عامة، الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وكثيراً ما كانت جيوب العنف تتفجر دون أن يكون هناك وجود يُذكر للتسلسل القيادي أو المساءلة، بل إن بعض الحكومات كثيراً ما لجأت إلى تسليح المدنيين في محاولة لإبعاد نفسها عن المساءلة أو تحمل وزر الانتهاكات.
ولا تزال الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان تُرتكب في كولومبيا بنفس المعدلات العالية من جانب جميع الأطراف بعد 30 عاماً من الصراع الداخلي المسلح. وقد صدر قانون ينص على نزع السلاح وتسريح أفراد الجماعات شبه العسكرية والجماعات المسلحة، وإن كان يُخشى أن يسمح هذا القانون بإفلات مرتكبي أخطر انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب، مع استمرار ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق التي يُفترض أن الجماعات شبه العسكرية قد سرَّحت أفرادها فيها. كما إن السياسات الحكومية الرامية إلى إعادة دمج أفراد الجماعات المسلحة غير المشروعة في الحياة المدنية تنطوي على المخاطرة بإعادة انضمامهم إلى الصراع.
وعلى الرغم من المزاعم عن عودة الأحوال في جمهورية الشيشان إلى مجاريها الطبيعية، فقد شنَّت قوات الأمن الروسية والشيشانية غارات ذات أهداف محددة في الشيشان، ارتُكبت فيها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وأفادت الأنباء أن الجنود الروس والشيشانيين ارتكبوا أعمال عنف ضد المرأة بوجه خاص، كان من بينها الاغتصاب أو التهديد بالاغتصاب. كما ارتكبت جماعات المعارضة المسلحة الشيشانية انتهاكات، من بينها اعتداءات متعمدة على المدنيين وهجمات عشوائية دون تمييز. وبالمثل، وقعت أعمال عنف وقلاقل في جمهوريات شمال القوقاز الأخرى، وكثيراً ما اقترنت بأنباء عن انتهاكات لحقوق الإنسان.
وفي نيبال، تدهور وضع حقوق الإنسان تدهوراً شديداً في ظل حالة الطوارئ، التي فُرضت في فبراير/شباط 2005، حيث قُبض على آلاف الأشخاص لدوافع سياسية، وفُرضت رقابة صارمة على أجهزة الإعلام، فضلاً عن الفظائع على أيدي قوات الأمن والجماعات الماوية. وقد أوفدت منظمة العفو الدولية بعثة إلى نيبال عقب إعلان حالة الطوارئ مباشرة، ودعت بعدها حكومات المملكة المتحدة والهند والولايات المتحدة، وهي المصادر الرئيسية للأسلحة في نيبال، إلى الكف عن تزويد نيبال بجميع الإمدادات العسكرية حتى تتخذ الحكومة خطوات واضحة لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان. ووجهت دعوة مماثلة إلى بعض الحكومات الأخرى، ومن بينها ألمانيا وبلجيكا وجنوب إفريقيا وفرنسا (التي توفر المكونات الحساسة للطائرات المروحية التي تتولى الهند تجميعها وتقديمها إلى نيبال). وعلى الرغم من استجابة بعض الحكومات إلى هذه المناشدة بإيقاف الإمدادات العسكرية، واصلت الصين تقديم الأسلحة والذخيرة إلى نيبال.
وأدى العجز عن التصدي لمظاهر الظلم الواضحة، والإفلات من العقاب، والسيطرة على انتشار الأسلحة، إلى استمرار العنف وانعدام الأمن في بلدان كثيرة تحاول الخروج من لُجَّة العنف، بل كثيراً ما تبدَّى الافتقار إلى الإرادة السياسية والصرامة اللازمة لضمان احترام الاتفاقات والتنفيذ الدقيق لها حتى في البلدان التي شهدت الاتفاق على اتخاذ خطوات على طريق السلام.
وفي أفغانستان، استمرت ظواهر غياب القانون وانعدام الأمن وأعمال الاضطهاد، والتي يكابدها الملايين من الأفغانيين في حياتهم. فقد كان زعماء الفصائل، الذين يُشتبه في أن كثيرين منهم ارتكبوا جرائم جسيمة ضد حقوق الإنسان في السنوات السابقة، يمسكون بزمام السلطة العامة بعيداً عن سيطرة الحكومة المركزية. وأدى غياب سيادة القانون إلى حرمان الكثيرين من ضحايا حقوق الإنسان من الإنصاف، وكان جهاز العدالة الجنائية شبه عاجز عن العمل. كما سقط آلاف القتلى المدنيين في هجمات شنتها قوات الولايات المتحدة وحلفائها، والجماعات المسلحة.
وشهدت ساحل العاج انهياراً فاجعاً في الاقتصاد أدى إلى نشوب صراع في البلد الذي كان يُعتبر إلى عهد قريب من أكثر البلدان استقراراً في غرب إفريقيا. وساهمت سهولة الحصول على الأسلحة في وقوع انتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار، وإلى الصراع بين الجماعات العرقية في غربي البلد، وإلى ظهور نزعة كراهية الأجانب، واستمرار استخدام الأطفال كجنود. وعلى الرغم من جهود الاتحاد الإفريقي لإعادة السلام والأمن إلى ربوع البلاد، فإن عملية نزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة اندماجهم في المجتمع ظلت مجمدة. وفي أكتوبر/تشرين الأول، نشرت منظمة العفو الدولية على الملأ أنباء انتشار الأسلحة الصغيرة، وإعادة توزيعها، واحتمال عقد صفقات شحنات سلاح جديدة موجهة إلى طرفي في الصراع معاً، على الرغم من الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على توريد السلاح.
وفي عديد من البلدان التي انتهى فيها الصراع، سادت تقاليد الإفلات من العقاب، أي عدم إحالة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة، مما أدى إلى استمرار دورات العنف. ففي سري لنكا، على سبيل المثال، تدهورت أوضاع الأمن في عام 2005 بسبب تقاعس الحكومة والمعارضة المسلحة عن إنجاح ضمانات حقوق الإنسان الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار. وقد تفاقمت حالات التوتر الناجمة عن ندرة الموارد بسبب النزوح الداخلي الناشئ من الصراع ومن موجة المد البحري (تسونامي).
وقد يستمر الكفاح للتغلب على الإفلات من العقاب عقوداً طويلة بل وأجيالاً متعاقبة. فقد أصرت الناجيات من محنة الاسترقاق الجنسي العسكري في اليابان إبان الحرب العالمية الثانية، واللائي يُطلق عليهن اسم “نساء الترفيه”، على الإقرار بمحنتهن وإنصافهن لمدة زادت على نصف قرن، وإن كان عددهن يتضاءل على مر الزمن. ولكن الحكومة اليابانية رفضت من جديد في عام 2005 قبول المسؤولية عن ذلك، أو الاعتذار رسمياً، أو تقديم تعويض رسمي عن المعاناة التي كابدتها آلاف النساء.
ومع ذلك، فقد كانت هناك بعض الجوانب الاستثنائية في تلك الصورة القائمة بوجه عام، منها إجراء الانتخابات في بعض البلدان التي انتهى فيها الصراع. فقد أدت زيادة الاستقرار في سيراليون إلى رحيل قوات الأمم المتحدة من البلاد. وأفرجت “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وساحل الذهب” (المعروفة اختصاراً باسم “جبهة البوليساريو”)، التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية، عن 404 عن أسرى الحرب المغاربة الذين ظلوا محتجزين ما يربو على عقدين، على الرغم من التوقف الرسمي للعمليات العسكرية منذ 14 سنة. وخطت جهود التغلب على الإفلات من العقاب خطوة أخرى حين لاح أمل تقديم قادة “جيش الرب للمقاومة”، المتهمين بارتكاب جرائم حرب في شمالي أوغندا، إلى “المحكمة الجنائية الدولية”.
دافع الخوف: من وراء المعاناة بسبب الهوية
كان طمس الحدود الثقافية، والذي كثيراً ما يرتبط في الأذهان بالعولمة، أبعد ما يكون عن قهر الانقسامات العميقة القائمة على الهوية، بل لقد صاحبه استمرار نزعات العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب، بل وزيادة ذلك كله، في رأي البعض. فعلى امتداد العالم كله، تعرض أشخاص للعدوان وللحرمان من حقوقهم الإنسانية الأساسية، بسبب النوع، والجنس، والانتماء العرقي، والدين، والميل الجنسي، وغير ذلك من الجوانب المماثلة للهوية، أو بسبب مجموعات من هذه الهويات.
وفي سياق “الحرب على الإرهاب”، شهد عام 2005 استمرار الاستقطاب على أسس الهوية في عالم يزداد فيع التعصب والخوف، وأصبح الكثيرون أهدافاً لسهام التمييز والعنف بسبب هويتهم. وكان المسلمون، ومن يُعرفون بأنهم مسلمون، وأفراد الأقليات الأخرى، والمهاجرون، واللاجئون، من بين الضحايا. وقال بعض أبناء الجاليات المسلمة في أوروبا وغيرها إنهم يشعرون بأنهم محاصرون: فهم يخافون تفجير القنابل ويكرهونه، ولكنهم يشعرون كذلك بازدياد العنصرية، وهو ما تتبناه إلى حد ما بعض الحكومات وأجهزة الإعلام التي تربط بشكل عام بين “الخطر الإرهابي” من جهة و”الأجانب” و”المسلمين” من جهة أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، يعاني الكثيرون من تدابير مكافحة الإرهاب التي تقوم على التمييز، في القانون وفي الواقع العملي، إذ استمر تصوير الشباب الذكور من المسلمين في صورة “النماذج الإرهابية”.
وفي سياق جهودها لتأكيد قدرتها على مقاومة التحديات الموجهة إلى سلطتها، عمدت النظم القمعية إلى استهداف الأقليات العرقية أو الدينية. وكان من أبرز الأمثلة الصارخة على ذلك معاملة الجماعات الكردية في سوريا وإيران، إذ ورد أن قرابة 21 شخصاً قد قُتلوا، وأُصيب العشرات، وقُبض على ما لا يقل عن 190 شخصاً في غضون الانقضاض الوحشي على القلاقل المدنية التي نشبت في المناطق الكردية في غربي إيران اعتباراً من يوليو/تموز، وكانت إجراءات القبض الجماعي والإفراط في استعمال القوة ضد المتظاهرين في المناطق الكردية بمثابة جانب من جوانب نمط الإيذاء الذي تتعرض له الأقليات العرقية في إيران، حيث يشكل الفُرس زهاء نصف سكان إيران، بينما يتكون النصف الباقي من جماعات عرقية أخرى، من بينها الأكراد والعرب والترك الآذريين.
وفي سوريا أيضاً، استمر الأكراد يعانون من التمييز بسبب الهوية، وتمثل ذلك في القيود المفروضة على استعمال اللغة الكردية والثقافة الكردية، وما زال عشرات الآلاف من الأكراد السوريين بلا جنسية في الواقع، وقد حرموا بناءً على ذلك من التمتع الكامل بالتعليم والخدمات الصحية، والتوظف، إلى جانب عدم الحق في التمتع بجنسية أي بلد. ومع ذلك، أمر “حزب البعث” الحاكم، في أول مؤتمر يعقده منذ عشر سنوات، في يونيو/حزيران، بإعادة النظر في تعداد السكان الذي أُجرى عام 1962، وهو ما قد يؤدي إلى منح الجنسية السورية إلى الأكراد غير الحاملين لأي جنسية.
وكان أصحاب الآراء المعارضة للآراء الدينية السائدة يُعاقبون عقاباً قاسياً في بعض البلـدان. ففي مصر، ظل متولي إبراهيم متولي صالح رهن الاحتجاز الإداري بسبب آرائه العلمية الخاصة بالارتداد عن الدين وزواج المسلمات من غير المسلمين، وذلك على الرغم من صدور الحكم لصالحه سبع مرات على الأقل من جانب محكمة أمن الدولة العليا (طوارئ). وفي باكستان، حيث تنص “قوانين التجديف” في الدين على أن ممارسة طائفة الأحمدية لشعائرها تمثل جريمة جنائية، كانت تحقيقات الشرطة في مقتل بعض الأحمديين بطيئة، أو لم يتم إجراء تحقيقات أصلاً. ففي حادثة واحدة فقط، في أكتوبر/تشرين الأول، قُتل ثمانية من الأحمديين وجُرح 22 آخرون في مسجدهم، وذلك برصاص أشخاص يستقلون دراجة بخارية مسرعة. وبعد ذلك بقليل، ألقت الشرطة القبض على 18 رجلاً لكنها أفرجت عنهم دون توجيه تهم لهم. وفي الصين، ظلت القيود الشديدة مفروضة على ممارسة الشعائر الدينية خارج القنوات الرسمية. ففي مارس/آذار، أصدرت السلطات توجيهاً جديداً يهدف إلى تعزيز السيطرة الرسمية على الأنشطة الدينية، وفي إبريل/نيسان، تجدد الانقضاض على حركة “فالون غونغ” الروحية. وقال أحد المسؤولين في بكين إنه ما دامت تلك الحركة قد أصبحت محظورة باعتبارها “منظمة مارقة”، فإن أي نشاط يرتبط بحركة “فالون غونغ” يُعتبر غير مشروع. وورد أن كثيرين ممن يمارسون شعائر “فالون غونغ” ظلوا رهن الاحتجاز، حيث يتعرضون التعذيب أو سوء المعاملة.
وفي إريتريا، حيث انقضت الحكومة على الكنائس المسيحية الإنجيلية في عام 2005، كان أكثر من 1750 من أتباع هذه الكنائس وعشرات المسلمين رهن الاحتجاز بسبب عقائدهم الدينية في نهاية العام، وهم محتجزون إلى أجل غير مسمى وبمعزل عن العالم الخارجي، دون تهمة أو محاكمة، وبعضهم في أماكن سرية. وتعرض كثيرون منهم للتعذيب أو سوء المعاملة، كما احتجزت أعداد كبيرة منهم في حاويات شحن معدنية أو في زنازين تحت الأرض.
وكان ما تعتبره السلطات افتقاراً إلى “النقاء” العرقي في تركمانستان ذريعة لها لحرمان بعض الأشخاص من التوظف والتعليم، حيث طُورد الكثيرون من ينتمون إلى الأقليات العرقية، مثل الأوزبكيين والروس والكازاخيين، من وظائفهم وحرموا من التعليم العالي. وتعرض أبناء الأقليات الدينية لخطر المضايقة، والاعتقال التعسفي، والسجن في أعقاب محاكمات جائرة، وسوء المعاملة. وفي عام 2005، صدقت لاتفيا على “إطار الاتفاقية لحماية الأقليات القومية” الصادرة عن مجلس أوروبا، ولكن تعريف الحكومة لمصطلح “الأقلية” يستثنى معظم أفراد الجالية الناطقة بالروسية من التأهل للاعتراف بهم كأقلية.
وظل السكان الأصليون في كثير من البلدان يُعتبرون طبقة متدنية، وكانوا من ضحايا انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان. وتحقق بعض التقدم خلال عام 2005 بخصوص المناقشات الخاصة بإصدار إعلان دولي عن حقوق السكان الأصليين، وهي المناقشات التي ظلت متجمدة لما يقرب من عقد كامل. وعلى المستوى الوطني، تجلى هذا التلكؤ الذي أبداه المجتمع الدولي في الاستجابة لحاجة السكان الأصليين الماسة للاعتراف بحقوقهم وحمايتها. ففي البرازيل، على سبيل المثال، كانت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة من ترسيم حدود أراضي السكان الأصليين والمصادقة عليها أبعد ما تكون عن الأهداف الموعودة. وقد ساهم ذلك في انعدام أمن المجتمعات المحلية الأصلية وتعرضها لاعتداءات اتسمت بالعنف، وإجلائها بالقوة، مما أدى إلى تفاقم الحرمان الاقتصادي والاجتماعي الذي كان شديد الوطأة أصلاً.
