الجمهورية العربية السورية  -أوروبا ووسط آسيا -- الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -- الأمريكيتان  -إفريقيا  -آسيا والمحيط الهادئ

الجمهورية العربية السورية

تغطية الأحداث التي وقعت خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2004

قُبض على مئات الأشخاص لأسباب سياسية، وكان معظمهم من الأكراد الذين اعتُقلوا في أعقاب اضطرابات عنيفة في شمال شرقي سوريا، في مارس/آذار، قُتل خلالها ما يزدي عن 30 شخصاً. واحتُجز كثير من المقبوض عليهم بمعزل عن العالم الخارجي في أماكن غير معلومة.

وتواترت الأنباء عن التعذيب وسوء المعاملة، وكان بعض الضحايا من الأطفال، وتُوفي تسعة أشخاص على الأقل من جراء ذلك، حسبما ورد. واستمرت القيود المشددة المفروضة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وقُبض على عشرات الأشخاص لأسباب سياسية، واعتُقل بعضهم دونما سبب سوى مشاركتهم في أنشطة سلمية. وتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان للمضايقات، إلا إنهم تمكنوا بوجه عام من العمل في إطار مزيد من العلنية مقارنةً بالسنوات السابقة. وأُفرج عن أكثر من 200 من السجناء السياسيين، وبينهم سجناء رأي.

خلفية

اندلعت مصادمات، في 12 مارس/آذار، بين مشجعين من العرب والأكراد في أحد ملاعب كرة القدم في القامشلي بشمال شرقي سوريا. وردت قوات الأمن بإطلاق النار على الحشود، مما أسفر عن مقتل عدة أشخاص. وفي اليوم التالي، اعتدت الشرطة على معزين من الأكراد السوريين، مما أدى إلى أعمال شغب على مدى يومين قام بها الأكراد السوريون في عدة بلدات في شمال شرقي البلاد، وهي مناطق معظم سكانها من الأكراد. وذكرت الأنباء أن ما لا يقل عن 36 شخصاً قد لقوا مصرعهم، ومعظمهم من الأكراد، كما أُصيب أكثر من 100 آخرين.

ويُعتقد أن ما يزيد عن ألفي شخص، أغلبهم من الأكراد قد اعتُقلوا. واحتُجز معظمهم بمعزل عن العالم الخارجي في أماكن غير معلومة، وتواترت الأنباء على نطاق واسع عن تعرض المعتقلين، بما في ذلك الأطفال، للتعذيب وسوء المعاملة. وبحلول نهاية العام، كان حوالي 200 من الأكراد لا يزالون محتجزين. وقُتل ما لا يقل عن ستة من الأكراد أثناء تأدية خدمتهم العسكرية.

ولم يتم إجراء تحقيق بخصوص حوادث القتل هذه، على حد علم منظمة العفو الدولية. وظلت مناطق شمال وشمال شرقي سوريا، والتي يمثل الأكراد أغلبية سكانها، متخلفةً عن باقي مناطق البلاد، وذلك من منظور المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي أغسطس/آب، انضمت سوريا إلى “اتفاقية مناهضة التعذيب”.

وفي 2 سبتمبر/أيلول، أقر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1559، الذي صاغته الولايات المتحدة وفرنسا، وهو يطالب بانسحاب القوات الأجنبية (أي القوات السورية) من لبنان، كما يحذر من التدخل (السوري) في الانتخابات الرئاسية اللبنانية.

ولقي عز الدين الشيخ خليل، وهو فلسطيني، مصرعه نتيجة عملية تفجير بسيارة ملغومة في دمشق في 29 سبتمبر/أيلول. وأفادت الأنباء أن مصادر في أجهزة الأمن الإسرائيلية أعلنت مسؤوليتها عن العملية.

وأُجري تعديل وزاري في 4 أكتوبر/تشرين الأول، شمل تغيير ثمانية وزراء، وبموجبه حلَّ غازي كنعان، الرئيس السابق للاستخبارات السورية في لبنان، محل اللواء علي حمود كوزير للداخلية. كما حلَّ مهدي دخل الله، رئيس تحرير صحيفة “البعث” التي يصدرها “حزب البعث” الحاكم، محل أحمد الحسن كوزير للإعلام.

وأُبرم، في 19 أكتوبر/تشرين الأول، اتفاق للشراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي يتضمن بنداً عن حقوق الإنسان، وهو يلزم الطرفين بالعمل على تعزيز حرية التجارة.

وفي 10 ديسمبر/كانون الأول، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 161 صوتاً مقابل صوتين على قرار يطالب إسرائيل بالالتزام بأحكام القانون الدولي في مرتفعات الجولان المحتلة منذ عام 1967.

سجناء الرأي

ظل عدد من سجناء الرأي ومَنْ يُحتمل أن يكونوا في عداد سجناء الرأي رهن الاحتجاز لفترات طويلة دون محاكمة، أو كانوا يقضون أحكاماً بالسجن فُرضت عليهم بعد محاكمات جائرة. كما صدرت أحكام على آخرين خلال عام 2004 .

  • ففي 1 إبريل/نيسان، صدرت أحكام ضد أربعة أشخاص بعد محاكمة فادحة الجور أمام محكمة عسكرية ميدانية، حيث وُجهت إليهم تهمة “محاولة إنشاء تنظيم ديني، والضلوع في أنشطة اجتماعية بدون ترخيص، وحضور دروس دينية وفكرية بدون ترخيص”.
  • وحُكم على هيثم الحموي ويحيى شربجي بالسجن أربع سنوات، وعلى معتز مراد ومحمد شحادة بالسجن ثلاث سنوات. وكان الأربعة قد اعتُقلوا مع 20 آخرين في مايو/أيار 2003 لاشتراكهم في أنشطة سلمية، مثل حث الناس على الإقلاع عن التدخين وعن دفع رشوة، وكذلك مشاركتهم في مظاهرة صامتة في بلدة داريا بالقرب من دمشق، للاعتراض على غزو القوات التي تقودها الولايات المتحدة للعراق، والذي كان مرتقباً آنذاك.
  • وفي الفترة من يونيو/حزيران إلى نوفمبر/تشرين الثاني، قُبض على عشرات من الطلاب ورجال الدين الإسلاميين، ومعظمهم في منطقتي حماة وقطنا. وورد أن كثيرين من المقبوض عليهم تربطهم صلات مع “حزب التحرير الإسلامي” المحظور، وأنهم سيُحاكمون أمام محاكم عسكرية ميدانية. وبحلول نهاية العام، كان ما لا يقل عن 30 منهم لا يزالون رهن الاحتجاز.
  • وانتهى العام ولا يزال رهن الاحتجاز في زنازين انفرادية ستة من معتقلي “ربيع دمشق”، وهم الأشخاص الذين اعتُقلوا في عام 2001 خلال قمع الحركة المنادية بالإصلاح. وفي سبتمبر/أيلول، تكشفت معلومات تفيد بأن حبيب عيسى قد تعرض للضرب المبرح على أيدي حراس السجن في مايو/أيار 2002 . وكان قد تبين، خلال الشهر نفسه، أن عارف دليلة تعرض هو الآخر للضرب. وكان الاثنان في حاجة للعلاج الطبي، حسبما ورد. وقد أُفرج عن اثنين آخرين، هما حبيب صالح وكمال اللبواني، في 9 سبتمبر/أيلول، بعد انقضاء مدة الحكم الصادر ضدهما.
  • وظل عبد العزيز الخيِّر محتجزاً في سجن صيدنايا منذ القبض عليه في فبراير/شباط 1992 . وكانت محكمة أمن الدولة العليا، التي لا تفي الإجراءات المتبعة فيها بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، قد حكمت عليه، في أغسطس/آب 1995، بالسجن 22 عاماً لاتهامه بعضوية “حزب العمل الشيوعي”.

