مقدمة واستهلال -ما الذي تفعله منظمة العفو الدولية  -حقوق الإنسان ضحية الحرب على الإرهاب  -المسؤوليات لا تعرف الحدود

مقدمة واستهلال

مقدمة

في غضون عام 2004، تعرضت الحقوق الإنسانية لعامة الناس من الرجال والنساء والأطفال للازدراء أو لانتهاكات جسيمة في كل بقعة من بقاع العالم. وما برحت المصالح الاقتصادية وصور النفاق السياسي وصنوف التمييز في مختلف الجوانب الاجتماعية تشعل أوار النزاعات في شتى أنحاء العالم. وبدا أن “الحرب على الإرهاب” كانت فعالة في الانتقاص من المبادئ العالمية لحقوق الإنسان بأكثر من فعاليتها في مواجهة “الإرهاب” العالمي. وظلت محنة ملايين النساء والفتيات اللاتي يعانين من العنف بسبب نوعهن، سواء في البيت أو المجتمع أو في مناطق الحروب، تُقابل بالتجاهل، بينما كان الإهمال الكامل تقريباً هو مصير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجماعات المهمَّشة.

وهذا التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية يغطي 149 بلداً، ويلقي الضوء على تقاعس الحكومات المحلية والمنظمات الدولية في التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان، كما يطالب بمزيد من المحاسبة على المستوى الدولي.

وفي الوقت نفسه، يسلِّم التقرير بأن ثمة فرصاً لتغيرات إيجابية قد لاحت خلال عام 2004، وكان ذلك في كثير من الأحيان بفضل مبادرات دعاة حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني. فقد اشتدت الدعوات لإصلاح آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وكانت هناك حملات نشيطة لإخضاع الشركات والمؤسسات لمزيد من المحاسبة، ولتعزيز العدالة الدولية، ولإحكام الرقابة على تجارة الأسلحة، ولاستئصال العنف ضد المرأة.

ولا تتوانى منظمة العفو الدولية عن نضالها، سواء في غمار الصراعات التي تستأثر بالاهتمام أو الأزمات الأخرى التي يكاد يطويها النسيان، من أجل تحقيق العدالة والحرية لجميع البشر، كما لا تكف عن السعي لحشد تأييد الرأي العام من أجل بناء عالم أفضل.

استهلال

أيرين خان، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية

في سبتمبر/أيلول الماضي، وفي مخيم مؤقت خارج بلدة الجنينة في دارفور، بالسودان، جلست أستمع إلى امرأة تصف هجوم قوات الميليشيا التي تدعمها الحكومة على قريتها. كان عدد القتلى من الرجال كبيراً إلى الحد الذي لم يبق معه مَنْ يدفن الموتى، واضطرت النساء إلى القيام بهذا العمل المحزن. واستمعت إلى الفتيان اللاتي اغتصبهن رجال المليشيا وتنكرت لهن مجتمعاتهن المحلية نفسها، واستمعت إلى الرجال الذين فقدوا كل شيء عدا الإحساس بكرامتهم، وكان هؤلاء ريفيين عاديين، وربما لم يكونوا قد فهموا دقائق مصطلح “حقوق الإنسان” ولكنهم كانوا يعرفون معنى “العدالة”، ولذلك لم يستطيعوا أن يفهموا لماذا لم تؤد نكبتهم إلى دفع العالم لاتخاذ إجراء ما بشأنها.

كان ذلك مثالاً آخر من التضافر المهلك بين اللامبالاة بحقوق الإنسان وتضاؤل مراعاتها وإفلات منتهكيها من العقاب في عالم اليوم، إذ لا يقتصر الأمر على أن تكون حقوق الإنسان بمثابة وعد نكث به أصحابه، بل أصبحت وعداً خانه من قطعه على نفسه.

ولننظر على سبيل المثال إلى عدم الانتقال من الألفاظ الرنانة إلى دنيا الواقع في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فعلى الرغم من الوعود الواردة في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان بأن يتمتع كل شخص بالحق في مستوى معيشي يفي بحاجاته، وبتوفير الغذاء والماء والمأوى والتعليم والعمل والرعاية الصحية له، فإن هناك ما يربو على مليار شخص يفتقرون إلى المياه النظيفة، وهناك 121 مليون طفل لا يذهبون إلى المدرسة، كما أن معظم من يعانون من مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) أو الحاملين لفيروس ذلك المرض، والذي يصل عددهم إلى 25 مليون شخص في إفريقيا، محرمون من الرعاية الصحية، وأن عدد النساء اللائي يتوفين سنوياً أثناء الحمل أو الولادة يبلغ نصف مليون امرأة. كما إن الفقراء أشد عرضةً للوقوع ضحية للجرائم ووحشية الشرطة.

وفي سبتمبر/أيلول 2000، أصدر قادة العالم “إعلان الألفية”، والذي ينص على مراعاة حقوق الإنسان باعتبارها الخيط الرئيسي في نسيجه، إلى جانب مجموعة من الأهداف الإنمائية للألفية التالية، وبعض الأهداف العملية التي يمكن تحقيقها بحلول عام 2015، وهي تشمل عدة قضايا مثل مرض الإيدز، والأمية، والفقر، ووفيات الأطفال والأمهات، والمعونة الإنمائية. ولكن الخطوات التي اتُخذت لتحقيق هذه الأهداف اتسمت بالبطء المؤلم والنقص المؤسف. ولن يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا عن طريق الالتزام الراسخ باحترام حقوق الإنسان جميعاً، سواء أكانت الحقوق الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، أو الحقوق المدنية والسياسية.

ومن المفزع أن تجتمع اللامبالاة وجمود الحس والإفلات من العقاب، وهو الأمر الذي يسمح باستمرار ارتكاب العنف ضد المرأة. فالمرأة تتعرض لأشكال كثيرة من العنف، من بينها تشويه الأعضاء التناسلية، والاغتصاب، والضرب من زوجها، والقتل باسم الشرف أو العرض. وبفضل جهود الجمعيات النسائية، أصبحت هناك الآن معاهدات وآليات دولية، وقوانين وسياسات، تهدف إلى حماية المرأة، ولكنها ما زالت أبعد ما تكون عن الوفاء بالمطلوب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ثمة خطراً حقيقياً يتمثل في رد فعل مضاد للحقوق الإنسانية للمرأة من جانب العناصر المحافظة والأصولية.

ولم تكن الحقوق الإنسانية للمرأة هي الضحية الوحيدة للاعتداء على القيم الأساسية والذي هز عالم حقوق الإنسان هزَّاً. أما المجال الذي تجلّى فيه ضرر هذا العدوان أكثر من غيره فهو الجهود التي بذلتها الإدارة الأمريكية لإضعاف قوة الحظر المطلق للتعذيب.

ففي عام 1973، أصدرت منظمة العفو الدولية أول تقرير لها عن التعذيب، وجاء فيه إن “التعذيب يترعرع في جو السرية والإفلات من العقاب. والتعذيب تعلو هامته عندما تزول الحواجز القانونية التي تمنعه. وهو يتغذى على التمييز والخوف، ويكتسب أرضاً جديدة عندما لا يواجه الإدانة المطلقة له”. وهكذا فإن صور المعتقلين لدى السلطات الأمريكية في سجن أبو غريب في العراق تدل على أن ما كان صحيحاً منذ ثلاثين عاماً لا يزال صحيحاً في الوقت الراهن أيضاً.

ورغم الاستنكار والاستياء الذي أبداه العالم كله تقريباً إزاء الصور الملتقطة في سجن أبو غريب، ورغم الأدلة التي توحي بأن أمثال هذه الممارسات يتعرض لها سجناء آخرون لدى السلطات الأمريكية في أفغانستان وقاعدة غوانتانامو وأماكن أخرى، فلم تدع الإدارة الأمريكية ولم يدع الكونغرس الأمريكي إلى إجراء تحقيق واف ومستقل في هذه القضية.

وبدلاً من ذلك، بذلت الحكومة الأمريكية جهوداً جبارة لوضع القيود على تطبيق اتفاقيات جنيف، و”لإعادة تعريف” التعذيب. فلقد سعت إلى تبرير استعمال أساليب التحقيق التي تتسم بالإكراه، واحتجاز ما يُسمى “المعتقلين الأشباح” (أي المعتقلين في أماكن سرية وفي عزلة عن العالم الخارجي) وكذلك “تسليم” السجناء إلى دول أخرى عُرف عنها ممارسة التعذيب. وقد أصبح المعتقل القائم في قاعدة خليج غوانتانامو يناظر سجن السُّخْرة السوفييتي القديم، إذ إنه يرسّخ ممارسة الاحتجاز التعسفي ودون أجل مسمّى، منتهكاً بذلك القانون الدولي. وأما المحاكمات التي تجريها اللجان العسكرية فتُعتبر مهزلة للعدالة والإجراءات القضائية الواجب اتباعها.

وباعتبار الولايات المتحدة القوة الكبرى التي لا منافس لها، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، فإنها هي التي تحدد “نغمة” سلوك الحكومات على امتداد العالم كله. وعندما تسخر أقوى دولة في العالم من سيادة القانون وحقوق الإنسان، فإنها تأذن للآخرين بارتكاب الانتهاكات بجرأة وبمنجاة من العقاب. فمن إسرائيل إلى أوزبكستان، ومن مصر إلى نيبال، لم تتورع الحكومات صراحةً عن تحدي القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان باسم الأمن القومي ومكافحة الإرهاب.

ومنذ ستين عاماً، ومن رماد نيران الحرب العالمية الثانية، تشكل وبرز نظام عالمي جديد يضع احترام حقوق الإنسان جنباً إلى جنب مع السلام والأمن والتنمية باعتبارها الغايات التي ترمي إليها الأمم المتحدة. ولكن الأمم المتحدة تبدو اليوم عاجزةً وعازفةً عن محاسبة الدول الأعضاء فيها.

وفي آخر مثال من أمثلة الشلل، عجز مجلس الأمن الدولي عن حشد الإرادة اللازمة لاتخاذ الإجراءات الفعالة في قضية دارفور، وكأنما قد احتُجز، في هذه الحالة، رهينةً للمصالح النفطية للصين والتجارة الروسية في السلاح. وكانت النتيجة أن أصبح المراقبون التابعون للاتحاد الإفريقي، والذين يتسمون بضعف معدّاتهم، يقفون عاجزين مكتوفي الأيدي وهم يشهدون جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. ومازال على العالم أن ينتظر ليرى ما إذا ما كان مجلس الأمن سوف ينفذ التوصية التي رفعتها إليه لجنة التحقيق الدولية بإحالة قضية دارفور إلى محكمة الجنايات الدولية.

ومن جهة أخرى، غدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ساحةً للمقايضات والمساومات الدقيقة في مجال حقوق الإنسان، إذ قررت اللجنة في العام الماضي إخراج العراق من قائمة البلدان التي تُفحص أحوالها، ولم تستطع أن تتوصل إلى اتفاق بشأن الشيشان، أو نيبال، أو زمبابوي، كما التزمت الصمت إزاء قاعدة خليج غوانتانامو.

وأما على مستوى البلدان نفسها، فإن قدرة الدولة على حماية حقوق الإنسان تمر بأزمة. ففي بعض الأماكن تتحكم الجماعات المسلحة، مثل أباطرة الحرب أو العصابات الإجرامية أو رؤساء العشائر، في حياة الناس. وكثيراً ما يؤدي الفساد إلى تقويض الإدارة الحكومية في بلدان عديدة، هذا إلى جانب سوء الإدارة والانحراف بالسلطة وأحداث العنف السياسي. وفي إطار اقتصاد العولمة، أصبحت اتفاقات التجارة الدولية، والمؤسسات المالية الدولية والشركات الكبرى هي التي تحدد شروط العمل، ومع ذلك فما أقل الآليات القائمة واللازمة لمواجهة إضرارها بحقوق الإنسان، وما أندر النظم الصالحة للمساءلة والمحاسبة.

لقد آن الأوان لوضع تقييم عاقل لما يلزم من إجراءات لإحياء نظام حقوق الإنسان وإيماننا بقيمه الخالدة. ولقد كان ذلك فحوى الأحكام التي أصدرتها المحكمة العليا في الولايات المتحدة بشأن معتقلي غوانتانامو، والأحكام التي أصدرها كبار رجال القانون في المملكة المتحدة بشأن احتجاز “المشتبه فيهم من الإرهابيين” إلى أجل غير مسمى ودون اتهام أو محاكمة. وكانت هذه هي الرسالة التي عبَّر عنها خروج الملايين من الإسبانيين تلقائياً في مظاهرات هائلة للاحتجاج على القنابل التي فُجرت في مدريد، والانتفاضات الشعبية في جورجيا وفي أوكرانيا، والمناظرات التي تزداد حدتها حول التغيير في الشرق الأوسط.

وفي داخل الأمم المتحدة أيضاً، أدى تعيين المفوض السامي الجديد لحقوق الإنسان في عام 2004، والتقرير الذي كَلَّفَ الأمينُ العامُ بإعداده لجنةً رفيعة المستوى بشأن التهديدات والتحديات والتغيير، إلى إيجاد المناخ اللازم لإصلاح وتجديد نظام حقوق الإنسان. ولا بد أن يقوم هذا النظام على أساس القيم والأهداف المشتركة، وعلى سيادة القانون لا السلطة التعسفية، وعلى التعاون الدولي لا المغامرات الفردية.

وتعتمد مصداقية النظام الدولي لحقوق الإنسان على قدرته على إعادة تأكيد أولوية حقوق الإنسان، ودورها الرئيسي في التصدي لشتى ضروب التهديدات للسلم والأمن الدوليين. والتحدي الذي يواجهه الدور القيادي للأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها واضح، وهو يتمثل في:

  • إعادة تأكيد وترسيخ حقوق الإنسان باعتبارها تجسيداً للقيم المشتركة والمعايير العالمية لكرامة الإنسان واحترامه، وللمساواة والعدالة. والاعتراف بأنها أساس لأمننا المشترك، وليست حاجزاً يحول دون إقراره.
    مقاومة كل جهد يرمي إلى تخفيف الحظر المطلق للتعذيب وللمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. فالتعذيب مُحرّم، وهو مستنكر من الناحية الأخلاقية، وهو يهدر إنسانية من يتعرض للتعذيب ومن يرتكبه. وهو أقصى انحراف عن الإنسانية القويمة. فإذا سمح المجتمع الدولي بهدم هذا العماد الأساسي، فلن يبقى ثمة أمل مطلقاً غي إنقاذ باقي الأعمدة.
    إدانة ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان إدانةً لا لبس فيها ولا غموض، وهي التي يرتكبها من هبطوا بإنسانية الإنسان إلى أحط دركات الحيوانية والوحشية، من يفجرون قطارات الذاهبين إلى عملهم في مدريد، ويقطعون رؤوس عمال الإغاثة الإنسانية في العراق، وإن كان لا بد هنا من التأكيد بحزم أن الحكومات تتحمل مسؤولية إحالتهم إلى العدالة في إطار سيادة القانون وحقوق الإنسان. والواقع أن احترام حقوق الإنسان هو أنجع ترياق لعلاج “الإرهاب”.
    وضع حد للإفلات من العقاب وسد “العجز” في حساب المساءلة بالنسبة لحقوق الإنسان. فعلى المستوى القومي، من شأن إجراء تحقيق واف ومستقل في استخدام المسؤولين الأمريكيين للتعذيب، وارتكابهم انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان، أن يساهم مساهمة كبيرة في استعادة الثقة في أن العدالة الحقة لا تكيل بمكيالين. وعلى المستوى الدولي، لا بد من تدعيم محكمة الجنايات الدولية حتى تصبح أداة ردع قادرة على الحد من ارتكاب الجرائم البشعة وأداة فعالة في تعزيز حقوق الإنسان.
    الإصغاء إلى أصوات الضحايا والاستجابة لصرخاتهم طلباً للإنصاف، وعلى أعضاء مجلس الأمن الدولي أن يلتزموا بعدم استعمال حق النقض (الفيتو) عند نظر جرائم الإبادة الجماعية، أو الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب، أو غيرها من الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان. وعليهم أن يحاولوا جاهدين إبرام معاهدة دولية، وغيرها من الوسائل اللازمة لوضع الضوابط على تجارة السلاح التي تؤدي إلى قتل نصف مليون شخص في كل عام.
    إصلاح آليات حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بصفة جذرية على وجه السرعة ابتغاء زيادة مشروعيته وكفاءته وفاعليته، وبصفة خاصة تدعيم قدرات الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية لحماية الأشخاص المعرضين لخطر انتهاك حقوق الإنسان.
    الربط بين تحقيق أهداف الألفية الإنمائية، وهي التي وُضعت في صيغة كميّة، إلى تلبية حقوق الإنسان تلبية كيفيّة، وخصوصاً الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق المساواة للمرأة، وتوسيع إطار المساءلة عن حقوق الإنسان حتى يشمل أصحاب الشركات والمؤسسات المالية.
    حماية النشطاء في مجال حقوق الإنسان الذين يزداد تعرضهم للتهديد وإطلاق صفة المخربين عليهم. ولما كانت المساحة المتاحة للفكر الحر في تضاؤل، والتعصب في ازدياد، فلابد من اليقظة في حماية المجتمع المدني، لأن السعي في سبيل الحرية يتوقف على ذلك مثلما يعتمد على سيادة القانون واستقلال القضاء وحرية الإعلام والحكومات المنتخبة.
    تُرى هل تقدم الحكومات والأمم المتحدة على اعتماد جدول الأعمال المذكورة وتنفيذه؟ إن على دعاة حقوق الإنسان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن ينهضوا بالدور المنوط بهم في تعبئة الرأي العام للضغط على الحكومات والمنظمات الدولية. ولقد أظهر عام 2004، وبأسلوبين بالغي الاختلاف، كيف أدت تعبئة الجماهير لمساندة ضحايا التفجير في مدريد وموجة تسونامي المهلكة في المحيط الهندي إلى تبيان مدى قدرة الناس العاديين على إحياء الأمل حتى انتصر على الخوف، ونُصْرة العمل حتى قهر التقاعس، ونُصْرة التضامن حتى تغلب على اللامبالاة. إن منظمة العفو الدولية تؤمن بقدرة الناس العاديين على إحداث تغيير هائل، وسوف تستمر مع أعضائها ومؤيديها، في عام 2005، في النضال في سبيل العدالة والحرية للجميع. ولسوف تظل إلى الأبد تستمسك بالأمل وتبث الرجاء.

ما الذي تفعله منظمة العفو الدولية

تسعى منظمة العفو الدولية من أجل حشد النشطاء المتطوعين، وهم أناس يبذلون قسطاً من وقتهم وجهدهم بلا مقابل، تضامناً مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. وفي الإحصاء الأخير الذي قامت به المنظمة، كان هناك ما يربو على مليون و800 ألف عضو ومؤيد ومشترك في أكثر من 150 بلداً ومنطقة.

وينتمي أعضاء منظمة العفو الدولية إلى مختلف الخلفيات الثقافية والاجتماعية، وتتفاوت معتقداتهم السياسية والدينية تفاوتاً كبيراً، ولكنهم متحدون في تصميمهم على العمل من أجل عالم يتمتع فيه كل فرد بحقوقه الإنسانية. وينتظم أعضاء منظمة العفو الدولية في مجموعات، في المجتمعات المحلية والمدارس والجامعات. كما يشارك آخرون في الشبكات العاملة بشأن بلدان أو موضوعات معينة، أو يتبنون أسلوباً بعينه من الأساليب النضالية.

وفي غضون عام2004، ناضل أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها في مختلف بلدان العالم من أجل وقف الفضيحة العالمية في مجال حقوق الإنسان المتمثلة في العنف ضد المرأة، والتي تدمر حياة أعداد لا تُحصى من النساء والفتيات. كما سعوا إلى وضع ضوابط لتجارة الأسلحة في العالم، والتي تؤجج الصراعات والفقر وانتهاكات حقوق الإنسان. ولم يدخر هؤلاء المناضلون وسعاً في حث حكومات بلدانهم على دعم “المحكمة الجنائية الدولية” من أجل وضع حد للحصانة التي يتمتع بها مرتكبو أفظع الجرائم التي عرفتها البشرية، والتي تجعلهم بمنأى عن العقاب والمساءلة. كما عمل أعضاء المنظمة وأنصارها من أجل حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين يتصدرون الصفوف في ساحة النضال، ومن أجل الدفاع عن حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء، وكثيراً ما قاموا بعملهم هذا وسط أجواء تتسم بالعداء. وركزت بعض شبكات النشطاء على حقوق الأطفال، وحقوق ذوي الميول الجنسية المثلية ذكوراً وإناثاً وذوي الميول الجنسية الثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر. واهتمت شبكات أخرى بقضايا تتعلق بالعلاقات الجارية والاقتصادية، بينما سعت بعض الشبكات إلى حشد قطاعات بعينها، مثل الطلاب والشباب، والنقابيين، والعاملين في المهن الطبية.

وسعت إحدى الحملات الرئيسية التي شنتها المنظمة خلال العام المنصرم إلى لفت الأنظار إلى المأساة الإنسانية في إقليم دارفور بالسودان، حيث لقي آلاف المدنيين مصرعهم، وشُرد عشرات الآلاف وأصبحو بلا مأوى، وتعرضت آلاف النساء للاغتصاب على أيدي أفراد الميليشيا التي تدعمها الحكومة. ودعت منظمة العفو الدولية إلى التوقف عن عمليات نقل السلاح التي تؤدي إلى إطالة أمد الصراع، وكذلك إلى تقديم من ارتكبوا جرائم انتهاكات حقوق الإنسان إلى ساحة العدالة. وكان من بين القضايا الأخرى التي تصدت لها المنظمة عبر نضالها: الاتجار في البشر في أوروبا؛ وأزمة حقوق الإنسان في هايتي؛ وحوادث “الاختفاء” في نيبال؛ وبواعث القلق المستمرة في العراق في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ثم الاحتلال؛ وتجنيد الأطفال في مختلف أنحاء العالم. وبمناسبة ذكرى مرور 20 عاماً على كارثة تسرب غازات سامة من أحد المصانع في بوبال بالهند، سلَّطت منظمة العفو الدولية الضوء على الحقيقة المريرة المتمثلة في أن الضحايا لم يحصلوا حتى الآن على تعويضات أو على الرعاية الطبية الملائمة، كما أن موقع المصنع لم يُطهر بعد ومن ثم ما زال يلوث المنطقة بأسرها، ولم يُحاسب أحد على التسبب في مصرع ما يزيد عن 20 ألف شخص، فضلاً عن الأمراض العضال التي أصابت آلافاً آخرين.

وأياً ما تكون القضية التي تحظى بالاهتمام، فإن الأنشطة التي ينهض بها أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها والعاملون فيها ترمي إلى مد يد العون إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ومن يدافعون عنهم، وكذلك إلى التأثير في من بيدهم مقاليد السلطة من أجل تغيير الأوضاع الجائرة.
منظمة العفو الدولية: حركة ديمقراطية

منظمة العفو الدولية هي حركة ديمقراطية تتمتع بالاستقلالية في إدارة شؤونها. ويتولى المجلس الدولي للمنظمة، المؤلف من ممثلين لجميع الفروع المحلية، مهمة اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات العامة للمنظمة. ويجتمع المجلس مرةً كل عامين، وله صلاحية تعديل القانون الأساسي الذي ينظم عمل المنظمة وأساليبها. (ويمكن الحصول على نسخ من القانون الأساسي من الأمانة الدولية للمنظمة، أو من موقع المنظمة على شبكة الإنترنت، وعنوانه: www.amnesty-arabic.org). وينتخب المجلس الدولي لجنة تنفيذية دولية مؤلفةً من الأعضاء المتطوعين، تتولى تنفيذ قراراته، وتعيين الأمين العام للمنظمة، الذي يتولى أيضاً رئاسة الأمانة الدولية، وهو المتحدث الرسمي باسم الحركة.

والأمينة العامة للمنظمة هي أيرين خان (بنغلاديش)، وأعضاء اللجنة التنفيذية الدولية (الذين انتُخبوا للفترة من عام 2003 إلى 2005) هم: مارغريت بيدغود (نيوزيلند)، وألفارو بريسينو (فنزويلا)، وإين جيبسون (أستراليا)، وبول هوفمان (الولايات المتحدة الأمريكية)، ومريم لام (السنغال)، وكلير بابونو (فرنسا)، وماريان بينك (النمسا)، وهانا روبرتس (السويد)، وياب روزين ياكبسون (هولندا، وقد تولى رئاسة اللجنة التنفيذية منذ سبتمبر/أيلول 2004).

وتنهض الفروع المحلية لمنظمة العفو الدولية، وشبكات ومجموعات المتطوعين المحلية، بالمسؤولية الأساسية في تمويل الحركة. والمنظمة لا تطلب، ولا تقبل، أية أموال من الحكومات لمساعدتها في عملها المتعلق بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والنضال ضدها. وتُنشر المعلومات المتعلقة بالشؤون المالية لمنظمة العفو الدولية سنوياً في تقرير المراجعة للمنظمة.

ويمكن الحصول على مزيد من المعلومات عن منظمة العفو الدولية من مكاتب الفروع، ومن موقع المنظمة على شبكة الإنترنت، وعنوانه: www.amnesty-arabic.org، ومن الأمانة الدولية على العنوان التالي:

International Secretariat, Peter Peneneson House, 1 Easton Street, London WC1X ODW, United Kingdom

المبادئ الأساسية لعمل منظمة العفو الدولية

منظمة العفو الدولية حركة مستقلة عن جميع الحكومات والمعتقدات السياسية والعقائد الدينية. وهي لا تؤيد ولا تعارض آراء الضحايا الذين تسعى لحماية حقوقهم. وهي ليست معنية إلا بحماية حقوق الإنسان دون تحيُّز.

وتكوِّن منظمة العفو الدولية مجموعة عالمية من المدافعين عن حقوق الإنسان بناءً على مبادئ التضامن الدولي، والتحرك الفعَّال من أجل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وعالمية حقوق الإنسان مع عدم قابليتها للتجزؤ، والتجرد والنزاهة والاستقلالية، والديمقراطية، والاحترام المتبادل.

وتتطلع منظمة العفو الدولية إلى بناء عالم يتمتع فيه البشر كافةً بجميع حقوق الإنسان المنصوص عليها في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، وفي غيره من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وتطمح المنظمة إلى إعلاء شأن القيم الإنسانية على المستوى العالمي، من أجل تعزيز قوى العدل، وهي القوى التي تبث الأمل في قلوب الكثيرين ممن عانوا من انتهاكات حقوق الإنسان في شتى أنحاء المعمورة.

وسعياً لتحقيق هذه الغاية، تقوم منظمة العفو الدولية بأبحاث وأنشطة من أجل منع الانتهاكات الجسيمة التي تمس الحق في السلامة الجسدية والعقلية، وحرية التفكير والتعبير، والتحرر من التمييز، في إطار عملها للارتقاء بجميع حقوق الإنسان.

أعلى الصفحة

أوقفوا العنف ضد المرأة

يُعد العنف ضد المرأة من أكبر الفضائح في مجال حقوق الإنسان في عصرنا. فمن المهد إلى اللحد، وفي السلم وفي الحرب، تتعرض النساء للتمييز والعنف على أيدي الدولة والمجتمع والأسرة.

وتبين حملة منظمة العفو الدولية، التي بدأت في مارس/آذار 2004 تحت شعار “أوقفوا العنف ضد المرأة”، أن ظاهرة العنف ضد المرأة متفشية في جميع أنحاء العالم، إلا إنها ليست قدراً محتوماً.