وقال “مقرر الأمم المتحدة الخاص المعنى بأوضاع حقوق الإنسان والحريات الأساسية للسكان الأصليين”، بعد زيارته لنيوزيلندا في عام 2005، إنه رأى تفاوتاً كبيراً، يزداد اتساعاً في بعض الحالات، بين أبناء طائفة “الماوري” وبقية السكان، وأضاف إن أفراد “الماوري” يرون أن هذه نتيجة لتركة الوعود التي لم تتحقق عبر الأجيال، والتهميش الاقتصادي، والنبذ الاجتماعي والتمييز الثقافي.
وفي الوقت الذي يشهد مستوى غير مسبوق من العولمة، حيث يجري تحطيم الحواجز التي تعوق حرية تدفق رأس المال والبضائع عبر الحدود، كان من المفارقات إخضاع تنقلات البشر عبر الحدود الوطنية للنظم التي تفوق في دقتها أية نظم سابقة. وأصبح العمال المهاجرون هدفاً للعدوان وسوء المعاملة بصفة خاصة، على الرغم من الفوائد التي تجنيها المجتمعات المضيفة من وجودهم. ويُقدر عدد المهاجرين الذين يقيمون ويعملون خارج بلدانهم الأصلية بنحو 200 مليون، وقد واجه كثيرون من العمال المهاجرين في شتى أنحاء العالم الاستغلال والإيذاء، من العمال الزراعيين البورميين في تايلند إلى العاملين والخادمات في الكويت. وكان هؤلاء العاملون عرضة للمعاملة السيئة على أيدي أصحاب العمل، ولا يتمتعون بأية حماية قانونية في كثير من الحالات وإلى حد يدعو للانزعاج، وفي الوقت نفسه لا يكادون يقدرون على اللجوء للعدالة. وكان العمال المهاجرون بصورة غير رسمية، ممن تتنبه السلطات لوجودهم، يتعرضون لخطر الاعتقال والطرد التعسفيين في ظروف تمثل انتهاكاً لحقوقهم الإنسانية.
واستمر التجاهل الصارخ لحقوق المهاجرين وطالبي اللجوء في منطقة البحر المتوسط، شأنها في ذلك شأن مناطق كثيرة في العالم. فقد اعترضت السلطات بعضاً من الآلاف الذين يحاولون دخول الجيبين الإسبانيين في سبتة ومليلة، على ساحل البحر المتوسط، وأعادتهم بالقوة إلى المغرب، كما اعتقلت القوات المغربية عدداً من المهاجرين وطالبي اللجوء الفارين من الفقر المدقع والقمع في البلدان الإفريقية جنوبيّ الصحراء الكبرى. وقد رُحل بعضهم إلى الجزائر، ونُقل البعض الآخر إلى مناطق صحراوية نائية على طول الحدود مع الجزائر وموريتانيا، وتُركوا هناك دون قدر يُذكر من الطعام أو دون طعام على الإطلاق ودون وسيلة انتقال. كما استمر احتجاز المهاجرين وطالبي اللجوء في إيطاليا واليونان، وكثيراً ما كان ذلك في ظروف بالغة السوء.
وقد رفضت معظم حكومات العالم الالتزام بتحسين أحوال حقوق المهاجرين. فبحلول ديسمبر/كانون الأول 2005، لم يكن عدد الدول التي صادقت على “الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم” قد تجاوز 34 دولة. وبحلول نهاية عام 2005، لم يكن قد تقدم بتقرير إلى “اللجنة المعنية بالعمال المهاجرين” التابعة للأمم المتحدة إلا دولتان من بين الدول العشرين التي التزمت بتقديم مثل هذا التقرير.
وكثيراً ما كانت الاتفاقات الثنائية المعقودة بين البلدان المُرسلة للمهاجرين والبلدان المستقبلة لهم تتجاهل حقوق الإنسان للمهاجرين، وتعامل البشر باعتبارهم سلعاً أو “مقدمي خدمات”، أو “وسائل تنمية”، بغض النظر عن مساهمات المهاجرين في المجتمعات المضيفة لهم وفي بلدانهم الأصلية. وركزت كثير من البلدان على الضوابط التي تفرضها على حدودها، بينما غضت الطرف عن استغلال المهاجرين، بما في ذلك العمال المهاجرون المستخدمين في الاقتصاد غير الرسمي. وكثيراً ما تعرضت المساهمات المهمة من جانب المهاجرين في مجتمعاتهم المضيفة للتعتيم في المناقشات العامة، التي اتسمت في كثير من الأحيان بالعنصرية الصريحة وكراهية الأجانب، مما شجع على إيجاد مناخ تتعرض فيه انتهاكات حقوق الإنسان ضد المهاجرين للتجاهل أو حتى للصفح عنها.
وكانت المهاجرات عرضةً بصفة خاصة لخطر طائفة بعينها من انتهاكات حقوق الإنسان بسبب النوع. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، حكمت إحدى المحاكم الشرعية على خادمة أجنبية بالجلد 150 جلدة لأنها حملت دون زواج. ولم تقتصر معاناة كثيرات من العاملات المهاجرات على الاستغلال الجنسي من جانب المهربين وأصحاب العمل، بل عانين أيضاً من التمييز المنظم في البلد الذي يعملن فيه. فعلى سبيل المثال، تعرضت امرأة هندية تعمل في الكويت الاغتصاب والحمل، فزُج بها في السجن بعد وضع مولودها، ولم يُسمح لها بمغادرة البلد دون موافقة والد الطفل.
واستمر التمييز والعنف بسبب النوع في جميع بلدان العالم، على نحو ما سجلته منظمة العفو الدولية في تقاريرها الرئيسية الصادرة في غضون عام 2005، في إطار حملتها العالمية تحت شعار “”أوقفوا العنف ضد المرأة”. ففي نيجيريا، تعرضت فتيات ونساء للضرب حتى فقدن البصر، أو لرش الكيروسين عليهن ثم إشعال النار فيهن، أو للحبس لأنهن أبلغن عن تعرضهن للاغتصاب، بل وللقتل لأنهن تجاسرن فأبلغن السلطات بأن أزواجهن يهددوهن بالقتل. وقد أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن العنف في محيط الأسرة في إسبانيا، حللت فيه العقبات التي تصادفها المرأة حين تحاول الهروب من علاقة تنطوي على الإيذاء. وبصفة خاصة كانت المهاجرات، أو النساء من طائفة “الروما” (الغجر)، والمصابات بإعاقات بدنية أو نفسية، نادراً ما يستطعن الوصول إلى دور الإيواء الخاصة أو الانتفاع بالمعونة المالية المخصصة للناجيات من أعمال العنف ضد المرأة.
وعلى مدار عام 2005، ناضلت منظمة العفو الدولية في سبيل حقوق المرأة التي يتجاهلها نظام القضاء الجنائي. ولم تلق مئات من حالات النساء اللاتي اختُطفن وقُتلن في غواتيمالا الاهتمام الكافي من السلطات، وقالت الحكومة نفسها إن 40 بالمئة من الحالات كان مصيرها الحفظ ولم يجر التحقيق فيها مطلقاً. وكان مثل هذا التقاعس الرسمي بمثابة إشارة بالغة القوة إلى الذين يرتكبون هذه الجرائم بأن بوسعهم ارتكابها وهم بمنجاة من العقاب.
وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذت في سبيل زيادة الاعتراف القانوني بحقوق ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر في بعض البلدان، فقد ظل هؤلاء يواجهون التمييز والعنف على نطاق واسع، وكثيراً ما كان المسؤولون يباركون ذلك. فقد حاولت السلطات في لاتفيا حظر أول مسيرة لذوي الميول الجنسية المثلية للاحتفاء بالكفاح في سبيل حقوق ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر. وكان من شأن الملاحظات التي تعبر عن كراهية الميول الجنسية المثلية، التي أبداها رئيس وزراء لاتفيا وغيره من كبار الشخصيات الذين شاركوا مع الزعماء الدينيين في معارضة المسيرة، أن تشجع على انتشار جو التعصب والكراهية، حسبما ورد. وفي المملكة العربية السعودية، صدرت أحكام بالجلد والسجن على 35 رجلاً بسبب حضورهم ما وُصف بأنه “حفل زفاف بين شواذ”. ونشرت منظمة العفو الدولية تقريراً رئيسياً عن الولايات المتحدة يتضمن نتائج بحوثها التي انتهت إلى أن ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر كانوا هدفاً لانتهاكات حقوق الإنسان على أيدي الشرطة. وأدى التمييز ضدهم إلى فرض قيود كبيرة على انتفاعهم بالمساواة في الحماية في ظل القانون وبالانتصاف لأنفسهم من الانتهاكات. وفي حديث مع منظمة العفو الدولية، قال رجل من ذوي الميول الجنسية المثلية، يبلغ من العمر 60 عاماً وكان قد قبض عليه في مدينة سانت لويس بولاية ميسوري:
“لم أرتكب أي خطأ… لم ألحق أذى بأي أحد، لكنني استُهدفت فحسب لكوني رجلاً مثلياً في حديقة المدينة… ليس ثمة ظلم أفدح من اختيار فئة بعينها واعتبار أفرادها مجرمين دون أن يكونوا كذلك”.
ولا شك أن حرمان شخص ما من حقوقه بسبب خصيصة لا يستطيع تغييرها أو تُعتبر أساسية في كيانه إلى الحد الذي لا ينبغي أن يُرغم معه على تغييرها، مثل الانتماء العنصري، أوالدين، أو النوع، أو الميل الجنسي، يعني الطعن في المنطلق الأساسي لحقوق الإنسان، أي الاعتقاد بأن جميع البشر متساوون في الكرامة والقيمة.
فقراء ومنبوذون وبعيدون عن الأنظار
في غضون عام 2005، أصبح التزام المجتمع الدولي بتحقيق شعار “طي صفحة الفقر إلى الأبد” يشغل بشكل متنام موقعاً متقدماً في قائمة الاهتمامات الدولية. ولكن، إذا كان قادة الحكومات قد أعلنوا التزامهم بتخفيف حدة الفقر، وخاصةً في إفريقيا، فقد تضاءلت أو تلاشت آفاق تحقيق معظم الغايات المحددة في إطار “أهداف الألفية للتنمية”، التي وضعتها الأمم المتحدة وترمي إلى تحقيقها على مدى 15 عاماً. فقد انقضى العام دون تحقيق أول الأهداف التي حُدِّدت لها تواريخ معينة، وهو المساواة بين الجنسين في التعليم الأولى، دون احتجاج يذكر من جانب المجتمع الدولي، أو دون أي احتجاج على الإطلاق. واتسم العام بزيادة التصريحات الصادرة فيه عن الالتزام الحقيقي بالعمل، وبعدم الاهتمام الكافي بإقامة الاستراتيجيات على مبادئ حقوق الإنسان.
ولا يُعتبر قيام الدول بالعمل على تخفيف حدة الفقر والحرمان على مستوى العالم من الكماليات الاختيارية، بل إنه التزام دولي. وقد شهد عام 2005 أحد معايير عدم وفاء الدول بهذا الالتزام، حيث وصل الإنتاج الاقتصادي العالمي إلى أعلى مستوى له على مر التاريخ، بينما كان ما يربو على 800 مليون شخص في شتى أنحاء العالم يعانون من سوء التغذية المزمن، وتُوفي ما لا يقل عن 10 ملايين طفل دون سن الخامسة، ولم يتمكن ما يزيد عن 100 مليون طفل (معظمهم من الإناث) من الالتحاق حتى بالتعليم الأولي.
وكانت النتائج المخيبة للآمال التي تمخض عنها مؤتمر القمة العالمي، الذي عقدته الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، دليلاً واضحاً على الفجوة التي تفصل الطنطنة السياسية عن الالتزام الحقيقي. فقد أعاق عدد صغير من الدول الجهود المبذولة لتحقيق تقدم يُعتد به في مجالات حقوق الإنسان، والأمن، والإبادة الجماعية والحد من الفقر. وكان على المندوبين أن يبذلوا جهوداً جبارة للحفاظ على الالتزامات التي سبق الإفصاح عنها، إلى الحد الذي لم يُتح لهم الوقت الكافي لمناقشة تنفيذ وثيقة نتائج المؤتمر، وهي إعلان سياسي أعربت فيه الحكومات عن تعهدات سياسية في مجالات أربعة وهي التنمية، والسلام والأمن، وحقوق الإنسان، وإصلاح الأمم المتحدة.
وكان عدم إحراز تقدم في مجال تحقيق “أهداف الألفية للتنمية” يمثل صدمةً كبيرةً، نظراً لأن بعض تلك الأهداف وضعت مستويات للإنجاز المتوقع أدنى من المستويات التي لا بد على الدول أن تلبيها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. فلو تحقق، على سبيل المثال، هدف تخفيض الفقر إلى النصف لزاد إلى حد كبير متوسط العمر المتوقع والمستوى الصحي والكرامة الإنسانية. ومع ذلك، فإن الدول التي صادقت على “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، ويبلغ عددها 152 دولة، قد التزمت، على أقل تقدير، باتخاذ الإجراءات اللازمة لتخفيف حدة الجوع وكسر شوكته لجميع السكان، حتى في أوقات الكوارث الطبيعية أو غيرها من الكوارث.
وإذا كان الفقر العالمي قد صعد إلى مكانة متقدمة على قائمة الاهتمامات العالمية خلال عام 2005، فقد كشف ذلك العام أيضاً عن أوجه التفاوت الاقتصادي والاجتماعي الشديد حتى في أغني البلدان. وقد صدمت عواقب إعصار كاترينا الكثيرين في شتى أنحاء العالم لأنها أماطت اللثام عن موطن ضعف الولايات المتحدة، ذات أقوى اقتصادي عالمي،وهو الذي يتمثل في الحرمان وجوانب التفاوت العنصري والفقر.
وأدت أحداث الشغب في فرنسا إلى لفت الأنظار إلى التفاوت الاجتماعي والتمييز اللذين استمرا عقوداً ضد المهاجرين والمواطنين الفرنسيين ذوي الأصول الإفريقية. وتمثل رد الحكومة في إعلان حالة الطوارئ، وفرض حظر التجول، والسماح للموظفين المكلفين بتنفيذ القانون بالقيام بالتفتيش دون إذن قضائي، وإغلاق جميع أماكن الاجتماعات العامة مهما تكن، وفرض “الإقامة الجبرية” على بعض الأشخاص في منازلهم. كما أعلنت الحكومة اعتزامها طرد المهاجرين الذين أُدينوا أثناء أحداث الشغب، بغض النظر عما إذا كانوا يتمتعون بالحق المشروع في الإقامة في فرنسا.
وظل الكثيرون عاجزين عن الحصول حتى على أدنى مستويات الغذاء والماء والتعليم والرعاية الصحية والإسكان في جميع البلدان على اختلاف نظمها السياسية ومستويات التنمية فيها. ولا يمكن أن يُعزى وجود الحرمان في وسط الوفرة إلى نقص الموارد وحده، بل إنه نشأ من عدم رغبة الحكومات وغيرها في علاجه، ومن الفساد الدائب فيها، ومن إهمالها، وما تبديه من تمييز، وكذلك من عدم احترامها وحمايتها وتلبيتها للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
فعلى سبيل المثال، عجز ملايين المصابين بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) أو الفيروس المسبب له عن الحصول على حقهم في الرعاية الصحية، لا بسبب الفقر فقط بل بسبب التمييز والوصمة الاجتماعية والعنف ضد المرأة، والاتفاقات التجارية واتفاقات براءات الاختراع التي تعوق الحصول على العقاقير الكفيلة بإنقاذ الحياة. وخلال عام 2005، لم يحصل على العقاقير المضادة للارتجاع الفيروسي في البلدان النامية إلا أقل من 15 بالمئة ممن يحتاجون هذا العلاج، وهو الأمر الذي يشهد لا على تقاعس الحكومات فحسب بل أيضاً على تقاعس الهيئات الحكومية الدولية والشركات عن الوفاء بمسؤولياتها المشتركة عن حقوق الإنسان.