الإفراج عن سجناء سياسيين

أُطلق سراح ما يزيد عن 200 من السجناء السياسيين، وبينهم سجناء رأي. وكان عشرات منهم أعضاء في جماعة “الإخوان المسلمون”. أما الآخرون فبينهم أعضاء في “حزب التحرير الإسلامي” وجناح “حزب البعث” الموالي للعراق، أو من المتعاطفين مع الحزبين. وقد ظل كثيرون منهم رهن الاحتجاز رغم انقضاء مدد الأحكام الصادرة ضدهم. وفي فبراير/شباط، أُفرج عن فارس مراد؛ وفي أغسطس/آب، أُفرج عن عماد شيحة، وكان الاثنان قد اعتُقلا في عام 1975 بسبب عضويتهما في “المنظمة الشيوعية العربية”.

حرية التعبير والاجتماع

استمرت القيود على حرية التعبير وتكوين الجمعيات.

  • ففي 24 إبريل/نيسان، قُبض على 11 طالباً جامعياً على أيدي ضباط من الأمن السياسي قرب جامعة دمشق. وكان بعض هؤلاء الطلاب ضمن عشرات الطلاب الذي فُصلوا من جامعة حلب بعد أن شاركوا في مظاهرة سلمية يوم 24 فبراير/شباط احتجاجاً على قانون جديد بإلغاء تعيين خريجي كليات الهندسة تلقائياً.
  • وورد أن سبعة على الأقل تعرضوا للضرب لدى القبض عليهم، ثم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة أثناء احتجازهم. وأفادت الأنباء أنهم تعرضوا للضرب للركل، وكان ذلك أحياناً أثناء ربطهم في إطار، كما عُذبوا بأسلوب “البساط الطائر”، حيث يُحكم وثاق الضحية في قطعة خشبية على هيئة إنسان ثم يتعرض للضرب والصعق بالصدمات الكهربائية.

وقد أُفرج عن تسعة من هؤلاء الطلاب في 9 مايو/أيار، بينما ظل محمد عزب ومهند الدبس محتجزين، وبدأت محاكمتهما يوم 26 سبتمبر/أيلول أمام محكمة أمن الدولة العليا الدولية. وأبلغ محاموهما المحكمة بأن الطالبين تراجعا عن “الاعترافات” التي أدليا بها تحت وطأة الضرب والتعذيب النفسي.

  • وأصدرت محكمة أمن الدولة العليا أحكاماً ضد أربعة أشخاص لاتهامهم “بنشر معلومات كاذبة” من خلال شبكة الإنترنت. ففي 20 يونيو/حزيران، حُكم على عبد الرحمن الشاغوري بالسجن لمدة عامين ونصف؛ وفي 25 يونيو/حزيران، حُكم على هيثم قطيش بالسجن أربع سنوات، وعلى شقيقه مهند بالسجن ثلاث سنوات، وعلى يحيى الأوس بالسجن لمدة عامين.
  • وفي 27 يونيو/حزيران، أدانت محكمة أمن الدولة العليا سبعة أكراد بتهمة “الانتماء إلى جمعية سرية” و”محاولة سلخ جزء من الأراضي السورية وضمها إلى كيان أجنبي”.
  • وكان قد قُبض على هؤلاء في 25 يونيو/حزيران 2003 لمشاركتهم في مظاهرة سلمية أمام “صندوق الأمم المتحدة للطفولة” (اليونيسيف) في دمشق للمطالبة باحترام حقوق الأكراد السوريين. وقال السبعة إنهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة أثناء احتجازهم، وإنهم وُضعوا في زنازين انفرادية صغيرة.
  • وقال أحدهم، وهو محمد مصطفى، أمام محكمة أمن الدولة العليا إنه كان محتجزاً في دورة مياه. وقد حُكم على كل من محمد مصطفى، وشريف رمضان، وخالد أحمد علي بالسجن لمدة عامين. كما حُكم على أربعة آخرين بالسجن لمدة عام، وأمرت المحكمة بالإفراج عنهم حيث كانوا بالفعل قد أمضوا عاماً رهن الاحتجاز.
  • وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول، حكمت محكمة أمن الدولة العليا على الطالب الكردي مسعود حميد بالسجن خمسة أعوام، بعد أن نشر على شبكة الإنترنت صوراً التقطها للمظاهرة أمام مقر “اليونيسيف” في يونيو/حزيران2003. وقد وُجهت إليه تهمتا “الانتماء إلى جمعية سرية” و”محاولة سلخ جزء من الأراضي السورية وضمها إلى كيان أجنبي”.

التعذيب وحالات الوفاة أثناء الاحتجاز

تواترت الأنباء على نطاق واسع عن تعذيب المعتقلين السياسيين والجنائيين، بما في ذلك الأطفال. وتُوفي ما لا يقل عن تسعة أشخاص من جراء ذلك، حسبما ورد، وبينهم خمسة أكراد واثنين قُبض عليهم لدى عودتهم من العراق.