وتهدف حملة “أوقفوا العنف ضد المرأة” إلى حشد جهود الرجال والنساء على حد سواء في عمل منظم من أجل التصدي لأشكال العنف ضد المرأة، والاستعانة بما يوفره إطار حقوق الإنسان من قوة وإقناع في الجهود الرامية إلى وقف العنف ضد المرأة. وتتوجه الحملة إلى الجميع، على مستوى الحكومات والمجتمعات المحلية والأفراد، داعيةً إلى أن يقر كلٌ بمسؤوليته عن وقف هذه الفضيحة العالمية في مجال حقوق الإنسان.

مجالات عمل منظمة العفو الدولية

تتمحور أنشطة منظمة العفو الدولية، الرامية إلى بناء عالم أفضل، حول ثمانية أهداف أساسية على المستوى العالمي

إصلاح وتعزيز قطاع القضاء

تقر المجتمعات وأنظمة الحكم على اختلافها بالأهمية الجوهرية لسيادة القانون بالنسبة لأي مجال من مجالات النشاط البشري. وبالرغم من ذلك، فإن كثيراً من المؤسسات المحلية، التي أُنيطت بها مهمة تعزيز سيادة القانون، تعاني من أوجه قصور خطيرة، مما يؤدي إلى استمرار انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع، وإلى بقاء مرتكبيها بمنجى من العقاب. ومن بين هذه الانتهاكات حبس سجناء الرأي؛ والمحاكمات السياسية الجائرة؛ والتعذيب وسوء المعاملة؛ وحوادث “الإخفاء” وأعمال القتل دون وجه حق. وقد شهد العقد الماضي تنامياً سريعاً للآليات الدولية الرامية إلى تعويض ذلك القصور في المؤسسات المحلية، بيد أنها لا تزال في مرحلة جنينية، ولا تزال مثار جدل واختلاف في الآراء.

وتتمثل أهداف منظمة العفو الدولية في:

  • إصلاح جوانب عمل الشرطة وتعزيز دور القضاء
    التصدي للتمييز في قطاع القضاء، وخاصة فيما يتعلق بذوي الميول الجنسية المثلية ذكوراً وإناثاً وذوي الميول الجنسية الثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر، وكذلك الأقليات العرقية والدينية
    توطيد دعائم العدالة الجنائية الدولية، وخاصة من خلال دعم “المحكمة الجنائية الدولية” ومبدأ الولاية القضائية العالمية
    ضمان حقوق الإنسان في مراحل العدالة الانتقالية
    تعزيز الآليات المسؤولة عن محاسبة الدول، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، مع التركيز بصفة خاصة على إصلاح الأمم المتحدة
    وضع مزيد من المعايير الدولية، بما في ذلك مثلاً معايير تتعلق بحوادث “الاختفاء” وبأنشطة الشركات
    بحث تأثير الفساد على سبل إقرار العدالة
    إلغاء عقوبة الإعدام

استمرت قوة الدفع للدعوة الرامية إلى إلغاء عقوبة الإعدام، ولاسيما على مستوى المنظمات الحكومية الدولية، مع ظهور “الائتلاف العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام”، بالإضافة إلى أنشطة المنظمات المحلية الساعية إلى إلغاء عقوبة الإعدام. ومع ذلك، فما برح عدد لا يُستهان به من دول العالم يرفض إلغاء العقوبة، وتُستخدم مخاطر “الإرهاب” والمخدرات والجريمة المنظمة لتبرير الإبقاء على عقوبة الإعدام، بل والعودة إلى فرضها في بعض الأحيان.

أعلى الصفحة

وتتمثل أهداف منظمة العفو الدولية في:

  • تعزيز الاتجاه إلى إلغاء عقوبة الإعدام أو إلى وقف تنفيذها، سواء في بلدان بعينها أو على المستوى العالمي، وخاصةً بإظهار أثر التمييز في هذا الصدد
    رصد التطورات المتعلقة بعقوبة الإعدام على مستوى العالم، والتصدي على وجه السرعة لبعض الأحداث العاجلة، ومن ذلك مثلاً التحركات بشأن حالات الإعدام الوشيك.
    تقديم إحصائيات عن عقوبة الإعدام على مستوى العالم، وتقارير عن الموضوع، فضلاً عن التحركات
    الكف عن تطبيق عقوبة الإعدام على الجناة من الأطفال
    حماية حقوق المدافعين عن حقوق الإنسان

يحتل المدافعون عن حقوق الإنسان موقع الصدارة في النضال من أجل إعلاء شأن حقوق الإنسان. ويوماً بعد يوم، يتزايد الإقرار بأهمية الدور الذي ينهض به هؤلاء النشطاء في سبيل تعزيز حقوق الإنسان. ومع ذلك، يُستهدف النشطاء عمداً وبشتى الطرق في مختلف أنحاء العالم. وتلجأ الحكومات إلى ذرائع عدة، مثل الأمن و”الحرب على الإرهاب”، من أجل إخراس الانتقادات المشروعة لسياساتها.

وتتمثل أهداف منظمة العفو الدولية في:

  • الاستعانة بالمدافعين عن حقوق الإنسان من جميع قطاعات المجتمع، وبناء التحالفات، وتعزيز المهارات، مع إبراز صورة المدافعات عن حقوق الإنسان بصورة أكبر
    تسليط الضوء على إسهام المدافعين عن حقوق الإنسان في ضمان أمن المجتمع بصفة عامة، والتصدي للانتهاكات التي تنتقص من حقوقهم، ولاسيما تلك الناجمة عن إجراءات أمنية
    تعزيز حماية المدافعين عن حقوق الإنسان وسلامتهم، والتصدي لإساءة استخدام النظام القضائي من أجل اضطهادهم
    توسيع نطاق استخدام “إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان”، ودعم العمل الذي تقوم به آليات الحماية التابعة للأمم المتحدة والآليات الإقليمية

أعلى الصفحة

التصدي للانتهاكات المرتكبة في سياق “الحرب على الإرهاب”

يتعرض إطار القانون الدولي والعمل المشترك بين الأطراف المتعددة لأشد هجمة منذ نشأته. إذ يطعن البعض في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي باعتبارهما عاجزين عن التصدي لقضايا الأمن. ولا تتورع بعض الحكومات عن إهدار معايير حقوق الإنسان، بينما تواصل الجماعات المسلحة ارتكاب الانتهاكات، بل ويعمل بعضها في إطار تحالف دولي فضفاض. وفي الوقت نفسه، يتزايد الاستقطاب في أوساط الرأي العام.

وتتمثل أهداف منظمة العفو الدولية في:

  • التصدي للآثار التي تخلفها إجراءات “الحرب على الإرهاب” في مجال حقوق الإنسان، مع التركيز بصفة خاصة على ضمانات الاحتجاز والمحاكمة، والتعذيب، وأعمال القتل، والقوانين والممارسات التي تنطوي على التمييز
    التصدي لآثار اتفاقيات التعاون بين الدول على حماية حقوق الإنسان
    تعزيز الآليات الدولية والإقليمية لمحاسبة الدول
    رصد الانتهاكات التي ترتكبها الجماعات المسلحة وعرضها، واستكشاف إستراتيجيات تكفل إثارة بواعث القلق بشأن حقوق الإنسان مع تلك الجماعات
    تعزيز التفسيرات التقدمية لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، باعتبارها ذات صلة بإجراءات “الحرب على الإرهاب”
    تعزيز حقوق اللاجئين والمهاجرين

ازداد الخلاف والاستقطاب في المناقشات المتعلقة بحقوق اللاجئين والمهاجرين والنازحين، كما أصبحت هذه القضية تحظى بقدر كبير من التغطية الإعلامية. ومن الواضح أن أعداداً من البشر سوف يواصلون عبور الحدود من بلد إلى آخر، إما بحثاً عن ملاذ من الاضطهاد أو سعياً إلى مستوى معيشي أفضل. وفي المقابل، فلن تتوقف الحاجة إلى المهاجرين، بما يمثلونه من أيدي عاملة رخيصة يمكن استغلالها. وبين هذه وذاك، سوف تستمر نزعات كراهية الأجانب والمشاعر العنصرية تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. أما الإجراءات المقيِّدة التي تهدف إلى الحد من الهجرة والتدابير الأمنية التي تستهدف الأجانب فليس من شأنها إلا أن تدفع البعض إلى التنقل “سراً”. وفي سياق هذا كله، فسوف يصبح المهاجرون أكثر عرضةً لشتى الانتهاكات لحقوق الإنسان.

وتتمثل أهداف منظمة العفو الدولية في:

  • الدفاع عن حق اللاجئين في ألا تتم إعادتهم إلى بلدان قد يعانون فيها من انتهاكات لحقوقهم الإنسانية الأساسية
    الدفاع عن حق طالبي اللجوء في أن يباشر كل منهم إجراءات تتسم بالعدل والنزاهة للبت في أوضاعهم.
    ضمان تبني نهج يقوم على أساس من حقوق الإنسان في إطار البحث عن حلول للمشاكل الناجمة عن اللجوء
    تعزيز الحقوق الإنسانية للمهاجرين
    رصد ومواجهة ممارسات الاحتجاز التعسفي التي تُطبق على اللاجئين والمهاجرين
    تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لللاجئين والمهاجرين
    تحسين مستوى حماية الفتيات والنساء اللاجئات والنازحات، واللائي يكن أكثر عرضة للاستغلال والإيذاء الجنسي.
    تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات المهمشة

يُعد التفاوت المتزايد على مستوى العالم، وتقاعس الحكومات عن خفض عدد الذين يعيشون في فقر انخفاضاً ملموساً من بين أبرز مشكلات حقوق الإنسان التي يتسم بها عصرنا. وما زال كثيرون لا يدركون أن الفقر يثير قضايا أساسية في مجال حقوق الإنسان. وبالرغم من ذلك، يشهد العالم أنشطة متنامية تدور حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبدأت حركات اجتماعية واسعة النطاق تتبنى الدفاع عن هذه الحقوق في سياق حملات عالمية بخصوص قضايا من قبيل التجارة والمعونة والاستثمار والديون والحصول على الدواء.

أعلى الصفحة

حملة الحد من الأسلحة

أصبحت تجارة السلاح خارج نطاق السيطرة. ففي شتى أنحاء العالم، يؤدي انتشار الأسلحة إلى إذكاء نار الصراعات وتأجيج الفقر وتفشي انتهاكات حقوق الإنسان. ولهذا، بدأت منظمة العفو الدولية، بالتعاون مع اثنتين من المنظمات الحكومية، هما منظمة “أوكسفام” و”شبكة التحرك الدولي بخصوص الأسلحة الصغيرة”"، حملةً عالميةً للحد من الأسلحة، وذلك في أكتوبر/تشرين الأول 2004 .

وعلى المستوى الدولي، تهدف الحملة إلى حث الحكومات على وضع معاهدة دولية لتجارة الأسلحة، تلزم الحكومات بعدم نقل أسلحة إلى أي مكان في العالم، إذا كان من المحتمل أن تُستخدم في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وفي جرائم حرب.

وعلى المستوى الوطني ومستوى المجتمعات المحلية، تدعو الحملة إلى اتخاذ إجراءات لحماية الأفراد من مخاطر العنف المسلح. ومن بين هذه الإجراءات: وضع قوانين وتدابير صارمة للرقابة على تجارة الأسلحة؛ وخفض كمية الأسلحة المتداولة بشكل غير قانوني؛ وتحسين مستوى تدريب ومساءلة الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون من خلال برامج تقوم على أساس من احترام مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. كما تدعو الحملة إلى مزيد من التوعية في أوساط المجتمع المدني بخصوص سلامة المجتمع، وذلك من أجل التصدي لمناخ العنف، بما في ذلك إبراز الصلات بين انتشار الأسلحة والمفاهيم التقليدية عن الرجولة.

النشرة الإخبارية لمنظمة العفو الدولية

تصدر النشرة الإخبارية لمنظمة العفو الدولية شهرياً لأعضاء المنظمة وفروعها والمشتركين. وتقدم النشرة عرضاً موجزاً للتقارير الصادرة عن المنظمة، وتفاصيل عن الأنشطة والتحركات التي تقوم بها المنظمة، بالإضافة إلى صفحة كاملة للمناشدات العالمية، وهي مناشدات للرأي العام لمساندة ضحايا التعذيب والسجن إثر محاكمات جائرة وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان. ومن خلال ذلك، تُطلع النشرة قراءها على الجوانب المختلفة لنضال منظمة العفو الدولية، وتحثهم في الوقت نفسه على المشاركة في تحركات مباشرة للتصدي للانتهاكات.

وتصدر النشرة الإخبارية لمنظمة العفو الدولية باللغات الإنجليزية والعربية والفرنسية، ويمكن الاطلاع عليها في صورتها المطبوعة من خلال الاشتراك، كما يمكن مطالعتها مجاناً من خلال موقع المنظمة على شبكة الإنترنت، وعنوانه: www.amnesty-arabci.org

وللاشتراك في النشرة، يُرجى إرسال رسالة بالبريد الإلكتروني إلى: ppmsteam@amnesty.org هذا الإيميل محمي من السرقة في القوائم البريدية , تحتاج لدعم جافا سكريبت لمشاهدته ، أو الكتابة إلى العنوان التالي:

Marketing & Supply Team (The Wire subscriptions), Amnesty International, International Secretariat, Peter Penenson House, 1 Easton Street, London WC1X0 DW, United Kingdom

وتتمثل أهداف منظمة العفو الدولية في:

  • تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باعتبارها جزءاً من حقوق الإنسان، بما في ذلك المشاركة في الأنشطة العالمية بخصوص قضايا مثل التجارة.
    تعزيز الإقرار بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال مبادرات للإصلاح القانوني على المستوى الوطني، ووضع معايير وآليات على المستوى الدولي
    مواجهة الانتهاكات الجسيمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كثيراً ما تعاني منها الفئات المهمشة
    التصدي للانتهاكات الناجمة عن الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والفيروس المسبب له
    إلقاء الضوء على التزامات المؤسسات الاقتصادية، مثل الشركات، وكشف النقاب عن الانتهاكات في هذا المجال، ومنها مثلاً التمييز في فرص العمل والتوظيف
    تعزيز مبادئ حقوق الإنسان في اتفاقيات الخصخصة والاستثمار والتبادل التجاري

وقف العنف ضد المرأة

يمثل العنف ضد المرأة واحداً من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان تفشياً واستمراراً، كما أنه واحد من أكثر تلك الانتهاكات التي تتواري عنها الأنظار. وينتشر هذا النوع من العنف متجاوزاً الحدود الثقافية والإقليمية والدينية والاقتصادية، ويتجلى في محيط الأسرة والمجتمع، وفي مؤسسات الدولة، وفي سياق الصراعات، وبعد أن تضع الصراعات أوزارها. وبفضل الجهود الباسلة، ولاسيما تلك التي تقوم بها الحركات النسائية، أُحرز قدر كبير من التقدم في مجال تعزيز حقوق المرأة في القانون الدولي، بما في ذلك القانون الجنائي. إلا إن هذه الإنجازات لم تحقق تغييراً يُذكر حتى الآن في الواقع المرير لكثير من النساء، وما زالت شتى صنوف العنف تُرتكب بلا هوادة.

وتتمثل أهداف منظمة العفو الدولية في:

  • مطالبة الحكومات بتجريم الاغتصاب، وبالتصديق على “اتفاقية المرأة” دون إبداء تحفظات
    التصدي للإفلات من العقاب عن جريمة الاغتصاب وغيرها من صنوف العنف ضد المرأة، بما في ذلك ما ترتكبه الجماعات المسلحة، سواء كان ذلك في سياق الصراعات أو في أعقابها
    ضمان قيام الدول بحماية حقوق المرأة واحترامها وإعمالها، باستخدام معيار الحرص الواجب على المستويين الوطني والمحلي لمحاسبة الدول عن مدى الوفاء بالتزاماتها
    التصدي للتغاضي عن العنف ضد المرأة في أوساط المجتمع، وحث السلطات الرسمية والتقليدية على اتخاذ إجراءات فعالة لمواجهته
    دعم ومناسدة المدافعات عن حقوق المرأة
    وضع سياسات تكفل الحقوق المتعلقة بالصحة الإنجابية وما يتصل بها من قضايا
    حماية المدنيين ومواجهة الثغرات التي تؤدي إلى زيادة الانتهاكات في سياق الصراعات

تبدو الصراعات مرضاً مستوطناً في بعض مناطق العالم. فقضايا الهوية والفقر تُعد من أكثر الأسباب شيوعاً لنشوب الصراعات، ومن المفارقات أن تكون الثروات المعدنية أيضاً من بين هذه الأسباب. وأحياناً ما تجد الدول الضعيفة نفسها في مواجهة جماعات مسلحة تتمتع بقوة اقتصادية؛ وكثيراً ما تعمل بعض الحكومات والشركات الخاصة والجماعات التي تقيم خارج بلدانها على إطالة أمد الصراعات. ونتيجةً لهذا كله، تستمر الانتهاكات ضد المدنيين على نطاق واسع، ويظل مرتكبو الانتهاكات مطلقي العنان بمنأى عن العقاب، وذلك بالرغم من التطورات القانونية المهمة على المستويين الوطني والدولي. وفي كثير من الأحيان، يبدو أن الحماية الناجعة تعتمد على وجود قوات أجنبية.

وتتمثل أهداف منظمة العفو الدولية في:

  • المطالبة بإخضاع الدول والجماعات المسلحة على حد سواء للمحاسبة عما وقع من انتهاكات في سياق الصراعات المسلحة
    تعزيز مبادئ حماية المدنيين، بما في ذلك من خلال عمليات حفظ السلام وإحلال السلام
    التصدي لظاهرة تجنيد الأطفال
    المطالبة بمحاسبة الأطراف الخارجية الضالعة في ارتكاب الانتهاكات، بما في ذلك الدول والمؤسسات الاقتصادية
    النضال من أجل فرض ضوابط صارمة على تجارة الأسلحة، ومن ذلك وضع معاهدة دولية بخصوص تجارة الأسلحة
    التصدي لاستخدام الأسلحة التي تسفر عن وقوع إصابات عشوائية، مثل القنابل العنقودية
    تشجيع النقاش حول القضايا المتعلقة باستخدام القوة العسكرية

بوسعك أن تساهم في بناء عالم أفضل

تعمل منظمة العفو الدولية على تعزيز حقوق الإنسان وإعلاء شأنها من خلال أنشطة الناس العاديين في سائر أنحاء العالم. وهناك سجل طويل من الإنجازات الحقيقية لأعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها، فقد أُطلق سراح الكثيرين من سجناء الرأي، وخُففت أحكام بالإعدام في بلدان شتى، وقُدم عدد من زبانية التعذيب إلى ساحة العدالة، واقتنعت حكومات عدة بتغيير قوانينها وممارساتها.

ومن شأن التضامن أن يبقي جذوة الأمل حيةً في كثير من الأحيان. فهذا الأمل هو معين لا ينضب للسجناء الذين يكافحون من أجل النجاة من أهوال السجون، وللأهالي الذين يسعون لإقرار العدالة، وللمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يواصلون عملهم ببسالة برغم الأخطار والصعاب. وبرغم القتامة التي تخيم على الأوضاع أحياناً، فإن بوسع أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها أن يعملوا متكاتفين متضامنين من أجل بناء عالم أفضل.

حقوق الإنسان ضحية الحرب على الإرهاب

رقم لوثيقة MDE 04/002/2004

22 يونيو/حزيران 2004
وثيقة عامة

مـنـظمة الـعـفو الـدولـية

الخليج وشبه الجزيرة العربية :

حقوق الإنسان ضحية “الحرب على الإرهاب”

كانت لمتابعة ما يسمى “بالحرب على الإرهاب” بقيادة الولايات المتحدة، مع الاستهتار المقلق بسيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، آثار عميقة على المواطنين والمقيمين في الخليج وشبه الجزيرة العربية. وأدت إلى عمليات توقيف جماعية تعسفية واعتقال بمعزل عن العالم الخارجي واعتقال مطول بدون تهمة أو محاكمة وممارسة التعذيب وسوء المعاملة والإعادة القسرية لأشخاص إلى دول يتعرضون فيها بشدة لخطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والسرية الصارمة التي تكتنف مصير العديد من الأشخاص ومكان وجودهم وعمليات الإعدام الواضحة خارج نطاق القضاء. ومن أصل قرابة الـ 600 معتقل الذين يظلون رهن الاعتقال بدون تهمة أو محاكمة في خليج غوانتنامو بكوبا، لدى الإدارة الأمريكية، يقال إن أكثر من ثلثهم هم من منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية. ويعتقد أن آلافاً غيرهم محتجزون في ظروف مشابهة في بلدانهم أو الدول المجاورة في الخليج وشبه الجزيرة العربية.

وإن معاملة الأشخاص المستهدفين في “الحرب على الإرهاب” على نحو يتسم بتجاهل تام لحقوقهم وسيادة القانون قد أثرت على عائلاتهم. وتعرض بعض الأقرباء للاعتقال على يد قوات الأمن لإرغام الأعضاء المتهمين في عائلاتهم على تسليم أنفسهم. ويجد أفراد العائلات أنفسهم في حالة اضطراب عاطفي ومشقة مالية ووضع قانوني ليس له تعريف أو إطار. ووُصمت العديد من العائلات، بسبب صلة القربى، بارتكاب الجرائم التي لم توجه تهم رسمية إلى أقربائها بارتكابها، ناهيك عن إدانتهم. ووتواصل حكومة الولايات المتحدة وحكومات الخليج وشبه الجزيرة العربية التصرف كما لو أنها تعتبر هذه المعاناة “ضرراً جانبياً” محتماً في الإجراءات التي تتخذها في حربها على الإرهاب”. وتشكل هذه المعاناة إحدى النتائج غير المرغوب فيها التي تهدف روح المعايير الدولية لحقوق الإنسان إلى الحيلولة دون حصولها.

وتمثل الطريقة التي تم فيها خوض “الحرب على الإرهاب”، تهديداً حقيقياً للتحسن الذي شهدته مؤخراً أوضاع حقوق الإنسان في الخليج وشبه الجزيرة العربية. وفي السنوات الأخيرة، بدأت حكومات المنطقة الاستجابة بشكل إيجابي للمطالبات بتحسين أوضاع حقوق الإنسان والابتعاد، إن يكن ببطء، عن العقود التي ابتليت بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق ومنهجية وصارخة لحقوق الإنسان. وقد أحيت “الحرب على الإرهاب” الممارسات القديمة. وتستخدم حكومات المنطقة هذه الحرب ذريعة لتقييد حرية التعبير والمعارضة السياسية، وتبث الرعب في صدور الصحفيين ومنتقدي الحكومة وعموماً الأشخاص الذين يعرف عنهم أو يُتصور بأنهم يعتنقون أفكاراً دينية متشددة. ولا يجوز استخدام الحرب على الإرهاب مبرراً لارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

وتهدف منظمة العفو الدولية من خلال هذا التقرير إلى ممارسة الضغط على السلطات الأمريكية وحكومات الخليج وشبه الجزيرة العربية لاتخاذ خطوات عاجلة لتصحيح الوضع ووضع حد للانتهاكات التي جرى إلقاء الضوء عليها. وبينما تدعو منظمة العفو الدولية الحكومات إلى ممارسة حقها وواجبها في تقديم الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم جنائية معروفة إلى العدالة، إلا أنها تعارض ممارسة مثل هذا الحق وهذه المسؤولية خارج إطار سيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ويلخص هذا التقري: الخليج وشبه الجزيرة العربية : حقوق الإنسان ضحية “الحرب على الإرهاب” (رقم الوثيقة : MDE 04/002/2004) أصدرتها منظمة العفو الدولية في 22 يونيو/حزيران 2004. وعلى كل من يود الاطلاع على مزيد من التفاصيل أو القيام بتحرك حول هذه القضية أن يرجع إلى الوثيقة الكاملة. وتتوفر مجموعة واسعة من المواد التي أصدرناها حول هذا الموضوع وسواه من المواضيع في موقع الإنترنت: http://www.amnesty.org ويمكن تلقي البيانات الصحفية الصادرة عن منظمة العفو الدولية بواسطة البريد الإلكتروني: http://www.amnesty.org/email/email-updates.html

قائمة المحتويات

1. مقدمة 4

2. خليج غوانتنامو يلقي بظلاله الثقيلة 5

3. دور حكومات بلدان المعتقلين ومشاركة الولايات المتحدة 11

3.1 مسؤولية الحكومات تجاه رعاياها المعتقلين في غوانتنامو 11

3.2تهمش سيادة القانون باسم الأمن 13

3.3 التدخل في الإجراءات القضائية 14

3.4. الانتهاكات عبر الحدود 16

3.5. التحطيم المتكرر 19

4. بث الخوف 20

5. مؤتمر صنعاء : البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق 24

6. الخلاصة 26

7. التوصيات 30

قصيدة إلى أمي
بقلم
جميل

يا سائلي عن حال امي ———— عفوا لا تطالبني الجواب
يا سائلي عن حال أمي————- لست ادري ما الجواب

لا أدري حتى من أين أبدأ——-- من أين أوصل من أي باب
قلب أمي يا قوم فارغ —————--كل ما فيه عذاب
قلب أمي يا قوم فارغ ————— منذ أن ياسين غاب
إن أمي يا قوم تحيا ————- والقلب محروق مصابا
إن أمي يا قوم تحيا ———— و الحزن فيه كنصبة محراب
إن أمي يا قوم تدعو ———— و الدمع من أعينها ينساب

يا سائلي عن حال أمي ———— عفوا لا تطالبني الجواب

إن قلب ألام اكبر —————و اكبر من أن يكون له جواب

مقتطف من قصيدة كتبها جميل الذي يحتجز شقيقه ياسين قاسم محمد إسماعيل، وهو مواطن يمني في خليج غوانتنامو، بكوبا، على يد السلطات الأمريكية. وقد سُلِّمت القصيدة إلى منظمة العفو الدولية خلال مؤتمر نظمته الأخيرة في صنعاء باليمن في إبريل/نيسان 2004.

الخليج وشبه الجزيرة العربية :

حقوق الإنسان ضحية “الحرب على الإرهاب”

1. مقدمة

كان لما يسمى “بالحرب على الإرهاب” (التي يشار إليها فيما يلي “بالحرب على الإرهاب”) تأثير عميق وبعيد المدى على حقوق الإنسان في الخليج وشبه الجزيرة العربية. وقد عاملت حكومات المنطقة وحكومة الولايات المتحدة المواطنين والمقيمين في المنطقة باستهتار مقلق بسيادة القانون والمعايير الأساسية لحقوق الإنسان. فكانت النتيجة عمليات توقيف جماعية واعتقال مطول بدون تهمة أو محاكمة واعتقال بمعزل عن العالم الخارجي وممارسة التعذيب وسوء المعاملة والسرية التامة التي تكتنف مصير بعض المعتقلين ومكان وجودهم وعمليات الإعدام الواضحة خارج نطاق القضاء. وكانت لانتهاكات حقوق الإنسان هذه آثار عميقة ليس على الضحايا الأفراد وحسب، بل أيضاً على أقربائهم والأوضاع العامة لحقوق الإنسان في المنطقة.

واحتُجز مئات المعتقلين الذين ينتمون إلى عشرات الدول في القاعدة البحرية الأمريكية في خليج غوانتنامو بكوبا. وما زال نحو 600 معتقل محتجزين هناك؛ وكما ورد فإن أكثر من ثلثهم ينتمون إلى الخليج وشبه الجزيرة العربية. وقد احتجزوا لأكثر من عامين وحُرموا من حق الطعن في قانونية اعتقالهم أمام محكمة مستقلة أو التحدث إلى عائلاتهم. ويظل أقرباؤهم يواجهون مستقبلاً تكتنفه الشكوك من دون وجود أية إمكانية فورية بأن تأخذ العدالة مجراها. ويواجه أقرباء الآلاف من المعتقلين في المنطقة، الذين تحتجزهم بلدانهم أو الدول المجاورة من دون تهمة أو محاكمة، انتهاكات مشابهة. وتجد عائلات المعتقلين نفسها في حالة اضطراب عاطفي لا نهاية له وتواجه مصاعب مالية وتُلصق بها وصمة المشاركة في الجرائم التي لم تُوجه تهم رسمية إلى أقربائها بارتكابها، ناهيك عن إدانتهم.