وأدى التقاعس عن تعزيز حقوق الإنسان في اقتصاد العولمة إلى إبراز المناقشة حول المسؤوليات التي تتحملها الشركات والمؤسسات المالية عن حقوق الإنسان. وقد خطت جهود وضع مبادئ حقوق الإنسان التي تنطبق على الشركات خطوة أخرى إلى الأمام في عام 2005، عندما قام الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين ممثل خاص له معنى بحقوق الإنسان والشركات المتعددة الجنسية وغيرها من الشركات التجارية. وقد دارت مناقشة حول وثيقة الأمم المتحدة الخاصة بمعايير حقوق الإنسان في مجال التجارة، وتحقق المزيد من التقدم نحو قبول الشركات لمدونات لقواعد السلوك تُطبق طوعياً. ومع ذلك، فما زالت هناك حاجة إلى مواثيق عالمية مشتركة لما تلتزم به الشركات إزاء حقوق الإنسان والمساءلة القانونية.
وعلى امتداد العالم كله، كانت هناك حالات لا تُحصى تؤكد كيف يمكن أن يكون الفقر انتهاكاً مضاعفاً لحقوق الإنسان، المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكيف يرتبط الفقر بالتهميش وبالتعرض للعنف ارتباطاً محتوماً في حالات كثيرة.
ففي البرازيل، حيث يعيش الملايين في مدن الصفيح، كان من شأن استمرار تقاعس الحكومة عن التصدي للمستويات المنتظمة للعنف الإجرامي وانتهاكات حقوق الإنسان على أيدي الشرطة أن يعزز أنماط النبذ الاجتماعي. وأدى إصرار الدولة على إهمال الأمن العام في مدن الصفيح إلى ارتفاع معدلات القتل حتى أصبحت من أعلى المعدلات في العالم، بل وتسبب أيضاً، من الناحية الفعلية، في دفع مجتمعات بأكملها إلى هوة الجريمة، وهو الأمر الذي حد بشكل كبير من فرص الانتفاع بالخدمات العامة، وهي الهزيلة أصلاً، مثل التعليم والرعاية الصحية والتوظف. فعلى سبيل المثال، لم يكن الكثيرون من سكان مدن الصفيح يستطيعون الحصول على عمل حين يذكرون عنوان إقامتهم الحقيقي، إذ كانوا يُعتبرون على نطاق واسع في عداد المجرمين. كما كان العنف المسلح يمثل عنصراً لا مفر منه من عناصر الحياة اليومية، إما على أيدي عصابات المخدرات أو الشرطة أو “فرق الإعدام” في لجان الأمن الأهلية. وقد اتبعت الشرطة سياسة شن حملات شبه عسكرية على مدن الصفيح؛ لكنها فشلت في السيطرة على العنف بل وعرَّضت للخطر أرواح بعض أشد المستضعفين في المجتمع. وفي أكتوبر/تشرين الأول، أُجري استفتاء حول فرض حظر شامل على بيع الأسلحة النارية في البرازيل، لكن نتيجته كانت سلبية. وعزا بعض المحللين هذه النتيجة إلى يأس الناس من الأوضاع الأمنية، وعدم إيمانهم بقدرة الشرطة على حمايتهم.
وشهدت هايتي مستويات عالية من أحداث العنف، وخاصةً العنف الجنسي، على أيدي الجماعات المسلحة ولجان الأمن الأهلية ضد النساء في المجتمعات المحلية الفقيرة. وتعرضت بعض النساء بصفة مستمرة لخطر الاعتداء عليهن. ونظراً لشدة انخفاض معدل إدانة مرتكبي أحداث العنف الجنسي، وعدم توافر المؤازرة الرسمية أو الاجتماعية أو الأسرية للعمل على تحديد مرتكبيها والتحقيق معهم، لم يكن مستغرباً إحجام هؤلاء الضحايا عن السعي لتحقيق العدالة. وعادةً ما كان الموظفون المكلفون بتنفيذ القانون يتقاعسون عن حماية هؤلاء النسوة أو مساعدتهن في اللجوء إلى العدالة.
وفي كثير من الأحيان، حُرم أفراد طائفة “الروما” في شتى أرجاء أوروبا من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأساسية، مثل الحصول على التعليم والخدمات الصحية، وكثيراً ما تعرضوا للإيذاء على أيدي الشرطة. ففي سلوفينيا، شكل أبناء “الروما” نسبة كبيرة من السكان الذين حُذفت أسماؤهم دون وجه حق من السجلات السلوفينية للمقيمين الدائمين في عام 1992، ويُطلق عليهم اسم “المحذوفين”، ومن ثم عجزوا عن الانتفاع بالخدمات الاجتماعية الأساسية.
وكثيراً وُجهت انتقادات إلى المجتمع الدولي بسبب التقاعس عن تقديم المساعدة في الوقت المناسب وبالمستوى اللازم لمن يحتاجون إليها بصورة عاجلة، سواء بسبب الكوارث الطبيعية أو الأزمات الإنسانية. ومع ذلك، فقد تعرضت الجهود الإنسانية في بعض البلدان لعراقيل من جانب حكومات عاجزة أو عازفة عن تلبية حاجات الفقراء والمهمشين في بلدها نفسه. ففي زمبابوي، وعلى الرغم من الأدلة الدامعة على الحاجة الإنسانية للسكان، أعاقت الحكومة مراراً الجهود الإنسانية التي تبذلها الأمم المتحدة وهيئات المجتمع المدني، وذلك لأسباب سياسية. وكانت الآثار المترتبة على السياسات الحكومية من بين العوامل الرئيسية وراء الحاجة إلى الدعم الخارجي: حيث تعرض مئات الآلاف للطرد قسراً من بيوتهم، وفقد عشرات الآلاف مصادر أرزاقهم والقدرة على إعالة أسرهم.
وشهد عام 2005 بعض الخطوات الإيجابية على طريق زيادة الاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على المستويين الوطني والدولي. ومن ذلك قرار مهم أصدرته “محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان” في القضية التي رفعتها فتاتان من أصل هايتي، هما ديليشيا يين وفيوليتا بوسيكو، ضد الجمهورية الدومينيكية التي حرمتهما من الالتحاق بالتعليم بسبب جنسيتهما. كما اتخذت الأمم المتحدة بعض الخطوات على طريق إنشاء آلية تابعة لها لتلقي الشكاوى المتعلقة بانتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن شأن هذه الآلية أن تساعد في وضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على قدم المساواة مع الحقوق المدنية والسياسية، وبهذا تضع حداً لهذا التصنيف التعسفي لحقوق الإنسان. ومن شأنها كذلك أن توجه ضربة للإفلات من العقاب لمرتكبي انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن تفتح سبيلاً، هناك حاجة ماسة له، لتمكين الضحايا من المطالبة بالإنصاف.
الخاتمة
ترى منظمة العفو الدولية أن الأمن الحقيقي للبشر يعني تلبية جميع الحقوق، مدنية كانت أو ثقافية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، إذ يرتبط بعضها بالبعض الآخر ولا يمكن تجزئتها، ومن ثم لا يجوز لأية سياسة أنية أن تتجاهل بُعْداً واحداً من أبعادها. ولن يستطيع البشر تحقيق الازدهار وتحقيق طاقاتهم الكامنة إلا إذا توفر الأمن لهم في جميع جوانب حياتهم، وهكذا فإن أمن البشر يعتمد على احترام وحماية وتلبية جميع أشكال حقوق الإنسان التي يعتمد بعضها على بعض.
ويبين هذا التقرير أن أمن البشر، إذا ما فُهم على هذا النحو، قد وقع في كثير من الأحيان ضحية لإستراتيجيات الأمن الوطنية لدى أقوى حكومات العالم، ومن اكتسبوا الجرأة من اتباع نموذجها. ولن يتسنى الحفاظ على أمننا الجماعي كبشر من خلال أمثال تلك المناهج، التي تتركز في الدولة وتقدم تعريفاً ضيقاً للأمن، بل إنه يتطلب رؤية أشمل لما يعنيه الأمن، كما تتطلب إحساساً جماعياً بالمسؤولية المشتركة عن حمايته، داخل حدود الدول وخارجها.
ما الذي تفعله منظمة العفو الدولية
FACTS HERE
تغطية الأحداث التي وقعت خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2005
HEADING LINKS HERE
تسعى منظمة العفو الدولية من أجل حشد النشطاء المتطوعين، وهم أناس يبذلون قسطاً من وقتهم وجهدهم بلا مقابل، تضامناً مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. وفي الإحصاء الأخير الذي قامت به المنظمة، كان هناك ما يربو على مليون و800 ألف عضو ومؤيد ومشترك في أكثر من 150 بلداً ومنطقة. وتعتمد المنظمة في تمويلها أساساً على أعضائها في مختلف أنحاء العالم وعلى تبرعات الجمهور.
وينتمي أعضاء منظمة العفو الدولية، رجالاً ونساءً وأطفالاً، إلى مختلف الخلفيات الثقافية والاجتماعية، وتتفاوت معتقداتهم السياسية والدينية تفاوتاً كبيراً، ولكنهم متحدون في تصميمهم على العمل من أجل عالم يتمتع فيه كل فرد بحقوقه الإنسانية. وينتظم أعضاء منظمة العفو الدولية في مجموعات، في المجتمعات المحلية والمدارس والجامعات. كما يشارك آخرون في الشبكات العاملة بشأن بلدان أو موضوعات معينة، أو يتبنون أسلوباً بعينه من الأساليب النضالية.
وتتكون شبكة التحرك العاجل في منظمة العفو الدولية من آلاف من أعضاء المنظمة في جميع أنحاء العالم، ممن يبادرون بالتحرك على وجه السرعة رداً على مخاطر الإعدام، أو القتل، أو التعذيب أو المعاملة السيئة. وقد أدلى كثير من السجناء ودعاة حقوق الإنسان وغيرهم ممن واجهوا مثل هذه المخاطر بشهادات تبين أثر أسلوب التحرك العاجل، الذي يُعد واحداً من أكثر أساليب عمل المنظمة فاعليةً وثباتاً، إذ ساهم في تحقيق تحسن في ما يقرب من نصف حالات المناشدة.
ومن خلال مجموعة متنوعة من الأساليب النضالية، يعمل أعضاء منظمة العفو الدولية على مناقشة قضايا حقوق الإنسان مع الحكومات والشركات، ويرسلون المناشدات، ويجمعون التوقيعات على الالتماسات، ويُسمعون العالم أصواتهم من خلال الاحتجاجات على الانتهاكات سواء في بلدانهم أو في بلدان أخرى. ويسعى أعضاء المنظمة إلى رفع الوعي بمبادئ حقوق الإنسان من خلال إتاحة منابر لدعاة حقوق الإنسان من شتى أرجاء المعمورة؛ وتنظيم حفلات موسيقية وغيرها من الأنشطة الفنية؛ وتنظيم برامج تعليمية في المدارس والمجتمعات المحلية؛ وتقديم برامج تدريبية في مجال حقوق الإنسان للعاملين في مجال القضاء الجنائي.
وفي غضون عام2004، ناضل أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها من أجل وقف العنف ضد المرأة، ومن أجل وضع ضوابط لتجارة الأسلحة في العالم، واستئصال شأفة التعذيب في سياق “الحرب على الإرهاب”.
وخلال المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي عُقد في البرازيل في يناير/كانون الثاني، شارك نشطاء منظمة العفو الدولية، مع غيرهم من نشطاء المنظمات غير الحكومية والحركات الشعبية، في المطالبة ببناء عالم أفضل. وقد تناول المنتدى قضايا عدة، من بينها النضال الاجتماعي والبدائل الديمقراطية؛ والحد من التسلح والنزعة العسكرية؛ والاستقلال الاقتصادي، وحقوق الإنسان والعيش بكرامة. وتعاون مندوبو منظمة العفو الدولية مع النشطاء والجماعات الأخرى في المنتدى في تنظيم ندوات عن المدافعات عن حقوق الإنسان وعن صنوف الإيذاء الجسدي، وحثوا الجمهور على الانضمام إلى “حملة الحد من الأسلحة”.
وما برحت قوة النضال الذي تخوضه منظمة العفو الدولية تكمن بالأساس في عزيمة الأفراد الذين لا يدخرون وسعاً في التضامن مع أولئك الذين تتهددهم المخاطر. وقد احتفلت فروع المنظمة وأعضائها في 35 بلداً بذكرى “اليوم العالمي لحقوق الإنسان”، في 10 ديسمبر/كانون الأول، وذلك بإرسال ما يزيد عن 80 ألف مناشدة في إطار “الحملة العالمية لكتابة المناشدات”، وهي حملة سنوية بدأها الفرع البولندي للمنظمة في عام 2001. ففي كل عام، يحشد أنصار منظمة العفو الدولية جهودهم معاً لتوجيه رسائل بريدية ورسائل بالبريد الإلكتروني والفاكس إلى حكومات العالم، مطالبين بتخفيف أحكام الإعدام، ووقف التعذيب، وإطلاق سراح سجناء الرأي وتوفير الحماية للآخرين من انتهاكات شتى لحقوق الإنسان. ويشارك البعض في هذه الحملة لبضع دقائق فحسب، بينما يستمر البعض الآخر في إرسال المناشدات على مدى 24 ساعة. وشيئاً فشيئاً، بدأ عدد متزايد من فروع المنظمة يجد في هذه الحملة أداة فعالة لجذب أنصار جدد.
وفي ديسمبر/كانون الأول، بدأت منظمة العفو الدولية حملة تحت شعار “انشدوا أغنية ما”، وهي مزيج من الحفلات الموسيقية والاحتفالات والتحركات لتأييد العمل الذي تنهض به المنظمة. وبفضل الهدية القيمة التي قدمتها السيدة يوكو أونو، أرملة المغني الشهير جون لينون، التي تبرعت لمنظمة العفو الدولية بحقوق تسجيل أغنية “تخيل” وأغاني لينون المنفردة، أصبح بمقدور المنظمة أن تستعين بقوة الموسيقي في شحذ همم الأجيال الجديدة على الدفاع عن حقوق الإنسان. وقد سُجلت هذه الأغاني القديمة عن الظلم والجوع والحروب، والتي ما زالت حية ومؤثرة اليوم كما كانت بالأمس، ودأب موسيقيون عالميون على وضع تفسيرات جديدة لها، وأصبحت متاحة الآن لمن يرغب في تسجيلها لمدة عام من خلال الموقع التالي على شبكة الإنترنت: (www.amnesty.org/noise). وفي عام 2005، ركزت هذه الحملة على وضع ضوابط أكثر إحكاماً لتجارة السلاح في العالم.
وأياً ما تكون القضية التي تحظى بالاهتمام، فإن الأنشطة التي ينهض بها أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها والعاملون فيها ترمي إلى مد يد العون إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ومن يدافعون عنهم، وكذلك إلى التأثير في من بيدهم مقاليد السلطة من أجل تغيير الأوضاع الجائرة.
التعذيب و”الحرب على الإرهاب”
تعرض الحظر العالمي على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة للطعن والاستخفاف من جانب حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الحكومات. وإزاء هذا الخطر، تصدت منظمة العفو الدولية للمقولات التي يتذرع بها من يسعون إلى تبرير أساليب استجواب وحشية، ومحرمة منذ زمن طويل، في ظروف معينة في سياق “الحرب على الإرهاب”. وفي التقرير الصادر بعنوان: ” قسوة ولا إنسانية وإهانة لنا جميعاً- أوقفوا التعذيب وسوء المعاملة في ‘الحرب على الإرهاب “” (رقم الوثيقة: ACT 40/010/2005)، تفند المنظمة حجج تلك الحكومات التي تدعي أنها لم تعد مُلزَمةً، في مواجهة التهديدات الإرهابية، بالتقيِّد بمعايير حقوق الإنسان التي سبق أن وافقت عليها. وقد سبق للحكومات في مختلف أنحاء العالم أن أقرت منذ سنوات طويلة مضت بأن التعذيب وغيره من صور المعاملة السيئة هو من الممارسات الخاطئة في كل الأحوال، كما سبق لها أن سجلت في أحكام القانون الدولي أنه لا يمكن تبرير استخدام هذه الأساليب تحت أي ظرف من الظروف.