  • فقد تعرض أربعة أطفال أكراد، وهم: نيرفان صالح محمود، وأحمد شيخموس عبد الله، وولات محمد سعيد، وسربست شيخو، والذين تتراوح أعمارهم بين 12 و13 عاماً، للتعذيب في جناح الأحداث القُصَّر في سجن القامشلي بعد أن اعتقلهم ضباط الأمن السياسي في 6 إبريل/نيسان.
  • وورد أنهم تعرضوا للضرب بأسلاك كهربائية، ولضرب رؤوسهم في بعضها البعض، كما أُمروا بخلع ملابسهم كلها تقريباً خلال العد من واحد إلى ثلاثة، وكانوا يتعرضون للضرب إذا لم يتموا خلع الملابس في الوقت المحدد.
  • وفي يوم 1 أو 2 أغسطس/آب، تُوفي أحمد حسين حسن (ويُعرف أيضاً باسم أحمد حسين حسين) أثناء احتجازه في فرع المخابرات العسكرية في الحسكة بشمال شرقي سوريا، وذلك من جراء التعذيب، حسبما ورد. وكان قد احتُجز بمعزل عن العالم الخارجي منذ 13 يوليو/تموز. ولم يسمح ضباط المخابرات العسكرية لأسرته برؤية الجثة أو بإجراء تشريح لها.

العنف والتمييز ضد المرأة

دعت الجمعيات النسائية إلى إلغاء تحفظات سوريا على “اتفاقية المرأة”، ولاسيما المادة 9 المتعلقة بجنسية الأطفال.

وما برح قانون العقوبات لا يوفر حماية كافية للمرأة. فعلى سبيل المثال، ينص القانون على أن من حق الرجل أن يستفيد من تخفيف الحكم إذا ما قتل إحدى قريباته الإناث لارتكابها الزنا أو أية علاقة جنسية خارج إطار الزواج؛ كما ينطوي القانون على تمييز ضد المرأة في حالات الزنا؛ ويجيز وقف تنفيذ العقوبة بالنسبة لمرتكب جريمة الاغتصاب إذا تزوج من الضحية. وينطوي قانون الأحوال الشخصية على تمييز ضد المرأة في مجالات الزواج والطلاق والأسرة والميراث.

ودعت الجماعات النسائية إلى توفير دور للإيواء وخدمات المشورة والمساعدة القانونية للنساء والفتيات اللاتي عانين من العنف، وإلى توثيق أفضل للجرائم المرتكبة ضد المرأة، وإلى إدراج بنود في قوانين العمل تنص على معاقبة مرتكبي المضايقات الجنسية في أماكن العمل.

المدافعون عن حقوق الإنسان

تعرض المدافعون عن حقوق الإنسان لمضايقات، ولكنهم تمكنوا بوجه عام من العمل علناً. ومن بين منظمات حقوق الإنسان الثلاث غير المرخص لها، التي باشرت عملها خلال العام، تعرض أعضاء “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان” للاضطهاد على وجه الخصوص.
وقُبض على أكثم نعيسة، رئيس “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان”، يوم 13 إبريل/نيسان، وقُدم للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة العليا بتهمة “نشر معلومات توهن نفسية الأمة” و”مناهضة أهداف الثورة”، والتي قد تصل عقوبتها إلى السجن 15 عاماً. وكانت “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان” قد نشرت تقريراً سنوياً عن انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، وقادت حملة لإلغاء حالة الطوارئ، المفروضة منذ عام 1963 والتي تمنح قوات الأمن سلطات شاملة كما تأسست بمقتضاها محاكم أمنية خاصة لا تفي الإجراءات المتبعة فيها بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
وكان أكثم نعيسة قد أعرب أيضاً عن قلقه بخصوص مصير الأشخاص اللبنانيين الذين “اختفوا” في سوريا. وقد سُمح له بالسفر إلى أوروبا، في 8 أكتوبر/تشرين الأول، لتسلم جائزة لودوفيتش ترايوكس الدولية لحقوق الإنسان لعام 2004، ولكنه لم يُمنح تصريحاً بالسفر إلى الرباط في المغرب، يوم 7 ديسمبر/كانون الأول، لحضور مؤتمر عن حقوق الإنسان.

  • وقُبض على أحمد خازم، وحسن وطفة، وهما من أعضاء “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان”، في منتصف مارس/آذار، لمشاركتهما في اعتصام احتجاجي في دمشق، يوم 8 مارس/آذار، للمطالبة بإلغاء حالة الطوارئ. وقد أُطلق سراحهما يوم 9 مايو/أيار.

العائدون

قُبض على عشرات السوريين لدى عودتهم من الخارج، وكثيراً ما كان ذلك بعد حصولهم على إذن من السلطات السورية للعودة، حسبما ورد. وكان بين هؤلاء كثيرون ممن اشتُبه في أن لهم صلات شخصية أو عائلية مع جماعة “الإخوان المسلمون”. وقد تُوفي شخصان في الحجز بعد القبض عليهما لدى عودتهما من العراق.

  • ففي أغسطس/آب، ورد أن مصعب الحريري، البالغ من العمر 18 عاماً والذي كان والداه قد انتقلا للعيش في السعودية في عام 1981، لا يزال محتجزاً منذ القبض عليه في يوليو/تموز خلال زيارته الأولى لسوريا. وكان يواجه المحاكمة أمام محكمة أمن الدولة العليا لاتهامه بالانتماء إلى جماعة “الإخوان المسلمون”.
  • ويُذكر أنه أُلقي القبض في عام 1998 على شقيقيه يوسف، الذي كان عمره آنذاك 15 عاماً، وعبادة، الذي كان عمره 18 عاماً، بعد وقت قصير من دخولهما إلى سوريا، وصدرت ضدهما أحكام من اثنتين من المحاكم العسكرية الميدانية لما زُعم عن انتمائهما إلى تنظيم سري. وقد أُطلق سراح أولهما في عام 2000 والثاني في يناير/كانون الثاني 2004. وورد أن الأشقاء الثلاثة تعرضوا للتعذيب، بما في ذلك التعذيب بالأسلوب الذي يُطلق عليه اسم “الدولاب” (حيث يُحشر الضحية في إطار سيارة معلق ويتعرض للضرب بالعصي والأسلاك)، وأسلوب “الكرسي الألماني” (حيث يوضع الشخص على مقعد ذي أجزاء متحركة يؤدي إلى شد العمود الفقري إلى الخلف).
  • وفي أكتوبر/تشرين الأول، تكشفت معلومات تفيد بأن أرود محمد عزت البوشي، الذي يحمل الجنسية الكندية إلى جانب جنسيته السورية، قد نال محاكمة فادحة الجور أمام محكمة عسكرية ميدانية في يوليو/تموز 2003، أسفرت فيما يبدو عن الحكم عليه بالسجن 12 عاماً لما زُعم عن انتمائه إلى جماعة “الإخوان المسلمون”. وورد أنه تعرض للتعذيب أثناء احتجازه على مدى 12 شهراً أمضاها في انتظار المحاكمة. وكان قد غادر سوريا في عام 1980 وقُبض عليه في 3 يوليو/تموز 2002 عندما عاد إلى البلاد لزيارة والده الذي كان يعاني من مرض عضال.
  • وظل محمد حيدر زمار، وهو من مواليد سوريا ويحمل الجنسية الألمانية، رهن الاحتجاز المستديم بمعزل عن العالم الخارجي في زنزانة انفرادية في فرع فلسطين التابع للمخابرات العسكرية في دمشق، وذلك منذ القبض عليه في نوفمبر/تشرين الثاني 2001 . وتردد أنه محتجز في ظروف مروِّعة داخل زنزانة صغيرة تحت الأرض. وذكرت الأنباء أن قوات الأمن الأمريكية شاركت في اعتقاله واستجوابه في المغرب، حيث قُبض عليه أول الأمر، ثم في نقله سراً إلى سوريا. وجاء القبض عليه لما زُعم عن صلاته بتنظيم “القاعدة”، ولكن لم يُوجه إليه اتهام.