وتمثل هذه التطورات خطراً حقيقياً على إنجازات حقوق الإنسان التي تحققت في الخليج وشبه الجزية العربية في السنوات الأخيرة. وطوال القرن الماضي، شهدت المنطقة ككل نمواً ملحوظاً في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لحقوق الإنسان مقروناً بتزايد المطالبات بإيلاء درجة أكبر من الاحترام لحقوق الإنسان. وتتعرض هذه الإنجازات للخطر بشكل متزايد في إطار “الحرب على الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة. ويشار إلى “الحرب على الإرهاب” في صفوف النشطاء في الخليج وشبه الجزيرة العربية بعبارة “قميص عثمان” -- أي أنها قضية حق يراد بها باطل.1 وكما قال أحد نشطاء حقوق الإنسان في الخليج فإن “الحرب على الإرهاب هي حلم كل طاغية الذي تحول إلى حقيقة”.

وتستند النتائج التي توصل إليها هذا التقرير إلى الأبحاث التي أجرتها منظمة العفو الدولية خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2004 في اليمن ودول الخليج. وقد التقى الباحث المكلف بالمشروع بعائلات المعتقلين والمعتقلين السابقين ونشطاء حقوق الإنسان والمحامين والمسؤولين الحكوميين. وتهدف منظمة العفو الدولية من وراء هذا التقرير إلى زيادة الضغط على السلطات الأمريكية وحكومات الخليج وشبه الجزيرة العربية لاتخاذ خطوات عاجلة لتصحيح الوضع ووضع حد للانتهاكات التي سُلِّط الضوء عليها.

وكخطوة في هذا الاتجاه نظمت منظمة العفو الدولية والهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات مؤتمراً عُقد في صنعاء يومي 10 و11 إبريل/نيسان 2004 -- “حقوق الإنسان للجميع“. وحضر المؤتمر نشطاء لحقوق الإنسان من الخليج واليمن وأستراليا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. وأقر المشاركون بالتحديات الأمنية الخطيرة التي تواجهها الحكومات وواجبها في تقديم كل من يشتبه في ارتكابه جرائم جنائية معترف بها إلى العدالة. لكنهم حذروا من أنه لا يجوز توطيد الأمن وإقامة العدل على حساب حقوق الإنسان. وأكدوا مجدداً أن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال التمسك الصارم بمبادئ حقوق الإنسان المتفق عليها دولياً.

2. خليج غوانتنامو يلقي بظلاله الثقيلة

“إنه حي، لكنه ليس موجوداً وليست هناك طريقة للتخاطب معه. وحتى رسائله توقفت. وليس من يسمع شكواي إلا الله”.

سعاد العبد الجليل، والدة فوزي العودة، معتقل كويتي في خليج غوانتنامو.

ويُحتجز حوالي 600 معتقل ينتمون إلى 40 جنسية في القاعدة البحرية الأمريكية في خليج غوانتنامو بكوبا. وقد تكشفت هويات بعضهم وجنسياتهم خلال فترة العامين ونصف العام التي منذ انقضت منذ بدء نقل السجناء من أفغانستان إلى غوانتنامو في مطلع يناير/كانون الثاني 2002، لكن حتى القائمة الأطول التي أُعدت حتى الآن (من جانب واشنطن بوست، وهي صحيفة أمريكية، في إبريل/نيسان 2004)، لا تزعم التعرف إلا على هوية ما يقرب من نصف الذين احتُجزوا أو ما زالوا محتجزين هناك. وفي هذه الأثناء، التزمت وزارة الدفاع الأمريكية الصمت إزاء هوية المعتقلين، مما زاد من قلق عائلاتهم وأعاق المحاولات التي بذلتها حكومات بلدانهم للدفاع عن حقوق مواطنيها.

وباستثناء ثلاثة معتقلين، بينهم يمني واحد، وُجهت إليهم تهم في فبراير/شباط ويونيو/حزيران 2004 استعداداً لمحاكمتهم أمام لجنة عسكرية، يُحتجز المعتقلون بدون تهمة أو محاكمة. ولم يمثل أي منهم أمام المحكمة كي يتسنى لهم الطعن بقانونية اعتقالهم. واللجنة الدولية للصليب الأحمر هي المنظمة الدولية الوحيدة التي سُمح لها بمقابلة المعتقلين. وقد احتج العديد من المنظمات والأفراد والحكومات لدى السلطات الأمريكية على عدم اتباع الإجراءات القانونية. كما أعربت اللجنة الدولية للصليب الأحمر علناً عن بواعث قلقها إزاء التدهور الذي لاحظته في الصحة النفسية للعديد من المعتقلين، نتيجة نظام الاعتقال هذا إلى أجل غير مسمى. وقد جرت محاولات عديدة للانتحار في صفوف المعتقلين.

وتضطر عائلات معتقلي غوانتنامو إلى تحمل الغموض الذي يكتنف هذا الاعتقال الطويل الأمد وغير المحدود لأحبائها خارج أي إطار قانوني وفي ظل تعتيم إعلامي شبه تام. وتتأثر العائلات والمجتمعات في الخليج وشبه الجزيرة العربية بشكل غير متناسب -- إذ يعتقد بأن أكثر من ثلث المعتقلين المحتجزين في غوانتنامو هم من البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية واليمن -- حيث تنتمي أكبر مجموعتين من المعتقلين إلى الدولتين الأخيرتين. واثنان من المعتقلين الستة الأوائل (والوحيدين حتى الآن) الذين سيختارهم الرئيس جورج دبليو بوش للمحاكمة المحتملة أمام لجنة عسكرية -- هي عبارة عن هيئة تنفيذية تتمتع بسلطة إصدار أحكام بالإعدام -- هما يمنيان. وهما محتجزان مع الأربعة الآخرين منذ شهور في الحبس الانفرادي في جزء منفصل من غوانتنامو يطلق عليه اسم معسكر ايكو، بعيداً عن المعتقلين الآخرين. وقد أثار ذلك قلقاً إضافياً بالغاً على صحتهم النفسية والجسدية، وبخاصة في حالة المعتقلين الذين لا يتكلمون الإنجليزية، وبالتالي لا يمكنهم حتى التخاطب مع الحراس المرابطين خارج زنزانتهم.2

وبالنسبة لمعتقلي غوانتنامو، فإن وسيلة التخاطب الوحيدة المسموح بها مع عائلتهم هي في شكل رسائل تُنقل عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقد ذكرت الأخيرة أنه اعتباراً من مارس/آذار 2004، سهَّلت تبادل حوالي 8500 رسالة بين المعتقلين وعائلاتهم (مما يعني ما معدله 10 رسائل تقريباً لكل معتقل خلال فترة تزيد على العامين). بيد أن هذا النظام لا يمكن أن يخفف الألم الذي يسببه انعدام الاتصال المستمر المباشر والشفافية الرسمية. وأشارت العائلات إلى حدوث عمليات تأخير طويلة في تلقي الرسائل. ولم تتلق إلا عائلة واحدة من العائلات التي تحدث إليها مندوبو منظمة العفو الدولية خلال الزيارة التي قاموا بها إلى اليمن ودول الخليج في يناير/كانون الثاني 2004، رسالة في الأشهر الخمسة السابقة. وفي إبريل/نيسان 2004، في صنعاء تذكر الشقيق الأصغر لسهيل عبده أنام أنه “في أكتوبر/تشرين الأول 2002 تلقى والداي مكالمة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر في اليمن، قالت فيها إن سهيلاً موجود في غوانتنامو وأن لديها رسالة منه. ومنذ ذلك الحين لم نسمع أخباره إلا مرة أخرى”. وتعتقد العديد من العائلات أن رسائلها لا تصل دائماً إلى المعتقلين. ففي مارس/آذار 2003، اشتكى عبد العزيز ساير الشمري، وهو مواطن كويتي، من أنه كان تلقى رسالة واحدة فقط كل ستة أشهر. ودُهشت زوجته قائلة “إنه يسأل دائماً لماذا لا ترسلوا رسائل؟ ونحن نفعل ذلك على الدوام”.

وإضافة إلى ذلك، تفرض السلطات الأمريكية رقابة على جميع المراسلات. وبحسب السلطات فإن معتقلي غوانتنامو “لا يحصلون على صحف ولا إذاعة ولا تلفزيون. بل على بريد. وفي الحقيقة نقرأه، وإذا ورد فيه أي شيء خاضع للرقابة. فإننا نفرض رقابة عليه.”3 وهذا يحتمل أن يثير مخاوف العائلات حول ما يمكن أن يحصل لأحبائها. وعلى أية حال، لا تعرف إلى متى سيظلون رهن الاعتقال أو لماذا هم رهن الاعتقال أو ماذا سيحدث بعد ذلك. وقد اشتكت عائلة صادق محمد إسماعيل البالغ من العمر 19 عاماً، وهو من اليمن، من أن “الرسائل التي تلقيناها تتحدث عن تحيات إلى العائلة، مثل بلغوا سلامي إلى الجميع. وإنني على ما يرام. ولكن ما نريد حقاً معرفته هو حالته الصحية، وكيف يعامل هناك، وهل هو محتجز في الحبس الانفرادي أو في زنزانة جماعية؟ وهل يداه وقدماه مكبلتان؟ وهل هو محتجز في قفص للحيوانات مثل تلك التي شاهدناها على شاشات التلفزة؟ ولا نستطيع معرفة ذلك.” وفي صنعاء، باليمن، قال شقيق عادل سعيد الحاج عبيد في إبريل/نيسان 2004 “علمنا أنه في غوانتنامو من خلال الصحف، ثم تلقينا حوالي 10 رسائل منه. وكانت الرسائل مراقبة. وهذا ما زاد من مخاوفنا من أن شيئاً مؤذياً حصل له وأنهم يحاولون إخفاءه.” وقال شقيق عبد الخالق البيضاني لمنظمة العفو الدولية إن “رسائله كانت دائماً تصل متأخرة ثلاثة أو أربعة أشهر، مما يجعلنا نشعر بالقلق إزاء ما قد يفعلون به وما لا يمكننا رؤيته. ويكتب قائلاً إنه لا يريد حقوق الإنسان بقدر ما يريد الحقوق ذاتها التي يتمتع بها الحيوان. وقال إنه ‘سئم، سئم، سئم، سئم، سئم، سئم، (ست مرات) مما مر به. وقد أخافتنا الرسالة الأخيرة جداً، لأنه كان يعاني من ألم في إحدى عينه ولم يستطع أن يرى بها. وتبكي والدتي كل يوم من أجله، وتشعر شقيقاتنا بالضيق الشديد أيضاً. وعندما علمت والدته أنه فقد البصر في إحدى عينيه، غادرت المنـزل، وتوجهت إلى المسجد ولم تعد إلى المنـزل طوال ثلاثة أيام. وزوجته مريضة جداً نفسياً وجسدياً بسبب قلقها عليه.”

واتضح للمندوبين الذين حضروا مؤتمر “الحقوق للجميع” الذي عُقد في صنعاء في إبريل/نيسان 2004 إن أقرباء المعتقلين المحتجزين في غوانتنامو يكابدون الألم والعذاب. وقد جاء العديد من الأقرباء إلى المؤتمر ووقعوا على أقوال وإفادات مشفوعة بقسم. وفيما يلي مقتطفات من بعض أقوالهم :

  • أنا شقيق سعيد أحمد الصارم المحتجز في خليج غوانتنامو … لقد كانت هذه فترة عصيبة جداً لزوجته وأولاده. ويسأل الأطفال دائماً هل سيأتي والدنا إلى المنـزل غداً؟ وتنتظر الطفلة الأصغر كل يوم عند الباب، قائلة إن والدها سيأتي الآن، لكنه لا يأتي أبداً. وقد مضت ثلاث سنوات منذ أن نطقوا بكلمة “أبي” أمام أحد، وهذا ما يؤلمهم كثيراً. وكل يوم يعطي الجد نقوداً للطفلة الصغرى وتذهب لشراء شيء ما لوالدها، لكنها تضطر في النهاية إلى أكله لأنه ليس موجوداً.”
  • أنا … عم فاروق علي أحمد سيف … وقد كان “لاختفاء” فاروق واعتقاله في غوانتنامو أثراً سلبياً ملموساً على عائلتنا. وطوال سنة ونصف السنة، لم نعرف حتى، أين هو. وعندما علمنا أنه محتجز في غوانتنامو، أُصبنا جميعنا بصدمة شديدة. وقد عانت والدته ووالده أشد الألم. وتُعالج والدته من الاكتئاب في مستشفى تعز. كما أن والد فاروق عولج أيضاً من الاكتئاب. وفقد كل أمل برؤيته مجدداً على قيد الحياة. ويشعر أشقاؤه وشقيقاته وأنا كذلك بإحساس عميق بالخسارة واليأس إزاء اختفائه.”
  • أنا والد ماجد محمود أحمد … لقد تلقينا رسالة من الصليب الأحمر تبلغنا أنه في خليج غوانتنامو … وتتعرض صحة والدته للتدهور وهي تعاني من مرض في القلب نتيجة قلقها على ابنها. ونحن جميعنا مشتاقون إليه كثيراً.
  • أنا الشقيق الأصغر لبشير ناصر علي المرولح … وفي مايو/أيار 2002، بعد مضي سبعة أشهر على آخر مرة وصلتنا فيها أخبار من بشير، تلقى والدي مكالمة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر هنا في اليمن. وقالت له إن لديها رسالة من بشير وأنه علينا أن نأتي لاستلامها. وكانت الرسالة عبارة عن خبر قصير من بشير يقول فيه أنه سجين في غوانتنامو. ولم يصدق أحد منا ذلك. وقد أُدخلت والدتي ووالدي إلى المستشفى للعلاج بعيد تلقيهما خبر سجن بشير. وعولج والدي من الاكتئاب المزمن في المستشفى طوال اثنين وعشرين يوماً…”
  • أنا والد عبد الملك عبد الوهاب الرحابي … لقد تألمت العائلة بسبب وجود عبد الملك في خليج غوانتنامو. ولم تتلق إلا عدداً محدوداً من الرسائل منه، ولم نتلق أي خبر منه طوال تسعة أشهر، قبل أن تصلنا مؤخراً رسالتين، كلاهما مراقبتان ومؤرختان قبل أشهر…”
  • أنا شقيق علي أحمد محمد الراجحي المعتقل في خليج غوانتنامو … علمنا أن شقيقي موجود في خليج غوانتنامو من الصحف. ثم بعد حوالي ستة أشهر تلقينا رسالة منه عن طريق الصليب الأحمر … وكان الوقع شديداً على العائلة. ولم نستطع إخبار والدتنا أنه مسجون، لأنها كانت مريضة. وتوفيت دون أن تعلم أين هو. ووالدي مستاء جداً من وضع ابنه، ويدعو له طوال الوقت.”
  • أنا شقيق جمال مرعي. في نوفمبر/تشرين الثاني 2003، توقفت رسائل جمال (التي كانت ترد من غوانتنامو) ولا ندري لماذا وقد بعثنا برسائل إليه نسأله فيها لماذا لا يكتب إلينا، ولكن حتى اليوم لم نسمع منه شيئاً… وتتوقع والدتي الأسوأ من اختفائه. وباتت تعاني من ارتفاع في ضغط الدم وغالباً ما تصيبها نوبات اكتئاب شديد… وتشعر زوجة جمال بالوحدة والقلق. ولا يفهم أطفاله الصغار ما حدث لوالدهم ويسألون بإلحاح عن مكان وجوده، ولماذا لا يتصل ومتى سيعود إلى المنـزل…”
    ولم تُبدِ السلطات الأمريكية قدراً يذكر من التعاطف مع محنة عائلات المعتقلين. وأجاب وزير الدفاع دونالد رامسفلد عندما سئل عما إذا كان سينظر على الإطلاق في المستقبل في السماح للأقرباء بزيارة معتقلي غوانتنامو، أجاب “أشك في ذلك … كلا أعتقد أن هذا بعيد الاحتمال جداً”.4 وأثارت منظمة العفو الدولية هذا الوضع في مذكرة بعثت بها إلى الحكومة الأمريكية في إبريل/نيسان 2002 مشيرة إلى أن “حرمان العائلات من الاتصال والمعلومات وإخفاء الوضع القانوني والأوضاع الأخرى المتعلقة باعتقال أقربائهم عنهم … يسبب معاناة لا لزوم لها للعائلات”.5 وبعد مضي أكثر من عامين، تواصل حكومة الولايات المتحدة التصرف كما لو أنها تعتبر هذه المعاناة “ضرراً جانبياً” محتماً لسياسات الاعتقال التي تنتهجها في “حربها على الإرهاب”.

وقد كررت الإدارة الأمريكية الزعم أن معتقلي خليج غوانتنامو يعاملون بإنسانية. وأخفقت هذه التطمينات في تهدئة مخاوف العائلات. وكما قالت والدة المعتقل الكويتي فايز الكندري “يقولون إنهم يعاملونهم معاملة حسنة، هذا هراء. لقد شاهدنا صورهم وهم مقيدين كالحيوانات، رغم أنه لم تُوجه أي تهم إليهم.”

ولا يمكن للصور الفظيعة للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة للمعتقلين العراقيين على أيدي الجنود الأمريكيين إلا أن تفاقم من عذاب أقرباء المحتجزين طي النسيان القانوني في غوانتنامو.6 وحتى ظهور الأدلة المتمثلة بالصور على وقوع جرائم حرب في سجن أبو غريب، كانت السلطات الأمريكية تروج لرسالة مفادها أن جميع المعتقلين في العراق يُعاملون بإنسانية ووفقاً لاتفاقيات جنيف. وقد أدلت الحكومة الأمريكية بتصريحات مماثلة حول معتقلي غوانتنامو، باستثناء أنها تنفي انطباق اتفاقيات جنيف عليهم.7

ومن المحتمل أن تزيد المزاعم التي صدرت عن المعتقلين الذين أُطلق سراحهم من غوانتنامو حول تعرضهم لمعاملة قاسية ومهينة، وبخاصة في حجز الولايات المتحدة في أفغانستان قبل نقلهم، من قلق أقرباء أولئك الذين ما زالوا محتجزين في القاعدة البحرية. وفي صنعاء، قال الشقيق الأصغر للمعتقل في غوانتنامو علي يحيى مهدي في إبريل/نيسان 2004 إنه “عندما علمنا أن علياً سجين، غمرنا جميعاً شعور طاغ بالحزن. ونخشى جميعنا مما قد يحدث له، خصوصاً الآن بعد الاطلاع في الصحف على أنباء معاملة المعتقلين في غوانتنامو ومشاهدة المقابلات التي جرت مع المعتقلين الذين أفرج عنهم من المرفق. وتعطينا هذه الأنباء صورة قاتمة جداً عما قد يكون يتعرض له.”

ولا شك في أن الأدلة على وجود صلة بين التعذيب الذي مورس في سجن أبو غريب وبين زيارة قائد غوانتنامو في حينه إلى العراق لتقديم توصيات حول كيفية استغلال المعتقلين للحصول على “معلومات استخبارية يمكن المقاضاة على أساسها” لا شك في أنها ستزيد من مخاوف عائلات المعتقلين في غوانتنامو.8

وبما أن الطرق الرسمية للحصول على أخبار حول أقربائها قد سُدت في وجوهها، أُجبرت العائلات على الاعتماد على الأنباء الإعلامية والشائعات. وفي رسالة وجهها إلى منظمة العفو الدولية، كتب جميل، شقيق المعتقل اليمني في غوانتنامو ياسين قاسم محمد إسماعيل يقول إنه “رغم أن والدتي لا تقرأ أو تكتب لأنها أمية، إلا أنها عندما تسمع أنباء (حول خليج غوانتنامو) تتابعها بحدة، سواء في الإذاعة أو الصحف. وربما تفاجئون أنه كلما نشرت إحدى الصحف خبراً عن غوانتنامو، تهرع إلى أحد أولادها لكي يقرؤوه لها، ثم تمسك بالجريدة وتظل تمعن فيها طويلاً، كما لو أنها تأمل في أن تتحدث إليها الجريدة.”

وعلمت معظم العائلات لأول مرة باعتقال أقربائها في وسائل الإعلام أو من أصدقاء سمعوا أخباراً حول نقل السجناء من أفغانستان أو باكستان إلى خليج غوانتنامو. وتتذكر صفية زوجة عبد الله كامل الكندري أنه “في 3 يناير/كانون الثاني 2002 قرأت اسمه في الصحيفة… فصرخت -- زوجي حي، زوجي حي. ومنذ ذلك الحين جمعت ملفات حول كل شيء يتعلق بغوانتنامو، كل كلمة كتبت حول غوانتنامو”.

وقال والد المعتقل البحريني في غوانتنامو صلاح عبد الرسول علي البلوشي لمنظمة العفو الدولية، “كانت المرة الأولى التي علمنا فيها أنه في غوانتنامو عندما زار وفد من وزارة الداخلية غوانتنامو في العام 2002. وبعد عودة الوفد إلى البحرين اتصلوا بنا هاتفياً في مايو/أيار أو يونيو/حزيران 2002 تقريباً”. وحتى ذلك الحين كانت العائلة تعتقد أن صلاح عبد الرسول على البلوشي محتجز في أفغانستان عقب إلقاء القبض عليه في باكستان.

ومرت والدة عادل عبد المحسن الزامل، وهو كويتي آخر معتقل في غوانتنامو، بتجربة مشابهة عندما أقدمت صحيفة الوطن الكويتية على “نشر خبر فقدان عادل ليديه وساقيه في أفغانستان … وعشنا في خوف من أن يكون هذا ما حدث إلى أن عاد الوفد الكويتي من (غوانتنامو) وأكد لنا أنه لم يتعرض لأذى … وما يزعجنا هو أننا لا نعرف شيئاً.”

ومنيت حتى الآن محاولات العائلات لمعرفة أحوال ومصير أقربائها بالفشل. وأوضح عبد العزيز الربيش، وهو مدرس سعودي يوجد شقيقه إبراهيم الربيش ضمن المعتقلين في خليج غوانتنامو، كيف ذهبت مجموعة من العائلات السعودية ثلاث مرات إلى السفارة الأمريكية في الرياض، لكن السفير رفض مقابلتهم. “لا يوجد أحد في السفارة الأمريكية يمكن أن يجيب عن أسئلتنا. فهناك تعتيم شامل.” وقال شقيق المعتقل في غوانتنامو جمال مرعي لمنظمة العفو الدولية “حاولت مع والدي وأشقائي الحصول على مزيد من المعلومات حول الظروف المحيطة بتوقيف جمال واعتقاله من جانب الولايات المتحدة في غوانتنامو. وحاولنا لقاء سفير الولايات المتحدة في اليمن أكثر من خمس مرات الآن، كان آخرها في مارس/آذار 2004. فرفض جميع طلباتنا. وفي ما لا يقل عن 20 مناسبة الآن، التقينا بمسؤولين من وزارة الداخلية اليمنية لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا الحصول على أي شيء منهم. وبعثنا برسائل إلى وزير الداخلية ثلاث مرات. وقد حصلنا على الجواب ذاته على جميع تساؤلاتنا : إنهم لا يعرفون شيئاً عن اعتقال جمال”.

ولدى محمد صالح كحلة المري، وهو مواطن قطري، شقيقان محتجزان “كمقاتلين معاديين” لدى السلطات الأمريكية. الأصغر جار الله المري، محتجز في خليج غوانتنامو. أما شقيقه الثاني، علي صالح كحلة المري، فهو حتى الآن المواطن الأجنبي الوحيد المصنف “كمقاتل معاد” والمحتجز في الولايات المتحدة نفسها. وكان قد أُلقي القبض عليه في ديسمبر/كانون الأول 2001 بعد دخوله الولايات المتحدة الأمريكية بصورة قانونية مع زوجته وأطفاله في 10 سبتمبر/أيلول 2001، لنيل درجة الماجستير كما ورد. واحتجز في البداية كشاهد أساسي في التحقيق في هجمات 11 سبتمبر/أيلول على مبنى وزارة الدفاع ومركز التجارة العالمي. وفي يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2002، وجهت إليه تهم رسمية تتعلق بعملية احتيال بواسطة بطاقة ائتمانية والإدلاء بأقوال كاذبة لمكتب التحقيقات الاتحادي (أف بي آي)، وهي تهم قال إنه بريء منها. وفي 23 يونيو/حزيران 2003، قبل أقل من شهر من الموعد المقرر لمحاكمة علي المري، أعلن الرئيس بوش في أمر مؤلف من صفحة واحدة أنه سمى علي المري “كمقاتل معادٍ” ونُقل من سيطرة وزارة العدل إلى الحبس الانفرادي بمعزل عن العالم الخارجي في السجن البحرية الموحد في تشارلستون بولاية ساوث كارولينا (كارولينا الجنوبية). ويُعتقد أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر التقت به، لكنه لم يكن قد قابل محاميه بحلول نهاية إبريل/نيسان 2004. ولم يقابل عائلته التي أبلغت منظمة العفو الدولية في يناير/كانون الثاني 2004 قائلة “إننا جميعاً نعرف أنه موجود في معسكر تابع للقوات المسلحة في مكان ما بالولايات المتحدة الأمريكية، ربما في كارولينا الشمالية أو الجنوبية”.

وعندما قبضت السلطات الأمريكية على علي المري، حجزت أيضاً جواز سفر زوجته، وهي مواطنة سعودية. ويقول محمد إنها “ظلت مقيمة في شقة مؤجرة بالولايات المتحدة لمدة سنة. وهي لا تتحدث الإنجليزية، ولكن بدون جواز سفر لم تستطع مغادرة الولايات المتحدة. وأخيراً أصدرت السفارة السعودية جواز سفر آخر لها وعادت للعيش مع عائلتها في السعودية”. ولم تخبر العائلة في قطر الوالدة بأن اثنين من أبنائها معتقلان : “لم نستطع إخبار والدتهما أن ولديك موقوفان ولا نعرف لماذا …”.

وتثير السرية والارتباك مخاوف العائلات على صحة المعتقلين ومصيرهم. وردد والد المعتقل الكويتي في غوانتنامو عبد العزيز سير الشمري صدى مشاعر العجز لدى العديد من العائلات عندما أبلغ منظمة العفو الدولية أن “المستقبل أصبح نفقاً مظلماً. ولا نعرف ماذا يحدث؛ وهذا يسبب شللاً للعائلة بأكملها.”

3. دور حكومات بلدان المعتقلين ومشاركة الولايات المتحدة

3.1 مسؤولية الحكومات تجاه رعاياها المعتقلين في غوانتنامو

يشعر العديد من عائلات المعتقلين في خليج غوانتنامو أن حكومات بلدانهم غير مستعدة للدفاع عن الحقوق القانونية والإنسانية لمعتقلي غوانتنامو.

وقد سُمح للحكومة الكويتية بإرسال وفدين إلى خليج غوانتنامو في العامين الأخيرين تقديراً لروابطها الوثيقة جداً بالسلطات الأمريكية. وضم الوفد الأول في العام 2002 ثلاثة مسؤولين عسكريين. وقام الوفد الثاني بزيارة في يناير/كانون الثاني 2004. ويبدو أن السلطات الأمريكية رفضت طلباً تقدم به محام كويتي، هو عبد الرحمن الهارون، للانضمام إلى الوفد المؤلف من مسؤولين عسكريين اثنين زارا خليج غوانتنامو.