وبالرغم من مرور أكثر من عام على كشف النقاب عن فضيحة سجن أبو غريب في العراق، فما زالت هذه الأوضاع على ما هي عليه، إذ تنتشر مثل هذه المعاملة في مركز الاحتجاز الأمريكية في أفغانستان والعراق وخليج غوانتانامو وغيرها. وبالرغم من مرور أكثر من عام على الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الأمريكية، ويقضي بأن المحاكم الأمريكية لها صلاحية النظر في الطعون المقدمة من المعتقلين في خليج غوانتانامو، فقد تكفلت الإدارة الأمريكية بعدم إجراء مراجعة قضائية لأي من حالات الاعتقال.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني، شاركت منظمة العفو الدولية مع المنظمة غير الحكومية “إرجاء الإعدام”، ومقرها في المملكة المتحدة، في تنظيم تجمع في لندن للمعتقلين السابقين في سياق “الحرب على الإرهاب”، وذلك في إطار حملة المنظمة لمناهضة التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة، والتي تُرتكب تحت ستار الأمن. وأكدت الروايات التي قصها المعتقلون السابقون وأهلهم الأنباء المتزايدة التي أفادت باعتقال أشخاص دون سند قانوني، ونقلهم سراً عبر الحدود، وتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز الأمريكية في مختلف أنحاء العالم. فقد حكى معتقلون سابقون عن تكبيلهم بالسلاسل في أوضاع مؤلمة، وتعريضهم للخوف والإرهاق الشديدين، والافتقار إلى الرعاية الطبية، فضلاً عن الضرب وتكسير العظام.
كما تصدت منظمة العفو الدولية للانتقاص من حقوق الإنسان وسيادة القانون ودور القضاء على أيدي الحكومة البريطانية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني، أصدرت المنظمة تقريراً بعنوان “المملكة المتحدة: حقوق الإنسان ليست لعبة (رقم الوثيقة: EUR 45/043/2005)، وهو يسوق فكرة بسيطة مؤداها أن احترام حقوق الإنسان هو السبيل إلى الأمن وليس عقبة أمام تحقيقه. وأعربت المنظمة عن معارضتها لإجراءات مكافحة الإرهاب، التي اتُخذت في أعقاب الهجمات التي وقعت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/أيلول 2001 والتفجيرات التي وقعت في لندن في 7 يوليو/تموز 2005، بما في ذلك مشروع “قانون مكافحة الإرهاب” في عام 2005، والذي من شأنه مد الفترة القصوى التي يجوز فيها للشرطة احتجاز أفراد بدون تهمة من 14 يوماً إلى 28 يوماً. ودعت المنظمة حكومة المملكة المتحدة إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
العنف ضد المرأة
في غضون عام 2005، ركزت حملة منظمة العفو الدولية، تحت شعار “أوقفوا العنف ضد المرأة، على التهميش والتحيز والمخاطر التي تواجهها المدافعات عن حقوق الإنسان اللائي يتصدرن صفوف النضال.
وكان المؤتمر، الذي عقدته منظمة العفو الدولية في البحرين في مطلع عام 2005، هو أول مؤتمر من نوعه يهدف إلى مكافحة العنف والتمييز ضد المرأة في البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والسعودية، والإمارات. وتعجز الخادمات الأجنبيات، بصفة خاصة، عن التمتع بحماية القانون من العنف على أيدي المخدومين. وقد شارك في المؤتمر عدد من ضحايا التمييز والعنف، والمدافعات عن حقوق الإنسان، والمحامين، وأساتذة الجامعات، والصحفيين، وعلماء الدين، فضلاً عن المسؤولين.
وسعت المنظمة، خلال عام 2005، إلى تسليط الضوء على ما تعانيه المرأة الفلسطينية من آثار المستويات غير المسبوقة من الفقر والبطالة والمشاكل الصحية في الأراضي المحتلة، والتي نجمت عن الاحتلال العسكري الإسرائيلي المستمر منذ عقود، كما تضاعفت حدتها من جراء القيود المفروضة في مجتمع تقليدي أبوي. ودعت منظمة العفو الدولية الحكومة الإسرائيلية إلى وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، كما دعت السلطة الفلسطينية إلى اتخاذ إجراءات لمنع العنف ضد المرأة، والتحقيق في حوادث العنف، ومعاقبة مرتكبيه.
وتعاون أعضاء المنظمة في تركيا وهولندا مع المجالس البلدية التركية ومهندسين أتراك في تشييد حدائق لزهور الخُزامى، بهدف رفع الوعي العام بقضية العنف ضد المرأة. وتستخدم الجماعات النسائية في تركيا زهور الخُزامى كرمز للنساء اللاتي تُوفين أو عانين.
وقد صدر قانون جديد للعقوبات في تركيا، استُبعدت منه حالات العنف في محيط الأسرة والمجتمع، والتمييز ضد النساء بموجب القانون، بما في ذلك تخفيف أو إلغاء العقوبة الصادرة ضد مرتكب جريمة الاغتصاب إذا ما تزوج ضحيته.
وأهابت منظمة العفو الدولية بالحكومة اليابانية أن تقبل المسؤولية الكاملة عن الجرائم التي ارتُكبت ضد النساء والفتيات اللاتي أُجبرن على الاسترقاق الجنسي، ويُطلق عليهن اسم “نساء الترفيه”، في البلاد التي كانت اليابان تحتلها قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها. فعلى مدار أكثر من 60 عاماً، ظلت الباقيات على قيد الحياة من الضحايا، اللائي يُقدر عددهن بنحو 200 ألف، محرومات من نيل العدالة أو الحصول على تعويض ملائم من الحكومة اليابانية، والتي لم تقر بمسؤوليتها عن تلك الجرائم إلا بعد عقود من المماطلة.
وحثت منظمة العفو الدولية الحكومة الروسية على أعطاء الأولوية للتصدي للعنف في محيط الأسرة بمختلف الوسائل، بما في ذلك نشر إحصائيات عن حوادث العنف ضد المرأة في محيط الأسرة ومحاكمة الجناة؛ وتوفير برامج تدريبية خاصة لأفراد الشرطة والقضاة وغيرهم من المهنيين؛ والعمل مع الجمعيات النسائية على التصدي للمفاهيم الشائعة من أن العنف في محيط الأسرة هو مسألة خاصة؛ بالإضافة إلى إقامة دور للإيواء ومراكز للطوارئ بصفة مستمرة، وذلك لتوفير الحماية للضحايا.
وفي إطار “حملة الحد من الأسلحة” و”حملة أوقفوا العنف ضد المرأة”، أصدرت المنظمة، في مارس/آذار، تقريراً بعنوان “أثر الأسلحة على حياة المرأة” (رقم الوثيقة: ACT 30/001/2005)، وأُعلن عن صدوره في الولايات المتحدة والسعودية. ويبين التقرير السبل التي تتعرض المرأة من خلالها للعنف، بسبب توفر الأسلحة الصغيرة بشكل متزايد، في أوقات السلم والحرب على حد سواء. ويسوق التقرير نتائج دراسات وأمثلة من بلدان عدة تبين أن المرأة أكثر عرضةً للقتل من أفراد الأسرة الآخرين في حالة توفر أسلحة نارية في البيت.
الحد من الأسلحة
دعت منظمة العفو الدولية إلى وضع ضوابط أكثر إحكاماً على استخدام الأسلحة، وتنفيذ القوانين القائمة بشأن ضوابط الأسلحة النارية على نحو أفضل، والتخلص من دوامة العنف التي تهدد بإشاعة الروح العدوانية والوحشية لدى أجيال متعاقبة.
وتحقق خلال عام 2005 أكثر من نصف أهداف التماس “المليون وجه”، الذي بدأته منظمة العفو الدولية والمنظمتين المشاركتين معها في “حملة الحد من الأسلحة”، وهما منظمة “أوكسفام” و”شبكة التحرك الدولي بخصوص الأسلحة الصغيرة”. ويُعد هذا التحرك جزءاً من حملة منظمة العفو الدولية من أجل إبرام معاهدة دولية بشأن تجارة السلاح، تلزم الحكومات بعدم نقل أسلحة إلى دول أخرى إذا كان من المحتمل أن تُستخدم في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب. وقد وقَّع على الالتماس ما يزيد عن نصف مليون من المؤيدين كما وضعوا صورهم من خلال شبكة الإنترنت. وفي عام 2005، تضاعف خمس مرات عدد الحكومات التي تعهدت بدعم المعاهدة، حيث بلغت 50 دولة، ومن بينها المملكة المتحدة وهي واحدة من أكبر الدول المصدرة للأسلحة في العالم.ومن شأن تنفيذ مثل هذه المعاهدة أن يحد من انتشار الأسلحة وأن ينقذ ملايين الأرواح.
ومع سقوط قتلى من المدنيين يومياً في هايتي، من جراء العنف المسلح بين الجماعات المسلحة والعصابات وكذلك لجوء الشرطة إلى استخدام القوة، أهابت منظمة العفو الدولية بالمجتمع الدولي أن يكفل توفير ما يكفي من الموارد لحماية حقوق الإنسان، وبشكل خاص لنزع السلاح. ومما يؤدي إلى تفاقم الأزمات السياسية الراهنة وجود كميات هائلة من الأسلحة والأسلحة الصغيرة في أيدي المتمردين السابقين والجنود السابقين، وأفراد العصابات الإجرامية سواء ممن لهم انتماء سياسي أو من ليس لهم، وكذلك في أيدي حراس الأمن والمدنيين.
ودعت منظمة العفو الدولية مجلس الأمن الدولي إلى تعزيز الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على صادرات الأسلحة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإلى ضمان مراقبة المطارات في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. كما دعت المنظمة حكومات ألبانيا، والبوسنة والهرسك، وكرواتيا، والجمهورية التشيكية، وإسرائيل، وروسيا، وصربيا والجبل الأسود، وجنوب إفريقيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، إلى التحقيق التي أفادت بنقل أسلحة بشكل غير قانوني إلى حكومات كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية، ورواندا، وأوغندا، لكي تقوم بإعادة توزيعها على جماعات مسلحة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
عقوبة الإعدام
اكتسبت الحملة لمناهضة عقوبة الإعدام مزيداً من الدعم خلال عام 2005. ففي أكتوبر/تشرين الأول، شارك أعضاء منظمة العفو الدولية في أكثر من 40 بلداً في الاحتفال للعام الثالث بذكرى “اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام”، والذي ركز على إفريقيا، وشهد مظاهرات وحملات للتوقيع على التماسات وحفلات موسيقية ومناقشات على القنوات التليفزيونية لمناهضة عقوبة الإعدام في مختلف أنحاء العالم.
وفيما يمثل انتصاراً كبيراً، وأن تأخر عن موعده، بالنسبة لمناهضي عقوبة الإعدام، قضت المحكمة العليا الأمريكية، في مارس/آذار، بعدم دستورية تنفيذ حكم الإعدام في المذنبين الأطفال في الولايات المتحدة. وجاء هذا الحكم التاريخي للمحكمة، والذي صدر بأغلبية خمسة أصوات مقابل أربعة، بعد سنوات طويلة من النضال الذي خاضته منظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات حقوق الإنسان من أجل الكف عن إعدام المذنبين الذين كانت أعمارهم أقل من 18 عاماً وقت ارتكاب الجريمة. وقد صدر الحكم في قضية كريستوفر سايمونز، الذي حُكم عليه بالإعدام عقاباً على جريمة قتل ارتكبها عندما كان عمره 17 عاماً. وانضمت منظمة العفو الدولية إلى 16 من الحاصلين على جائزة نوبل للسلام في تعزيز الالتماسات القانونية المقدمة للمحكمة. وفي أعقاب صدور قرار المحكمة، خُففت أحكام الإعدام المفروضة على ما يزيد عن 70 من المذنبين الأطفال.
وتحقق تقدم على طريق إلغاء عقوبة الإعدام في عدد من بلدان أوروبا ووسط آسيا، وذلك في أعقاب جهود مكثفة بذلتها منظمة العفو الدولية خلال السنوات الأخيرة. فقد أُلغيت آخر نصوص تتعلق بفرض عقوبة الإعدام من الدستور في مولدوفا، كما اقتُرحت تعديلات دستورية مماثلة في قرغيزستان. ولكن بالرغم من أن إعلان أوزبكستان أن عقوبة الإعدام سوف تُلغى في عام 2008، فقد أفادت الأنباء باستمرار إعدام أشخاص، وكذلك صدور أحكام بالإعدام إثر محاكمات لا تفي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
شهد عام 2005 تزايد أنشطة منظمة العفو الدولية على المستوى العالمي من أجل إقرار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وركزت هذه الأنشطة على معارضة الانتهاكات الجسيمة التي تُرتكب ضد المهمشين. ففي التقرير المعنون “حقوق الإنسان من أجل الكرامة الإنسانية -- تقرير أولي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (رقم الوثيقة: POL 34/009/2005)، سلطت منظمة العفو الدولية الضوء على التزامات الحكومات باتخاذ خطوات على وجه السرعة للتصدي للجوع والتشرد والأمراض التي يمكن منعها، ليس في بلدانها فحسب بل في جميع أنحاء العالم.
وانضمت منظمة العفو الدولية إلى “مركز حقوق السكن ومقاومة الإجلاء” ومنظمة “محامون من أجل حقوق الإنسان” في زمبابوي من أجل صياغة نداء عالمي إلى المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان والتصدي لعمليات الإجلاء القسري لمئات الآلاف من منازلهم في زمبابوي. وانضمت إلى النداء أكثر من 200 من المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان، ومعظمها من إفريقيا. وفي ديسمبر/كانون الأول، اعتمدت “اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب”، للمرة الأولى، قراراً يدين وضع حقوق الإنسان في زمبابوي، بما في ذلك عمليات الإجلاء القسري، كما يدعو إلى تقديم معونات إنسانية.
وفي أوروبا، ناضلت منظمة العفو الدولية من أجل القضاء على صور العنصرية والإيذاء والتمييز التي تستهدف الأقليات. وضمت المنظمة صوتها إلى أصوات المنظمات المحلية والدولية الأخرى المعنية بحقوق الإنسان في أنماط الإجلاء القسري التي تستهدف أبناء طائفة “الروما” (الغجر)، وإنكار حقهم في السكن الملائم في بلغاريا واليونان وصربيا والجبل الأسود (كوسوفو). واعتباراً من يوليو/تموز، ناضلت المنظمة من أجل إعادة توطين نحو 530 من أبناء طائفتي “الروما” و”الأشكالي” والمنحدرين من أصول مصرية، ممن نزحوا إلى مناطق أخرى داخل كوسوفو، ومن بينهم 138 طفلاً صغيراً. وكان هؤلاء يعيشون في مخيمات انتشر فيها التلوث من جراء تسرب الرصاص من موقع غير مستخدم لصهر المعادن، مما شكل خطراً جسيماً على صحتهم.