عقوبة الإعدام

أعلنت السلطات، في 5 يوليو/تموز، أن 16 شخصاً قد أُعدموا في عام 2002، وأن 11 شخصاً أُعدموا في عام 2003 . وفي 29 أغسطس/آب، أصدرت محكمة أمن الدولة العليا حكماً بالإعدام على محمود النبهان لاتهامه بالانتماء إلى جماعة “الإخوان المسلمون”، ثم خففت الحكم إلى السجن لمدة 12 عاماً. ويقضي القانون رقم 49 الصادر في يوليو/تموز 1980 بفرض عقوبة الإعدام على من تثبت إدانته بعضوية جماعة “الإخوان المسلمون” أو الانتماء لها.

وورد أن شخصين أُعدما في مدينة حلب، في 17 أكتوبر/تشرين الأول، ولكن لم تُعلن أية تفاصيل أخرى. وفي 30 ديسمبر/كانون الأول، أصدرت محكمة أمن الدولة العليا حكماً بالإعدام على شخصين، بعد إدانتهما بالضلوع في هجوم بالقنابل وقتال بالأسلحة النارية في دمشق في إبريل/نيسان.

الزيارات القطرية لمنظمة العفو الدولية

جددت منظمة العفو الدولية في غضون العام طلباتها لزيارة سوريا من أجل إجراء بحوث ومحادثات مع المسؤولين الحكوميين، ولكنها لم تتلق رداً من السلطات.

أوروبا ووسط آسيا

نظرة عامة على المنطقة في عام 2004

استمر تضرر حقوق الإنسان من “الحرب على الإرهاب”. وتجلت مشاعر العنصرية والتمييز والتعصب الراسخة في الاعتداءات التي تعرض لها أفراد الجالية العربية واليهودية والمسلمة، وفي أعمال العنف فيما بين الطوائف العرقية، ومن عدم العمل على صون كرامة الذين يعانون من ضروب الإعاقة العقلية. وكان من الشائع أن يظل المسؤولون عن انتهاكات حقوق الإنسان، مثل التعذيب وسوء المعاملة، يتمتعون بحصانة تجعلهم بمنأى عن العقاب. ومابرح الاتحاد الأوروبي، الذي اتسعت عضويته في مايو/أيار بانضمام عشر دول جديدة، يظهر افتقاره إلى الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان داخل حدوده نفسها.

“الحرب على الإرهاب”

نشـرت جماعات المعارضة المسلحة الموت والدمار في أرجاء المنطقة، وتمثل ذلك في هجمات انتحارية في أوزبكستان، وتفجيرات لقطارات الركاب ساعة الذروة في إسبانيا، واحتجاز للرهائن في المدارس وحصارهم في بيسلان في روسيا، مما حصد مئات الأرواح.

واستمرت الحكومات بدورها في تقليص الحقوق في ظل رعاية “الحرب على الإرهاب”. وعلى الرغم من إصدار أعلى محكمة في المملكة المتحدة حكماً تاريخياً يقطع بعدم مشروعية احتجاز الأجانب “المشتبه في أنهم إرهابيون دوليون” إلى أجل غير مسمى، فقد انتهى عام 2004 وما زال قيد الحجز 11 رجلاً، إلى جانب رجل آخر يخضع فعلياً للإقامة الجبرية في منزله. وكان قد سبق لمحكمة الاستئناف لإنجلترا وويلز أن حكمت بأن “الأدلة” التي تتوافر نتيجة تعذيب طرف ثالث لا يجوز رفضها في إجراءات التقاضي إلا إذا كان قد شارك مباشرة في التعذيب أو أبدى الرضا عنه موظفون أو غيرهم من العاملين لحساب المملكة المتحدة. كما حاولت المملكة المتحدة على مدار العام التملص من التزاماتها بموجب القانون الدولي والمحلي، حيث زعمت أن قانون حقوق الإنسان الدولي ليس مُلْزماً لقواتها المسلحة في العراق وأفغانستان.

وفي روسيا، وافق البرلمان على تمديد الفترة التي يجوز فيها احتجاز شخص مشتبه في ارتكابه جرائم “تتعلق بالإرهاب” دون تهمة إلى ثلاثين يوماً. ونفذت أوزبكستان حملات اعتقال تعسفية واسعة النطاق استهدفت مئات من الرجال والنساء، ممن قيل إنهم مسلمون محافظون على دينهم أو أقاربهم، كما أصدرت أحكاماً بالسجن مُدداً طويلة على عشرات من المتهمين بجرائم “تتعلق بالإرهاب” في أعقاب محاكمات جائرة. واستمرت قوات الأمن الفيدرالية الروسية تتمتع بحصانة شبه كاملة من العقاب على ما ارتكبته من انتهاكات في الشيشان.

اللاجئون وطالبو اللجوء

استمرت الحكومات في تأكيد الرقابة والردع، لا الحماية، فيما يتعلق بأحكام اللجوء وتحديات الهجرة، الأمر الذي يعتبر خرقاً للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. ففي اليونان، على سبيل المثال، أقدم رجال السواحل والشرطة على اتخاذ إجراءات ترمي إلى إثناء المهاجرين عن دخول الأراضي اليونانية بأساليب تعرض أرواحهم للخطر. أما إيطاليا، التي طالما افتقرت إلى نظام شامل وكاف لإجراءات اللجوء، فقد طردت أعداداً كبيرة من الأشخاص ورحلتهم إلى ليبيا، وكان معظمهم من أصول شمال إفريقية ومن بينهم طالبو لجوء. وأدى طرد هؤلاء بهذه السرعة والتعسف إلى إثارة الشكوك بأن الحكومة قد عقدت العزم على أن تفعل ما تراه بغض النظر عما تخسره حقوق الإنسان في سبيل ذلك. وضاعف من هذه الانتهاكات الصارخة عدم قيام الاتحاد الأوروبي بتحقيق التوازن بين تأكيده الشامل على وقف تدفق طالبي اللجوء والمهاجرين، وبين المنظور الواضح لحماية اللاجئين.