وفي يناير/كانون الثاني 2004، قالت أمة العليم السوسوة، وزيرة حقوق الإنسان اليمنية أمام وفد من منظمة العفو الدولية إن هذه القيود التي تفرضها السلطات الأمريكية تضع حكومات دول المعتقلين في موقف صعب. “لا نستطيع أن نفعل شيئاً لعائلات المعتقلين… فهناك ارتباك تام ولا يبدو أن أحداً يعرف أين يبدأ أو أين ينتهي” وكشفت الوزيرة أنه عندما التقى وفد الحكومية اليمنية 27 من مواطنيه، اكتشف أن ثلاثة منهم لم يكونوا في الحقيقة يمنيين وأضاف أن مقابلة السجناء من جانب الوفد الوحيد للحكومة اليمنية الذي سُمح له بزيارة غوانتنامو كانت “قصيرة جداً” واعتباراً من يناير/كانون الثاني 2004، لم تتلق الحكومة اليمنية من السلطات الأمريكية قوائم بأسماء رعاياها المحتجزين في غوانتنامو.

واشتكى والد عيسى علي عبد الله المرباطي من أن وفد الحكومة البحرينية الذي زار المعتقلين في خليج غوانتنامو “عوضاً عن أن يعود إلينا بمعلومات عن أحوالهم، عاد أعضاؤه بخفي حنين.” وأضاف أنه “في المرة الأولى التي عادوا فيها من هناك، أتوا وفتشوا منـزل ابني بحثاً عن دفتر يضم أسماءً وأرقام هاتف.”9 وطالب وفد برلماني بحريني يزور الكونغرس الأمريكي، منحه إذناً لزيارة مواطنيه المحتجزين في خليج غوانتنامو، لكن طلبه رُفض.

وتم استجواب بعض الأقرباء أو اعتقالهم لأن حكومة بلدهم تنظر إليهم كما يبدو على أنهم مذنبين بسبب صلتهم بالمعتقلين. وقال شقيق المعتقل في غوانتنامو كامل عبد الله حاجي إنه تعرض هو وأحد أشقائه الآخرين للاستجواب على يد السلطات البحرينية عقب القبض على عادل في باكستان. “وتركز الاستجواب على ظروف سفر عادل إلى باكستان. واستُجوب شقيقي ماهر، من جانب موظف في أمن الدولة البحرينية، الذي قام عندئذ بتسليم السجلات إلى رجل أجنبي، يمكن أن يكون إنجليزياً أو أمريكياً. وقد جرى الاستجواب في مكتب أمن الدولة بوزارة الداخلية”.

وذكر والد المعتقل البحريني صلاح عبد الرسول علي البلوشي أن العائلة التقت بوزارة الخارجية البحرينية. وأبلغونا أن أمريكا اقترحت إعادة أبنائنا إلى الوطن بشرط اعتقالهم إلى ما لا نهاية. وسألت الحكومة البحرينية عن التهم التي قد تبرر اعتقالهم المتواصل، فلم تقدم أمريكا أية تهم. وبناء على ذلك، رفضت الحكومة البحرينية ذلك، لأنها لا تريد حدوث مشاكل مع عائلات المعتقلين”.

وفي دول أخرى، تم اعتقال معتقلي غوانتنامو الذين أُعيدوا إلى حكومات دولهم. وأُعيد وليد محمد شاهر القدسي، وهو مواطن يمني عمره 24 عاماً كان معتقلاً في خليج غوانتنامو منذ العام 2002، إلى اليمن في بداية العام 2004. ولدى وصوله اعتقل لدى الأمن السياسي في صنعاء. وسُمح لوفد من منظمة العفو الدولية بمقابلته بعد مضي 11 يوماً على وصوله إلى سجن الأمن السياسي. وأبلغ الوفد أن عائلته لم تُبلَّغ بوصوله إلى اليمن، ناهيك عن زيارتها له. وسأل وفد منظمة العفو الدولية موظفي السجن لماذا لم تُبلَّغ العائلة بمكان وجوده، لكن الرد الوحيد الذي تلقاه كان “سنُبلِّغهم”. كذلك سأل الوفد عن أسباب استمرار اعتقال وليد بما أن وليد قال لمنظمة العفو الدولية إن السلطات الأمريكية في غوانتنامو أبلغته أنه ليس لديها شيء ضده. وقال موظفو السجن إنهم يحققون معه. وفي الوقت الذي التقى فيه الوفد بوليد، لم يكن قد سُمح له بمقابلة محامٍ أو قاضٍ، ويُعتقد أنه ما زال محتجزاً في الأوضاع ذاتها.

وقال عم أحد معتقلي غوانتنامو لمنظمة العفو الدولية إن العائلة “لم تتصل قط بالحكومة اليمنية لتقديم شكوى أو طلب. ولم يتصلوا بنا أبداً أو يأبهوا لنا. ولا يعرفون حتى من هو معتقل أو غير معتقل في غوانتنامو. وإذا ألححنا فعلاً على الدولة لإعطائنا جواب بشأن غوانتنامو، فمن المحتمل أن يلقوا القبض علينا.”

وأقر شقيق علي وجار الله المري بأن السلطات القطرية وكَّلت محامياً أمريكياً “لكن عندما بدا أن اعتقال (شقيقيَّ) غير محدد وأنه حتى محاميهما لم يتمكن من مقابلتهما، استغنت عن خدمات المحامي. وقالت لنا إنه لا جدوى من ذلك … وعندما حاولنا توكيل محام أمريكي بأنفسنا طلب 10,000 دولار شهرياً. ولا نستطيع دفع هذا المبلغ”. وتعبيراً عن شعور واسع النطاق بخيبة الأمل في جميع الهيئات الحكومية، أضاف قائلاً : “لا أحاول بأي شكل الاتصال بالحكومة الأمريكية، فذلك عديم الجدوى. وإذا ذهبنا إلى الولايات المتحدة للمطالبة بالحقوق، فربما يعتقلوننا. فمن سيدافع عنا عندئذ؟” وقد تقوضت مصداقية حكومات بلدان المعتقلين بسبب متابعتها هي نفسها “للحرب على الإرهاب” التي يصحبها استهتار مقلق بسيادة القانون وبالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

3.2 تهميش سيادة القانون باسم الأمن

“لا يمكن للحرب على الإرهاب أن تكون حرباً وحشية غير عادلة. ولا يمكن تسوية النـزاع بين المصالح الأمنية للسلطة التنفيذية وحقوق المتهم في الدفاع على حساب المتهم”.

القاضي الألماني كلاوس تولكسدورف.11

في التسعينيات، بدأت حكومات الخليج وشبه الجزيرة العربية تستجيب بصورة إيجابية للضغوط التي مورست عليها لإجراء تغييرات على صعيد حقوق الإنسان والابتعاد عن الانتهاكات الروتينية الصارخة لحقوق الإنسان التي ابتليت بها المنطقة طيلة عقود. وقد تقبلت معظم حكومات المنطقة خطاب حقوق الإنسان، وأصبحت دولاً أطرافاً في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أو شكلت لجاناً أو وزارات حكومية لحقوق الإنسان. وفي بعض الدول تم إلغاء بعض القوانين الوطنية التي لم تتقيد بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وسمحت دول أخرى بنمو المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان وشجعته، وانخرطت في حوار مع آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية لحقوق الإنسان. وشكل هذا التقدم إنجازاً لقي الترحيب، وكان عاملاً لصالح احترام سيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وضد الممارسات القديمة للتوقيف التعسفي والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاعتقال إلى أجل غير مسمى بدون تهمة أو محاكمة والمحاكمات الجائرة والتعذيب وحالات “الاختفاء”. بيد أن “الحرب على الإرهاب” قلبت الموازين مرة أخرى في هذا الصراع لمصلحة الممارسات القديمة. وعندما يتم تحدي الحكومات بشأن سجلها في مجال حقوق الإنسان، تتذرع بالممارسات الأمريكية كمبرر. ويدافع بعضها عن هذه الانتهاكات بوصفها محاولة لحماية مواطنيها من معاملة أكثر قسوة على أيدي السلطات الأمريكية.

ويجد كثيرون في الخليج وشبه الجزيرة العربية أنفسهم ضحايا “لحرب” مفتوحة ولا حدود لها تشنها قوات الأمن باسم الأمن. ومن الصعب إعطاء عدد دقيق للمعتقلين في إطار “الحرب على الإرهاب” بسبب السرية والخوف الشديدين اللذين يحيطان بنظام القضاء والأجهزة الأمنية في عدد من هذه الدول، لكن يعتقد أنه يصل إلى آلاف الأشخاص.

وفي الإمارات العربية المتحدة مثلاً، لم يرد أقرباء الذين اعتُقلوا مؤخراً أن يؤتى على ذكر حالتهم، خوفاً من انتقام محتمل من جانب قوات الأمن الاتحادية في أبو ظبي. وفي هذه الأثناء، تتعزز أجواء الخوف السائدة في الإمارات العربية المتحدة باستمرار توقيف واعتقال العديد من الأشخاص، بمن فيهم عسكريون وقضاة. وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، تم توقيف واعتقال ما يزيد على 250 شخصاً. ولا تعرف منظمة العفو الدولية العدد الدقيق لأولئك الذين يتواصل اعتقالهم. بيد أن المنظمة تلقت أنباء تفيد أنهم محتجزون من دون السماح لهم بمقابلة محاميهم أو عائلاتهم وأن وضعهم القانوني غير واضح.

وقد صرحت السلطات السعودية علناً أنها اعتقلت آلاف المتهمين بالانتماء إلى القاعدة والمتعاطفين معها في متابعتها “للحرب على الإرهاب”. واشتدت حدة التوتر منذ مايو/أيار 2003، في أعقاب الهجمات العنيفة، بما فيها التفجيرات وعمليات القتل التي ارتكبتها جماعات مسلحة ورجال مسلحون.12 ولا تعرف منظمة العفو الدولية العدد الدقيق للأشخاص الذين يستمر اعتقالهم في هذا السياق، ولا تملك أية تفاصيل حول أوضاع اعتقالهم. ويتسم نظام القضاء الجنائي السعودي بالسرية وله تاريخ حافل في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، بما فيها استخدام التعذيب لانتـزاع الاعترافات.13 وقد رفضت السلطات السعودية بثبات السماح لمراقبي حقوق الإنسان بالدخول إلى مراكز الاعتقال. ولا يمكن لهذه السرية وانعدام المساءلة إلا أن تزيدا من المخاوف من تعرض المعتقلين لانتهاكات خطيرة.14

وكان بين المعتقلين عبد الرحيم المرباطي، وهو مواطن بحريني عمره 42 عاماً يعيش في السعودية مع زوجته وأطفاله الستة. وأبلغت زوجته منظمة العفو الدولية أنه في فبراير/شباط 2004، رد عبد الرحيم على قرع الباب عند حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً. فكُبلت يداه على الفور ودخل حوالي 40 شرطياً -- بعضهم بالزي الرسمي -- إلى المنـزل وفتشوه قرابة الثلاث ساعات. وقالت إنهم “لم يوضحوا سبب التفتيش … وسألوا فقط عما إذا زارهم أحد خلال الأيام القليلة الماضية … واقتادوا عبد الرحيم بدون أي تفسير ولم أدر ماذا أفعل …” ويعتقد أنه يستمر اعتقاله من دون تهمة أو محاكمة ومن دون مقابلة محامين.

طُلب من خالد العبيدلي، وهو أب لستة أطفال عمره 39 عاماً، الحضور إلى مركز قوات أمن الدولة القطرية في أغسطس/آب 2003. وأبلغ شقيقه منظمة العفو الدولية أن خالد اقتيد إلى سجن تابع لأمن الدولة يقع في منطقة ابن عمران الصناعية في الدوحة؛ ولم يعط سبب لذلك. وسُمح لخالد بالاتصال بشقيقه، واستطاعت عائلته زيارته بصورة منتظمة. بيد أنه عندما حاولت العائلة معرفة سبب اعتقال خالد، رفضت السلطات إعطاءها جواباً واضحاً. وأخيراً توجه والد خالد وشقيقه إلى مكتب المدعي العام، وقيل لهما إنه معتقل “في سبيل المصلحة العامة”. وأُفرج عنه منذ ذلك الحين بدون تهمة أو محاكمة، لكن يستمر اعتقال ما لا يقل عن ستة أشخاص احتجزوا في ظروف مشابهة.

وألقت السلطات الإيرانية القبض على نجيب الحجري البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً، وهو من منطقة إب اليمنية، بينما كان يحاول الهروب من باكستان في العام 2001 و2002 وسجنته لمدة شهر قبل تسليمه لليمن. وطوال أشهر لم تعرف العائلة ما حدث له. “وما أن وصل [إلى اليمن] حتى احتُجز في الحبس الانفرادي ولم يستطع الاتصال بأحد”. بحسب ما أوضح شقيقه. وأضاف “وعندما ذهبت إلى أمن الدولة في إب وطلبت منهم أن يخبروني بمكان وجود شقيقي، بدؤوا باستجوابي.” ولم تعرف العائلة إلا بعد سبعة أشهر أن نجيباً كان محتجزاً في إب وسُمح لها فيما بعد بزيارته.

3.3 التدخل في الإجراءات القضائية

في 6 يونيو/حزيران 2004، مثل حوالي اثني عشر معتقلاً أمام إحدى محاكم صنعاء واتهموا بأن لهم صلة بالهجوم الذي وقع في أكتوبر/تشرين الأول 2000 على السفينة الحربية الأمريكية كول في ميناء عدن الذي أسفر عن سقوط 17 قتيلاً في صفوف الجنود الأمريكيين. وفي اليوم التالي، أي 7 يونيو/حزيران، أُرجئت المحاكمة لمدة شهر. وكان المتهمون في القضية ينتظرون محاكمتهم منذ إلقاء القبض عليهم في أعقاب الهجوم الذي وقع في أكتوبر/تشرين الأول 2000. وأحد الأسباب الرئيسية لاعتقالهم المطول هو تدخل السلطات الأمريكية.

وقال النائب العام اليمني لمنظمة العفو الدولية في يناير/كانون الثاني 2004 إن مكتبه طلب نقل أولئك المعتقلين إلى حجز السلطات القضائية. وقال إن لجنة برلمانية قدمت توصية مشابهة وإن وزير الداخلية وعد بإحالة أولئك الذين ما زالوا رهن الاعتقال إلى السلطات القضائية. وقال نائب رئيس الأمن السياسي لمنظمة العفو الدولية إنه “لا دليل لديهم على أن جميع المعتقلين بشأن الهجمات التي تعرضت لها السفينة الحربية الأمريكية كول ضالعون في الهجمات”. ومع ذلك، يظل الرجال معتقلين لأنه وفقاً لوزيرة حقوق الإنسان اليمنية “كلما نقرر المباشرة بالإجراءات القضائية … تبلغنا الولايات المتحدة أنهم إذا حوكموا، فستضيع الأدلة.” ولم تفصح أكثر عما يعنيه ذلك. وفي يناير/كانون الثاني 2004، أقر المسؤول السياسي في سفارة الولايات المتحدة في صنعاء لوفد عن منظمة العفو الدولية بأن السلطات الأمريكية طلبت تأخير هذه المحاكمة، لكنها أبلغت الحكومة اليمنية في سبتمبر/أيلول 2002 أنها لم يعد لديها أي اهتمام آخر بالمعتقلين في هذه القضية وأن المحاكمة يمكن أن تبدأ.

وأياً تكن موضوعية الزعم والزعم المضاد بين سلطات البلدين، فإن تأخير المحاكمة تسبَّب بعذاب شديد لأقرباء المعتقلين. وأحد المتهمين في هذه القضية هو عبد الله الحاكم، سائق سيارة أجرة عمره 21 عاماً. وطالبت والدة عبد الله بمحاكمة علنية لابنها. “فليصدروا قراراً، لكن لا يمكن أن يظل على هذه الحال… ابني لم يقترف جرماً، ولا بد من إيجاد حل، إما أن يكون بريئاً أو أن يدان … لكن ما يقتلنا هو أننا لا نعرف.” وإلى جانب هذه القضية، أجرت قوات الأمن اليمنية عمليات اعتقال لمئات الأشخاص، بينهم أطفال، منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001. وقد أُفرج عن العديد منهم، لكن يظل أكثر من 200 رهن الاعتقال من دون تهمة أو محاكمة ومن دون مقابلة المحامين أو السلطات القضائية للطعن في قانونية اعتقالهم.

وجرى تبرير الاعتقال المطول بدون تهمة أو محاكمة على أنه لحماية المواطنين من مصير أسوأ على أيد العدالة الأمريكية التي يجسدها خليج غوانتنامو وسواه وليس على أساس جنائي. وزعم محام قطري أن السلطات أبلغت أقرباء ستة مواطنين معتقلين في إطار “الحرب على الإرهاب” في قطر أنها تسجنهم “لأننا قلقون عليهم من الأمريكيين”. وقال مسؤول في الأمن السياسي اليمني لمنظمة العفو الدولية “إنهم يقررون اعتقال الأشخاص في اليمن حيث يمكنهم على الأقل ضمان مستوى أساسي من المعاملة الجيدة لجهة الزيارات العائلية الخ”.

وأبلغت نور، والدة معتقل يمني اسمه أحمد الخضر البيضاني، منظمة العفو الدولية أن ابنها قد اعتُقل وأُدين بسرقة سيارة قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001. وحكم عليه بالسجن مدة 12 عاماً. وتقول إنها “تفهم أنه يجب أن يسجن للإثم الذي ارتكبه … ويوم الخميس ذهبت لزيارته في السجن المركزي وسألت عن أحمد الخضر. وعندما لم يأت اعتقدت أنه خالف النظام، لأنه أحياناً عندما يسيء التصرف، كانوا يقيدونه ويرفضون السماح لي بزيارته. وفي اليوم التالي، أي الجمعة، سألت عنه، فقال لي الموظف أن ‘ابنك نقل مع صديقين له إلى الأمن السياسي’. وعندئذ ذهبت إلى الأمن السياسي، لكنهم أنكروا وجوده لديهم.”

ووصف محام عمل في هذه القضية المعاملة التي لقيها أحمد الخضر البيضاني بأنها “فضيحة للحكومتين اليمنية والأمريكية على السواء. فقد ذكر الأمريكيون اسمه … في قائمة الفارين المطلوبين فيما يتعلق بالتخطيط لـ 11 سبتمبر/أيلول. ورغم علم السلطات اليمنية أن (أحمد) كان في السجن في ذلك الحين، إلا أنها نقلته إلى سجن الأمن السياسي لمجرد إرضاء الولايات المتحدة والإظهار بأنها تتعاون في الحرب على الإرهاب”.

ووصفت نور محنتها قائلة، “قضيت 15 يوماً أبحث عنه إلى أن أبلغني أحدهم بأن أذهب لمقابلة الصرمي (النائب السابق لرئيس الأمن السياسي) شخصياً. وظللت واقفة عند الباب إلى أن ظهر وقال لي ‘إننا نحتفظ بهم، حتى لا تأخذهم أمريكا’.”

وقالت والدة أحمد الخضر البيضاني لمنظمة العفو الدولية إن ابنها احتُجز في سجن الأمن السياسي في الحبس الانفرادي وهو مكبل القدمين طوال شهر قبل السماح للعائلة بزيارته. وبعيد ذلك، احتُجز أيضاً ابنها الآخر صلاح الخضر البيضاني، “ألقوا القبض عليه عند منتصف الليل واعتقلوه سنة كاملة في الأمن السياسي … وعند الاستجواب سألوه، ‘هل يتصل شقيقك بأحد؟’ وأخيراً أخلوا سبيله بعد ضياع سنة كاملة ونصف السنة من حياته…”

ويترك استهتار السلطات بسيادة القانون أثراً شديداً على حياة المعتقلين وعلى أولئك الذين كُتب عليهم أن ينتظروا محاكمتهم أو الإفراج عنهم. وتظل العائلات تواجه الغموض والشكوك والظلم من دون أن تتاح لها فرصة للتظلم. إن احتجاز ولديّ نور، وهما المعيلان الرئيسيان للعائلة، من جانب الأمن السياسي قد دمر حياتها. “لقد بعت كل ذهبي وذهب بناتي لتسديد ثمن ما يحصل لنا، ثم اضطررت إلى رهن منـزلنا… والآن لم يعد لدي شيء … وأجبرت بناتي الثلاث على ترك المدرسة والجلوس في المنـزل للخياطة…”

3.4الانتهاكات عبر الحدود

ترتبط حكومات الخليج وشبه الجزيرة العربية بشبكة من اتفاقيات التعاون الأمني بضعها مع بعض ومع حكومات من خارج المنطقة. وتضرب هذه الاتفاقيات عرض الحائط بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وقد وسَّعت “الحرب على الإرهاب” شبكة هذا التعاون ووفرت ذريعة مناسبة لسلسلة من العمليات التي تقوم بها قوات الأمن في المنطقة. وارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها عمليات إعدام واضحة خارج نطاق القضاء، بدعم صريح أو ضمني من الحكومات.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2002، دعت منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق عاجل في وفاة ستة رجال، قُتلوا عندما أصاب سيارتهم صاروخ أُطلق من طائرة تطير دون طيار من طراز بريدتر تسيطر عليها السي آي إيه. وزُعم أن الرجال ينتمون إلى القاعدة، وكان بينهم علي قائد سنان الحارثي، وهو مواطن يمني.15 ولم يتم إجراء أي تحقيق، وقالت السلطات اليمنية أنها وافقت على التعاون في عملية القتل.

وفي 9 سبتمبر/أيلول 2002، سافر عبد السلام الحيلة، وهو رجل أعمال يمني عمره 32 عاماً وضابط كبير سابق، في الأمن السياسي اليمني إلى مصر في رحلة عمل لمدة 15 يوماً، لكنه لم يعد إلى عائلته. وتظل السرية تكتنف مصيره ومكان وجوده. وتعتقد عائلته أنه ربما اشتبه في أن له علاقة بالإخوان المسلمين الذين ذهبوا إلى أفغانستان في الثمانينيات لمقاتلة القوات السوفيتية التي كانت تحتل البلاد في ذلك الوقت. وقال شقيقه لمنظمة العفو الدولية إنه في اليوم الذي كان من المقرر أن يعود فيه عبد السلام إلى الوطن “انقطع الاتصال به فجأة … وعندما اتصلنا به رن هاتفه المحمول، لكن لم يُجب أحد.”

ولم يصل بحث العائلة عن عبد السلام إلى نتيجة حاسمة حتى الآن. وقالت لمنظمة العفو الدولية إنها تلقت معلومات متضاربة حول مكان وجوده. وقالت لها بعض المصادر كما يبدو إنه محتجز في خليج غوانتنامو، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أنه محتجز في مصر. بيد أنه وفقاً للعائلة، قالت لها السفارة المصرية في صنعاء إن “عبد السلام غادر مصر على متن “طائرة أمريكية خاصة أقلته إلى باكو في أذربيجان،” وتواصل العائلة العيش في حالة من القلق بسبب انقطاع أخباره منذ سفره إلى مصر وعدم معرفة مصيره ومكان وجوده. وتشعر أن الحكومة اليمنية لم تتابع القضية بفعالية سواء مع السلطات المصرية أو الأمريكية.

ولا تقتصر المعاناة التي تسببها الانتهاكات التي تتجاوز حدود الدول فقط على أقرباء المعتقلين الذين يعيشون في الخليج وشبه الجزيرة العربية. ومن الأمثلة على ذلك عائلة أبو علي في الولايات المتحدة الأمريكية. وأفرادها مواطنون أمريكيون من أصل فلسطيني. وكان ابنهم أحمد أبو علي البالغ من العمر 23 عاماً يدرس في جامعة المدينة بالمملكة العربية السعودية. وفي 11 يونيو/حزيران 2003، ورد أنه كان يجلس لامتحانه النهائي عندما دخل أفراد الأمن السعودي إلى قاعة الامتحانات وألقوا القبض عليه. وقالت العائلة لمنظمة العفو الدولية إنه بعد مضي خمسة أيام على توقيف أحمد، داهم 15 موظفاً في الـ أف بي آي منـزلها الكائن في فولز تشيرتش بولاية فرجينيا، في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه وفقاً لمذكرة التفتيش، كانوا يبحثون عن مواد ذات صلة بقضية محاكمة في فرجينيا تتعلق بـ 11 شخصاً متهمين بتهم لها صلة بالإرهاب وتعرف بقضية الولايات المتحدة ضد روير.

وبحسب ما ورد، فإن موظفي الأف بي آي إما استجوبوا أحمد أو حضروا استجوابه من جانب الموظفين السعوديين. وزُعم أنهم هددوه إما بإعلانه “مقاتلاً معادياً” أو بإرساله إلى خليج غوانتنامو أو محاكمته في السعودية حيث لن يحصل على مساعدة قانونية أو جلسة عامة أو يمكنه تقديم استئناف إلى محكمة أعلى. ولم توجه إلى أحمد تهم في قضية الولايات المتحدة ضد روير، لكن وُجدت صلة بينه وبين أحد المتهمين الأحد عشر واسمه صبري بن كحلة. وخلال جلسات المحاكمة الأحد عشر متهماً، أشار وكيل النيابة إلى أن لصبري بن كحلة اتصالات مع أحمد أبو علي الذي وصفه بأنه عضو في القاعدة. كذلك ورد أن وكيل النيابة قال إن أحمد اعتُقل في السعودية بشأن التفجيرات التي وقعت في الرياض في 12 مايو/أيار 2003. بيد أنه برئت ساحة صبري بن كحلة وبحسب ما فُهم لم توجه سلطات الولايات المتحدة ولا السلطات السعودية أية تهم إلى أحمد.

ومع ذلك يظل الوضع القانوني لأحمد غير واضح ويزداد قلق عائلته بسبب السرية التي تكتنف نظام القضاء الجنائي السعودي، وبخاصة عدم الحصول على مساعدة قانونية. وبحسب العائلة، أبلغ مدير سجن الحائر في الرياض الذي يُعتقد أن أحمد معتقل فيه، سفارة الولايات المتحدة في الرياض أن السعودية على استعداد لتسليم أحمد في أي وقت إلى السلطات الأمريكية إذا قدمت طلباً بهذا الشأن.

وطلبت منظمة العفو الدولية توضيحاً من سفارة الولايات المتحدة في الرياض حول الوضع القانوني لأحمد وتلقت رداً يقول إنه “نظراً للقيود المفروضة بموجب قانون الخصوصيات في هذه القضية، لا أستطيع إعطاء تفاصيل حول الوضع الحالي لاعتقال السيد أبو علي”. ولكي تقدم السفارة تفاصيل حول القضية، ينبغي على أحمد أن يوقع على تصريح بالتنازل عن قانون الخصوصيات وأن يعيده إلى السفارة. ويقال إن موظفي السفارة قدموا استمارة للتصريح بالتنازل عن قانون الخصوصيات إلى موظفي الأمن السعودي في يوليو/تموز 2003، لكن ليس إلى أحمد مباشرة. ويبدو أن هذا تم بناء على إصرار موظفي الأمن السعوديين. وتلقت منظمة العفو الدولية معلومات تشير إلى أن أحمد لم يتلق الاستمارة المذكورة. وطوال ما يقرب من السنة، عملت عائلة أحمد دون كلل أو ملل من أجل أن يحظى بالعدل، بما في ذلك كسب تأييد عضو الكونغرس عن منطقتها، لكن جدار السرية الذي يحيط بنظام القضاء الجنائي السعودي مقروناً بمشاركة الـ أف بي آي أثبت أنه يصعب اختراقه. وفي 17 مايو/أيار 2003، بعثت العائلة بمناشدة إلى الرئيس جورج دبليو بوش تطلب فيها مساعدته. وجاء في الفقرة الختامية للمناشدة “السيد الرئيس، إن العذاب والألم والمعاناة والإذلال الذي تعرضنا له نحن وأحمد في العام الماضي لا يطاق ولا يوصف. وإننا نثق في حكمتك وتحركك السريع لاستخدام كامل سلطة وهيبة منصبك لضمان الإفراج الفوري عن أحمد وعودته سالماً إلى منـزل العائلة في فرجينيا ووضع حد للألم الذي نعاني منه.” وكشأن عائلة عبد السلام الحيلة والعديد من الضحايا الآخرين للانتهاكات التي تتجاوز حدود الدول، لم تتلق العائلة أي رد حتى الآن.