واصلت منظمة العفو الدولية حض الدول على ضمان تمتع الأشخاص الأشد فقراً بالأمن الجسدي وبحرياتهم المدنية والسياسية، اللذين يشكلان شرطاً لا غنى عنه لممارستهم حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد أطلقت منظمة العفو الدولية في تقريرها “طلباً للحقوق والموارد -- غياب العدالة والنفط والعنف في نيجيريا” (رقم الوثيقة: AFR 44/020/2006) نداءات وجهتها إلى الحكومة وشركات النفط بهدف وضع حد لأعمال القتل ووقف الهجمات على التجمعات السكانية التي ما زالت مستمرة بعد 10 سنوات من تنفيذ أحكام الإعدام في كين سارو- ويوا والمناضلين الآخرين من الأوغوني المدافعين عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وفي البرازيل، وقع ملايين الأشخاص، ممن يعيشون في أفقر المجتمعات، بين شقي الرحى في المواجهات بين العصابات الإجرامية القوية وقوات الشرطة التي يتفشى فيها الفساد، و”فرق الموت” المؤلفة من جماعات أهلية. وفي عام 2005، سعت منظمة العفو الدولية إلى تسليط الضوء على عمليات الشرطة التي تتسم بالعدوانية، إذ قُتل خلالها عدد من سكان “مدن الصفيح”، التي يُوصمون بأنهم مجرمون، بينما ظل القتلة بمنأى عن العقاب. وفي واحدة من أفظع الهجمات، في مارس/آذار، أطلق ضباط من الشرطة النار بشكل عشوائي على سكان حي في مدينة ريو دي جانيرو، مما أسفر عن مقتل 29 شخصاً في غضون ساعات. وأهابت منظمة العفو الدولية بالحكومة البرازيلية أن تكفل أداء الشرطة لمهامها على أساس من معايير حقوق الإنسان، وأن تضمن الحماية الفعالة للبرازيليين.
المدافعون عن حقوق الإنسان
تعمل منظمة العفو الدولية على حماية الحق في تعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها، كما تقوم بأنشطة لضمان أن يمارس المدافعون عن حقوق الإنسان عملهم دون معوقات.
وفي إطار أنشطة منظمة العفو الدولية للدفاع عن أولئك الذين يتصدرون الصفوف في الدفاع عن حقوق الإنسان، دعت المنظمة السلطات الصينية إلى الكف عن مضايقة واعتقال أعضاء جماعة “أمهات الميدان السماوي”، وهي جماعة تضم 130 من المدافعين عن حقوق الإنسان، ومعظمهم من النساء، من الساعين إلى الإنصاف ومحاسبة المسؤولين عن قتل أبنائهم أو أقارب آخرين خلال قمع الاحتجاجات السلمية في الميدان السماوي في يونيو/حزيران 1989. وقد وزعت الجماعة مساعدات إنسانية لأهالي الضحايا، كما أقاموا صندوقاً لتمويل نفقات التعليم لأطفال من قُتلوا أو أُصيبوا خلال حملة القمع.
ودعت منظمة العفو الدولية السلطات الصربية إلى وضع حد لمضايقة المدافعين عن حقوق الإنسان، على أيدي بعض الزعماء السياسيين، وبعضهم كانوا أعضاء في الحكومة أو في أحزاب سياسية متحالفة معها، وعلى أيدي أفراد قوات الأمن. فقد تعرض نشطاء وصحفيون ومحامون للاعتداء عليهم والسطو على ممتلكاتهم وتهديدهم بالمحاكمة، وخاصة في يوليو/تموز مع قرب حلول الذكرى السنوية العاشرة لمذبحة سربرينتشا، التي وقعت خلال الحرب في البوسنة والهرسك. وكان المدافعون عن حقوق الإنسان، ولاسيما النساء من قيادات المنظمات المستهدفة، في مقدمة من استهدفتهم الاعتداءات، إذ أدى نضالهم إلى إماطة اللثام عن التقاعس الرسمي عن التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والتصدي للإفلات من العقاب عن جرائم الحرب.
وفي فبراير/شباط، أطلقت السلطات الفيتنامية سراح أربعة من سجناء الرأي البارزين الذين طال بهم الأمد خلف القضبان، إذ ظل أحدهم في السجن لمدة 25 عاماً. ومع ذلك، استمرت مناشدات منظمة العفو الدولية من أجل الإفراج عن المعارضين من مستخدمي الإنترنت، الذين يقضون أحكاماً بالسجن لمدد طويلة بعد إدانتهم بتهمة التجسس دونما سبب سوى انتقاد السياسات الحكومية، وتوزيع مناشدات، وإقامة اتصالات عبر الإنترنت مع جماعات معارضة في الخارج.
وفيما يتعلق بزمبابوي، طالبت منظمة العفو الدولية بوقف عمليات الاعتقال وسوء المعاملة والمضايقة التي تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان، وكذلك إلغاء قانون يجرِّم أنشطتهم، إذ تعمل منظمات حقوق الإنسان هناك في مناخ من الخوف، ويتهددها على الدوام خطر الإغلاق. وانضمت منظمة العفو الدولية إلى جماعات حقوق الإنسان في عدة بلدان، من بينها بوتسوانا، وناميبيا، ونيجيريا، والسنغال، وجنوب إفريقيا، وزامبيا، في نشر قرار “اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب” بإدانة انتهاكات حقوق الإنسان في زمبابوي. وفي أكتوبر/تشرين الأول، استضافت فروع منظمة العفو الدولية في أوروبا جولة للتوعية قامت بها الجماعة النسائية “نهضة نساء زمبابوي”.
اللاجئون والمهاجرون
تشغل الأنشطة الرامية إلى الدفاع عن حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء والنازحين داخلياً والمهاجرين جانباً كبيراً من الأنشطة النضالية لفروع منظمة العفو الدولية وأعضائها في مختلف أنحاء العالم. وقد عارضت المنظمة إعادة أشخاص إلى بلدان قد يتعرضون فيها للاضطهاد، أو عقوبة الإعدام، أو التعذيب أو غيره من صنوف المعاملة السيئة، كما ناضلت من أجل حث الدول على الوفاء بالتزاماتها الدولية واحترام جميع حقوق النازحين والمهاجرين.
وسلط أعضاء المنظمة الضوء على حالات أربعة أشخاص معتقلي في قرغيزستان وكانوا يواجهون خطر الإعادة قسراً إلى أوزبكستان المجاورة. وكان الأربعة ضمن ما يزيد عن 500 شخص فروا من أوزبكستان، بعد أن أطلقت قوات الأمن النار على آلاف المتظاهرين، ومعظمهم من المسالمين، خلال احتجاجات في مدينة أنديجان، في مايو/أيار.
وكانت اليونان محور عدد من المناشدات من أجل إجراء تحقيقات بشأن الاكتظاظ والظروف غير الصحية في مراكز احتجاز اللاجئين والمهاجرين، حيث احتُجز الأطفال مع البالغين وتعرضت بعض النساء للإيذاء الجنسي، حسبما ورد.
وفي “اليوم العالمي للاجئين”، الذي يوافق 20 يونيو/حزيران، لفتت منظمة العفو الدولية الأنظار إلى محنة طالبي اللجوء واللاجئين، وخاصةً أولئك المحتجزين بصورة تعسفية في أستراليا وفي عدد من الدول الأوروبية، من بينها إيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة.
واحتفلت منظمة العفو الدولية بذكرى “اليوم العالمي للمهاجرين”، في 18 ديسمبر/كانون الأول، بتوجيه مناشدات إلى الدول لحثها على التصديق على “الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم” أو تنفيذها، إذ لم يصدق عليها سوى 34 دولة. وكان هناك ما يقرب من 200 مليون مهاجر يعيشون ويعملون خارج بلدانهم الأصلية، ويواجهون أشكالاً شتى من انتهاكات حقوق الإنسان، من دأب أصحاب الأعمال على حجب رواتبهم أو مصادرة الوثائق الدالة على هويتهم، إلى الإيذاء البدني واللفظي على أيدي أصحاب الأعمال، والافتقار إلى سبل الحصول على المسكن الملائم والرعاية الصحية.
العدالة وسيادة القانون
ظلت المخاطر التي تهدد الحق في إقرار العدالة وسيادة القانون تشكل عنصراً جوهرياً في كثير من أنشطة منظمة العفو الدولية في عدد من البلدان.
ففي كولومبيا، دعت المنظمة إلى وضع إطار قانوني فعال لتسريح الجماعات المسلحة غير القانونية ، بما يكفل الحق الكامل للضحايا في الحقيقة والعدالة والإنصاف. وتُعزى المسؤولية عن أكثر من 2300 من حالات القتل و”الإخفاء” إلى الجماعات شبه العسكرية التي يدعمها الجيش، بالرغم من انخراط هذه الجماعات في عملية التسريح وإعلانها عن وقف إطلاق النار من طرف واحد، في عام 2002.
وتصدت المنظمة لعدد من الانتهاكات التي طال أمدها على أيدي الشرطة الفرنسية، بما في ذلك حوادث إطلاق النار المفضية إلى الموت، والوفيات أثناء الاحتجاز، والتعذيب وسوء المعاملة، وكذلك المثالب في نظام القضاء الجنائي، وهي الانتهاكات والمثالب التي كان معظم ضحاياها من الأجانب أو من ذوي الأصول الأجنبية. ورغم تزايد عدد الشكاوى ضد أفراد الشرطة في فرنسا، فما زال الضباط يتمتعون فعلياً بحصانة تجعلهم بمنأى عن العقاب.
واستمرت مناشدات منظمة العفو الدولية من أجل وضع حد لأعمال القتل في سياق الصراع الداخلي الدائر في نيبال، والذي قُتل خلاله ما يزيد عن 12 ألف شخص. وأدى تصاعد القتال في عام 2005 إلى سقوط مئات القتلى من المدنيين، وإلى عمليات اعتقال واسعة النطاق، فضلاً عن حوادث التعذيب وغيره من صنوف التعذيب على أيدي القوات الحكومية وقوات المتمردين. كما اختُطف عدد من الأطفال وجُندوا للقتال.
وظل ضمان محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور في السودان أحد القضايا الأساسية التي اهتمت بها منظمة العفو الدولية خلال نضالها في عام 2005، إذ استُهدف المدنيون على أيدي القوات الحكومية والميليشيات الموالية للحكومة والجماعات السياسية المسلحة. وأهابت المنظمة بالمجتمع الدولي أن يبادر بالتحرك لوضع حد لعمليات اغتصاب واختطاف النساء والفتيات، ووقف الاعتداءات على المدافعين عن حقوق الإنسان.
عمل منظمة العفو الدولية
منظمة العفو الدولية هي حركة ديمقراطية تتمتع بالاستقلالية في إدارة شؤونها. ويتولى المجلس الدولي للمنظمة، المؤلف من ممثلين لجميع الفروع المحلية، مهمة اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات العامة للمنظمة. ويجتمع المجلس مرةً كل عامين، وله صلاحية تعديل القانون الأساسي الذي ينظم عمل المنظمة وأساليبها. (ويمكن الحصول على نسخ من القانون الأساسي من الأمانة الدولية للمنظمة، أو من موقع المنظمة على شبكة الإنترنت، وعنوانه: www.amnesty-arabci.org). وينتخب المجلس الدولي لجنة تنفيذية دولية مؤلفةً من الأعضاء المتطوعين، تتولى تنفيذ قراراته، وتعيين الأمين العام للمنظمة، الذي يتولى أيضاً رئاسة الأمانة الدولية، وهو المتحدث الرسمي باسم الحركة.
وتنهض الفروع المحلية لمنظمة العفو الدولية، وشبكات ومجموعات المتطوعين المحلية، بالمسؤولية الأساسية في تمويل الحركة. والمنظمة لا تطلب، ولا تقبل، أية أموال من الحكومات لمساعدتها في عملها المتعلق بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والنضال ضدها. وتُنشر المعلومات المتعلقة بالشؤون المالية لمنظمة العفو الدولية سنوياً في تقرير المراجعة للمنظمة.
ويمكن الحصول على مزيد من المعلومات عن منظمة العفو الدولية من مكاتب الفروع، ومن موقع المنظمة على شبكة الإنترنت، وعنوانه: www.amnesty-arabci.org، ومن الأمانة الدولية على العنوان التالي:
International Secretariat, Peter Peneneson House, 1 Easton Street, London WC1X ODW, United Kingdom
المبادئ الأساسية لعمل منظمة العفو الدولية
منظمة العفو الدولية حركة مستقلة عن جميع الحكومات والمعتقدات السياسية والعقائد الدينية. وهي لا تؤيد ولا تعارض آراء الضحايا الذين تسعى لحماية حقوقهم. وهي ليست معنية إلا بحماية حقوق الإنسان دون تحيُّز.
وتكوِّن منظمة العفو الدولية مجموعة عالمية من المدافعين عن حقوق الإنسان بناءً على مبادئ التضامن الدولي، والتحرك الفعَّال من أجل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وعالمية حقوق الإنسان مع عدم قابليتها للتجزؤ، والتجرد والنزاهة والاستقلالية، والديمقراطية، والاحترام المتبادل.
وتتطلع منظمة العفو الدولية إلى بناء عالم يتمتع فيه البشر كافةً بجميع حقوق الإنسان المنصوص عليها في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” وفي غيره من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وتطمح المنظمة إلى إعلاء شأن القيم الإنسانية على المستوى العالمي، من أجل تعزيز قوى العدل، وهي القوى التي تبث الأمل في قلوب الكثيرين ممن عانوا من انتهاكات حقوق الإنسان في شتى أنحاء المعمورة.
وسعياً لتحقيق هذه الغاية، تقوم منظمة العفو الدولية بأبحاث وأنشطة من أجل منع الانتهاكات الجسيمة التي تمس الحق في السلامة الجسدية والعقلية، وحرية التفكير والتعبير، والتحرر من التمييز، في إطار عملها للارتقاء بجميع حقوق الإنسان.
أهداف منظمة العفو الدولية
تتمحور أنشطة منظمة العفو الدولية، الرامية إلى بناء عالم أفضل، حول ثمانية أهداف أساسية على المستوى العالمي
إصلاح وتعزيز قطاع القضاء
تقر المجتمعات وأنظمة الحكم على اختلافها بالأهمية الجوهرية لسيادة القانون بالنسبة لأي مجال من مجالات النشاط البشري. وبالرغم من ذلك، فإن كثيراً من المؤسسات المحلية، التي أُنيطت بها مهمة تعزيز سيادة القانون، تعاني من أوجه قصور خطيرة، مما يؤدي إلى استمرار انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع، وإلى بقاء مرتكبيها بمنجى من العقاب. ومن هذه الانتهاكات حبس سجناء الرأي؛ والمحاكمات السياسية الجائرة؛ والتعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة؛ وحوادث “الإخفاء” وأعمال القتل دون وجه حق. وقد شهد العقد الماضي تنامياً سريعاً للآليات الدولية الرامية إلى تعويض ذلك القصور في المؤسسات المحلية، بيد أنها لا تزال في مرحلة جنينية، ولا تزال مثار جدل واختلاف في الآراء.
وفي عام 2005، تمثلت أهداف منظمة العفو الدولية في:
- إصلاح جوانب عمل الشرطة وتعزيز دور القضاء.
- التصدي للتمييز في قطاع القضاء، وخاصة فيما يتعلق بذوي الميول الجنسية المثلية ذكوراً وإناثاً وذوي الميول الجنسية الثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر، وكذلك الأقليات العرقية والدينية.
- توطيد دعائم العدالة الجنائية الدولية، وخاصة من خلال دعم “المحكمة الجنائية الدولية” ومبدأ الولاية القضائية العالمية.
- ضمان حقوق الإنسان في مراحل العدالة الانتقالية.
- تعزيز الآليات المسؤولة عن محاسبة الدول، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، مع التركيز بصفة خاصة على إصلاح الأمم المتحدة.
- وضع مزيد من المعايير الدولية، بما في ذلك مثلاً معايير تتعلق بحوادث “الاختفاء” وبأنشطة الشركات.
- بحث تأثير الفساد على سبل إقرار العدالة.
إلغاء عقوبة الإعدام
استمرت قوة الدفع للدعوة الرامية إلى إلغاء عقوبة الإعدام، ولاسيما على مستوى المنظمات الحكومية الدولية، مع ظهور “الائتلاف العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام”، بالإضافة إلى أنشطة المنظمات المحلية الساعية إلى إلغاء عقوبة الإعدام. ومع ذلك، فما برح عدد لا يُستهان به من دول العالم يرفض إلغاء العقوبة، وتُستخدم مخاطر الإرهاب والمخدرات والجريمة المنظمة لتبرير الإبقاء على عقوبة الإعدام، بل والعودة إلى فرضها في بعض الأحيان.