العنصرية والتمييز

استمر ابتلاء المنطقة بمظاهر العنصرية والتمييز والتعصب.

وقد اتخذ التمييز عدة أشكال، كان من بينها الحواجز التي تمنع الأشخاص من التمتع بحقوقهم الأساسية. واستمر أبناء طائفة “الروما” (الغجر)، في شتى البلدان من فنلندا إلى قبرص، يكابدون الحرمان الشديد في مجالات العيش الأساسية مثل الإسكان والعمل والتعليم والخدمات الطبية. واستمرت أعداد كبيرة من الأشخاص الذين يسعون لإعادة بناء حياتهم في بلدان يوغوسلافيا السابقة يواجهون التمييز على أسس عرقية، خصوصاً في الحصول على العمل والتعليم والرعاية الصحية. واستمر الأشخاص الذين يعانون من ضروب الإعاقة العقلية يعاملون معاملة مخزية في مناطق كثيرة. ففي بلغاريا ورومانيا، كانت ظروف العيش ونقص الرعاية في بعض المستشفيات ودور الرعاية الاجتماعية مؤسفةً إلى الحد الذي أصبحت تمثل معه ضرباً من المعاملة اللاإنسانية والمهينة. وفي سلوفاكيا والجمهورية التشيكية، استمر اللجوء إلى استعمال الأسرَّة المحاطة بأقفاص في بعض المؤسسات كوسيلة لتقييد حركة المرضى. واستمر التمييز في أماكن أخرى، مثل أيرلندا، إذ لم تكن التشريعات الخاصة بالإعاقة العقلية الصادرة في عام 2004 تقوم على أسس حقوق الإنسان، على الرغم مما كانت الحكومة قد تعهدت به من قبل.

واستمرت العنصرية التي اتسم بها سلوك الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون، وكانت تمثل الخلفية العامة لانتهاكات حقوق الإنسان في مجال إقرار العدالة. وكان من بين من تعرضوا للإهانة وسوء المعاملة لأسباب عنصرية أفراد من طائفة “الروما”، فضلاً عن المهاجرين وطالبي اللجوء. ونادراً ما كان مرتكبو هذه الانتهاكات يحالون إلى العدالة.

كما تجلّى عدم التسامح مع الآخرين على اختلاف هويتهم في سلوك الأفراد والمنظمات. ففي فرنسا، كان الذين يُظَنُّ أنهم مهاجرون أو مسلمون يتعرضون لموجات من العنف العنصري في كورسيكا. كما تعرض الأفراد من ذوي الأصول اليهودية وتعرضت رموز هويتهم للعدوان في بعض البلدان مثل بلجيكا وفرنسا وأوكرانيا. وقامت جماعات من “حليقي الرؤوس” في روسيا باعتداءات مدفوعة بالكراهية العنصرية على الطلاب الأجانب. وتعرض ذوو الميول الجنسية المثلية من النساء والرجال وذوو الميول الجنسية الثنائية والمتحولون إلى الجنس الآخر لاعتداءات في بولندا أثناء المسيرات المطالبة بزيادة احترام الأقليات الجنسية.
وافتقرت حكومات كثيرة للإرادة السياسية اللازمة لمنع أمثال هذه الاعتداءات والتحقيق فيها ومحاكمة مرتكبيها بصورة جدية وبالحرص الواجب. ففي جورجيا، لم يُعاقب المئات ممن قاموا بالاعتداء على الأقليات الدينية. وفي كوسوفو، اتُّهم بعض رجال الشرطة بالتواطؤ رسمياً في بعض الأحداث التي وقعت أثناء الاعتداءات العرقية التي اندلعت في شهر مارس/آذار وانتشرت في شتى أرجاء الإقليم. وتقاعست السلطات، مثلما تقاعست قوات الأمن الدولية، عن توفير الحماية الكافية لمجتمعات الأقليات في بعض المناطق أثناء المصادمات. واستمر تقاعس الاتحاد الأوروبي عن النظر في اتخاذ تشريعات تقضي بتجريم العنصرية وكراهية الأجانب.

انتهاكات المسؤولين وإفلاتهم من العقاب

وردت أنباء وقوع التعذيب وسوء المعاملة، وكثيراً ما كانا لأسباب عنصرية، في شتى أرجاء المنطقة، بما في ذلك بلجيكا واليونان وفرنسا وإسبانيا. ومن شرق المنطقة إلى غربها، تقاعست الحكومات في كثير من الأحيان عن تلبية أو احترام الحقوق التي تضمن عدم وقوع انتهاكات في حجز الشرطة أو الاحتجاز السابق للمحاكمة. ولم تكن السلطات في عدد من الدول تسمح للمحتجزين بالاتصال بالمحامين منذ لحظة القبض، أو لم تكن قد أنشأت نظاماً مستقلاً وفعالاً ويتمتع بالموارد اللازمة للتحقيق في الشكاوى. وكان من شأن التقاعس عن إجراء تحقيقات وافية ونزيهة على وجه السرعة إلى استمرار الحصانة من العقاب التي يتمتع بها المسؤولون عن ارتكاب التعذيب وسوء المعاملة، واللذان وردت أنباء انتشارهما في بعض البلدان مثل ألبانيا وجورجيا ومولدوفا ورومانيا وروسيا وطاجيكستان وأوكرانيا وأوزبكستان. وظل التعذيب وسوء المعاملة في تركيا من بين بواعث القلق الخطيرة، على الرغم من التغييرات الإيجابية في نظم الاحتجاز. وكانت تركيا ودول أخرى كثيرة تفتقر إلى آليات الفحص المستقلة اللازمة للتحقيق في أنماط تلك الانتهاكات. واستمر ورود أنباء تفيد بأن الشرطة في بلغاريا وبولندا ورومانيا كان تستعمل الأسلحة النارية على نحو يمثل خرقاً للمعايير الدولية التي تحظر استعمال القوة المفرطة، وكان ذلك يؤدي في بعض الأحيان إلى إزهاق الأرواح. وفي بعض البلدان، كانت الظروف قاسية ومهينة في السجون ومراكز احتجاز طالبي اللجوء والمهاجرين بصورة غير شرعية.