ويستمر هذا النمط من انتهاكات حقوق الإنسان دون هوادة. وقد حُبس خمسة مواطنين سعوديين أُعيدوا من خليج غوانتنامو إلى المملكة العربية السعودية في العام الماضي عند وصولهم ويظل وضعهم القانوني محاطاً بالسرية. وفي فبراير/شبراط 2004، ورد أن السفير الإيراني لدى السعودية قال في مؤتمر صحفي إن “إيران سلَّمت السعودية أشخاصاً يُشتبه في انتمائهم إلى القاعدة.”16 وفي إبريل/نيسان 2004، سلمت السلطات القطرية الحكومة اليمنية مواطنين يمنيين اثنين قُبض عليهم في قطر العام الماضي واعتُقلوا طوال شهور. وأعيد أيضاً مواطنون يمنيون بصورة قسرية من السعودية وعمان ودول أخرى إلى اليمن. وبدورها أعادت السلطات اليمنية قسراً العديد من الأشخاص إلى دول مثل السعودية. ولا يُعرف بأن أي من المعادين قسراً في جميع هذه الحالات سُمح لهم بالحصول على مساعدة قانونية أو أُتيحت لهم الفرصة للطعن في إعادتهم القسرية إلى دول أخرى على أساس أنهم سيتعرضون فيها لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها التعذيب. وقد اشتدت حدة هذه المبادلات للمتهمين بين دول المنطقة وخارجها مع متابعة “الحرب على الإرهاب” التي لم تكبح جماحها سيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وسهَّلت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، التي تجيز عمليات الإعادة القسرية للمتهمين بدون أي ضمانة بأنهم لن يتعرضوا لانتهاكات حقوق الإنسان، سهَّلت مثل هذه العمليات وقضت على الحماية الدولية لحقوق الإنسان.17

3.5 ‘التحطيم المتكرر’

بالنسبة لبعض عائلات المعتقلين، تأتي المحنة التي يقاسون منها على أيدي السلطات الأمريكية وحكومات المنطقة بعد سنوات من المعاناة المتكررة. وأوضحت نوف الشمري كيف أن زوجها الأول توفي بعد تعرضه للتعذيب من جانب قوات الأمن العراقية خلال احتلال الكويت في العام 1990. “كنت قد تزوجت منذ سنتين فقط… وجاء الاحتلال وصدمة وفاة زوجي … كل ذلك يصعب تحمله.” وبعد عامين تزوجت نوف مرة أخرى. وزوجها الثاني، عبد العزيز ساير الشمري، معتقل الآن في خليج غوانتنامو. ووصفت نوف نفسها بأنها قد “تحطمت بصورة متكررة جراء الظلم” وترى أن الشكوك التي تتمثل في عدم معرفتها بما سيحدث لزوجها، يصعب كثيراً تحملها.

وقالت عائشة هوديتش، وهي من البوسنة وتعيش الآن في الكويت، لمنظمة العفو الدولية “كنت قد أمضيت أربعة أشهر فقط مع زوجي الأول… قبل أن يُقتل بقذيفة كرواتية خلال غارة جوية على قريتنا.” والزوج الثاني لعائشة، واسمه عمر رجب محمد أمين، وهو مهندس كويتي عمره 36 عاماً، محتجز الآن في خليج غوانتنامو. ويكابد أطفالهما الخمسة جميعهم العذاب بسبب غيابه، لكن العائلة تشعر بقلق شديد على طلحة البالغ من العمر تسع سنوات، وهو ابن عائشة من زوجها الأول. فطلحة ليس مواطناً كويتياً، وبالتالي لا يحق له الدخول إلى المدارس الرسمية. وتخشى العائلة من عدم تمكنها من تسديد رسوم تعليمه، الآن بعد أن أصبح عمر غير قادر على إعالته.

ويقع جزء كبير من مسؤولية رعاية الأطفال على والدة عمر؛ إذ إن معرفة عائشة باللغة العربية محدودة وتعاني من الإجهاد. وقالت أم عمر التي تواجه مسؤوليات جديدة لمنظمة العفو الدولية “هل تمر ليلة واحدة لا نبكي فيها؟ من سيرعى أطفاله الصغار الآن؟”

وحتى في المجتمعات الأكثر ثراء، يُواجه العديد من عائلات المعتقلين مصاعب مالية. فمثلاً، ينص قانون العمل الكويتي على أنه بعد غياب لا تفسير له لمدة 15 يوماً، يطرد الموظف تلقائياً. وترفض الحكومة الكويتية الاعتراف رسمياً باعتقال مواطنيها في خليج غوانتنامو. ونتيجة لذلك، فقدت العديد من عائلات المعتقلين الكويتيين في غوانتنامو مصدر دخلها الرئيسي، لأنهم مصنفون كمتغيبين عن العمل من دون سبب وجيه. مثلاً، لم تعد الحكومة تدفع راتب عمر رجب محمد أمين، لأن غيابه عن العمل سُجِّل “كغياب من دون تفسير”.

وليس لدى أيغول الزوجة الأذرية لسامي محي الدين الحاج، وهو مصور سوداني يعمل في محطة الجزيرة الإخبارية التلفزيونية التي يقع مقرها في قطر، أقرباء مباشرون في قطر، باستثناء ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات. وقالت “لم أكن أدري أن هناك هذا القدر الهائل من الألم والظلم في العالم،” بيد أنها تشعر بالامتنان لأن الجزيرة دفعت حتى الآن راتب سامي.

وتلقي غوانتنامو بظلالها الثقيلة بشكل خاص على النساء في عائلات المعتقلين. وأوضحت زوجة عبد الله كامل الكندري كيف أن غياب زوجها كانت له آثار بعيدة المدى عليها لأن القانون الكويتي يقتضي موافقة زوجها في أوضاع عديدة. “وحتى عندما أنجبتُ فاطمة في 3 فبراير/شباط 2002، لم أستطع مغادرة المستشفى حتى يوقع زوجي. واضطر منصور عم فاطمة التوقيع نيابة عن شقيقه كي يُسمح لنا بالخروج.”

وبعث شقيق ياسين قاسم إسماعيل برسالة إلى منظمة العفو الدولية حول معاناة والدته في اليمن. “في كل مناسبة سعيدة تحتفل بها العائلة، يُنكأ جرح والدته من جديد. وتتحول المناسبات التي يفترض أنها سعيدة إلى لحظات من الحزن، لأنها ترى أشقاءه وشقيقاته حولها وتتساءل عن مدى الصعوبة التي يواجهها ابنها السجين.

4. بث الخوف

كما تستخدم الحكومات “الحرب على الإرهاب” بطرق أكثر خبثاً لمواصلة ممارساتها القديمة في تقييد حرية التعبير والمعتقد والاشتراك في الجمعيات.

ففي الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، يواجه جميع الذين يُتصور أن لديهم ميولاً إسلامية، بمن فيهم المحامون والقضاة والمدرسون وأساتذة الجامعات قيوداً في مجال فرص العمل والمشاركة في الحياة العامة. وتتوخى الشخصيات العامة البارزة التي تعتبر من المنتقدين الحذر الشديد عندما تكتب في الصحف أو تشارك في برامج تلفزيونية وإذاعية لتفادي رد انتقامي من قوات الأمن. ويقال إن بعضهم قد وُجهت إليه تحذيرات بعدم المشاركة في الندوات والمناسبات العامة.

وواجهت منظمات، مثل نقابات المعلمين والمحامين والصحفيين مضايقات متزايدة لأن بعض أعضاء مجالسها يعتنق “آراء إسلامية”.

وبحسب الأنباء التي تلقتها منظمة العفو الدولية في يونيو/حزيران 2002، أُرغم 57 شخصاً على ترك وظائفهم في وزارة التعليم، وأُجبر 33 على التقاعد ونُقل 24 إلى وزارات أخرى. وأبلغ أحد المصادر منظمة العفو الدولية أن “متوسط عمر الذين أُجبروا على التقاعد يتراوح بين 35 و37 عاماً وأن معظمهم من المربين الممتازين الذين لم يعبروا قط عن أية آراء متطرفة أو متعصبة”. وقال مصدر لمنظمة العفو الدولية إنه اعتباراً من العام 2002، يحتاج تعيين مديري المدارس إلى موافقة من أمن الدولة في الإمارات العربية المتحدة.

وفي 16 مارس/آذار 2004، اعتقلت قوات الأمن السعودية 13 أكاديمياً وناشطاً لأنهم عبروا عن آرائهم حول الإصلاحات التعليمية الحكومية. وكان بينهم أساتذة الجامعات عبد الله الحامد والدكتور توفيق قصير والدكتور متروك فالح ومحمد سعيد طيب، وهو ناشر سابق. وتم إطلاق سراح الدكتور توفيق قصير ومحمد سعيد طيب في إبريل/نيسان 2004 بعدما وقعا على تعهدين يقسمان فيهما بعدم مزاولة أي “نشاط سياسي” وأنهما سيبلغان السلطات قبل القيام بأية أنشطة عامة. ويظل عبد الله الحامد والدكتور متروك الفالح وما لا يقل عن شخصين آخرين قيد الاعتقال بدون تهمة أو محاكمة بعدما ورد أنهم رفضوا التوقيع على التعهد.18

وفي اليمن اعتمدت السلطات أسلوباً مختلفا. فقد احتُجز مئات المعتقلين الذين تعتبر قوات الأمن أنهم يعتنقون “آراء إسلامية متطرفة” من دون تهمة أو محاكمة. وشاركوا في حوار ديني مع شخصيات إسلامية إلى أن يوقعوا على تعهد يتخلون فيه عن آرائهم ثم يُطلق سراحهم. بيد أن الإفراج عنهم يقترن بقيود تشمل حضورهم المنتظم إلى مركز الشرطة ومنعهم من السفر خارج المنطقة التي يعيشون فيها، فضلاً عن الاتصال بالآخرين، لاسيما الصحفيون، بدون إذن من قوات الأمن.

ويلاحظ العديدون في المنطقة الثمن والعواقب بعيدة المدى لتدخل الحكومة في الماضي في الدين. وقال أحد أعضاء نقابة المعلمين اليمنيين لمنظمة العفو الدولية إن “جامعة الملك سعود في الرياض والأمريكيين والحكومات السعودية هي التي أقنعت الشبان بالتوجه إلى أفغانستان … وكانت تقدم لهم مساعدات مالية وتقول لهم إنه من واجبهم القتال … ولم يذهب العديد من الذين سافروا إلى أفغانستان لأنهم كانوا ينتمون إلى مدرسة فكرية أو لأنهم خططوا لأن يصبحوا إرهابيين، بل ذهبوا لأن الجهات المذكورة أقنعتهم بأنهم يقاتلون في سبيل حرية المسلمين.”

وسُجن أكثر من 250 من أبناء الطائفة الشيعية الزيدية في العاصمة اليمنية صنعاء في الوقت الذي قامت فيه منظمة العفو الدولية بزيارة إليها في مطلع يناير/كانون الثاني 2004. وكان يُعتقد بأنهم محتجزون في سجون الأمن السياسي لأنهم أطلقوا شعارات معادية للولايات المتحدة عقب صلاة الجمعة في المسجد الكبير بصنعاء وتبعتها حملة اعتقالات جديدة في 16 يناير/كانون الثاني.19 وبحسب ما ورد بدأت اعتقالات المسجد في مايو/أيار 2003 وكان لها علاقة بالاحتجاجات ضد عمليات قصف العراق التي جرت بقيادة الولايات المتحدة. واحتُجز بعض أولئك المعتقلين طوال عدة أشهر؛ وأُفرج عن آخرين بعد بضعة أيام. ولم توجه تهم قط إلى أي من الذين اعتُقلوا أو يقدموا إلى المحاكمة أو يُسمح لهم بمقابلة محامٍ. وذكر العديد من المعتقلين أنهم استجوبوا من جانب أفراد الأمن السياسي.

وعندما أثارت منظمة العفو الدولية اعتقالات المسجد مع النائب العام اليمني، أعرب عن دهشته إزاء سجن أي شخص لأنه أطلق شعارات. وشدد على أن مكتبه يعمل بشكل وثيق مع وزارة الداخلية، لكن الأمن السياسي يشكل هيئة مستقلة خارج نطاق صلاحياته. وقابل الشيخ مرتضى بن زيد المحطوري، وهو إمام معروف للشيعة الزيدية، المعتقلين وقال إنه شاهد “حوالي مائة منهم في السجن”. وأكد أيضاً أن “صبياً عمره 11 عاماً قُبض عليه أربع مرات” كان بين المعتقلين.

وقال علي شرف الدين، الذي اعتُقل ثلاث مرات لأنه أطلق شعارات في الجامع الكبير، لمنظمة العفو الدولية، إن السلطات تقاعست عن إبلاغ أي من أقرباء المعتقلين بإلقاء القبض عليهم.

ووقعت العديد من عائلات المعتقلين الأحداث على تعهدات وعدت فيها بألا يكرر الأطفال إطلاق هذه الشعارات. واعتُقل مطيع حسن ناصر منيف البالغ من العمر ستة عشر عاماً في سجن الأمن السياسي في صنعاء لمدة ستة أسابيع، ثم نُقل إلى سجن عمران حيث اعتُقل لمدة سبعة أشهر أخرى. وقال لمنظمة العفو الدولية “إننا لم نتعرض للتعذيب، لكن أحياناً لم نتمكن من أن نصلي الفجر طوال 15 يوماً تقريباً، بسبب فرض قيود على دخولنا إلى الحمام،20 للضغط علينا حتى نتعهد بعدم إطلاق الشعارات”. وفي النهاية وقعت عائلته على التعهد.

وفي السعودية، تُفرض قيود شديدة على جميع أشكال الاحتجاج. وسرعان ما قمعت قوات الأمن النشطاء الذين نظموا مسيرة للمطالبة بتسريع وتيرة الإصلاحات، كان من المزمع أن تتزامن مع مؤتمر لحقوق الإنسان عُقد برعاية الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 2003. وأُلقي القبض على حوالي 270 شخصاً، ما لبث أن أُخلي سبيل معظمهم عقب استجوابهم، لكن اعتُقل ما لا يقل عن 83 شخصاً. وكان بينهم ثلاث نساء، من ضمنهم أم سعود التي حملت راية بشأن ابنها سعود الذي توفي خلال الحريق الذي شب في سجن الحائر قبل شهر. وأعلنت الحكومة فيما بعد أنها حكمت على المعتقلين بالسجن لمدة 55 يوماً. ويُعتقد أنه تم إطلاق سراحهم في ديسمبر/كانون الأول 2003، لكن كيفية الحكم عليهم تظل محاطة بالسرية التي يتسم بها نظام القضاء الجنائي. وتخشى منظمة العفو الدولية من إمكانية كونهم سجناء رأي.

وتتعرض الحرية التي نعمت بها الصحافة مؤخراً للخطر. فالصحفيون في الخليج وشبه الجزيرة العربية يشيرون إلى تزايد المضايقة ويخشون تعرضهم للاعتقال بحجة “دعم الإرهاب”.21

ونشر صحفي يمني، انتحل صفة أحد أقرباء معتقل محتجز في إطار “الحرب على الإرهاب”، سلسلة من تقارير شاهد عيان من سجون الأمن السياسي لفت فيها انتباه الرأي العام إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق المعتقلين. وبذل صحفي يمني آخر يعمل لدى صحيفة الشورى كل ما في وسعه لتتبع مصير معتقلي المسجد في صنعاء، حيث كان في كل أسبوع يفضح حدوث اعتقالات جديدة يكتشفها. وأبلغ عضو في البرلمان اليمني منظمة العفو الدولية أن “الصحافة هي في هذه الأيام التي تحمي فعلياً حقوق الإنسان وتؤثر عليها.” وتتجلى المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون في قضية محمد القيري، وهو صحفي يعمل لدى الصحيفة اليمنية التي تصدر بالإنجليزية باسم يمن اوبزيرفر. ففي 26 مارس/آذار 2004، ذهب محمد القيري إلى المسجد الكبير لمراقبة عملية الاعتقالات التي يقوم بها أفراد الأمن السياسي. وشاهده الذين يقومون بالاعتقالات وهو يلتقط صوراً لهم. فاعتدوا عليه وأصابوه بكدمات ونزيف في وجهه ثم اعتقلوه. وجرى استجوابه وضربه قبل الإفراج عنه في اليوم التالي بعد أن وقَّع تعهداً بعدم التقاط صور لعمليات الاعتقال في المستقبل.

وتجد القنوات الإخبارية الفضائية التي تحولت إلى منابر حقيقية للنقاش وإلى مصادر مهمة للمعلومات، أنفسها معرضة للتهديدات من جانب حكومات الخليج والإدارة الأمريكية على السواء. ووفقاً لمحرر يعمل في محطة الجزيرة القطرية، وجهت بعض السلطات الأمريكية بيانات تهديدية للقناتين الإخباريتين التلفزيونيتين الجزيرة والعربية. وقال يوسف الشولي لمنظمة العفو الدولية إن “ضابطاً أمريكياً أبلغ أحد صحفيينا في العراق بأن الجزيرة تشكل هدفاً مشروعاً.”22 وقد أصابت الصواريخ الأمريكية مكاتب قناة الجزيرة في أفغانستان والعراق؛ وقتل طارق أيوب، وهو مراسل، في 8 إبريل/نيسان 2003 في هجوم وقع في العراق. وأُلقي القبض على سامي الحاج، وهو مصور تابع للجزيرة في أفغانستان، ونُقل فيما بعد إلى خليج غوانتنامو، حيث يظل محتجزاً هناك (انظر الفقرة 3-5 التحطيم المتكرر).

وقُبض على تيسير علوني، مراسل قناة الجزيرة في أسبانيا، بتهم “الإرهاب”. وقال لمنظمة العفو الدولية إنه يعتقد بأن التهم التي نُسبت إليه استندت إلى “طبيعة عملي في الجزيرة”. ويعتقد تيسير علوني أن الجزيرة كانت مستهدفة لأننا “كنا المحطة التلفزيونية الوحيدة التي كانت تبث من أفغانستان خلال القصف الأمريكي وقد بينَّا التكلفة الإنسانية لهذا القصف.”

كذلك حاولت الحكومات في الخليج وشبه الجزيرة العربية فرض قيود على الأخبار والتقارير التي تبثها الجزيرة. فعلى سبيل المثال، أعلنت البحرين في مايو/أيار 2002 أن قناة الجزيرة منحازة لإسرائيل وضد البحرين ومنعتها من تغطية الأحداث التي تقع داخل البلاد.23 ويدفع المنتقدون السعوديون لحكومتهم، الذين استخدموا قناة الجزيرة كمنبر للتعبير السلمي عن آرائهم، ثمناً لذلك. ففي سبتمبر/أيلول 2003، وجد عبد العزيز الطائر، وهو مدير العلاقات العامة السابق في غرفة التجارة في الرياض وعمره 44 عاماً، وجد منـزله محاصراً برجال أمن مسلحين بينما كان يشارك عبر الهاتف في نشرة حية للأخبار على تلفزيون الجزيرة. واقتحمت قوات الأمن منـزله واعتقلته، مع آخرين كانوا معه. وبحسب ما ورد أُلقي القبض عليه لأنه انتقد الحكومة. وأُطلق سراحه في مارس/آذار 2004 بعدما أعطى كما ورد تعهداً بعدم انتقاد الحكومة.

كذلك تؤثر “الحرب على الإرهاب” على المنظمات غير الحكومية في المنطقة، بما فيها الجمعيات الخيرية الإسلامية القانونية. وقد خلقت ممارسة عمليات التوقيف والاعتقال الجماعية بدون تهمة أو محاكمة للأشخاص الذين سافروا إلى أفغانستان أو باكستان أو كانت لهم صلة بأشخاص سافروا إلى هذين البلدين، أو لمجرد التصور بأنهم يعتنقون “آراء إسلامية متطرفة”، خلقت إحساساً بالخوف من أن التبرع للجمعيات الخيرية الإسلامية يمكن أن يعرض المتبرع لاتهامات “بالإرهاب”. وفي اليمن، اشتكى مصدر قريب من عدد من المشاريع الخيرية بالقول إن “الناس يخشون الآن من التبرع للمشاريع الخيرية خوفاً من وصمهم بالإرهاب”.

وتعتقد العديد من عائلات المعتقلين المحتجزين في المنطقة وفي خليج غوانتنامو والتي أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معها أن السبب الرئيسي لاعتقال أقربائها هو أعمالهم الخيرية، لكنها حرمت من فرصة اتباع الإجراءات القانونية لتقديم هذه الحجج دفاعاً عن أقربائها أمام السلطات القضائية. وتزعم زوجة سامي محي الدين الحاج وأصحاب عمله في الجزيرة أن سامي احتُجز في سياق قيامه بعمله. ويعتقدون أن القضية المنسوبة إليه لا يمكن أن تصمد وأن اعتقاله يستند حصرياً إلى العمل الخيري الذي كان يقوم به في أفغانستان قبل سنوات وإلى وجود التباس بيروقراطي في جواز سفره، أوضحته الحكومة السودانية. وقالت زوجة سامي محتجة إنه “إذا كان زوجي من ضمن المعتقلين، عندئذ اعتقد أنهم يعتقلون أي شخص ويأخذونه إلى خليج غوانتنامو.”

وفوزي ابن خالد العودة معتقل في غوانتنامو. وأوضح الوالد صلة ابنه بأفغانستان وباكستان. “في المدرسة الثانوية بدأ بجمع المال للمحتاجين وتطور هذا الاهتمام لديه مع الوقت. وبدأ مع أصدقائه بتبني مشروع سنوي، حيث ساعدوا على بناء مدرسة أو فصل دراسي أو مسجد أو بئر في الدول الإسلامية الفقيرة. ولم يكن هناك أي شيء غريب في هذا النشاط؛ فهذه ظاهرة كويتية شائعة. وبدؤوا على مستوى صغير بجمع الأموال من العائلة والجيران، ثم بدؤوا يعدون الميزانيات والخطط. وعندما قُبض على فوزي كان ينفد مشروعه التاسع.”

وإضافة إلى هذه المخاوف التي تنتاب العائلات، يبدو أن بعض التدابير التي اتخذتها الحكومات خارج نطاق القضاء بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 لقطع عصب الحياة المالي عن “الإرهابيين” قد تجاوزت حدود ضمان شفافية المعاملات المالية الخيرية. وفي أعقاب 11 سبتمبر/أيلول 2001، أغلقت قوات الأمن اليمنية العديد من المدارس الإسلامية التطوعية وألقت القبض على المئات من طلابها، بمن فيهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً. وبطريقة مشابهة، ألقت قوات الأمن القبض بلا تمييز على تجار العسل، وهي تجارة تقليدية كبيرة في اليمن، للاشتباه في أن لديهم صلات بأسامة بن لادن. وأُغلقت محلات المتاجرة بالعسل طوال أيام أو أسابيع واستجوبت قوات الأمن أصحابها. وفيما بعد، سُمح لتجار العسل باستئناف تجارتهم. وفي دول أخرى تمت مصادرة أصول الجمعيات الخيرية الإسلامية والمتبرعين المشتبه بهم أو تجميدها. وأبلغت بدرية العوضي، وهي محامية كويتية وعضو في المجموعة الخاصة التابعة لنقابة المحامين الدولية المعنية بتعريف الإرهاب الدولي، منظمة العفو الدولية بقلقها من أن الإجراءات الجديدة المتخذة “باسم محاربة الإرهاب والحفاظ على الأمن تفرض قيوداً غير مقبولة على الجهود التي يبذلها المسلمون لمساعدة أنفسهم”.

والمخاوف التي يشعر بها الناس والأحكام التي يصدرونها هنا متفاوتة لكنها جميعها ناتجة عن تهميش سيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وتتصرف قوات الأمن بلا حسيب أو رقيب، ويُحرم المتضررون من حقهم في اللجوء إلى العدالة.

5. مؤتمر صنعاء : البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق

بدعوة من منظمة العفو الدولية والمنظمة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات، حقوق الإنسان للجميع” ملتقى لأكثر من 150 مشاركاً من دول مختلفة. وكان معظم المشاركين من المحامين والقضاة والخبراء القانونيين والمسؤولين الحكوميين من الشرق الأوسط وأستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. وكان لدى معظم المشاركين اهتماماً رسمياً بالمعتقلين المحتجزين خارج الإشراف القضائي العادي بموجب مختلف أشكال قوانين “مكافحة الإرهاب”، في خليج غوانتنامو وفي عدد من المواقع داخل الخليج وشبه الجزيرة العربية. وإضافة إلى ذلك، أتى ممثلو عائلات العشرات من هؤلاء المعتقلين إلى مكان انعقاد المؤتمر للإدلاء بإفادات مشفوعة بالقسم ولطلب المشورة والمساعدة.

وبعد، الجلسة الافتتاحية، انصب اهتمام المؤتمر على موضوعين أساسيين؛ كان أحدهما عالمية حقوق الإنسان، والعقبات القانونية والقضائية التي يواجهها المحامون وأقرباء المعتقلين في نضالهم من أجل إنصاف المعتقلين.

وبينما يدرك المشاركون المخاوف والمشاعر الجياشة التي أثارتها الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي ارتكبت في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، إلا أنهم رفضوا بالإجماع تقويض مبدأ عالمية حقوق الإنسان في متابعة “الحرب على الإرهاب”. وأبلغ دريك إفنـز النائب السابق للأمين العام لمنظمة العفو الدولية المؤتمر بأن “الخوف هو عدو الحرية، ومن منطلق الخوف، قد يبدي العديد من الناس في البداية استعداداً للتخلي عن الحرية -- وحتى الحقوق الأساسية -- مقابل ما يمكن أن يشكل إحساساً زائفاً بالأمان وفي أماكن كثيرة حول العالم، فإن ردود بعض الدول على التهديدات المتوقعة قد زاد فعلياً من الشعور بعدم الأمان -- وهو شعور ينبع من الممارسات القانونية القائمة على التمييز واستخدام الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي. وتعرض مثل هذه التدابير حقوق الإنسان للخطر. وتمزق بنية الإطار الدولي لحقوق الإنسان وتهدد الإنجازات المهمة التي تحققت خلال الخمسين سنة الماضية”.

وقد أحاط الدكتور تيري ويت ببلاغة ببواعث القلق الشديد الذي عبر عنه المشاركون حيث طرح سؤالين حاسمين. وفي معرض إشارته إلى تجربته في الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي وتعرضه للتعذيب الجسدي والنفسي خلال السنوات الأربع التي أمضاها كرهينة لدى مجموعة مسلحة في لبنان، قال الدكتور ويت “ماذا حدث كي يتعين علينا أن نتوسل إلى الحكومات ونتفاوض معها لاحترام المعايير التي تم الاعتراف بها على أنها أساسية وجوهرية طوال أكثر من خمسين عاماً -- وهي حقوق يجب اعتبارها مسلماً بها ومكفولة؟ وما الفرق الجوهري بين ما عشته وعانيت منه، وبين ما يحدث الآن لهؤلاء المعتقلين”.