وفي عام 2005، تمثلت أهداف منظمة العفو الدولية في: - تعزيز الاتجاه إلى إلغاء عقوبة الإعدام، سواء في بلدان بعينها أو على المستوى العالمي، وخاصةً بإظهار أثر التمييز في هذا الصدد.
- رصد التطورات المتعلقة بعقوبة الإعدام على مستوى العالم، والتصدي على وجه السرعة لبعض الأحداث العاجلة، وخاصة في الحالات التي تُظهر مشاكل دائمة في تطبيق عقوبة الإعدام.
- تقديم إحصائيات عن عقوبة الإعدام على مستوى العالم، وتقارير عن الموضوع، فضلاً عن التحركات.
- الكف عن تطبيق عقوبة الإعدام على المجرمين من الأطفال.
حماية حقوق المدافعين عن حقوق الإنسانيحتل المدافعون عن حقوق الإنسان موقع الصدارة في النضال من أجل إعلاء شأن حقوق الإنسان. ويوماً بعد يوم، يتزايد الإقرار بأهمية الدور الذي ينهض به هؤلاء النشطاء في سبيل تعزيز حقوق الإنسان. ومع ذلك، يُستهدف النشطاء عمداً وبشتى الطرق في مختلف أنحاء العالم. وتلجأ الحكومات إلى ذرائع عدة، مثل الأمن و”الحرب على الإرهاب”، من أجل إخراس الانتقادات المشروعة لسياساتها. وتتعرض المدافعات عن حقوق الإنسان، بصفة خاصة، لمخاطر وصمة العار في مجتمعاتهن، وإلى الحط من شأن العمل الذي ينهضن به، عندما يسعين إلى تحدي النظم السياسية، أو التقاليد الاجتماعية والدينية، أو الأعراف المتعلقة بالنوع أو العلاقات الجنسية.
وفي عام 2005، تمثلت أهداف منظمة العفو الدولية في: - الاستعانة بالمدافعين عن حقوق الإنسان من جميع قطاعات المجتمع، وبناء التحالفات، وتعزيز المهارات، مع إبراز صورة المدافعات عن حقوق الإنسان بصورة أكبر.
- تسليط الضوء على إسهام المدافعين عن حقوق الإنسان في ضمان أمن المجتمع بصفة عامة، والتصدي للانتهاكات التي تنتقص من حقوقهم.
- تعزيز حماية المدافعين عن حقوق الإنسان وسلامتهم، والتصدي لإساءة استخدام النظام القضائي من أجل اضطهادهم.
- توسيع نطاق استخدام “إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان”، ودعم العمل الذي تقوم به آليات الحماية التابعة للأمم المتحدة والآليات الإقليمية.
التصدي للانتهاكات المرتكبة في سياق “الحرب على الإرهاب”يتعرض إطار القانون الدولي والعمل المشترك بين الأطراف المتعددة لأشد هجمة منذ نشأته. إذ يطعن البعض في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي باعتبارهما عاجزين عن التصدي لقضايا الأمن. ولا تتورع بعض الحكومات عن إهدار معايير حقوق الإنسان، بينما تواصل الجماعات المسلحة ارتكاب الانتهاكات، بل ويعمل بعضها في إطار تحالف دولي فضفاض. وفي الوقت نفسه، يتزايد الاستقطاب في أوساط الرأي العام.
وفي عام 2005، تمثلت أهداف منظمة العفو الدولية في: - التصدي للآثار التي تخلفها إجراءات مكافحة الإرهاب في مجال حقوق الإنسان، مع التركيز بصفة خاصة على ضمانات الاحتجاز والمحاكمة، والتعذيب، وأعمال القتل، والقوانين والممارسات التي تنطوي على التمييز.
- التصدي لآثار اتفاقيات التعاون بين الدول على حماية حقوق الإنسان.
- المشاركة في وضع معاهدات بشأن الإرهاب.
- تعزيز الآليات الدولية والإقليمية لمحاسبة الدول.
- رصد الانتهاكات التي ترتكبها الجماعات المسلحة وعرضها، واستكشاف إستراتيجيات تكفل إثارة بواعث القلق بشأن حقوق الإنسان مع تلك الجماعات.
- تعزيز التفسيرات التقدمية لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، باعتبارها ذات صلة بإجراءات “الحرب على الإرهاب”.
تعزيز حقوق اللاجئين والمهاجرينازداد الخلاف والاستقطاب في المناقشات المتعلقة بحقوق اللاجئين والمهاجرين والنازحين، كما أصبحت هذه القضية تحظى بقدر كبير من التغطية الإعلامي. ومن الواضح أن أعداداً من البشر سوف يواصلون عبور الحدود من بلد إلى آخر، إما بحثاً عن ملاذ من الاضطهاد أو سعياً إلى مستوى معيشي أفضل. وفي المقابل، فلن تتوقف الحاجة إلى المهاجرين، بما يمثلونه من أيدي عاملة رخيصة يمكن استغلالها. وبين هذه وذاك، تستمر نزعات كراهية الأجانب والمشاعر العنصرية تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. ومن شأن الإجراءات المقيِّدة التي تهدف إلى الحد من الهجرة والتدابير الأمنية التي تستهدف الأجانب أن تجعل المهاجرين أكثر عرضةً لانتهاكات شتى لحقوق الإنسان.
وفي عام 2005، تمثلت أهداف منظمة العفو الدولية في: - الدفاع عن حق اللاجئين في ألا تتم إعادتهم إلى بلدان قد يعانون فيها من انتهاكات لحقوقهم الإنسانية الأساسية.
- الدفاع عن حق طالبي اللجوء في أن يباشر كل منهم إجراءات تتسم بالعدل والنزاهة للبت في أوضاعهم.
- ضمان تبني نهج يقوم على أساس من حقوق الإنسان في إطار البحث عن حلول للمشاكل الناجمة عن اللجوء.
- تعزيز الحقوق الإنسانية للمهاجرين.
- رصد ومواجهة ممارسات الاحتجاز التعسفي التي تُطبق على اللاجئين والمهاجرين.
- تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للاجئين والمهاجرين.
- تحسين مستوى حماية الفتيات والنساء اللاجئات والنازحات، واللائي يكن أكثر عرضة للاستغلال والإيذاء الجنسي.
تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات المهمشةيُعد التفاوت المتزايد على مستوى العالم، وتقاعس الحكومات عن خفض عدد الذين يعيشون في فقر انخفاضاً ملموساً، من بين أبرز مشكلات حقوق الإنسان التي يتسم بها عصرنا. وما زال كثيرون لا يدركون أن الفقر يثير قضايا أساسية في مجال حقوق الإنسان. وبالرغم من ذلك، يشهد العالم أنشطة متنامية تدور حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبدأت حركات اجتماعية واسعة النطاق تتبنى الدفاع عن هذه الحقوق في سياق حملات عالمية بخصوص قضايا من قبيل التجارة والمعونة والاستثمار والديون والحصول على الدواء.
وفي عام 2005، تمثلت أهداف منظمة العفو الدولية في: - تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باعتبارها جزءاً من حقوق الإنسان، بما في ذلك المشاركة في الأنشطة العالمية بخصوص قضايا مثل التجارة.
- تعزيز الإقرار بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال مبادرات للإصلاح القانوني على المستوى الوطني، ووضع معايير وآليات على المستوى الدولي.
- مواجهة الانتهاكات الجسيمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كثيراً ما تعاني منها الفئات المهمشة.
- التصدي للانتهاكات الناجمة عن الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والفيروس المسبب له.
- إلقاء الضوء على التزامات المؤسسات الاقتصادية، مثل الشركات، وكشف النقاب عن الانتهاكات في هذا المجال، ومنها مثلاً التمييز في فرص العمل والتوظيف.
- تعزيز مبادئ حقوق الإنسان في اتفاقيات الخصخصة والاستثمار والتبادل التجاري.
وقف العنف ضد المرأةيمثل العنف ضد المرأة واحداً من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان تفشياً واستمراراً، كما أنه واحد من أكثر تلك الانتهاكات التي تتواري عنها الأنظار. وينتشر هذا النوع من العنف متجاوزاً الحدود الثقافية والإقليمية والدينية والاقتصادية، ويتجلى في محيط الأسرة والمجتمع، وفي مؤسسات الدولة، وفي سياق الصراعات، وبعد أن تضع الصراعات أوزارها. وبفضل الجهود الباسلة، ولاسيما تلك التي تقوم بها الحركات النسائية، أُحرز قدر كبير من التقدم في مجال تعزيز حقوق المرأة في القانون الدولي، بما في ذلك القانون الجنائي. إلا إن هذه الإنجازات لم تحقق تغييراً يُذكر حتى الآن في الواقع المرير لكثير من النساء، وما زال هناك الكثير الذي يتعين القيام به.
وفي عام 2005، تمثلت أهداف منظمة العفو الدولية في: - مطالبة الحكومات بتجريم الاغتصاب، وبالتصديق على “اتفاقية المرأة” دون إبداء تحفظات.
- التصدي للإفلات من العقاب عن جريمة الاغتصاب وغيرها من صنوف العنف ضد المرأة، بما في ذلك ما ترتكبه الجماعات المسلحة، سواء كان ذلك في سياق الصراعات أو في أعقابها.
- ضمان قيام الدول بحماية حقوق المرأة واحترامها وإعمالها، باستخدام معيار الحرص الواجب على المستويين الوطني والمحلي لمحاسبة الدول عن مدى الوفاء بالتزاماتها.
- التصدي للتغاضي عن العنف ضد المرأة في أوساط المجتمع، وحث السلطات الرسمية والتقليدية على اتخاذ إجراءات فعالة لمواجهته.
- دعم المدافعات عن حقوق المرأة.
- وضع سياسات تكفل الحقوق المتعلقة بالصحة الإنجابية وما يتصل بها من قضايا.
حماية المدنيين ومواجهة الثغرات التي تؤدي إلى زيادة الانتهاكات في سياق الصراعاتتبدو الصراعات مرضاً مستوطناً في بعض مناطق العالم. فقضايا الهوية والفقر والثروات المعدنية تُعد من أكثر الأسباب شيوعاً لنشوب الصراعات. وأحياناً ما تجد الدول الضعيفة نفسها في مواجهة جماعات مسلحة تتمتع بقوة اقتصادية؛ وكثيراً ما تعمل بعض الحكومات والشركات الخاصة والجماعات التي تقيم خارج بلدانها على إطالة أمد الصراعات. ونتيجةً لهذا كله، تستمر الانتهاكات ضد المدنيين على نطاق واسع، ويظل مرتكبو الانتهاكات مطلقي العنان بمنأى عن العقاب، وذلك بالرغم من التطورات القانونية المهمة على المستويين الوطني والدولي. وفي كثير من الأحيان، يبدو أن الحماية الناجعة تعتمد على وجود قوات أجنبية.
وفي عام 2005، تمثلت أهداف منظمة العفو الدولية في: - المطالبة بإخضاع الدول والجماعات المسلحة للمحاسبة عما وقع من انتهاكات في سياق الصراعات المسلحة.
- تعزيز مبادئ حماية المدنيين، بما في ذلك من خلال عمليات حفظ السلام وإحلال السلام.
- التصدي لظاهرة تجنيد الأطفال.
- المطالبة بمحاسبة الأطراف الخارجية الضالعة في ارتكاب الانتهاكات، بما في ذلك الدول والمؤسسات الاقتصادية.
- النضال من أجل فرض ضوابط صارمة على تجارة الأسلحة، ومن ذلك وضع معاهدة دولية بخصوص تجارة الأسلحة.
- التصدي لاستخدام الأسلحة التي تسفر عن وقوع إصابات عشوائية، مثل القنابل العنقودية.
- تشجيع النقاش حول القضايا المتعلقة باستخدام القوة العسكرية.
بوسعك أن تساهم في بناء عالم أفضلتعمل منظمة العفو الدولية على تعزيز حقوق الإنسان وإعلاء شأنها من خلال أنشطة الناس العاديين في سائر أنحاء العالم. وهناك سجل طويل من الإنجازات الحقيقية لأعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها، فقد أُطلق سراح الكثيرين من سجناء الرأي، وخُففت أحكام بالإعدام في بلدان شتى، وقُدم عدد من زبانية التعذيب إلى ساحة العدالة، واقتنعت حكومات عدة بتغيير قوانينها وممارساتها. ومن شأن التضامن أن يبقي جذوة الأمل حيةً في كثير من الأحيان. فهذا الأمل هو معين لا ينضب للسجناء الذين يكافحون من أجل النجاة من أهوال السجون، وللأهالي الذين يسعون لإقرار العدالة، وللمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يواصلون عملهم ببسالة برغم الأخطار والصعاب. وبرغم القتامة التي تخيم على الأوضاع أحياناً، فإن بوسع أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها أن يعملوا متكاتفين متضامنين من أجل بناء عالم أفضل.
عقوبة الإعدام
في غضون عام 2005، أُعدم ما لا يقل عن 2148 شخصاً، وصدرت أحكام بالإعدام على ما لا يقل عن 5186 آخري. ولا تمثل هذه الأرقام إلا الحالات التي نمت إلى علم منظمة العفو الدولية، ولا شك أن الأرقام الحقيقية كانت أكبر من ذلك.
وكان كثيرون ممن أُعدموا قد حُرموا من المحاكمة العادلة، أو “اعترفوا” تحت وطأة التعذيب، أو لم يُسمح لهم بالتمثيل القانوني الملائم، أو لم يُتح لهم نظر قضاياهم في جلسات تتسم بالنزاهة. وكان تهريب المخدرات، والاختلاس، والنصب والاحتيال، من بين الجرائم التي عُوقب مرتكبوها بالإعدام. وقد ظل بعض السجناء يعيشون على ذمة أحكام بالإعدام لأكثر من 20 سنة قبل إعدامهم، بينما أُعدم البعض الآخر على الفور تقريباً. وقد استُخدمت في تنفيذ الإعدام عدة وسائل، من بينها الشنق، والرمي بالرصاص، والحقن بمادة سامة، وقطع الرقبة. وكان من بين الذين أعدموا عدد من الأطفال ومن يعانون الإعاقة العقلية أو النفسية.
وعلى نحو ما حدث في السنوات الماضية، وقعت الغالبية العظمى من حالات الإعدام في حفنة من البلدان فحسب. ففي عام 2005، نُفذ 94 بالمئة من حالات الإعدام في الصين وإيران والسعودية والولايات المتحدة.
وفي غضون عام 2005، ألغت المكسيك وليبيريا عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم، وهو ما رفع عدد البلدان التي ألغتها لجميع الجرائم إلى 86 بلداً، بينما لم تكن هناك سوى 16 دولة قد ألغت هذه العقوبة في عام 1977، وهو العام الذي استأنفت فيه الولايات المتحدة تطبيق عقوبة الإعدام وعقدت منظمة العفو الدولية فيه مؤتمراً دولياً تاريخياً عن عقوبة الإعدام في ستوكهولم. وفي نهاية عام 2005، بلغ عدد البلدان التي ألغتها من حيث النص القانوني أو من حيث الواقع الفعلي 122 بلداً.
واكتسبت حملة مناهضة عقوبة الإعدام مزيداً من القوة على مدار عام 2005. وقد جرى الاحتفال للعام الثالث بذكرى “اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام”، يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول، في أكثر من 50 بلداً وإقليماً، من بينها ألمانيا، وبورتوريكو، وبنين، وتوغو، وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وسيراليون، والصين (هونغ كونغ)، وفرنسا، والكونغو، ومالي، والهند، واليابان. وفي شتى أنحاء العالم، خرجت المظاهرات ورُفعت الالتماسات وقُدمت الحفلات الموسيقية، وعُقدت المناظرات التليفزيونية، للنضال ضد عقوبة الإعدام. وشارك أعضاء منظمة العفو الدولية في 40 بلداً في هذه الأحداث.