وفي غربي البلقان، وعلى الرغم من محاكمة البعض محلياً بتهم جرائم الحرب، أدى الافتقار إلى الإرادة السياسية، وكذلك الفجوات القائمة في نظم العدالة المحلية، إلى استمرار وتفشي الإفلات من العقاب عن الانتهاكات المرتكبة أثناء الحرب. وقد أحيل بعض المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة التي احتجزتهم، ولكن عدداً من الآخرين لا يزالون مطلقي السراح، ويتمتع بعضهم فيما يبدو بحماية السلطات في البوسنة والهرسك وكرواتيا وصربيا والجبل الأسود. ولم يتم بعد إيضاح مصير الآلاف من حالات “الاختفاء” التي وقعت في غضون الحرب التي استمرت 1991 إلى عام 1995، وغيرها أيام الصراعات في كوسوفو ومقدونيا، وكذلك “اختفاء” بعض عناصر المعارضة والصحفيين في بيلاروس وأوكرانيا.

قمع المعارضة

تعرض المعارضون على المستوى المدني والسياسي والديني بصفة منتظمة للقمع، والذي كثيراً ما كان يتسم بالوحشية، في بيلاروس وتركمانستان وأوزبكستان. إذ فرضت بعض البلدان، مثل تركيا وأوكرانيا، حظراً على المظاهرات، ولجأت إلى اعتقال المتظاهرين، وكثيراً ما أساءت معاملتهم. واستمر تعرض المدافعين عن حقوق الإنسان للعقبات والتخويف والتهديدات في بيلاروس وتركيا وتركمانستان وأوزبكستان. وفي روسيا كان نشطاء حقوق الإنسان وغيرهم من طالبي العدالة عن طريق المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالصراع الدائر في الشيشان يتعرضون للمضايقات والتعذيب، ودفع البعض حياتهم ثمناً لذلك. وأرغمت السلطات بعض منتقدي الحكومة في تركمانستان على الرحيل من البلاد وقامت باضطهاد أقاربهم في محاولة لإخراس المعارضة.

ومثلما كان الحال في السنوات السابقة، فقد ضاق صدر بعض الدول بضمائر الذين عارضوا الخدمة العسكرية الإلزامية، إذ أقدمت أرمينيا وفنلندا وتركمانستان على خرق التزاماتها الدولية وحبس الذين اعترضوا على تأدية الخدمة العسكرية بدافع الضمير. ولجأت دول أخرى، مثل قبرص واليونان وليتوانيا، إلى الإبقاء على قوانين تجعل أداء خدمة بديلة بمثابة عقوبة للمعترضين.

العنف ضد المرأة

استمر العدوان على حقوق الإنسانية للنساء والفتيات في شتى أرجاء المنطقة. وظلت حكومات كثيرة تعتبر العنف المرتكب في محيط الأسرة بمثابة عمل ينتمي إلى “مجال الحياة الخاصة”، وهي ذريعة مريحة في كثير من الحالات لتبرير تقاعسها عن تعريف العنف المنزلي باعتباره من قضايا حقوق الإنسان، وتخصيص الموارد اللازمة له بهذه الصفة. فمن غرب المنطقة إلى شرقها تتوافر الأدلة المسجلة على التقاعس عن مساندة النساء اللائي نجون من العنف في محيط الأسرة، أو ضمان تمكينهن من تحقيق العدالة فعلياً والانتصاف لأنفسهن والحصول على التعويض. ولم تقم بعض الدول بسنّ بعض التشريعات الأساسية اللازمة أو تنفيذ مثل هذه التشريعات على نحو ملائم، ومنها مثلاً النص على الحماية الشاملة للمرأة، أو إصدار أوامر مقيِّدة ضد منتهكي حقوقها، كما أحجمت عن توفير المأوى اللائق للناجيات من العنف.

واستمر ابتلاء معظم بلدان المنطقة بظاهرة الاتجار بالبشر، بما في ذلك النساء والفتيات لإرغامهن على ممارسة البغاء. ففي كوسوفو، الخاضعة لإدارة الأمم المتحدة، كان بعض عملاء هذه التجارة من أفراد الشرطة والقوات الدولية، وكانت النساء والفتيات يتعرضن للضرب والاغتصاب ويعشن سجينات من الناحية الفعلية لدى من يملكون مصائرهن، وكثيراً ما كان خوفهن الشديد يمنعهن من الفرار. ولم تكن الناجية من هذا اللون من ألوان الرق تنال المعاملة الكريمة في كثير من الدول التي تملك من القوة ما يمكنها من ذلك، فضلاً عن التزامها به. وفي الوقت الذي استمرت فيه أصوات كثيرة في الإلحاح على أن تكون قضية تدخل الدولة لمنع الاتجار بالبشر قائمةً على أساس حماية حقوق الإنسان بدلاً من إدراجها في جدول أعمال يحفزه القلق على الجريمة المنظمة والهجرة غير المشروعة، ظلت النساء المتاجر بهن يتعرضن لخذلان السلطات والنظم القضائية لهن في بلادهن الأصلية، والبلاد التي يعبرونها، والبلاد التي يصلون إليها. فعلى سبيل المثال، ظلت مولدوفا أحد البلدان التي تُعد مصدراً للنساء والفتيات المتاجر بهن لإرغامهن على البغاء، وكانت أشد الحالات استضعافاً حالات النساء الهاربات من العنف في إطار الأسرة والأطفال الذين يغادرون مؤسسات الرعاية، حسبما ورد. ومع ذلك، فلم تكن سلطات مولدوفا تعفي المرأة من المحاكمة بتهم ناشئة عن الاتجار بها إلا إذا وافقت على التعاون من الهيئات المسؤولة عن تنفيذ القوانين. أما في بلجيكا، وهي من البلدان التي يقصدها ممارسو الاتجار بالنساء والفتيات لإرغامهن على البغاء، وتتزايد فيها هذه الظاهرة بشكل مستمر حسبما ورد، فإن الدولة لا تمنح المرأة تصريح إقامة إلا إذا وافقت على مثل هذا التعاون، وهو ما تنص عليه تشريعات الاتحاد الأوروبي.

ومن الإجراءات التي يمكن أن تمثل خطوة إيجابية على طريق زيادة احترام حقوق الإنسانية للأشخاص المتاجر بهم مشروع الاتفاقية التي وضعها مجلس أوروبا لمناهضة الاتجار بالبشر، والذي جرت مناقشته في غضون عام 2004 . وقد واصلت المنظمات غير الحكومية نضالها من أجل تعزيز أحكام تلك الاتفاقية.
عقوبة الإعدام

تحققت بعض الخطوات الإيجابية بشأن عقوبة الإعدام، مما يدعم مسيرة المنطقة في طريق إلغائها. فقد أقر البرلمان اليوناني إلغاء عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم. وأعلنت طاجيكستان التوقف مؤقتاً عن الحكم بالإعدام وتنفيذ أي حكم سابق به. وفي بيلاروس، أصدرت المحكمة الدستورية حكماً يقضي بأن عدداً من النصوص الواردة في القانون الجنائي مخالف للدستور والقانون الدولي، الأمر الذي يمهد الطريق، إذا توافرت الإرادة السياسية، لإلغاء عقوبة الإعدام، أو وقف تنفيذها مؤقتاً على الأقل.