وأتاحت المناقشات التي جرت حول عالمية حقوق الإنسان للمشاركين إلقاء الضوء على الكيفية التي تشكل فيها الأحكام والشروط التي يُحتجز بموجبها المعتقلون المتهمون بأن لهم صلات “بالإرهابيين”، فضيحة كبرى لحقوق الإنسان في عصرنا. كذلك تم الإقرار بأن الوضع في خليج غوانتنامو يمثل تحدياً أساسياً لسيادة القانون، ويتسبب بأزمة لحقوق الإنسان لها انعكاسات في جميع أنحاء العالم. وتم الإقرار أيضاً بأن العامل القريني الأساسي الذي يحدد فرض القيود على إجراءات حماية حقوق الإنسان المتوافرة لهؤلاء المعتقلين الذين يُحتجزون في دول أخرى هو نوع العلاقة القائمة بين الولايات المتحدة وحكومة بلد المعتقل.

وبمساعدة عدد من الخبراء القانونيين، نظر المؤتمر بالتفصيل في الأطر القانونية للمعتقلين الذين يُحتجزون بموجب قوانين أو أنظمة “الحرب على الإرهاب” في خليج غوانتنامو ومنطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية وسواها من الأماكن. ووُصفت عمليات الاعتقال التعسفية وإلى أجل غير مسمى بدون تهمة أو غياب أوامر المثول أمام المحكمة أو غيرها من الضمانات الأساسية، والحرمان من الحق في توكيل محام مستقل أو حتى ادعاء افتراض البراءة وأنباء التعذيب المتواصلة، وُصفت جميعها بأنها انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان.

ووصف المشاركون التخلي عن المبادئ والمعايير الراسخة لحقوق الإنسان بأنه يسبب صدمة وقلقاً شديداً. ولاحظ أحد الخبراء “أنه من الواضح بأن اعتقال هؤلاء المعتقلين ومقاضاتهم لا يُقصد به خدمة الحقيقة والعدالة، بل جرى تصميمه وترسيخه كوسيلة للانتقام أو العقاب”. وشدد آخر على الطبيعة الملحة للتحدي، “ليس هناك خطر أعظم يتهددنا جميعاً من أن يقرر الذين يمسكون بزمام السلطة بصورة اعتباطية أن حقوق الإنسان الأساسية لا تنطبق على بعض منا.” وعلق أحد خبراء حقوق الإنسان بقلق شديد قائلاً إن “الشيء الأخير الذي نحتاجه هو النموذج السيئ الذي يمثله زعيم العالم بأجمعه”، يقصد الولايات المتحدة.

وحدد المشاركون عدداً من الاحتياجات الناشئة، ومن بينها : مبادرات لممارسة ضغط إعلامي ومن جانب المنظمات غير الحكومية على كل من حكومات بلدان المعتقلين والسلطات الأمريكية؛ ووضع آليات للمحامين والحقوقيين في المنطقة لتبادل المعلومات وتنسيق الجهود؛ ووضع نظام يكفل مقابلة عائلات المعتقلين والاتصال بهم؛ ووضع برنامج لحث المشرعين وأعضاء البرلمان في المنطقة على الإعراب عن قلقهم على مواطنيهم المحتجزين في خليج غوانتنامو وسواه، وضمان الاحترام للمعايير الدولية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بمواطنيهم. وقد وضعت هذه الاحتياجات بعين الاعتبار مع استكشاف المشاركين في المؤتمر لوسائل مواصلة العمل معاً، وهي ترد بالتفصيل في البيان الختامي للمؤتمر، نداء صنعاء.24

وتنعكس بواعث القلق البالغة لدى المشاركين إزاء أوضاع حقوق الإنسان في العالم اليوم في الفقرة الأولى من من نداء صنعاء، الصادر في نهاية المؤتمر، والذي ينص على أن “استمرار عمليات الاعتقال التعسفية وغير القانونية لآلاف الأشخاص في خليج غوانتنامو -- وعدد من الأماكن الأخرى في العالم -- يمثل تحدياً أساسياً لسيادة القانون ويشكل خيانة للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. وهذا الانتهاك الذي يحدث بفعل التدابير الأمنية التعميمية في أغلب الأحيان التي اعتمدتها حكومات عديدة عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية والتي أدانتها منظمة العفو الدولية دون تحفظ، يرقى إلى مستوى أزمة لحقوق الإنسان تشكل خطراً على الناس في شتى أنحاء العالم.

وبوصفنا مدافعين عن حقوق الإنسان، نؤمن إيماناً راسخاً بأن لكل امرأة ورجل وطفل حقوق أصيلة تعود إليهم كبشر. وفي الحقيقة هذا هو المفهوم المكرس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان -- بأن جميع الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق. ولا تمنح الحقوق الأساسية لنا كامتداد للجنسية أو كهبة من الحكومات. بل تنبثق من إنسانيتنا، ومن واجبنا كأعضاء في المجتمع المدني المطالبة بها وتأكيدها وحمايتها من أجلنا وأجل الآخرين. وفي نداء صنعاء؛ دعا المشاركون إلى تطبيق سيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان على جميع أولئك المستهدفين في إطار “الحرب على الإرهاب”.

6. الخلاصة

كانت لمتابعة “الحرب على الإرهاب”، دون أن تكبح جماحها سيادة القانون ومعايير حقوق الإنسان عواقب وخيمة وبعيدة المدى في الخليج وشبه الجزيرة العربية. وأدت إلى عمليات توقيف جماعية وتعسفية واعتقال بمعزل عن العالم الخارجي وإلى أجل غير مسمى من دون تهمة أو محاكمة ومن دون السماح باللجوء إلى السلطة القضائية للطعن في قانونية الاعتقال. كما أنها سهلت تنفيذ اتفاقيات أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف، مع تجاهل مطلق للمعايير الدولية، أدت إلى الإعادة القسرية لأشخاص إلى دول تعرضوا فيها بشدة لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. كذلك هناك حالات لأشخاص لا يعرف مصيرهم ولا مكان وجودهم وعمليات إعدام واضحة خارج نطاق القضاء.

وقد أثرت معاملة أولئك المستهدفين في “الحرب على الإرهاب”، على نحو جرى فيه التجاهل المطلق لحقوقهم ولسيادة القانون، على عائلاتهم لمجرد صلتهم بها. وتعرض بعض الأقرباء للاعتقال على يد قوات الأمن لإجبار الأفراد المتهمين في عائلاتهم على تسليم أنفسهم. وتمت معاقبة عائلاتهم. ويجد أفراد العائلات أنفسهم في حالة اضطراب عاطفي ومصاعب مالية ونسيان قانوني.

وتشكل الطريقة التي تم فيها خوض “الحرب على الإرهاب” تهديداً حقيقياً للتحسن الذي طرأ مؤخراً على أوضاع حقوق الإنسان في الخليج وشبه الجزيرة العربية. ففي السنوات الأخيرة بدأت حكومات المنطقة تستجيب بصورة إيجابية للمطالبات بتحسين أوضاع حقوق الإنسان والابتعاد، وإن يكن ببطء، عن عقود ابتليت بانتهاكات واسعة النطاق ومنهجية وصارخة لحقوق الإنسان. وقد أحيت “الحرب على الإرهاب” الممارسات القديمة. وتستخدمها حكومات المنطقة ذريعة لتقييد حرية التعبير والمعارضة السياسية في الخليج وشبه الجزيرة العربية، حيث تبث الخوف في صفوف الصحفيين ومنتقدي الحكومات وعموماً الأشخاص الذين يُعرف أو يُتصور بأنهم يعتنقون آراءً دينية. وتتضمن أشكال الانتقام ضد هؤلاء الأشخاص التوقيف والاعتقال والتقاعد القسري ومن وظائفهم أو حرمانهم من التوظيف بدون توفير أية فرصة حقيقية لهم للطعن في قرارات قوات الأمن في هذا المجال.

وكما يبين هذا التقرير، فإن المعاناة الإنسانية التي تحملها أولئك المستهدفون في إطار “الحرب على الإرهاب” وتحملتها عائلاتهم لمجرد صلة القربى التي تربطها بهم، تشكل بعضاً من العواقب ذاتها التي تهدف روح المعايير الدولية لحقوق الإنسان إلى منع حدوثها. وبينما تدعو منظمة العفو الدولية الحكومات إلى ممارسة الحق والمسؤولية في تقديم الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم جنائية معروفة إلى العدالة، إلا أنها تعارض ممارسة هذا الحق وهذه المسؤولية خارج إطار سيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ومن أجل التعويض عن هذه المعاناة التي وردت بالتفصيل في هذا التقرير وتفاديها، يجب أن تخضع متابعة “الحرب على الإرهاب” لسيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

  • لا يجوز استخدام “الحرب على الإرهاب” للقضاء على الحق في حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات والتجمع المكرس في المواد 19 و21 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
    وتنص المادة 19(2) من العهد المذكور على أنه “لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل (شفوي) أو مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.”
    وتنص المادة 19(3) من العهد المذكور على أن “تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية :
    (أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم؛
    (ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
    وتنص المادة 21 من العهد المذكور على أن “يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به.”
    وتنص المادتان 22(1) و(2) من العهد المذكور على أنه “(1) لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.” ولا يجوز أن وضع قيود على ممارسة الحق في حرية تكوين الجمعيات والتجمع إلا بموجب شروط محددة. وتنص المادتان 21 و22 كلاهما “(المادة 22)(2) لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.”
  • لا يجوز استخدام الحرب على الإرهاب لاعتقال الأشخاص تعسفاً، أو حرمانهم من الاتصال بالعالم الخارجي، وفقاً للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على عدة ضمانات ضد الاعتقال التعسفي ووفقاً للمبدأ 19 من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن والقاعدة 92 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.
    وتنص المادة 9(1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه “لكل فرد حق في الحرية وفي الأمن على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفاً. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه”
    وتنص المادة 9(3) من العهد الدولي المذكور على أن “يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعاً، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانوناً مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه.”
    وتنص المادة 9(4) من العهد المذكور على أنه “لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكل تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.”
    وينص المبدأ 19 من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن على أن “يكون للشخص المحتجز أو المسجون الحق في أن يزوره أفراد أسرته بصورة خاصة وفي أن يتراسل معهم. وتتاح له فرصة كافية للاتصال بالعالم الخارجي، رهناً بمراعاة الشروط والقيود المعقولة التي يحددها القانون أو اللوائح القانونية.”
    وتنص القاعدة 92 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء على أن “يرخص للمتهم بأن يقوم بإبلاغ أسرته نبأ احتجازه، ويعطى كل التسهيلات المعقولة للاتصال بأسرته وأصدقائه وباستقبالهم، دون أن يكون ذلك مرهوناً إلا بالقيود والرقابة الضرورية لصالح إقامة العدل وأمن السجن وانتظام إدارته.”
  • لا يمكن استخدام “الحرب على الإرهاب” كمبرر لاستخدام التعذيب. فالتعذيب ممنوع منعاً باتاً وفقاً للمادتين 7 و10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
    وتنص المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.”
    وتنص المادة 10(1) من العهد المذكور على أن “يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية، تحترم الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني.”
    وتنص المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن تضمن الدول “… عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال.”
  • لا يجوز استخدام “الحرب على الإرهاب” لحرمان المستهدفين بها من حقهم في المطالبة بالعدل كما تقتضي المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
    إذ تنص المادة 14(1) من العهد المذكور على أن “الناس جميعاً سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوة مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون. ويجوز منع الصحافة والجمهور من حضور المحاكمة كلها أو بعضها لدواعي الآداب العامة أو النظام العام أو الأمن القومي في مجتمع ديمقراطي، أو لمقتضيات حرمة الحياة الخاصة لأطراف الدعوى، أو في أدنى الحدود التي تراها المحكمة ضرورية حين يكون من شأن العلنية في بعض الظروف الاستثنائية أن تخل بمصلحة العدالة، إلا أن أي حكم في قضية جزائية أو دعوى مدنية يجب أن يصدر بصورة علنية، إلا إذا كان الأمر يتصل بأحداث تقتضي مصلحتهم خلاف ذلك أو كانت الدعوى تتناول خلافات بين زوجين أو تتعلق بالوصاية على أطفال.
    وتنص المادة 14(2) من العهد المذكور على أنه “من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئاً إلى أن يثبت عليه الجرم قانوناً.”
  • لا يجوز استخدام “الحرب على الإرهاب” لإعادة الأشخاص قسراً إلى دول يمكن أن يتعرضوا فيها لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، مثل التعذيب أو الإعدام ويجب أن تكفل حق اللاجئين وطالبي اللجوء وفقاً لاتفاقية اللاجئين للعام 1951 والمادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
    وتنص المادة 3(1) من اتفاقية مناهضة التعذيب على أنه “لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص أو أن تعيده (“أن ترده”) أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب.”
  • لا يجوز استخدام “الحرب على الإرهاب” للتسبب في “اختفاء” أو إعدام المتهمين خارج نطاق القضاء، كما تشترط المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمبدأ الأول من مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة.
    فالمادة 6(1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أن “الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً.”
    وينص المبدأ الأول من مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة على أن “تحظر الحكومات، بموجب القانون، جميع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة وتكفل اعتبار هذه العمليات جرائم بموجب قوانينها الجنائية. يعاقب عليها بعقوبات مناسبة تراعي خطورتها. ولا يجوز التذرع بالحالات الاستثنائية. بما في ذلك حالة الحرب أو التهديد بالحرب، أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أي حالة طوارئ عامة أخرى، لتبرير عمليات الإعدام هذه.
  • وأخيراً، لا يجوز للحرب على الإرهاب أن تُستخدم لتوقيف أو اعتقال الأطفال، كما هو مكرس في اتفاقية حقوق الطفل، وبخاصة المادة 37.
    فالمادة 37(ج) من اتفاقية حقوق الطفل تنص على أن “يعامل كل طفل محروم من حريته بإنسانية واحترام للكرامة المتأصلة في الإنسان، وبطريقة تراعي احتياجات الأشخاص الذين بلغوا سنه. وبوجه خاص، يفصل كل طفل محروم من حريته عن البالغين، ما لم يعتبر أن مصلحة الطفل الفضلى تقتضي خلاف ذلك، ويكون له الحق في البقاء على اتصال مع أسرته عن طريقة المراسلات والزيارات، إلا في الظروف الاستثنائية.”

    7. التوصيات

للتعويض عن الانتهاكات الواردة بالتفصيل في هذا التقرير وضمان احترام حقوق الإنسان للجميع، تناشد منظمة العفو الدولية بإلحاح :

حكومة الولايات المتحدة وحكومات الخليج وشبه الجزيرة العربية :

  • الإفراج عن أي شخص معتقل لمجرد تعبيره السلمي عن معتقداته وممارسة هذا المعتقد أو بسبب أصله العرقي؛
  • وضع حد للنسيان القانوني لجميع المعتقلين، بمن فيهم أولئك المحتجزين في أماكن غير معلنة ومنحهم الحق الكامل في مقابلة المحامين والأطباء والعائلات والمقابلة الفورية للجنة الدولية للصليب الأحمر؛
  • ضمان توجيه تهم إلى جميع المعتقلين وتقديمهم لمحاكمات عادلة أو الإفراج عنهم؛
  • ضمان معاملة المعتقلين بإنسانية وعدم تعريضهم للتعذيب؛
  • التحقيق في جميع مزاعم التعذيب وتقديم أي شخص يعتقد بأنه مسؤول بصورة معقولة إلى العدالة؛
  • وضع حد للإعادة القسرية للرعايا الأجانب إلى دول يمكن أن يواجهوا فيها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان؛
  • ضمان التقيد الصارم بمعايير حقوق الإنسان في أي تعاون أمني بين الدول وفي جميع برامج التدريب الأمني؛
  • تقديم دعم ومساعدة كافيين لعائلات المعتقلين، بما في ذلك منحهم مساعدة قانونية؛
  • منح منظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات حقوق الإنسان حق مقابلة المعتقلين والمسؤولين في خليج غوانتنامو وفي الخليج وشبه الجزيرة العربية.
    جامعة الدول العربية :
  • العمل على تعديل الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب للعام 1998 بحيث تتضمن نصوصاً تتعلق بضمانات حقوق الإنسان، بما في ذلك بالنسبة لعمليات تسليم المطلوبين.
    المجتمع الدولي :
  • تدعو منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغط على الولايات المتحدة وحكومات الخليج وشبه الجزيرة العربية لتطبيق سيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان على جميع المعتقلين المحتجزين بشأن “الحرب على الإرهاب”.
  • هوامش :

1. “قميص عثمان” عبارة عربية شائعة الاستعمال. وهي تشير إلى فجر التاريخ الإسلامي، عندما أنشأ معاوية ابن عم الخليفة الثالث عثمان بن عفان (656 بعد الميلاد)، باسم إقامة العدل عقب مقتل الخليفة المذكور، نظاماً سياسياً قمع المعارضة.
2. لمزيد من المعلومات انظر التحرك العاجل لمنظمة العفو الدولية -- باعث قلق قانوني/عقوبة الإعدام/باعث قلق صحي -- معظم بك، ديفيد هيكس، سالم أحمد حمدان، علي حمزة أحمد، سليمان البهلول وإبراهيم أحمد محمود القوسي. (رقم الوثيقة : AMR 51/066/2004)، 22 إبريل/نيسان 2004،

http://web.amnesty.org/library/Index/ENGAMR510662004.

3. الجنرال جيمس تي هيل قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، مخطوطة أخبار وزارة الدفاع الأمريكية، 3 يونيو/حزيران 2004.
4. مقابلة مع صحيفة صنداي تايمز (الصحيفة البريطانية)، 21 مارس/آذار 2002.
5. لمزيد من المعلومات، انظر تقرير منظمة العفو الدولية “الولايات المتحدة الأمريكية : مذكرة إلى الحكومة الأمريكية حول حقوق الأشخاص المعتقلين في حجز الولايات المتحدة في أفغانستان وخليج غوانتنامو، رقم الوثيقة : AMR 51/053/2002، 15 إبريل/نيسان 2002 http://web.amnesty.org/library/Index/ENGAMR510532002
6. قالت زوجة أحد الشخصين الأستراليين المحتجزين في غوانتنامو، “من الصعب علي الاعتقاد أنه لم يتعرض للأذى هناك. فعندما أشاهد ما يفعلونه بالسجناء العراقيين -- فالله أعلم بنوع المعاملة التي يلقونها في خليج غوانتنامو.” العصر (صحيفة في ملبورن)، 16 مايو/أيار 2004.
7. لمزيد من المعلومات، انظر تقرير منظمة العفو الدولية “الولايات المتحدة الأمريكية : مذكرة إلى الحكومة الأمريكية حول حقوق الأشخاص المحتجزين في أفغانستان وخليج غوانتنامو،” (رقم الوثيقة : AMR 51/053/2002)، 15 إبريل/نيسان 2002. http://web.amnesty.org/library/Index/ENGAMR510532002
8. لمزيد من المعلومات، انظر وثيقة منظمة العفو الدولية، “رسالة مفتوحة إلى الرئيس جورج دبليو بوش حول مسألة ممارسة التعذيب والمعاملة ا لقاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”، (رقم الوثيقة : AMR 51/078/2004)، 7 مايو/أيار 2004، http://web.amnesty.org/library/Index/ENGAMR510782004.
9. بحرين تريبيون (صحيفة بحرينية) 20 مايو/أيار 2004.
10. زار الوفد البرلماني البحريني الكونغرس الأمريكي في العام 2003.
11. ملاحظات أدلى بها القاضي الألماني كلاوس تولكسدورف الذي ترأس الجلسة بعد أن ألغى إدانة منير المتصدق بشأن دوره المزعوم في هجمات 11 سبتمبر/أيلول التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية.
12. لمزيد من المعلومات انظر البيان العام الصادر عن منظمة العفو الدولية “المملكة العربية السعودية : منظمة العفو الدولية تدين قتل المدنيين على أيدي الجماعات المسلحة في الخبر”، (رقم الوثيقة : MDE 23/006/2004)، 4 يونيو/حزيران 2002، http://web.amnesty.org/library/Index/ENGMDE230062004?open&of=ENG-SAU.
13. لمزيد من المعلومات انظر تقرير منظمة العفو الدولية، “المملكة العربية السعودية، نظام عدالة بدون عدل”، (رقم الوثيقة : MDE 23/02/2000)، مايو/أيار 2000. http://web.amnesty.org/library/Index/ENGMDE230022000?open&of=ENG-SAU
14. لمزيد من المعلومات، انظر تقرير منظمة العفو الدولية “المملكة العربية السعودية : أرض خصبة لممارسة التعذيب بدون عقاب”، (رقم الوثيقة : MDE 23/004/2002). http://web.amnesty.org/library/Index/ENGMDE230042002?open&of=ENG-SAU
15. لمزيد من المعلومات انظر البيان الصحفي الصادر عن منظمة العفو الدولية “اليمن/الولايات المتحدة الأمريكية : : لا يجوز للحكومة أن تؤيد عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء” (رقم الوثيقة : AMR51/168/2002)، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2002. http://web.amnesty.org/library/Index/ENGAMR511682002?open&of=ENG-YEM وتقرير منظمة العفو الدولية “اليمن : تهميش سيادة القانون باسم الأمن“، (رقم الوثيقة : MDE 31/006/2003) سبتمبر/أيلول 2003. http://web.amnesty.org/library/Index/ENGMDE310062003?open&of=ENG-YEM .
16. الجزيرة (صحيفة سعودية)، 23 فبراير/شباط 2004.
17. لمزيد من المعلومات انظر تقرير منظمة العفو الدولية “الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، تهديد خطير لحقوق الإنسان”، (رقم الوثيقة : IOR 51/001/2002).
18. لمزيد من المعلومات، انظر التحرك العاجل لمنظمة العفو الدولية -- التعذيب وسوء المعاملة -- الدكتور متروك الفالح، والدكتور عبد الله الحامد وعلي الدميني وعبد الرحمن اللحم ومحمد سعيد طيب والدكتور توفيق القصير وسليمان الرشودي وما لا يقل عن أربعة آخرين -- (رقم الوثيقة : MDE 23/005/2004)، 30 إبريل/نيسان 2004.
19. لمزيد من المعلومات انظر الشورى (صحيفة أسبوعية يمنية) 18/1/2004، العدد 468، الصفحتان 1 و2.
20. وفقاً للتعاليم الإسلامية، ينبغي على المسلم الوضوء قبل إقامة صلاته اليومية.
21. لمزيد من المعلومات انظر تقرير منظمة العفو الدولية “اليمن : تهميش سيادة القانون باسم الأمن”، (رقم الوثيقة : MDE 31/006/2003)، سبتمبر/أيلول 2003، http://web.amnesty.org/library/Index/ENGMDE310062003?open&of=ENG-YEM.
22. انظر مثلاً، تقرير كريستيان بارينتي “الجزيرة تذهب إلى السجن، ذي نيشن (الأمة) (مجلة تصدر في الولايات المتحدة) الذي عُرض في 11 مارس/آذار 2004.
23. بي بي سي أون لاين (دار الإذاعة البريطانية على شبكة الإنترنت)، 10 مايو/أيار 2002.
24. لمزيد من المعلومات، انظر الرسالة المفتوحة لمنظمة العفو الدولية، “مناشدة صنعاء” (رقم الوثيقة : POL 30/018/2004)، 13 إبريل/نيسان 2004، http://web.amnesty.org/library/index/engpol300182004

المسؤوليات لا تعرف الحدود

عندما تكون استجابة مؤسسات الأمن الجماعي استجابة غير فعالة وغير منصفة، فإنها تكشف لنا عن حقيقة بالغة العمق عن التهديدات الجديرة باهتمامنا، ويجب ألا تقتصر مؤسسات الأمن الجماعي لدينا على القول بأن ما يهدد أحدنا يهدد الجميع، بل يجب عليها أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بإثبات ذلك”.

وقع أحد الأحداث التي حددت ملامح سنة 2004 في أيامها الأخيرة. ففي 26 ديسمبر/كانون الأول، وقع زلزال قوي في البحار المحيطة بإندونيسيا فتسبب في سلسلة من الموجات العالية المهلكة عبر المحيط الهندي، فأصابت سواحل إندونيسيا، وسري لنكا، والهند، وتايلاند، وماليزيا، وميانمار، وشرقيّ إفريقيا. وكان الدمار الذي نتج عن ذلك يكاد يستعصى على الفهم، إذ قُتل ما يقرب من 300 ألف شخص، وكان نحو 100 ألف في عداد المفقودين والذين يُفترض موتهم، وما يربو على خمسة ملايين شخص آخر من المشردين والجوعى والمعرضين لأخطار الأمراض.

وكان من آثار هذا المد البحري، الذي يُشار إليه باسم “تسونامي”، وما أعقبه، أن أثبت العلاقات التي تربط ما بيننا على امتداد العالم كله واشتراكنا في التعرض للأخطار. ففي العام الذي سيطر فيه “الإرهاب” على جدول الأعمال الدولي، أظهرت تلك الكارثة أن أشد الأخطار تهديداً للأمن ترجع إلى مصادر أشد تنوعاً بكثير من التفجيرات الانتحارية. والواقع أن أشد الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأمن البشرية، وأكثرها انتشارناً، سواء أكانت بيئية أم سياسية أم اقتصادية، تتسم بأنها ذات نطاق دولي، ومن المحال إذن على بلدان مفردة أن تتصدى لها وحدها، بل لا بد لذلك من عمل يقوم على التنسيق الدولي.

وكانت الاستجابة العالمية لكارثة تسونامي تتسم مثلها بالاتساع المذهل في نطاقها وقوة تأثيرها، إذ أظهر الناس في شتى أرجاء المعمورة درجات غير مسبوقة من التعاطف والتضامن مع الناس الذين كانوا، فيما يبدو، لا يشاركونهم في أي شيء سوى العيش معهم على ظهر هذا الكوكب. ولقد توحد الناس في كل مكان في الحزن والعطاء. وسرعان ما ربطت أجهزة الاتصال الحديثة والإنترنت، وغيرها من الوسائل الإعلامية الجديدة، ما بين الناس وبين الأحداث، وما بين الناس وبعضهم البعض. وأدى ما قام به المواطنون والمنظمات غير الحكومية وما أبداه الجميع من سخاء إلى إحراج الحكومات المانحة فاضطرت إلى أن تزيد ما وعدت به من معونة ومساعدة زيادة كبيرة.

كان رد الفعل العالمي إزاء الكارثة، في بدايته على الأقل، لا يزيد عن إشاعة نوع من التفاؤل المشوب بالحذر بشأن ظهور إحساس “بالمواطنة” العالمية، إذ بدت دلائل على زيادة الوعي بأنه لن يؤدي إلى الأمن العالمي المشترك إلا العمل الجماعي. ومع حلول نهاية عام 2004، بدا أن المجتمع الدولي قد أدرك أن مسؤولية حماية أمن الإنسان في عصر العولمة الذي نعيش فيه تتجاوز حدود كل دولة على حدة.

ومع ذلك، فقد كانت استجابة المجتمع الدولي لكارثة تسونامي، بما في ذلك استجابة الناس العاديين، تتناقض تناقضاً مؤلماً مع عدم التصدي الناجع للأزمات العالمية الأخرى التي نشبت في عام 2004 وخلفت في أعقابها أعداداً من الضحايا تقترب من أعداد ضحايا تسونامي، إذ استمرت المصالح الاقتصادية، وظل النفاق السياسي والتمييز الذي تمارسه المجتمعات يلهب ألسنة نيران الصراع في شتى أنحاء الأرض. وكان ما يُسمى “الحرب ضد الإرهاب” أفعل فيما يبدو في تقويض الإطار الدولي لمبادئ حقوق الإنسان منه في التصدي لخطر “الإرهاب” الدولي. ولم يكد يحظى بالاهتمام أمن المرأة التي تواجه العنف في إطار الأسرة، والذي لا يلحقها إلا لكونها امرأة، وكذلك العنف في المجتمع أو في حالات الصراع المسلح. واستمر تجاهل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى حد كبير للجماعات المهمشة.