وتحقق بعض التقدم أيضاً على مستوى الأمم المتحدة. ففي إبريل/نيسان 2005، صدر قرار الأمم المتحدة رقم 59 لعام 2005 بشأن عقوبة الإعدام، وهو أقرب ما صدر حتى الآن إلى إدانة عقوبة الإعدام باعتبارها انتهاكاً لحقوق الإنسان. فالقرار يؤكد حق الحياة، ويتضمن عبارة لها دلالتها إذ تعلن أن الإلغاء “جوهري لحماية هذا الحق”. وقد تبنى تقديم القرار أكبر عدد يتبنى قراراً في الأمم المتحدة حتى الآن، وهو 81 دولة من الدول الأعضاء. كما أصدر “مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، والإعدام بدون محاكمة، والإعدام التعسفي”، في غضون العام المنصرم، تصريحات شديدة اللهجة ضد فرض عقوبة الإعدام وجوباً، قائلاً إن ذلك يحرم المحاكم من ممارسة حريتها في استعمال الرأفة، أو أن تأخذ في اعتبارها أية ظروف مخففة أو ملطفة، وأن فرض العقوبات وجوباً لا يصلح على الإطلاق في مسألة الحياة أو الموت.
ومن أشد الحجج إفحاماً ضد عقوبة الإعدام ما تنطوي عليه من مخاطر إعدام الأبرياء. ففي عام 2005، أفرجت الصين والولايات المتحدة عن سجناء حكم عليهم ظُلماً بالإعدام وكانوا ينتظرون تنفيذه، كما اعترفت الصين بأن بعض الأبرياء قد أُعدموا. وأدت المحاكمات الجائرة إلى إعدام أشخاص في بلدان كثيرة، حيث نُفذ حكم الإعدام في بعض الأشخاص عام 2005 في أوزبكستان وإيران والمملكة العربية السعودية، بعد أن حُرموا، فيما ورد، من الانتفاع بالإجراءات القانونية الواجبة، ومن ثم لم تُتَحْ لهم الفرصة الكافية لتقديم الأدلة على براءتهم.
وكان التمييز القائم على ضروب شتى من الخصائص، مثل الانتماء العرقي، والدين، والفقر، يفصح عن ذاته في كل مرحلة من مراحل إجراءات الحكم بعقوبة الإعدام.
وظلت المعلومات الخاصة بعقوبة الإعدام محاطة بالسرية والكتمان في عدد كبير من البلدان، من بينها أوزبكستان وفيتنام والهند. وفي بعض الأحيان، كانت المعلومات تُحجب لا عن الجمهور فحسب بل عن الضحايا أيضاً. وظلت اليابان من بين البلدان التي لا يعلم فيها المحكوم عليه بالإعدام بموعد تنفيذ الحكم إلا قبل التنفيذ بساعات معدودة. وأفادت الأنباء أن ستة من الصوماليين، الذين أُعدموا في المملكة العربية السعودية في إبريل/نيسان، لم يكونوا يدركون أنهم معرضون لخطر الإعدام إلا قبل قطع رقابهم بخمس ساعات فقط.
كما شهد العام المنصرم إعدام حتى أفراد الفئات التي يحميها القانون الدولي والمواثيق الدولية من عقوبة الإعدام، مثل المذنبين الأحداث والمصابين بإعاقات عقلية أو نفسية. ففي الولايات المتحدة، حيث أُعدم ما يربو على ألف شخص منذ استئناف العمل بعقوبة الإعدام في عام 1977، كان الشخص الألف الذي أُعدم مصاباً بإعاقة عقلية. وأُعدم في إيران ثمانية أشخاص على الأقل عقاباً على جرائم ارتكبوها قبل بلوغهم سن الثامنة عشرة، كما شُنق اثنان من الأطفال، أي من تقل أعمارهم عن 18 عاماً.
وأصدرت المحكمة العليا بالولايات المتحدة، في 1 مارس/آذار 2005، حكماً جديراً بالترحيب، حيث قضت بعدم دستورية تطبيق عقوبة الإعدام على أشخاص تقل أعمارهم عن 18 عاماً. وأدى ذلك الحكم إلى تخفيف حكم الإعدام الصادر على ما يزيد عن 70 من المذنبين الأحداث. ومع ذلك، فقد استمر القلق من عدم سريان حكم المحكمة العليا على المحتجزين في غوانتانامو، ممن كانوا أحداثاً عند احتجازهم.
حق المرأة في التحرر من العنف
في مارس/آذار 2005، احتشد في نيويورك قرابة ثلاثة آلاف من ممثلي الحكومات والمنظمات النسائية ومنظمات حقوق الإنسان للاحتفال بذكرى مرور 10 سنوات على “مؤتمر المرأة العالمي”، الذي عقدته الأمم المتحدة في بكين، ولتقييم التقدم على طريق تنفيذ “إعلان بكين” و”برنامج عمل بكين”. وإذا كانت الحكومات قد أعادت تأكيدها بالإجماع على الالتزامات التي قدمتها منذ 10 سنوات، فإنها لم تقدم أية تعهدات أخرى لتعزيز الحقوق الإنسانية للمرأة وحماية هذه الحقوق. ويرجع هذا التقاعس في جانب منه للهجوم الرجعي الذي تعرضت له الحقوق الإنسانية للمرأة، واتضحت معالمه خلال السنوات القليلة الماضية. وقد تولت قيادة هذا الهجوم، خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق الجنسية والإنجابية للمرأة، الجماعات المسيحية المحافظة التي تؤيدها الولايات المتحدة، ويؤازرها الكرسي البابوي وبعض الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي.
وشكلت الهجمات التي تعرضت لها حقوق المرأة، فضلاً عن تغير سياق الأمن العالمي وعدم توفر الإرادة اللازمة لدى الدول لتنفيذ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، الخلفية التي واصلت فيها منظمة العفو الدولية العمل بالمشاركة مع الجماعات النسائية في شتى أنحاء العالم من أجل تعزيز حقوق الإنسان للمرأة.
ومن بين المجالات التي شهدت إحراز التقدم إصدار تشريعات جديدة في عدد من البلدان تؤدي إلى الحد من التمييز ضد المرأة. ففي إثيوبيا، صدر قانون العقوبات الجديد الذي يلغي إعفاء الزوج من جريمة اختطاف العروس وما يرتبط به من اغتصاب. وأدخل مجلس النواب (البرلمان) الكويتي تعديلات على قانون الانتخابات تمنح المرأة الحق في الاقتراع والترشح في الانتخابات. ورحبت منظمة العفو الدولية ببدء سريان البروتوكول الملحق “بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب” بشأن حقوق المرأة في إفريقيا. واحتفلت المنظمات النسائية في جزر سليمان بإنشاء أول دار في البلاد لإيواء النساء من ضحايا العنف في محيط الأسرة.
وبالرغم من المكاسب التي حققتها الحركة النسائية في العالم في غضون السنوات الأخيرة، فما برح تفشي التمييز والإفلات من العقاب عن جرائم العنف ضد المرأة يقوِّض الحقوق الأساسية للمرأة في الحرية والأمن والعدالة.
وخلال عام 2005، ركزت حملة منظمة العفو الدولية تحت شعار “أوقفوا العنف ضد المرأة” على العنف ضد المرأة في سياق الصراعات المسلحة، والعنف في محيط الأسرة، ودور المدافعات عن الحقوق الإنسانية للمرأة.
وبازدياد تركيز الحملة على المجال الخاص للعنف في العلاقات الحميمة، أكدت المنظمة أن من واجب الحكومات أن تتدخل على نحو كاف لحماية واحترام وتعزيز وتلبية الحقوق الإنسانية للمرأة. وأصدرت المنظمة عدداً من التقارير التي توثِّق حالات العنف في محيط الأسرة في بلدان عدة، من بينها إسبانيا، وإسرائيل والأراضي المحتلة، وأفغانستان، وروسيا الاتحادية، والسويد، والعراق، وغواتيمالا، وبلدان مجلس التعاون الخليجي، ونيجيريا، والهند. كما أصدرت تقارير أخرى عن تأثير الأسلحة النارية على حياة المرأة، وعلى قضية المرأة والعنف والصحة.
وتأكد التأثير الطويل المدى للعنف ضد المرأة في دراسة رئيسية نشرتها “منظمة الصحة العالمية” في عام 2005. فكما دأبت منظمة العفو الدولية على القول، أثبتت الدراسة أن العنف ضد المرأة يتسبب في معاناة المرأة جسدياً ونفسياً لمدة طويلة، وله عواقبه فيما يتعلق برفاهية وأمن أسرتها ومجتمعها. وكانت العلاقة بين العنف ضد المرأة باعتباره من قضايا حقوق الإنسان واعتباره أزمة في مجال الصحة العامة هي التي حدت بمنظمة العفو الدولية إلى قبول دعوة للانضمام إلى المجلس الرئاسي في “الائتلاف العالمي بشأن المرأة ومرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)”.
وفي أواخر عام 2005، عُقد في سري لنكا مؤتمر للمدافعات عن الحقوق الإنسانية للمرأة، أقر فيه المشاركون من المنظمات والأفراد بالمساهمة المهمة من جانب المدافعات عن الحقوق الإنسانية للمرأة في تقدم الحقوق الإنسانية للبشر جميعاً. كما أكد المشاركون على الأخطار الكبيرة التي يتعرضن لها، بما في ذلك القتل والاختطاف والاغتصاب و”الاختفاء” والاعتداء، إذ كثيراً ما تُستهدف من تقوم بالدفاع عن حقوق الإنسان للمرأة والمساواة بين الجنسين وتعزيز هاتين القضيتين بسبب نشاطها، كما تتعرض للتهميش والتعصب والخطر. وكانت المدافعات عن الحقوق المتنازع عليها، مثل الحقوق البيئية والجنسية، عرضةً للخطر بصفة خاصة في عام 2005، إذ كُن يُعتبرن بمثابة تهديد للوضع الراهن.
وقد تأكدت ضرورة اتخاذ مناهج متكاملة للقضاء على العنف ضد المرأة في قرارين أصدرتهما “اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة” بالأمم المتحدة في عام 2005. وكانت مدينة سيوداد خواريز المكسيكية قد شهدت خلال السنوات الأخيرة اختطاف وقتل مئات من النساء الفقيرات اللاتي ينتمي معظمهن إلى السكان الأصليين، دون أن تتخذ السلطات الإجراءات اللازمة. وطالبت اللجنة بمراجعة دقيقة منهجية لجهاز القضاء الجنائي، وإلى نشر التعليم والتوعية الجماهيرية للتصدي للتمييز الهيكلي ضد المرأة. وعُرضت على اللجنة حالة امرأة من المجر تقول إن السلطات المجرية لم توفر لها الحماية من سلسلة الاعتداءات التي تعرضت لها من على أيدي زوجها السابق، الذي ارتبطت به عرفياً، وذلك رغم تكرارها طلب المساعدة. وفي هذه الحالة، أكدت اللجنة من جديد أنه إذا تقاعست السلطات الحكومية عن ممارسة الاهتمام الواجب لمنع وقوع انتهاكات الحقوق، والتحقيق فيها ومعاقبة مرتكبها، فإن الدولة نفسها تتحمل المسؤولية عما فعله مرتكبو الانتهاكات.
اللاجئون وطالبو اللجوء والنازحون داخلياً
انخفض عدد اللاجئين على مستوى العالم كله انخفاضاً كبيراً في السنوات الأخيرة، ولكن الواقع في عام 2005 كان يزيد كثيراً في تعقيده وكآبته عما توحي به الأرقام.
ففي عام 2004، وهو آخر عام تتوافر أعداد اللاجئين فيه، كان العدد المسجل هو أقل عدد على مدى نحو 25 عاماً. ويرجع السبب الأساسي لهذا الانخفاض إلى أعداد اللاجئين الذين عادوا إلى بلدانهم الأصلية، وإن لم يستطع الجميع أن يعودوا إلى بيوتهم وقراهم الأصلية، بل إن الكثيرين منهم عادوا في ظروف لم تكن طوعية أو آمنة أو تصون الكرامة.
وخلال الفترة من عام 2001 إلى عام 2004، عاد أكثر من خمسة ملايين لاجئ إلى بلدانهم الأصلية، وإن لم يعودوا جميعاً طوعاً. وكانت نسبة كبيرة من حالات العودة في أفغانستان وأنغولا وبوروندي والعراق وليبيريا، وهي بلدان لا تُكفل فيها السلامة والكرامة للاجئين بالضرورة. وكانت بعض حالات العودة تمثل انتهاكاً للمبدأ الأساسي المتمثل في “عدم جواز الإعادة القسرية إلى البلد الأصلي”، وهو حجر الزاوية في الحماية الدولية للاجئين، حيث يقضي بعدم إعادة أي شخص على غير إرادته إلى وضع قد يتعرض فيه لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وكثيراً ما أدى تركيز المجتمع الدولي والحكومات على مسألة الأعداد إلى تجاهل حقوق اللاجئين. ففي كثير من البلدان، تعرض طالبو اللجوء للحرمان من طلب الحماية، إما مادياً أو من خلال إجراءات لا تتيح الفحص المنصف لحالاتهم. ففي اليونان، على سبيل المثال، لم تعترف السلطات في عام 2004 إلا بحالات 11 فقط من طالبي اللجوء ورفضت طلبات 3713 آخرين. وكان معدل الرفض في الإجراءات السريعة المطبقة على اللاجئين في المملكة المتحدة يبلغ 99 بالمئة. وواجه بعض طالبي اللجوء في جنوب إفريقيا الترحيل التعسفي بسبب فساد الممارسات في مراكز استقبال اللاجئين وعند الحدود. وفي الصين، تعرض المئات، وربما الآلاف، من طالبي اللجوء من كوريا الشمالية للقبض عليهم وترحيلهم دون إتاحة الفرصة لهم لطلب اللجوء.
وإذا كان عدد الأشخاص الذين يعبرون الحدود الدولية طلباً للحماية قد انخفض، فإن عدد النازحين داخلياً ظل دون تغيير، أي 25 مليوناً، في عام 2004، وكان الكثيرون منهم قد شُردوا من ديارهم منذ سنوات طويلة. وواصلت بعض الدول رفضها السماح للمراقبين الدوليين برصد الأوضاع السائدة وحالة حقوق الإنسان في بلدان النازحين داخلياً. وفي تقريره المعنون “بحرية أكبر”، الصادر في مارس/آذار 2005 بشأن تنفيذ “أهداف الألفية للتنمية”، أوصى الأمين العام للأمم المتحدة بتعزيز الاستجابة المشتركة بين هيئات الأمم المتحدة لحاجات النازحين داخلياً من حيث الحماية والمساعدة. ونتيجةً لذلك وُضع “منهج عنقودي” جديد للعمل المشترك بين الهيئات، يتضمن الوعد بتحقيق المزيد من المساءلة، ولكن المستقبل سوف يكشف لنا عما إذا كان سوف يحقق قدراً أكبر من الحماية الموثوق بها والصلبة والمتماسكة لملايين النازحين داخلياً في شتى أرجاء العالم.