ومع ذلك فقد كانت بيلاروس، مع أوزبكستان وطاجيكستان قبل إعلان التوقف، آخر دول تنفذ حكم الإعدام في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، لم تف أوزبكستان وطاجيكستان بالتزاماتهما الدولية خلال العام، عندما تجاهلتا الطلبات التي وجهتها إليهما اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بوقف تنفيذ إعدام الأشخاص. وقامت طاجيكستان، قبل إعلان التوقف بأيام معدودة، بإعدام أربعة أشخاص سراً، وكانت اللجنة قد حثت الدولة على تأجيل التنفيذ ريثما تنتهي من نظر الادعاءات عن تعرض اثنين من هؤلاء الأربعة لمحاكمات جائرة وللتعذيب. وأعدمت أوزبكستان ما لا يقل عن أربعة أشخاص كانت قضاياهم لا تزال منظورة لأسباب مماثلة. وكان العدد الكلي للذين يُعدمون سنوياً في أوزبكستان لا يزال سراً، وإن كان المعتقد أنه يبلغ العشرات، وذلك في إطار نظام للعدالة الجنائية تشوبه مثالب خطيرة بسبب انتشار الفساد وعدم قيام المحاكم بالتحقيق في مزاعم التعذيب. ومثلما كان عليه الحال في الأعوام السابقة، استمر ستار السرية قائماً في الدول التي تطبق عقوبة الإعدام، بعد انسلاخها من الاتحاد السوفييتي السابق، ولم يقتصر على حجب الإحصائيات بل بات يكتنف حياة من ينتظرون الإعدام وأقاربهم، إذ لم يكن أي من الطرفين يُبلغ مقدماً بمواعيد تنفيذ الأحكام. وتحرم السلطات أسر من يُعدمون من تسلم جثث ذويهم، بل ولا تطلعهم على مكان دفنهم.

النضال في سبيل حقوق الإنسان

في الوقت الذي استمرت فيه حكومات كثيرة في تجاهل بواعث القلق والتوصيات المقدمة من المنظمات الإقليمية وغيرها من المنظمات الدولية المكلفة بالنهوض بدور ما في مجال حماية حقوق الإنسان، فقد واصلت هذه الهيئات تعزيز ضمانات حقوق الإنسان. وفي إطار مساهمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في مناهضة العنصرية، واصلت إلقاء الضوء على هذه القضية من خلال سلسلة من المؤتمرات النوعية، كما قامت “اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب” بإصدار توصيات خاصة بالسياسات العامة، تتناول مكافحة العداء للسامية ومناهضة العنصرية في غمار مكافحة “الإرهاب”. كما بذلت بعض الهيئات والآليات الإقليمية، ومن بينها مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا، جهوداً لمواجهة تقاعس بعض الدول عن تحسين أوضاع حقوق الإنسان أو زيادة احترامها. ورفضت الهيئة البرلمانية لمجلس أوروبا طلباً تقدمت به بيلاروس لإعادة قبولها بصفة ضيف، استناداً إلى هذه الأسس، كما قرر المصرف الأوروبي للتعمير والتنمية قطع المعونة عن أوزبكستان والتوقف عن الاستثمار فيها بسبب عدم تلبيتها لمعايير حقوق الإنسان التي وضعها المصرف.

وأدرج الاتحاد الأوروبي “ميثاق الحقوق الأساسية” الأوروبي في المعاهدة الدستورية الجديـدة، وقرر إنشاء هيئة لحقـوق الإنسان تابعة للاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذه التطورات أن تحفز الاتحاد الأوروبي علـى تغيير موقفه الذي ينم عن الرضا عن أوضاع مراعاة حقوق الإنسان داخل حدوده نفسها. وقدمت المفوضية الأوروبية اقتراحاً بإصدار تشريع بشأن الحقوق الإجرائية في الإجراءات الجنائية، وهو يمثل بادرة إيجابية، وإن كانت هناك مخاوف من تخفيف مضمون الاقتراح في المفاوضـات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وفي غضون العام المنصرم، تجلت لدى تركيا إرادة سياسية قوية للسير بالإصلاح في اتجاه إيجابي. وعلى الرغم من عدم انتظام التنفيذ، بل ومقاومته في بعض الأحيان، فقد نجحت الحكومة في إجراء تغييرات دستورية وقانونية مهمة حتى تضمن بدء المفاوضات بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. كما اتضحت قدرة المجتمع المدني على تعبئة ذاته من أجل التغيير، من منبر النضال الذي قدمه المنتدى الاجتماعي الأوروبي في لندن، في نوفمبر/تشرين الثاني، إلى شوارع أوكرانيا أثناء الانتخابات الرئاسية في الشهر التالي. وظل المدافعون عن حقوق الإنسان يحتفظون بتصميمهم، في وجه التهديدات والتخويف والاعتقال، على مواصلة عملهم، وإلهام غيرهم وإحراز النتائج.

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

نظرة عامة على المنطقة في عام 2004

استمر ارتكاب انتهاكات خطيرة ومتعددة لحقوق الإنسان، بما في ذلك قتل مئات المدنيين في الصراعات المسلحة وأحداث العنف السياسي في شتى أرجاء المنطقة، كما استمر إفلات مرتكبيها من العقاب. وتناولت المناقشات التي دارت على المستويين الوطني والإقليمي موضوع الإصلاح السياسي والإصلاحات في مجال حقوق الإنسان، بمشاركة كبيرة من جانب جماعات المجتمع المدني والكتاب والصحفيين. واعتمدت جامعة الدول العربية صورة منقحة من “الميثاق العربي لحقوق الإنسان”.

واستمر اهتمام المجتمع الدولي بالأوضاع السياسية وأوضاع حقوق الإنسان. وفي يونيو/حزيران، اعتمدت مجموعة الثماني، التي تضم الدول الصناعية الكبرى، في مؤتمر القمة الذي عقدته، خطة “الشراكة” التي ترعاها الولايات المتحدة، وعنوانها “مبادرة إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الموسع”، والتي تتعهد بدعم “الإصلاح الديموقراطي والاجتماعي والاقتصادي النابع من المنطقة نفسها” وكذلك “الضمانات الفعالة في مجالي حقوق الإنسان والحريات الأساسية”. وقُوبلت المبادرة بمزيج من التشكك والاهتمام في الدوائر الحكومية ودوائر المجتمع المدني. وطالبت المنظمات غير الحكومية، في مؤتمرها الموازي لمؤتمر المتابعة لمجموعة الثماني الكبار في ديسمبر/كانون الأول في المغرب، بوضع آلية أكثر فعالية لتحقيق الإصلاح. وأوصت المنظمات غير الحكومية بأن يكون الإصلاح حقيقياً وشاملاً، وأن تتخذ مجموعة الثماني موقفاً صلباً، بصفة جماعية ومن جانب كل دولة على حدة، إزاء التقدم على طريق الديموقراطية في المنطقة، وطالبت مجموعة الثماني بأن تشارك في مراقبة الانتخابات والضغط على حكومات المنطقة حتى تتوقف عن مضايقاتها للمنظمات غير الحكومية.