اعلى الصفحة

الصراع المسلح

“عندما حاولنا الفرار أطلقوا النار على المزيد من الأطفال. واغتصبوا النساء. ولقد شهدت حالات كثيرة قام فيها الجنجويد باغتصاب النساء والفتيات. وتبدو عليهم السعادة أثناء الاغتصاب. فهم يغنون أثناء الاغتصاب ويقولون لنا أننا مجرد عبيد وأنهم يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون بنا”

أ. البالغ من العمر37 عاماً، من مكجار بإقليم دارفور، في السودان.

ظهر تقاعس المجتمع الدولي عن التصدي المناسب والفعال لأزمات حقوق الإنسان، بوضوح وجلاء، في إقليم دارفور بالسودان، حيث وقعت مأساة إنسانية أخرى على نطاق شاسع في عام 2004، ولكن هذه المأساة، بخلاف فاجعة تسونامي، لم تكن كارثة طبيعية بل من صنع الإنسان. وفي هذه الحالة لم يبذل المجتمع الدولي جهداً يُذكر لوقف المعاناة أو تخفيف حدتها.

فعلى مدار العام، تعرض ما لا يُحصى من النساء والفتيات في دارفور للاغتصاب، والاختطاف، والخضوع قسراً للاسترقاق الجنسي لرجال “الجنجويد”، وهم رجال الميليشيات الرّحل الذين تمدهم الحكومة السودانية بالسلاح والمال والدعم. وكانت حالات الاغتصاب الجماعي، بما في ذلك قيام العصابات باغتصاب التلميذات، تمثل بوضوح جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وكثيراً ما كان أفراد “الجنجويد” يرتدون الزي العسكري السوداني، ويتقدمون بصحبة الجيش السوداني، ويقومون كذلك بإحراق القرى وقتل المدنيين ونهب الممتلكات والثروة الحيوانية. وكانت القوات الجوية السودانية تزيد من معاناة الأهالي بقصف القرى، وأما قوات الأمن فكانت تقوم بانتظام بتعذيب الذين تعتقلهم، وكثيراً ما اتخذ التعذيب صورة الضرب بالخراطيم أو السياط أو أحذية الجيش، وأحياناً انتزاع الأظافر أو التحريق بلفافات التبغ. وما إن حلت نهاية العام حتى كان الصراع قد أرغم ما يربو على مليون ونصف مليون شخص على الفرار من منازلهم، بعد أن دُمّرت قراهم وتعرضت قطعان حيواناتهم وممتلكاتهم للسلب والنهب. وقد تعرضت للتخريب كل قرية تقريباً من قرى ذلك الإقليم. وفي الشهور الأخيرة من العام تصاعد نطاق أزمة دارفور، إذ تعرض المدنيون للاعتداءات التي شنتها أساساً القوات الحكومية والميليشيات التي تدعمها الحكومة، واندلع القتال بين القوات الحكومية وقوات المتمردين، وتعرضت قوافل الإغاثة الإنسانية للاعتداء أيضاً.

وكانت الوحشية التي شهدها إقليم دارفور بمثابة اختبار حاسم لقدرة الأمم المتحدة على المعالجة الفعالة للأزمات الكبرى لحقوق الإنسان. ومرة أخرى أخفقت الأمم المتحدة في ذلك الاختبار. فعلى سبيل المثال، لم تكن “المناطق الآمنة”، التي حددتها الحكومة السودانية والأمم المتحدة للنازحين داخلياً في دارفور، آمنةً بأي معنىً من المعاني. وظل النازحون خاضعين لرقابة قوات الأمن والاستخبارات العسكرية التابعة للحكومة، وظلوا معرضين من ثَمَّ للاعتقالات التعسفية والاغتصاب والقتل على أيدي قوات الأمن الحكومية. وعندما تعرض مخيّم “الجير” للتدمير بالجرَّافات، وتعرض نزلاؤه للعدوان واستخدام الغازات المسيلة للدموع، وذلك في حضور ممثلي الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، كان مصير احتجاجات المسؤولين الدوليين هو التجاهل وحسب.

وفي غضون ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي ثلاثة قرارات في أقل من سنة وبينت كيف خذلت الأمم المتحدة إلى حد بعيد أبناء دارفور. وكان يبدو أن حماية حقوق الإنسان لم تتفق تماماً مع محاولات ضمان صفقة السلام في الصراع بين الشمال والجنوب. ففي نوفمبر/تشرين الثاني، أصدر مجلس الأمن قراراً لم يرسل الرسالة القوية اللازمة إلى الحكومة السودانية بأنه لن يسمح بانتهاكات حقوق الإنسان، وهكذا فمن المحتمل أن يكون مجلس الأمن بهذا قد أوحى للحكومة السودانية بأن بوسعها أن تفعل ما تشاء دون أن يمسها عقاب. ولم يؤد نشر وتدعيم بعثة الاتحاد الإفريقي في دارفور إلى زيادة الأمن والحماية للمدنيين بحلول نهاية عام 2004، بل ولم تقم البعثة بدور الرادع الذي يحول دون وقوع الاعتداءات.

وعلى الرغم من الوعي الدولي الواضح بالانتهاكات التي تُرتكب في دارفور، كانت هناك قائمة طويلة من الحكومات التي سمحت، عن قصد أو دون قصد، بإرسال الأسلحة إلى السودان حيث تستخدمها القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها في ارتكاب الفظائع. ولم يستمع أحد إلى نداءات جماعات حقوق الإنسان التي تطالب بحظر توريد السلاح، ومنع الإمدادات العسكرية والمعدات المرتبطة بها من الوصول إلى أيدي جميع الأطراف، ولم يتم الاتفاق على إجراء تحقيق دولي للنظر في الأدلة القائمة على وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إلا في نهاية عام 2004. لقد كان لدى المجتمع الدولي الأدوات التي يمكن استخدامها لإنقاذ الأرواح ومع المعاناة، ولكن الحقيقة المجردة هي أن المجتمع الدولي قد اختار ألا يستعمل هذه الأدوات. والواقع أن حوادث العنف والانتهاكات التي وقعت في دارفور قد أوضحت بوضوح يوحش النفس استمرار تقاعس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يتعرض لضغوط هائلة من بعض أعضائه، عن منع وقوع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ومعاقبة مقترفيها.
وفي غضون عام 2004، لم تكن دارفور هي المكان الوحيد الذي تعرضت فيه حقوق الإنسان للإهدار نتيجة المصالح الضيقة للدول القوية، إذ إن التدخل العسكري الذي قادته الولايات المتحدة في العراق، وبررته باسم الأمن، أدى إلى فقدان ملايين العراقيين إحساسهم بالأمن وهم يواجهون انتشار أحداث العنف على نطاق واسع والفقر المتزايد. ودخل الصراع الدائر في الشيشان عامه السادس. وتواترت أنباء ارتكاب الجنود الروس للتعذيب واغتصاب النساء والفتيات وغير ذلك من الإساءات الجنسية. ولنشر إلى حالة واحدة فحسب، وهي حالة امرأة تدعى مدينة (وليس هذا هو اسمها الحقيقي) وهي أم لطفل وتبلغ من العمر 23 عاماً، واحتجزتها قوات روسيا الاتحادية للاشتباه في عزمها تنفيذ تفجير انتحاري، وظلت محتجزة بمعزل عن العالم الخارجي، وتعرضت للتعذيب طيلة أسبوعين في قاعدة حربية روسية في خانكالا، حسبما زُعم. وقالت مدينة لمنظمة العفو الدولية: “قالوا لي في اليوم الأول، محذّرين، إنني سوف أستعطفهم حتى يقتلوني. ولكنني كنت آنذاك أريد أن أعيش من أجل طفلي … لم أستطع أن أتصور أنني سوف أطلب الموت منهم … ولكن في ذلك اليوم … كنت منهكةً مرهقةً منقطعة الأنفاس، فبدأت أطلب منهم أن يطلقوا النار عليَّ”.

وفي عام 2004، كان الأشخاص الذين فقدوا الأمل في إقامة العدالة في روسيا وسعوا إلى الانتصاف لأنفسهم من خلال المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يجدون أنفسهم عرضةً لاضطهاد السلطات المتعمد لهم، شأنهم في ذلك شأن المدافعين عن حقوق الإنسان والمناضلين في سبيلها، الذين حاولوا أن يرفعوا أصواتهم ضد الظلم داخل الإقليم نفسه.

وفي نصف الكرة الأرضية الآخر، راح المعارضون المسلحون للحكومة في هايتي، والذين يقودهم رجال سبق أن أُدينوا بتهمة ارتكاب انتهاكات جسيمة في ظل الحكومة الاستبدادية العسكرية التي سيطرت على مقاليد السلطة بحكم الواقع الفعلي في مطلع التسعينيات، يهاجمون مؤسسات الدولة في فبراير/شباط. وعقب مغادرة الرئيس أريستيد لهايتي، وصلت قوات مؤقتة متعددة الجنسيات، كلفها مجلس الأمن الدولي بالمساعدة في ضمان سيادة القانون والنظام وحماية حقوق الإنسان. ورغم أنه كان من اللازم، بوضوح وجلاء، نزع السلاح من أيدي الجماعات المسلحة وإعادة سيادة القانون ضماناً لسلامة المدنيين، فإن القوات المؤقتة المتعددة الجنسيات لم تقم، ولا قامت الحكومة المؤقتة، بأي محاولات صادقة للبدء في تنفيذ برامج شاملة لنزع السلاح على مستوى البلد كلها.

وبصورة مطردة، استعاد الأفراد المسؤولون عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في هايتي مواقع السلطة، ووقعت فيضانات مدمرة، كما اندلع المزيد من أحداث العنف في سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني، الأمر الذي أكد ضرورة تدخل المجتمع الدولي لحل الأزمة الإنسانية وأزمة حقوق الإنسان في البلد.

وتدهورت أحوال حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ ازداد ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من قتل الأفراد وتدمير المنازل في الضفة الغربية وقطاع غزة. واستمرت هجمات الجماعات الفلسطينية المسلحة على المدنيين الإسرائيليين.

وفي الوقت نفسه، كانت الحرب الأهلية الدائرة في ساحل العاج تذكِّر المرء بمدى سهولة اندلاع الحرب في البلد إذا لم تعالج جذور أسباب الصراع. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، قامت القوات المسلحة في ساحل العاج بقصف مدينة بواكيه في شمال البلاد، والتي كانت في أيدي المتمردين، فخرقت بذلك وقف إطلاق النار الذي دام 18 شهراً. وفي أعقاب ذلك، وقعت في العاصمة أبيدجان اعتداءات وأحداث عنف ضد المدنيين، وخصوصاً الفرنسيين وغيرهم من الأجانب الذين كانوا يقيمون في البلد، وامتدت إقامتهم في بعض الحالات إلى عشرات السنين. أما وقود أحداث العنف فكان الشعور بكراهية الأجانب، حيث ترددت مزاعم عن قيام بعض المدنيين من أهالي ساحل العاج باغتصاب بعض الفرنسيات وغيرهن من الأجنبيات. ورداً على المظاهرات المعادية لفرنسا، أقدمت القوات الفرنسية، المشاركة في قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، على الإفراط في استخدام القوة ضد المدنيين، وكان معظمهم عزلاً، وقتلت بالرصاص ما لا يقل عن 15 منهم. وسقط بعض القتلى من المدنيين الآخرين، ويبدو أنهم لقوا حتفهم أثناء فرارهم من إطلاق النار.

ومن العوامل الرئيسية التي تعمل على استمرار الحروب تكاثر الأسلحة وانتشارها، إذ إن سهولة الحصول على الأسلحة والذخيرة من شأنه زيادة وقوع أحداث العنف المسلح، وإطالة أمد الحرب حين تنشب، وتمكين من يملكونها من ارتكاب انتهاكات خطيرة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان. ومن المحال أن تستمر الصراعات المسلحة الدائرة حاليا دون توافر الأسلحة الصغيرة، والأسلحة الخفيفة، وما يرتبط بها من ذخيرة.

ففي الصراع المسلح الذي لم يتوقف في كولومبيا على مدى السنوات الأربعين الماضية، والذي قام جميع أطرافه بارتكاب الاغتصاب وغيره من الجرائم الجنسية، كانت السلطات الكولومبية تتلقى المعدات الحربية، بما في ذلك مقادير ضخمة من الأسلحة الصغيرة، على مر الأعوام القليلة الماضية، من الولايات المتحدة وإسرائيل والبرازيل وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وجنوب إفريقيا والجمهورية التشيكية وإيطاليا. كما أدى العجز عن التحكم في التجارة الدولية للسلاح إلى تمكين جماعات حرب العصابات من الحصول على إمدادات كبيرة من الأسلحة.

ولا تزال معظم الحكومات تتقاعس عن أداء واجبها الذي يقضي باتخاذ أشد الإجراءات صرامةً لمنع تدفق الأسلحة على مَنْ يسخرون علناً من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وهكذا، فلا بد من وضع إطار دولي شامل للضوابط اللازمة لسد الثغرات التي تسمح للأسلحة والذخيرة بالوصول إلى أيدي من يسيئون استعمالها. وهذا هو ما حدا بمنظمة العفو الدولية إلى أن تشارك منظمتين أخريين هما “أوكسفام” و”شبكة التحرك الدولي بخصوص الأسلحة الصغيرة” في حملة “الحد من الأسلحة”، والتي تستهدف وضع ضوابط أكثر إحكاماً من بينها إبرام معاهدة دولية حول تجارة السلاح.

ومن الخصائص الأخرى التي يتميز بها الصراع المعاصر ذلك الدور الذي تلعبه المصالح الاقتصادية القوية في إذكاء لهيب الصراع واكتساب الطابع العسكري، وفي جني فوائد ذلك. ومع تزايد الصراعات حول الموارد الطبيعية في المستقبل، سوف تزداد أهمية الدور الذي تلعبه الشركات ويصبح أكثر حسماً.

ويتجلى الدور الذي تلعبه القوى الخارجية في إطالة أمد الصراع بشكل واضح في جمهورية الكونغو الديموقراطية، حيث تعرض أكثر من ثلاثة ملايين شخص للقتل أو الموت بسبب الجوع والأمراض منذ أغسطس/آب 1998. وقد شهد هذا الصراع أعمال قتل دون وجه حق، وحوادث تعذيب واغتصاب ارتكبتها قوات جميع الأطراف، كما اتسم بتدخل دول أخرى وتدخل الشركات الدولية التي تسعى لحماية مصالحها الخاصة، بغض النظر عن التكلفة البشرية. وواصلت دول كثيرة تزويد ذلك البلد بالأسلحة، في صفقات تتولى ترتيبها وتسليم الأسلحة فيها شبكات أسلحة دولية تقوم بدور الوساطة وتستخدم طرقاً ملتوية لانتهاك الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على توريد السلاح لجمهورية الكونغو الديموقراطية.

ففي عام 2004، كان معظم القسم الشرقيّ من جمهورية الكونغو الديموقراطية مسرحاً لتناحر العديد من الجماعات المسلحة في سبيل السيطرة على الأرض ومواردها، وظل خاضعاً من الناحية الفعلية لسيطرة شتى الجماعات المسلحة أو الميليشيات. واستمر وقوع أعمال القتل دون وجه حق وعمليات التعذيب، إذ تعرض الرجال والنساء والأطفال للاعتداء عليهم بالفؤوس وبالأسلحة المحلية الصنع وبالأسلحة الصغيرة. وكان العنف الجنسي يُستخدم سلاحاً من أسلحة الحرب. كما وقعت على نطاق واسع أحداث السلب والنهب، وتدمير المنازل والحقول والمدارس والمراكز الطبية ومراكز التغذية، والمؤسسات الدينية. ولم تتورع جميع القوات المسلحة عن تجنيد الأطفال في معاركها.

وشهد عام 2004 مستويات مريعة من العنف ضد المرأة، ظل مرتكبوه بمنجاة من العقاب وكابد ويلاته نساء من جميع الأعمار، بما في ذلك فتيات بالغات الصغر، في جمهورية الكونغو الديموقراطية. فقد قالت شابة تعرضت للاغتصاب مرتين أثناء الصراع في ذلك البلد، لمنظمة العفو الدولية: “بلغت سخرية المجتمع المحلي مني حداً اضطررت معه إلى ترك القرية والعيش في الغابة … إنني جوعى وليست لدي ملابس أو صابون. ولا أملك المال اللازم للرعاية الصحية. كان من الأفضل لي لو مت والطفل في أحشائي”.

وقد أدى اتساع نطاق الاغتصاب إلى أزمة في مجال الصحة ومجال حقوق الإنسان، بحيث أصبح الأمر يتطلب استجابة فورية وطويلة الأجل. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن عشرات الآلاف من النساء والأطفال بل والرُّضّع، إلى جانب الرجال، قد تعرضوا للاغتصاب والتعذيب بصورة منتظمة في شرقي جمهورية الكونغو الديموقراطية، فلم تقم الحكومة ولم يقم المجتمع الدولي بالاستجابة المنظمة أو الشاملة اللازمة لمساعدة الناجين.

اعلى الصفحة

العنف ضد المرأة

لم تكن جمهورية الكونغو الديموقراطية وإقليم دارفور تمثلان حالتين استثنائيتين من حيث الانتهاكات المرتكبة ضد النساء والفتيات، فلقد تعرضت النساء والفتيات، في الصراعات المسلحة الأخرى في شتى أنحاء العالم، للاغتصاب وغير ذلك من صنوف الاعتداء الجنسي والتشويه والإهانة.

أما مرتكبو هذه الانتهاكات فقد اتسموا بالكثرة والتنوع: من جنود القوات المسلحة التابعة للدولة إلى أفراد الجماعات شبه العسكرية أو الميليشيات المناصرة للدولة؛ ومن أفراد الجماعات المسلحة التي تحارب الحكومة أو تحارب الجماعات المسلحة الأخرى إلى أفراد الشرطة أو حراس السجن أو أفراد الأمن العسكري أو الأمن الخاص؛ ومن أفراد القوات العسكرية المرابطة في الخارج، بما في ذلك قوات الأمم المتحدة وغيرها من قوات حفظ السلام إلى العاملين في هيئات الإغاثة الإنسانية، فضلاً عن الجيران والأقارب.

وعندما بدأت منظمة العفو الدولية حملتها، في مارس/آذار 2004، تحت شعار “أوقفوا العنف ضد المرأة”، كان أحد أهدافها المحورية هو وضع حد للإفلات من العقاب في حالات جرائم العنف المرتكب ضد المرأة أثناء الصراعات، وكانت تبني عملها في هذا الصدد على التقدم الذي حققته المحاكم الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في تحديد أمثال هذه الجرائم.

وتسعى الحملة كذلك إلى إثبات أن العنف الذي تكابده المرأة في حالات الصراع يتجلى فيه الحد الأقصى للتمييز وللإساءة التي تواجهها في وقت السلم. ففي وقت السلم تساهم أمثال هذه المواقف في اتساع نطاق القبول للعنف في نطاق الأسرة، والاغتصاب وغير ذلك من صور الإيذاء الجنسي للمرأة. وعندما يتصاعد التوتر السياسي فيتفجر في صورة صراع سافر، تزداد جميع أشكال العنف، بما في ذلك الاغتصاب وغيره من أشكال العنف المرتكب ضد المرأة.

وقد كان عدد كبير من الصراعات التي شهدها عام 2004 يقوم على أساس اختلافات عنصرية وعرقية ودينية وثقافية وسياسية، مما أدى إلى مواجهات فيما بين المجتمعات المختلفة. وفي أمثال هذه السياقات، كان العنف الجنسي يُستخدم في كثير من الأحيان سلاحاً من أسلحة الحرب، وكان تعذيب المرأة يُعتبر وسيلة للاعتداء على “شرف” الجماعة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت معظم الصراعات داخلية: بين الحكومة والجماعات المسلحة، أو بين عدد من الجماعات المسلحة المتنافسة، لا بين جيوش قومية محترفة. ونتيجة لذلك، تضاءلت فرص معاقبة مرتكبي الكثير من الفظائع، فمن العسير، كما هو معروف بكل أسف، محاسبة الجماعات المسلحة عما ترتكبه من انتهاكات.

وفي عام 2004، أصدرت منظمة العفو الدولية عدة تقارير لإلقاء الضوء على شتى جوانب العنف المرتكب ضد المرأة في جميع أنحاء العالم. وقد ركز أحد التقارير على تركيا، إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من النساء في تركيا، تتراوح بين الثلث والنصف، تتعرض للعنف الجسدي داخل الأسرة. فقد تتعرض المرأة للضرب أو الاغتصاب بل وللقتل في بعض الأحيان أو تُرغم على الانتحار. وتجري مقايضة الفتيات ويرغمن على الزواج المبكر. ويُعتبر الأزواج والإخوة والآباء والأبناء هم المسؤولون عن معظم هذه الانتهاكات. ويحظى هذا العنف بالقبول على نطاق واسع، بل وبالتأييد من زعماء المجتمع المحلي، وحتى على مستويات الحكومة والسلطة القضائية. ونادراً ما تجري السلطات تحقيقات وافية في شكـاوى المرأة بشأن الاعتداءات المتسمة بالعنف، أو القتل العمد، أو ما يبدو أنها حالات انتحار لنساء. ولا تزال المحاكم تأمر بتخفيف العقوبات المحكوم بها على المغتصب إذا وعد بالزواج ممن اغتصبها على الرغم من الخطوات التي اتخذها الحكومة أخيراً لوضع حد لذلك.
وأصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً آخر في عام 2004 يتناول قضية الاتجار بالفتيات والنساء وإدخالهن إلى كوسوفو لإرغامهن على ممارسة الدعارة. ويبين التقرير أن عدداً كبيراً من صغار النساء والفتيات ينتمين إلى أفقر بلدان أوروبا، وأنهن مستضعفات إما بسبب الحرمان الاقتصادي وإما لأنه سبق لهن التعرض للانتهاك الجسدي. وهن يحلمن بحياة أفضل، وهو الحلم الذي يقدمه التجار إليهن عندما يقدمونهن “للعمل” في الغرب. لكنهن بدلاً من الحصول على عمل مناسب وحقيقي، يجدن أنفسهن قد وقعن في الفخ وأصبحن من الأرقاء ومرغمات على ممارسة البغاء. ولما كان من بين عملائهن أفراد الشرطة الدولية والجنود الدوليون، فكثيراً ما يستولى على النساء والفتيات خوف شديد يمنعهن من محاولة الهرب، كما تتقاعس السلطات عن تقديم يد العون لهن.

ولا يزال الفقر والتهميش في شتى بلدان العالم يذكيان لهيب العنف ضد المرأة، فنسبة الفقر بين النساء أعلى منها بين الرجال، وفقر المرأة أشد من فقر الرجل، كما أن عدد النساء الفقيرات في ازدياد. وإذا كانت العولمة قد أتاحت فرصاً جديدة للمرأة، فقد كانت لها أيضاً آثارها السلبية، إذ خلفت المزيد والمزيد من النساء حبيسات على هامش المجتمع. وأمثال هؤلاء النساء يجدن صعوبة بالغة في النجاة من المواقف التي يتعرضن فيها للإساءة وفي الانتصاف لأنفسهن وضمان الحماية.

وعندما بدأت منظمة العفو الدولية حملتها “أوقفوا العنف ضد المرأة”، عمدت إلى التعاون مع المجموعات النسائية المحلية في كل بلد على حدة وكذلك مع الحركات النسائية الدولية ابتغاء بناء قاعدة شعبية عريضة لحقوق الإنسان. وقامت النساء في جميع أرجاء العالم بتنظيم صفوفهن بهدف فضح أعمال العنف المرتكب ضد المرأة ومقاومتها، واستطعن تحقيق تعديلات هائلة في القوانين والسياسات والممارسات. وأهم من ذلك كله، فلقد تصدين بنجاح للنظرة التي كانت تصم المرأة بأنها ضحية سلبية للعنف.

وكان من بين الإنجازات التي حققتها المناضلات في سبيل حقوق المرأة إثبات أن العنف ضد المرأة هو انتهاك لحقوق الإنسان. وهذا يغير من صورة العنف ضد المرأة ويحوّله من شأن خاص إلى أمر عام يهم الجميع، كما إنه يعني أن على السلطات العامة أن تتخذ بشأنه الإجراءات المناسبة. وقد دعم من هذه المساءلة ما تم من تطوير مواز للمواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، إذ نهضت المناضلات في سبيل حقوق المرأة بدور رئيسي في العمل على ضمان النص الصريح في القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي تُعد من الجرائم ضد الإنسانية ومن جرائم الحرب. وفي ديسمبر/كانون الأول 2004، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أن أول تحقيق تجريه سوف ينظر في ادعاءات القتل الجماعي، والإعدام دون محاكمة، والاغتصاب، والتعذيـب، والإرغام في النزوح، واستخدام الأطفال كجنود في جمهورية الكونغو الديموقراطية.

وتهدف حملة منظمة العفو الدولية “أوقفوا العنف ضد المرأة” إلى إثبات أن قيام النساء بتنظيم صفوفهن، وهو الذي يدعمه تضامن وتأييد حركة حقوق الإنسان، يمثل أفعل وسيلة للقضاء على العنف ضد المرأة. وتهدف الحملة إلى تعبئة الرجال والنساء معاً، والاستناد إلى قوة إطار حقوق الإنسان وقدرته على الإقناع في وضع حد للعنف ضد المرأة.

أعلى الصفحة

“الإرهاب”، و”مكافحة الإرهاب” وسيادة القانون

“ثم أتى [الحارس] بصندوق من الطعام وجعلني أقف فوقه، وبدأ يعاقبني. ثم دخل جندي طويل أسود وثبت أسلاكاً كهربائية في أصابع يديّ وقدمي، وكذلك في قضيبي، وكانت على رأسي حقيبة. ثم إذا به يقول “أي مفاتيح الكهرباء يعمل؟”

معتقل عراقي في سجن أبو غريب (من أقواله التي أدلى بها يوم 16 يناير/كانون الثاني للمحققين العسكريين الأمريكيين، ونشرته صحيفة “واشنطن بوست”).

كثيراً ما قال الرئيس الأمريكي جورج و. بوش، مراراً وتكراراً، إن الولايات المتحدة قامت على أساس الكرامة الإنسانية وإنها تكرس نفسها لهذه القضية. وكان ذلك من الموضوعات التي تطرق إليها في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2004. ومع ذلك، ففي إبّان فترته الرئاسية الأولى، أثبتت الولايات المتحدة أنها أبعد ما تكون عما تدعيه من أنها النصير العالمي لحقوق الإنسان.

وربما كان أقدر ما يمثل ذلك الكيل بمكيالين تلك الصور المروعة التي التقطت من سجن أبو غريب في العراق، حيث يبدو في أحدها أحد المعتقلين واقفاً فوق صندوق باسطاً ذراعيه، والأسلاك تتدلى من يديه، وهو مهدد بالتعذيب بالصدمات الكهربائية، ويبدو في صورة أخرى رجل جُرّد من ملابسه وهو يقف في رعب خلف قضبان الزنزانة، والجنود يهددون بإطلاق الكلاب فاغرة أفواهها عليه، وصورة الجنود وهم يبتسمون، واثقين فيما يبدو من أنهم بمنجى من العقاب، وهم يرمقون من علٍ بعض المعتقلين الذي أُرغموا على اتخاذ أوضاع مهينة جنسياً.