وقد ساءت أحوال اللاجئين المقيمين في مخيمات خلال عام 2005، وخاصةً بعد أن واجه كثيرون منهم تخفيض الحصص الغذائية المقدمة لهم، وهو الأمر الذي يُعد دليلاً على تقاعس حكومات العالم عن الوفاء بالتزاماتها الدولية التي تقضي بالمشاركة في مسؤولية حماية اللاجئين ومساعدتهم. وكثيراً ما أدى ذلك إلى زيادة العنف ضد المرأة، بما في ذلك العنف في محيط الأسرة، والاستغلال الجنسي للنساء اللائي كن يُرغمن على مبادلة الجنس بحصص الغذاء الذي يمثل الوسيلة الوحيدة للبقاء في قيد الحياة. واستمر حرمان اللاجئين من حرية الانتقال خارج المخيمات، ومن ثم عجزوا كسب الرزق، وهو ما يثير أسئلة خطيرة بشأن تأثير سياسات الإقامة مدداً طويلة داخل المخيمات على حقوق اللاجئين وحياتهم. وفي المدن، حُرم كثير من اللاجئين من أي وضع قانوني ومن الحق في العمل، مما فرض عليهم العيش في فقر مدقع، أو البحث عن سبل أخرى للبقاء في أماكن أخرى، وأحياناً بالسفر إلى بلدان أخرى، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر.
وفيما يتعلق بالحكومات الحريصة على تقليل التزاماتها بحماية اللاجئين إلى الحد الأدنى، فقد وجدت في مقولات “الحرب على الإرهاب” ذريعة أخرى لزيادة الضوابط القائمة على الحدود. وكان بعض السياسيين والإعلاميين في بلدان كثيرة يُضرمون سعير كراهية الأجانب، ولهيب العنصرية، ويزعمون كذباً وجود علاقة بين اللاجئين الإرهاب والإجرام، ويشعلون نيران العداء ضد طالبي اللجوء.
العدالة الدولية
شهد عام 2005 بعض التطورات المهمة في مجال إحالة مرتكبي الجرائم بموجب القانون الدولي إلى العدالة، بما في ذلك مذابح الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والتعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري. ومع ذلك، فقد استمر انتشار الإفلات من العقاب في المحاكم الوطنية في الدول التي وقعت فيها تلك الجرائم، وكذلك تطبيق بعض المحاكم في الدول الأخرى لقدر محدود فقط من الولاية القضائية العالمية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت “المحكمة الجنائية الدولية” للمرة الأولى أوامر باعتقال خمسة من قادة “جيش الرب للمقاومة”، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في شمالي أوغندا. ووجهت منظمة العفو الدولية نداءً إلى “المحكمة الجنائية الدولية” والحكومة الأوغندية تطالبهما فيه بضمان التحقيق في عشرات الآلاف من الجرائم الأخرى المرتكبة في غضون الصراع في أوغندا ومحاكمة مرتكبيها، بما في ذلك الجرائم التي اقترفتها القوات الحكومية. وحثَّت منظمة العفو الدولية الحكومة الأوغندية على إلغاء قانون العفو الذي يمنع المحاكم الأوغندية من التصدي لهذه الجرائم.
وواصلت “المحكمة الجنائية الدولية” تحقيقاتها في الجرائم المرتكبة في جمهورية الكونغو الديموقراطية ولكنها لم تصدر أوامر بالقبض على أحد خلال عام 2005 . كما قامت المحكمة بتحليلات مبدئية لثماني حالات أخرى، ولكن رئيس “المحكمة الجنائية الدولية” والمدعي العام فيها قالا إن ضيق موارد المحكمة يحد حالياً من قدرتها على القيام بأية تحقيقات جديدة حتى تنتهي من التحقيقات الجارية.
وإذا كان قيام مجلس الأمن بإحالة الجرائم المرتكبة في دارفور إلى “المحكمة الجنائية الدولية” يمثل خطوة إيجابية على طريق التصدي للإفلات من العقاب، فإنه مما يدعو للأسف أن مجلس الأمن، في إطار جهوده لإيجاد حل وسط يضمن به مؤازرة الولايات المتحدة، أدرج في قراره نصاً يعفي مواطني الدول غير الأطراف في “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية” (بخلاف السودان) من الولاية القضائية للمحكمة. وترى منظمة العفو الدولية أن هذا النص يؤدي إلى وضع معيارين للعدالة، ويمثل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وقد اكتسب الكفاح ضد الإفلات من العقاب دعماً من عمل المحاكم الدولية وغيرها من المحاكم التي اكتسبت الطابع الدولي، على الرغم من بعض القيود والنكسات. وقد أحرزت “المحكمة الخاصة بسيراليون” تقدماً في ثلاث محاكمات تشمل تسعة من المتهمين المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولكن حكومة سيراليون لم تتخذ أية خطوات لإلغاء العفو الصادر في إطار اتفاق السلام المعقود في لومي عام 1999، والذي يمنع محاكمة جميع الآخرين في سيراليون ممن كانوا مسؤولين عن جرائم بموجب القانون الدولي. وفي تجاهل لنداءات المجتمع الدولي، واصلت نيجيريا، بتأييد ظاهر من الاتحاد الأفريقي، رفض تسليم الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور إلى “المحكمة الخاصة بسيراليون”، حيث وجهت إليه تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ضد سكان سيراليون.
وشهد العام بعض التقدم في مجال إنشاء محاكم خاصة، أو هيئات قضائية استثنائية، لكمبوديا، ومن المتوقع أن تتولى محاكمة أكثر من ستة أشخاص على الجرائم المرتكبة أثناء حكم “الخمير الحمر”، بينما ظل عشراتُ الآلاف من الآخرين يتمتعون بالعفو الوطني الصادر. وقد ساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء تشكيل المحاكم وما إذا كان القضاة الكمبوديون قد نالوا التدريب والخبرة اللازمة، نظراً لنقاط الضعف الخطيرة في نظام القضاء الكمبودي.
كما ساهمت المحاكم الوطنية في عدد من البلدان في الجهود المبذولة لوضع حد للإفلات من العقاب من خلال مباشرة إجراءات التحقيق والمحاكمة بخصوص جرائم ارتُكبت في بلدان أخرى، وذلك استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية. فقد أُدين بعض الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم وفقاً للقانون الدولي في إسبانيا، وبلجيكا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وهولندا. وبدأت كندا النظر في أول قضية بموجب قانون الولاية القضائية العالمية الصادر فيها عام 2000، حيث وجهت إلى ديزريه مونيانيزا تهماً بارتكاب مذابح إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب في رواندا عام 1994 .
وفي سبتمبر/أيلول، طلبت بلجيكا من السنغال رسمياً تسليم الرئيس التشادي السابق حسين حبري، لمحاكمته بتهمة القتل العمد لما لا يقل عن 40 ألف شخص، فضلاً عن التعذيب المنظم والاعتقال التعسفي وغير ذلك من الجرائم، ولكن السنغال أحالت الأمر إلى الاتحاد الإفريقي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أُلقي القبض في شيلي على ألبرتو فوخيموري، رئيس بيرو السابق، وكانت اليابان تحميه من المحاكمة بتهمة ارتكاب حوادث إعدام خارج نطاق القضاء وتدبير حوادث “اختفاء” وترفض تسليمه إلى بيرو.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، بدأت في العراق محاكمة صدام حسين التي طال انتظارها. وعلى الرغم من ترحيب منظمة العفو الدولية بفرصة تحقيق العدالة في بعض الجرائم التي ارتكبت في عهد حكمه، فقد ساور المنظمة قلق شديد بشأن الافتقار إلى ضمانات المحاكمة العادلة في النظام الأساسي للمحكمة، والحرمان من الاتصال بالمحامين على نحو ملائم، والنص على عقوبة الإعدام.
وبالرغم من التقدم في مجال العدالة الدولية، فما زال الشوط طويلاً للتصدي للإفلات من العقاب. فقد وافق عام 2005 الذكرى السنوية العاشرة لوقوع المذبحة التي راح ضحيتها نحو ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة بعد أن استولى جيش صرب البوسنة في عام 1995 على منطقة سربرينتشا، التي أعلنتها الأمم المتحدة “منطقة آمنة”. وإذا كانت “المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة” قد أقرت بأن الجرائم المرتكبة في سربرينتشا تُعتبر جريمة إبادة جماعية، فإن نساء سربرينتشا اللائي قتل أزواجهن وأبناؤهن لا يزلن ينتظرن إحالة معظم مرتكبي الجرائم إلى العدالة. وفي يونيو/حزيران، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها إلى مجلس الأمن الدولي بصدد جهوده لإنهاء عمل “المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة” دون تكليف المحاكم المحلية الفعالة بالنظر في عشرات الآلاف من الجرائم التي عجزت المحكمة عن التحقيق فيها وإقامة الدعوى الجنائية. (كما ساور المنظمة قلق مماثل بشأن مستقبل “المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا”).
وعلى المستوى الدولي، تتطلب المحاكم الدائمة والمحاكم الخاصة المؤازرة الكاملة من الدول، سواء من حيث تقديم الموارد اللازمة أو إبداء الإرادة السياسية اللازمة لتسليم المشتبه فيهم. وعلى المستوى الوطني، لا بد من إزالة العراقيل التي تعوق إقامة الدعوى القضائية مثل مراسيم العفو العام. وفي الحالات التي يكون فيها النظام القضائي الوطني قد انهار بسبب الصراع، فلابد من وضع خطط طويلة الأجل، على وجه السرعة، لبنائه من جديد. وإذا كانت منظمة العفو الدولية ترحب بالزيادة التي شهدها عام 2005 في القضايا المرفوعة بموجب الولاية القضائية العالمية، فعلى الدول أن تضمن أنها لن تقدم ملاذاً آمناً للمتهمين بجرائم بموجب القانون الدولي
الحد من الأسلحة
ما برح التصدي لانتشار الأسلحة وسوء استعمالها يمثل عنصراً أساسياً من عناصر جهود منظمة العفو الدولية للقضاء على انتهاكات حقوق الإنسان، سواء المرتكبة في خضم الصراع، أو في إطار الجريمة أو العمليات الأمنية.
وشهد عام 2005 نجاحات بارزة لحملة “الحد من الأسلحة”، التي اشتركت في إطلاقها في أكتوبر/تشرين الأول 2003 كل من منظمة العفو الدولية، ومنظمة “أوكسفام” الدولية، و”شبكة التحرك الدولي بخصوص الأسلحة الصغيرة”.
وبحلول نهاية العام المنصرم، كانت نحو 50 حكومة قد أعلنت تأييدها لعقد معاهدة دولية ملزمة بشأن تجارة الأسلحة، وكان ذلك من المطالب الأساسية لحملة “الحد من الأسلحة”. ومن شأن إبرام بشأن تجارة الأسلحة، تقوم على أساس من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، أن تنقذ الأرواح وتمنع وقوع المعاناة وتحمي الأرزاق. وقد وعدت فنلندا، وكوستاريكا، وكينيا، والمملكة المتحدة، والنرويج، وغيرها من الدول بمؤازرة المعاهدة. وفي أكتوبر/تشرين الأول، دعا مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إلى التأييد العالمي لمثل هذه المعاهدة، وأبدت الحكومات تأييداً شديداً لموقف المملكة المتحدة الذي يدعو إلى إجراء مفاوضات منفصلة في الأمم المتحدة حول عقد معاهدة تشمل جميع الأسلحة التقليدية، والشروع في ذلك في أواخر عام 2006 .
وفي الأمم المتحدة، اتفقت الحكومات، في أكتوبر/تشرين الأول 2005، على وضع اتفاق عالمي لرصد ومتابعة الأسلحة الصغيرة، وهو ما يحقق إلى حد ما الاقتراح الذي قدمته حملة “الحد من الأسلحة”، أي بإقامة نظام عالمي لرصد الأسلحة الصغيرة ومحاسبة تجار السلاح، ولكن الاتفاق كان يستثنى الذخيرة، كما أنه لم يكن ملزماً قانوناً أيضاً.
وظلت تجارة الأسلحة على المستوى العالمي بعيدة عن المساءلة إلى حد كبير، وكانت معظم عمليات نقل الأسلحة محاطةً بالسرية، ولذلك ظل الحصول على إحصاءات دقيقة وحديثة أمراً عسيراً. ومع ذلك، تُظهر المعلومات المتاحة بعض الاتجاهات اللافتة للنظر. فقد كانت التجارة في معظم المعدات والخدمات العسكرية على مستوى العالم تنحصر في عدد قليل نسبياً من البلدان، حيث ذكر تقرير موثوق به أصدره الكونغرس الأمريكي أن هناك 35 بلداً تستورد نسبة 90 بالمئة من الأسلحة في العالم من حيث القيمة. وبحلول عام 2005، كان ما يزيد على 68 بالمئة من صادرات السلاح يذهب إلى بلدان الجنوب في العالم.
وكانت ستة بلدان من بين “مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى” (مجموعة الثمانية) بين أكبر عشرة مصدرين للأسلحة على مستوى العالم كله، وكانت البلدان الثمانية جميعها تصدر كميات هائلة من الأسلحة التقليدية الرئيسية أو الأسلحة الصغيرة إلى البلدان النامية. ولاشك أن وجود سلسلة من الثغرات ونقاط الضعف في وسائل الرقابة على تصدير الأسلحة، وهي شائعة في معظم بلدان “مجموعة الثمانية”، يعني أن التزام “مجموعة الثمانية” بتخفيض الفقر وتحقيق الاستقرار وحقوق الإنسان يتعرض للتقويض. وقد وصلت صادرات الأسلحة من “مجموعة الثمانية” إلى بعض من أفقر بلدان العالم وأشدها مكابدة للصراع، مثل جمهورية الكونغو الديموقراطية، والسودان، والفلبين، وكولومبيا.
وخلال عام 2005، استمر تدفق كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة من بلدان البلقان وأوروبا الشرقية إلى منطقة البحيرات العظمى في إفريقيا والتي مزقتها الصراعات. واستمر إرسال الشحنات إلى جمهورية الكونغو الديموقراطية رغم عملية السلام التي بدأت عام 2002، ورغم الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على الأسلحة.
أما الأسلحة والذخائر التي قُدمت إلى حكومات أوغندا وجمهورية الكونغو الديموقراطية ورواندا، فقد وُزعت بعد ذلك على الجماعات المسلحة والميليشيات في شرقي جمهورية الكونغو الديموقراطية، وهي جماعات ضالعة في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وإلى جانب ما ارتكبته هذه الجماعات المسلحة من جرائم، فقد دأبت بشكل وحشي على اغتصاب عشرات الآلاف من النساء وإيذائهن جنسياً. وكان تجار الأسلحة والوسطاء ومن يقومون بنقله، من بلدان كثيرة بينها إسرائيل وألبانيا والبوسنة والهرسك والجمهورية التشيكية وجنوب إفريقيا وروسيا وصربيا وكرواتيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، يشاركون في هذه الشحنات من الأسلحة، وهو ما يؤكد من جديد الأهمية القصوى لتنظيم عمليات الوساطة في نقل الأسلحة والاتجار بها. وبحلول نهاية عام 2005، كانت القوانين المنظمة لعمليات الوساطة هذه مقصورة على نحو 30 دولة فقط.
وقد سقط مئات الآلاف من القتلى بنيران الأسلحة الصغيرة في عام 2005 . ففي هايتي، على سبيل المثال، لجأت الجماعات المسلحة والجنود السابقون إلى استخدام الأسلحة الصغيرة في عمليات الاختطاف والإيذاء الجنسي والقتل للمواطنين الهايتيين وهم بمنجى من العقاب. وإذا لم يطبق نزع السلاح، إلى جانب إقامة العدالة الفعالة لإنصاف الضحايا، فإن هايتي معرضة لزيادة السقوط في هوة الأزمة.
وقد دفعت المرأة ثمناً باهظاً لعدم تنظيم التجارة في الأسلحة الصغيرة، سواء على مستوى حياتها الأسرية أو حياتها الاجتماعية، إذ إن وجود سلاح ناري في البيت يزيد كثيراً من خطر العواقب المهلكة الناجمة عن استخدام العنف. ولذلك، دعت حملة “الحد من الأسلحة” الحكومات في عام 2005 إلى التصدي لقصور القواعد المنظمة لاستخدام الأسلحة النارية، وضعف تنفيذ القوانين، وانتشار التمييز، مما يزيد من خطر تعرض المرأة للعنف.
التدوينات (RSS)