وحفزت الصور الملتقطة في سجن أبو غريب السلطات الأمريكية على إجراء تحقيقاتٍ رسمية ومراجعة رسمية للموقف، دون أن يتميز أحدها باتساع النطاق أو الاستقلال أو العمق الذي كان يقتضي التحقيق في الدور الذي نهض به وزير الدفاع أو الوكالات والمصالح أو بعض ذوي المناصب من الأفراد خارج وزارة الدفاع الأمريكية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد صدرت سلسلة من المذكرات الحكومية في أعقاب انتشار فضيحة أبو غريب، وكانت توحي بأن الإدارة الأمريكية تناقش الأساليب التي تمكّن العاملين بها والتابعين لها من الالتفاف حول الحظر الدولي للتعذيب وللمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وتدل هذه المذكرات على أن المعارضة المعلنة من جانب الإدارة الأمريكية للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة هي مجرد معارضة اسمية.

وعلى امتداد عام 2004، كان العنف مرضاً مستوطناً في العراق، سواء اتخذ صورة أحداث القتل دون وجه حق أو التعذيب أو غير ذلك من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وقوات الأمن العراقية، أو الاعتداءات على المدنيين وغيرهم من جانب الجماعات المسلحة. وأدى العنف إلى عرقلة عمليات تسليم مواد المعونة ومعدات التعمير. وتعرض الملايين للمعاناة من جراء تدمير هياكل البنية الأساسية، والبطالة الواسعة النطاق، والقلق على مستقبلهم. وتعرض عشرات الرهائن للقتل بأساليب وحشية، وصوَّر المصورون قطع رؤوس بعضهم في فيلم تناقلته فيما بعد وسائل الإعلام ونشرته في أرجاء العالم، وقامت العصابات الإجرامية باختطاف عشرات العراقيين، وخصوصاً الأطفال، طلباً للفدية. وأما إحالة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي والحاضر فلم تحقق تقدماً يذكر أو لم تحقق أي تقدم على الإطلاق.

وفي الوقت ذاته، تجاهلت الهيئة الرئيسية المسؤولة عن حقوق الإنسان بالأمم المتحدة الأزمة الناشبة في العراق. إذ قررت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في إبريل/نيسان، توقفها عن مراجعة الحالة في العراق، في وقت كان لا بد فيه من الرصد والمساعدة والتعاون، باعتبارها ذات أهمية حاسمة للنجاح في الانتقال من الحكم الاستبدادي الوحشي إلى حكم يحترم حقوق الإنسان. وهكذا بينت اللجنة من جديد أنها لا تطيق مواجهة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان عندما تتخذ الحكومات مواقف متشددة.

وفي يونيو/ حزيران، أصدر مجلس الأمن قراراً حظي بموافقة اجتماعية حول نقل السلطة في العراق، وينص على التزام جميع القوى في البلد بالعمل وفقاً للقانون الدولي، بما في ذلك ما تلتزم به بموجب القانون الإنساني الدولي. ومع ذلك، فقد ضاعت فرصة إيضاح الالتزامات المحددة لكل من القوة المتعددة الجنسيات والسلطات العراقية بموجب حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وأما الاقتراح الذي يقضي بالنص على هذه الالتزامات دون لبس أو غموض في منطوق القرار الملزم قانوناً فقد عارضته الدولتان اللتان صاغتا القرار، أي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، على الرغم من تأييد معظم أعضاء مجلس الأمن له.

وفي الوقت نفسه، انزلقت أفغانستان إلى دوامة مستمرة من الفوضى والبلبلة، إذ قامت القوات المناهضة للحكومة، والتي كانت تؤيد حكومة “طالبان” السابقة، باعتداءات تتسم بالعنف على العاملين بإدارة الانتخابات وتوزيع المعونة. وفي شتى أرجاء البلد ارتفعت مستويات العنف المرتكب ضد المرأة ارتفاعاً كبيراً، ولا تزال الادعاءات تتردد عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك ارتكاب العسكريين الأمريكيين للتعذيب وسوء المعاملة في المعتقلات التي يديرونها.

ولم تكن انتهاكات حقوق الإنسان في العراق وفي أفغانستان تقتصر بأي حال من الأحوال على ردود الفعل السلبية للأحداث الرهيبة التي وقعت في 11 سبتمبر/أيلول 2001، إذ لم تتوقف الحكومات والجماعات المسلحة منذ ذلك اليوم عن مهاجمة وتقويض إطار المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وواصلت الولايات المتحدة احتجازها لمئات المعتقلين الأجانب دون تهمة أو محاكمة في القاعدة البحرية الأمريكية بخليج غوانتانامو في كوبا. وكان رفض سلطات الولايات المتحدة تطبيق اتفاقيات جنيف على المعتقلين والسماح لهم بالاستعانة بالمحامين أو اللجوء إلى المحاكم يمثل انتهاكاً للقانون الدولي والمواثيق الدولية ويتسبب في مكابدة خطيرة للمعتقلين وأسرهم. وكان الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا للولايات المتحدة في يونيو/حزيران، والذي يقضي بأن المحاكم الأمريكية مختصة قانوناً بالنظر في الطعون المقدمة في قانونية أمثال هذه الاعتقالات يمثل، فيما يبدو، خطوة على طريق إعادة سيادة القانون ولصالح المعتقلين، ولكن الولايات المتحدة حاولت أن تفرغ ذلك الحكم من أي معني حتى يظل المعتقلون في حالة من الغموض القانوني. كما لم تقم الولايات المتحدة بإيضاح مصير المعتقلين الذين تحتجزهم في معتقلات سرية في بلدان أخرى أو بتحديد أماكن اعتقالهم.

Box

عقوبة الإعدام خلال عام 2004
في غضون عام 2004، أُعدم ما لا يقل عن 3797 شخصاً في 25 بلداً، وصدرت أحكام بالإعدام ضد 7395 شخصاً على الأقل في 64 بلداً. ولا تتضمن هذه الأرقام سوى الحالات التي علمت بها منظمة العفو الدولية، ولكن الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك بكثير.

وكما كان الحال في السنوات السابقة، فقد نُفذت الغالبية العظمى من حالات الإعدام في العالم في حفنة قليلة من البلدان، حيث نُفذ 97 بالمئة من جميع حالات الإعدام المعروفة خلال عام 2004 في الصين وإيران والولايات المتحدة وفيتنام.

وبحلول نهاية العام، كانت 84 دولة قد ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم، كما كانت 12 دولة أخرى ألغت العقوبة بالنسبة لجميع الجرائم فيما عدا الجرائم الاستثنائية، مثل جرائم الحرب. وهناك ما لا يقل عن 24 دولة ألغت العقوبة في الواقع الفعلي، إذ إنها لم تنفذ أية إعدامات على مدار السنوات العشر الماضية أو ما يزيد، ويُعتقد أنها تتبنى سياسة أو إجراءً راسخاً بعدم تنفيذ أحكام الإعدام. وهناك 76 من دول وأقاليم العالم الأخرى أبقت على عقوبة الإعدام، وإن لم تكن جميعها قد أصدرت أو نفذت أحكاماً بالإعدام خلال عام 2004.

End Box

وكان من شأن أمثال هذه الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبتها دولة في قوة الولايات المتحدة أن أوجدت مناخاً ينذر بالخطر، إذ إن انفراد الإدارة الأمريكية بالعمل واعتمادها فيه على التمييز بين هذا وذاك قد أرسل إشارة للدول التي ترتكب الانتهاكات في شتى أنحاء العالم بأن ذلك أمر مقبول. وتتوافر أدلة قوية على أن جدول الأعمال الأمني المطبق منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001 و”الحرب على الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة، والاتجاه إلى تجاهل ما تختاره الولايات المتحدة من مواد القانون الدولي، قد شجع الحكومات وغيرها في جميع مناطق العالم على ارتكاب الانتهاكات وأذكى لهيبهاً.

واستمرت دول كثيرة في تطبيق المذاهب الجديدة للأمن والتي توسع من مفهوم “الحرب” بحيث يتضمن مجالات كانت تنتمي فيما مضى إلى تنفيذ القانون، وبحيث يعزز فكرة ابتسار حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر باحتجاز المشتبه في كونهم “إرهابيين” والتحقيق معهم ومحاكمتهم.

وقد تجلت “الذريعة الأمنية” بشكل خاص في عدد من بلدان آسيا وأوروبا، وهي الذريعة التي تستند إليها الحكومات في ابتسار وانتهاك حقوق الإنسان متسترةً بعبارة “الحرب على الإرهاب”. فعلى سبيل المثال، ألقت السلطات القبض على الآلاف من طائفة “اليوغور” العرقية في الصين باعتبارهم “انفصاليين وإرهابيين ومتطرفين دينيين”. وفي ولاية غوجارات في الهند، استمر احتجاز مئات من المسلمين الهنود بموجب “قانون منع الإرهاب”. وفي أوزبكستان قبضت السلطات على المئات واحتجزتهم، وقيل إنهم من المسلمين المحافظين على دينهم أو من أقاربهم، وأصدرت أحكاماً بالسجن مُدداً طويلة على كثيرين اتُهموا بارتكاب جرائم “تتعلق بالإرهاب” بعد محاكمات جائرة. وفي الولايات المتحدة قام بعض المسؤولين بمحاولات مستهجنة لإقامة الحجة على أن التعذيب ليس بتعذيب، أو أن الولايات المتحدة لا تتحمل مسؤولية التعذيب الذي يقع في بلدان أخرى، ولو كانت أمريكا هي التي أرسلت الضحية إلى تلك البلدان.

وعلى الرغم من إجراءات “مكافحة الإرهاب” التي اتُخذت على نطاق واسع بهدف صون أمن الدول ورعاياها، فقد أقدمت الجماعات المسلحة في بلدان كثيرة على ارتكاب أعمال عنف فظيعة كان من شأنها رفع مستويات انعدام الأمن. فلقد تعرض المئات لمذبحة أثناء ذهابهم بالقطار إلى أعمالهم في صبيحة أحد أيام شهر مارس/آذار في العاصمة الإسبانية مدريد، وتعرضت مئات الأسر للاحتجاز رهائن، ومن بينهم أطفال، أثناء أحد الاحتفالات المدرسية في مدينة بيلسان في روسيا الاتحادية، في سبتمبر/أيلول، وهما حادثتان تدلان على الامتهان الكامل لأولى المبادئ الأساسية للإنسانية.

إن من واجب الحكومات أن تمنع وقوع أمثال هذه الفظائع وأن تعاقب مرتكبيها، ولكن عليها ألاّ تهمل احترام حقوق الإنسان في أدائها ذلك الواجب. فالأمر لا يقتصر على ما يقضي به القانون وتستدعيه الأخلاق من مراعاة حقوق الإنسان الأساسية بصرامة أكبر في مواجهة هذه الأخطار الأمنية، بل يتعدى ذلك إلى أن هذه المراعاة من الأرجح أن تكون أفعل وأنجع من الناحية العملية في الأجل الطويل. ولا يمثل احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية خياراً يمكن رفضه في إطار الجهود المبذولة لقهر “الإرهاب”، بل يجب أن تقوم جهود الدول للقضاء على “الإرهاب” على أساس وطيد من سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، دونما قيد أو شرط.

ومن شأن تأسيس المحكمة الجنائية الدولية أن يفتح عدداً من السبل الجديدة أمام رفع الدعاوى الجنائية الدولية، بما في ذلك الدعاوى ضد الجماعات المسلحة، وإن كانت المحكمة لن تستطيع أن تنظر إلا في عدد محدود من القضايا بنفسها. ومن ثم فإن استمرار معارضة الإدارة الأمريكية للمحكمة الجنائية الدولية لن يأتي إلا بنتائج عكسية فيما يتعلق بتحقيق هدفها المعلن من مناهضة “الإرهاب”. فالمحكمة الجنائية الدولية تحتاج إلى دعم سياسي وعمليّ قويّ حتى تستطيع تحقيق العدالة سواء في الجرائم الدولية التي ترتكبها الجماعات المسلحة أو الحكومات.

اعلى الصفحة

انعدام الأمن الاجتماعي والسياسي

ربما كان استمرار الفقر يمثل أخطر تهديد موجه لحقوق الإنسان والأمن الجماعي، إذ يعيش أكثر من مليار شخص في فقر مدقع. فالحقيقة التي تقول إن عدداً هائلاً من الناس يعيشون في ظروف لاإنسانية، وإن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع يوماً بعد يوم، فيما بين البلدان، وداخل كل بلد على حدة، تتناقض مباشرة مع القول بأن جميع البشر قد ولدوا متساوين في الكرامة وفي الحقوق.

ويتضمن “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، كما تتضمن المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، الوعد بحياة كريمة، يتمتع فيها كل فرد بالمستوى المعيشي اللائق، وبالأساسيات التي تمنح تلك الحياة معناها، بما في ذلك الغذاء والماء والمأوى والتعليم والعمل والرعاية الصحية.

ولا بد من الإقرار بأن هذه “المستحقات” الاقتصادية والاجتماعية الأساسية حقوق تقف على قدم المساواة مع الحق في عدم التعرض للتعذيب أو الاعتقال التعسفي، وهي حقوق تقابلها التزامات لا بد من إدراجها في السياسات العامة على المستويين القومي والدولي، وإلا ظلت الجهود المبذولة لقهر الفقر جهوداً رمزية غير فعّالة.

وقد نجحت الجهود المبذولة في بعض البلدان للتغلب على مظاهر الظلم بفضل الاستناد إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فعلى سبيل المثال، كان إطار حقوق الإنسان هو السلاح الذي واجه عمليات طرد سكان الأحياء الفقيرة قسراً في مدينة لواندا، عاصمة أنغولا، واستغلال حكومة زيمبابوي سياسياً لحالات نقص الأغذية. وفي عام 2004، ساندت منظمة العفو الدولية الجهود المبذولة داخل هذين البلدين للمطالبة بالحق في الإسكان والحق في الغذاء.

كما أوضح عمل منظمة العفو الدولية، على مدار العام، كيف يؤدي الفقر والتهميش والنبذ الاجتماعي إلى حرمان الناس من متطلبات التمتع بحقوق أخرى، ومن بينها حرية التعبير والمحاكمة العادلة، فالعجز النسبي للفقراء يجعلهم عرضةً للتضرر من الممارسة التعسفية لسلطة الدولة، ابتداء من القمع الذي تمارسه الشرطة في ‘مدن الصفيح’ بالمناطق الحضرية، وانتهاءً بحرمانهم من الخدمات العامة الأساسية.

وكان إعلان الألفية الذي أصدرته الأمم المتحدة قد حدد مجموعة من الأهداف، صدر استكمال لها فيما يسمى بالأهداف الإنمائية للألفية، وكانت تتضمن تخفيض عدد الفقراء إلى النصف، وتعزيز مساواة المرأة بالرجل، ووقف انتشار مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والفيروس المسبب له، بحلول عام 2015، ويجب ألا ينظر إلى الأهداف الإنمائية للألفية باعتبارها طموحات محدودة لبعض البلدان المختارة، بل باعتبارها تتيح الفرصة لاتخاذ التزامات أوسع نطاقاً بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، على أن يسري ذلك على جميع الدول وعلى المجتمع الدولي بصفة عامة. ويجب أن تكون السياق اللازم للدعوة إلى التزامات “عبر وطنية” بحقوق الإنسان، التي ينبغي أن تكون من أسس اتخاذ القرارات الدولية فيما يتعلق بالسياسات والإجراءات العملية أيضاً في مجالات التجارة والمعونة والديون.

ولقد ظلت هذه الالتزامات تعاني من التجاهل المحزن على امتداد عام 2004 في المحافل الدولية وفي مؤسسات الإدارة العالمية المسؤولة عن هذه الأمور. وكان من الأدلة على التجاهل النسبي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بطء الخطوات المتخذة داخل منظومة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لإنشاء آلية جديدة للنظر في الشكاوى المرفوعة بشأن انتهاكات “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”. وعلى الرغم من قوة الدفع الجديدة التي أوجدتها المنظمات غير الحكومية والحكومات المتعاطفة مع هذا الاقتراح، فما زال إنشاء مثل هذه الآلية أملاً بعيد المنال.
ومن الأدلة الأخرى على مثالب هياكل الإدارة العالمية القائمة رفض الاعتراف بأن الشركات تتحمل مسؤوليات معينة عن حقوق الإنسان. وقد حلت في ديسمبر/كانون الأول الذكرى السنوية العشرون لحادثة تسرب الغاز السام في مدينة بوبال في الهند، والتي أدت إلى وفاة 20 ألف شخص وإصابة 100 ألف بأمراض مزمنة. وبعد عشرين عاماً لا تزال تلك المأساة والبيئة الملوثة تدمر حياة المجتمعات المحيطة بها. وحتى الآن لم تقم الشركتان المسؤولتان، وهما شركة “يونيون كاربايد” وشركة “داو كيميكالز”، بتطهير الموقع أو وضع حد للتلوث الذي بدأ عند افتتاح المصنع في السبعينيات من القرن الماضي. ولا يزال الناجون من الهلاك في الحادث ينتظرون التعويض العادل والرعايا الصحية المناسبة. ولم يخضع أحد حتى الآن للمحاسبة وتحمل المسؤولية عن تسرب الغاز السام، فكل من الشركتين المذكورتين تتنصل من المسؤولية القانونية، كما ترفض شركة “يونيون كاربايد” المثول للمحاكمة أمام المحاكم الهندية.

ولما كانت شركات الأعمال الصناعية والتجارية تهيئ فرص العمل لملايين لا تُحصى من البشر وتمـثل القوة الدافعة في معظم الاقتصاديات الوطنية في عالم اليوم، فإن هذه الشركات تتمتع بنفوذ كبير وقوة هائلة، ويمتد نشاط الكثير منها عبر العالم كله. وتؤثر أنشطة الشركات تأثيراً يُعتدّ به في حقوق الإنسان لمن يخضعون لنفوذها. ولكن النظم الحكومية وقدرة الحكومات على التنفيذ في بلدان كثيرة غير قادرة على حماية الأفراد عندما تجنح أنشطة الشركات إلى الإضرار بالقوى العاملة أو المجتمعات المحلية. وكثيراً ما تعجز النظم المحلية أو تعزف عن محاسبة الشركات العاملة في أراضيها على ما تفعله. وهكذا، فإن الهيكل المعقد للشركات المتعددة الجنسيات قد يضع العقبات أمام ممارسة المحاكم المحلية لولايتها القضائية فيما يتعلق بالانتهاكات التي ترتكبها الشركات التي توجد مقارها الرئيسية خارج البلد.

وتعارض معظم الشركات أية خطوة على طريق وضع تنظيمات دولية ملزمة، على الرغم من أن نشاط الكثير منها يتجاوز الحدود الفاصلة بين الدول ويمكنها من عدم الخضوع للسلطة التنظيمية لأي دولة على حدة. وربما كانت المدونات الطوعية وبعض المبادرات الأخرى، مثل مبادرة العقد الاجتماعي العالمي، والشبكة الدولية لدعم المواطنة المسؤولة للعاملين في الشركات، ذات فائدة في تشجيع الممارسة الصالحة، فإنها قد أخفقت في تقليل الآثار السلبية لسلوك الشركات في مجال حقوق الإنسان.

وفي عام 2004، اكتسبت جهود تقنين المسؤوليات التي تتحملها الشركات عبر الوطنية، وشركات الأعمال التجارية والصناعية المرتبطة بها إزاء حقوق الإنسان، قوة دفع جديدة في الأمم المتحدة.

اعلى الصفحة

إصلاح الأمم المتحدة

كشف عام 2004 عن مظاهر النقص في استجابة الأمم المتحدة للتحديات العالمية لحقوق الإنسان، وعن الحاجة إلى آليات أكبر فعالية وحياداً لحماية حقوق الإنسان.

وتعرضت الأمم المتحدة في عام 2004 لانتقادات شديدة، كان لبعضها ما يبرره وكان بعضها يهدف إلى إضعاف الأمم المتحدة ذاتها. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن دور الأمم المتحدة لا يزال دوراً رئيسياً في مجال حماية حقوق الإنسان وتعزيزها، ولكنه يحتاج إلى التدعيم من خلال الإصلاح البناء لجهاز حقوق الإنسان بالأمم المتحدة. ولن تتسنى استعادة ثقة الناس في ما يُقال عن حقوق الإنسان ودعم الجهود المبذولة لزيادة أمن الإنسان، إلا من خلال إصلاح الأمم المتحدة. ويجب على الحكومات أن تدرك أن اعتبار حقوق الإنسان موضوعاً ثانوياً يزيد من انعدام الأمن ويزيد من احتمالات وقوع الانتهاكات.

وقد أقرت الأمم المتحدة بضرورة الإصلاح في التقرير الذي أصدرته اللجنة التابعة لها، وهي “اللجنة رفيعة المستوى المعنية بالتهديدات والتحديات والتغيير”، وعنوانه “عالم أكثر أمناً: مسؤوليتنا المشتركة”، والذي نشر في ديسمبر في ديسمبر/كانون الأول 2004. ويوفر التقرير فرصة بالغة الأهمية لتدعيم الأمم المتحدة وإعادة تأكيد الأهمية المحورية لحقوق الإنسان وسيادة القانون في مجال التصدي للتهديدات والتحديات العالمية المعقدة. وعلى الحكومات الأعضاء في الأمم المتحدة أن تغتنم هذه الفرصة لتدعيم حماية حقوق الإنسان وتعزيزها في منظومة الأمم المتحدة، وذلك بأن تولي حقوق الإنسان المكانة العليا التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة وأن توفر الدعم اللازم سياسياً ومالياً لجهاز حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

وتعتقد منظمة العفو الدولية أن الأمم المتحدة تحتاج إلى الإصلاحات التالية بين ما تحتاج إليه من إصلاحات كثيرة. فعلى الأمم المتحدة أن تدرج موضوع حقوق الإنسان باعتباره عنصراً أساسياً في أية استراتيجية شاملة ذات مبادئ سامية تضعها “لمكافحة الإرهاب”. ولا بد من تشجيع مجلس الأمن على معالجة النقص الذي يتسم به باب حقوق الإنسان في عمل “لجنة مناهضة الإرهاب” التابعة له حتى تظل الأدوات والتدابير التي تشجع على اتخاذها قائمة في الإطار القانوني اللازم لاحترام حقوق الإنسان.

وعلى مجلس الأمن أن يدعو المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى المشاركة بصفة منتظمة في المناظرات التي تجري حول موضوعات بعينها أو حول بعض البلدان. فالمفوض السامي قادر على الإسهام مساهمة لا تقدر بثمن في مناظرات المجلس، بما في ذلك المناظرات بشأن التفويض بإجراء عمليات الحفاظ على السلم، وبشأن الإنذار المبكر، وبشأن التنفيذ الفعَّال للأحكام الخاصة بحقوق الإنسان في قرارات المجلس.

وعلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أن يلتزموا بعدم استخدام حق النقض (الفيتو) عندما يتعرضون لقضايا الإبادة الجماعية، أو الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب، أو غير ذلك من الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان.

ولا بد من إصلاح لجنة حقوق الإنسان، والتي أدت المناورات السياسية لأعضائها إلى تقويض مشروعيتها، ضماناً لحماية وتعزيز حقوق الإنسان بأشد الصور فعالية في جميع البلدان وفي جميع الأوقات. ولا يجب العمل بأي اقتراح لتوسيع عضوية اللجنة بحيث تشمل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلا باعتباره عنصراً من عناصر استراتيجية شاملة لتدعيم جهاز حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. ولا بد أن تضمن أية تغييرات مؤسسية الحفاظ على الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية.

وعلى الحكومات أن تزيد كثيراً من دعمها المالي لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان. إذ إن نقص الدعم المالي الكافي والمستمر (فهو لا يتلقى إلا اثنين بالمئة من ميزانية الأمم المتحدة) يعوق قدرة برنامج حقوق الإنسان على اجتذاب الموارد البشرية الثابتة من المهنيين اللازم لإنجاح عمله.
ويتطرق تقرير اللجنة رفيعة المستوى بشأن إصلاح الأمم المتحدة إلى قضية المسؤوليات المشتركة تجاه حقوق الإنسان، ولكن المناقشة تدور في معظمها حول واجب التدخل العسكري في حالات الانتهاكات الهائلة لحقوق الإنسان. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن هذا التركيز الضيق يمثل منهجاً محدوداً وخطراً، إذ إن المسؤولية الدولية عن احترام وحماية وتلبية حقوق الإنسان تتجاوز كثيراً استعمال القوة العسكرية فيما يسمى بحالات التدخل الإنساني، وتشمل نطاقاً أوسع من الالتزامات، ومن بينها: اتخاذ تدابير مبكرة للحيلولة دون نشوب الصراع؛ والامتناع عن بيع الأسلحة على الدول التي تنتهك حقوق الإنسان؛ وإيواء اللاجئين الهاربين من وجه الاضطهاد؛ ومساعدة الدول الأخرى في القضاء على بعض المشاكل مثل حالات التفاوت المستوطنة، والفقر، ومرض “الإيدز” أو الفيروس المسبب له.

اعلى الصفحة

عام التحديات

كان عام 2004 عاماً عسيراً بالنسبة للمناضلين في سبيل حقوق الإنسان، إذ إن الصور المقلقة للتعذيب في سجن أبو غريب أكدت ضرورة الدفاع عن مبادئ كان يُعتقد من قبل أنها لا يمكن أن تنتهك، مثل حظر التعذيب. وكان انتشار أحداث العنف الجنسي البشعة ضد المرأة أثناء الصراعات بمثابة تذكير بمدى سرعة انسلاخ الرجال في حمأة الصراع عن إنسانيتهم، ومدى استمرار تعرض النساء والفتيات للعدوان، كما كانت المستويات المتصاعدة لكراهية الأجانب في كثير من البلدان دليلاً على أهمية مواجهة كل مظهر من مظاهر العنصرية. وهكذا، فإن هذه المشاكل وكثير غيرها قد كشفت عن نطاق التحديات التي تواجه المدافعين عن حقوق الإنسان في كل مكان في العالم.

ومع ذلك، فلقد برز بعض ما يدعو للتفاؤل، إذ انضمت خمس بلدان، هي بوتان واليونان وساموا والسنغال وتركيا، إلى القائمة التي يزداد طولها للدول التي ألغت تطبيق عقوبة الإعدام لكل الجرائم. وأفرجت كثير من البلدان عن سجناء الرأي. واستمر تقدم المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي جدد الأمل في تحقيق العدالة لضحايا الجرائم الفظيعة.

وعلى امتداد العالم كله، أثبتت الأعداد الهائلة من الناس العاديين مدى قوة المجتمع المدني ومدى تأثيره. فقد شهد العالم “المنتدى الاجتماعي العالمي” الذي عُقد في مومباي بالهند في يناير/كانون الثاني؛ و”المنتدى الاجتماعي الأوروبي” الذي عُقد في لندن بالمملكة المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني؛ واتساع نطاق المناقشة الدائرة حول حقوق الإنسان في الشرق الأوسط؛ والمظاهرات التي اجتاحت شوارع أوكرانيا في ديسمبر/كانون الأول، وكانت هذه جميعاً من أمثلة التضامن في العمل. كما إن الملايين الذي احتشدوا في شوارع مدريد للاحتجاج على أحداث تفجير القطارات قد أثبتوا قدرة الناس العاديين على تعبئة أنفسهم، وعلى المطالبة بحقهم في أن يعيشوا حياةً تحررت من الخوف، وأن يرفضوا ما تقترفه أيدي “الإرهابيين”، وأن يطالبوا بأن تلتزم حكوماتهم الصدق وأن تكون مسؤولة أمام الشعب.

لقد أصبح النضال العالمي قوةً حيويةً متناميةً، وهو يمثل أيضاً أفضل أمل نتعلق بأهدابه لتحقيق الحرية والعدالة للبشرية جمعاء.

التعليقات مغلقة