واستمر ارتباط الاتحاد الأوروبي بدول المنطقة من خلال اتفاقات المشاركة بين أوروبا ودول البحر الأبيض المتوسط، ومن خلال الحوار مع إيران وليبيا ودول الخليج. وفي الأمم المتحدة، اعتمدت الجمعية العامة قراراً عن حقوق الإنسان في إيران في نوفمبر/تشرين الثاني. كما أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً يقضي بأن بناء إسرائيل للجدار داخل الضفة الغربية المحتلة أمر غير مشروع بموجب القانون الدولي.

الصراع المسلح والإفلات من العقاب

تحمل المدنيون العبء الأكبر من ويلات الحرب التي حمي وطيسها في العراق وازداد فيها عدد القتلى. فقد ورد أن عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال قد قُتلوا أو جُرحوا منذ بداية الصراع المسلح في مارس/آذار 2003 . واقترف الطرفان، وهما قوات الاحتلال التي تقودها الولايات المتحدة والجماعات المسلحة الناشطة في العراق، والتي كثيراً ما أعلنت أن هدفها هو مقاومة الاحتلال الأجنبي، انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وظل مرتكبو الانتهاكات بمنجاة من العقاب.

وعلى مدار العام، أفادت الأنباء أن عشرات المدنيين قد لقوا حتفهم دون وجه حق في شتى عمليات القصف التي شنتها القوات التي تقودها الولايات المتحدة على مدن الفلوجة والنجف وسامراء، ومختلف العمليات الأخرى في بغداد. وقبل نقل السلطة إلى حكومة عراقية مؤقتة في يونيو/حزيران، وفي فترة الإعداد لإجراء الانتخابات العامة المقرر عقدها في يناير/كانون الثاني 2005، زادت الجماعات المسلحة من هجماتها على القوات التي تقودها الولايات المتحدة، وعلى الشرطة العراقية والمجندين في الجيش، والعاملين بالحكومة والمهنيين. وسقط مئات القتلى من المدنيين في الهجمات التي شنتها الجماعات المسلحة مباشرة أو دون تمييز، على نحو ما حدث في الهجمات التي تعرض لها الزوار من الشيعة للمزارات المقدسة في بغداد وكربلاء في فبراير/شباط. واختطفت الجماعات المسلحة عشرات الرهائن، ومن بينهم بعض العراقيين وموظفي الإغاثة والصحفيين ومتعهدي الأمن، وقتلت العشرات منهم. ورغم التقدم بمطالب سياسية في العديد من حالات الرهائن، مثل طلب انسحاب القوات الأجنبية أو الشركات، كان احتجاز الرهائن في حالات أخرى يرمي إلى الحصول على فدية مالية، فيما يبدو.

وقتل الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أعداداً متزايدة من الفلسطينيين وهدم المزيد من منازلهم، وقد بلغ عدد القتلى من الفلسطينيين زهاء 700، من بينهم نحو 150 طفلاً. وقد قُتل معظمهم دون وجه حق في حوادث إطلاق النار بشكل متهور، وفي القصف المدفعي أو الجوي لمخيمات اللاجئين وغيرها من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في شتى أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة. وواصلت القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات إعدام خارج نطاق القضاء استهدفت أعضاء وقادة حركة “حماس” وغيرها من المنظمات الفلسطينية، وكثيراً ما كان المارة يُقتلون أو يُصابون بجروح. ولقي نحو 95 إسرائيلياً حتفهم، ومعظمهم من المدنيين ومن بينهم ثمانية أطفال، على أيدي جماعات فلسطينية مسلحة في هجمات تفجير انتحارية، وحوادث إطلاق النار، وقصف بمدافع الهاون داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة.

وازداد معدل الهدم المنتظم لمنازل الفلسطينيين وتخريب أراضيهم وتدمير ممتلكاتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، في أكبر موجة لهدم المنازل شهدها قطاع غزة منذ بدء الانتفاضة. ففي مايو/أيار، هدم الجيش الإسرائيلي 300 منزل وأحدث أضراراً بعدد آخر يبلغ نحو 270 في أحد مخيمات اللاجئين في رفح، مما أدى إلى تشريد ما يقرب من أربعة آلاف فلسطيني. وفي الضفة الغربية، واصلت إسرائيل إنشاءها جدار طوله 600 كيلومتر، يحاصر البلدات والقرى الفلسطينية ويعزلها عن بعضها البعض، على الرغم من الحكم الذي أصدرته محكمة العـدل الدولية. وقد أدى هذا الجدار، إلى جانب نقاط التفتيش والمتاريس التي أقامها الجيش الإسرائيلي في شتى أرجاء الأراضي المحتلة، إلى عرقلة أو منع وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم وأماكن عملهم، وإلى المرافق التعليمية والصحية وغيرها من المرافق الحيوية.

العنف السياسي و”الحرب على الإرهاب”
استمر تبرير انتهاكات حقوق الإنسان بذريعة “الحرب العالمية على الإرهاب”، إذ قامت قوات الأمن في جميع أنحاء المنطقة بالرد على هجمات الجماعات المسلحة التي اتهمتها بأن لها صلات مع تنظيم “القاعدة”. وسقط عشرات القتلى، ومن بينهم أطفال، في السعودية حين نفذت جماعات مسلحة عمليات تفجير بالقنابل، واحتجاز للرهائن، وقتل أفراد من مواطني الدول الغربية. وأدت عمليات تفجير بالقنابل إلى قتل أكثر من 30 مدنياً وجرح ما يزيد على 100 آخرين، معظمهم من السياح الإسرائيليين، في طابا في شبه جزيرة سيناء المصرية. وفي اليمن، سقط مئات القتلى، وراح معظمهم ضحية إفراط قوات الأمن في استعمال القوة، حسبما ورد، خلال المصادمات مع أنصار حسين بدر الدين الحوثي، وهو رجل دين من الطائفة الزيدية.

وتعرض عشرات الأشخاص للاعتقال في شتى بلدان المنطقة للاشتباه في قيامهم بأعمال “إرهابية” أو في ارتباطهم بجماعات المعارضة المسلحة. وظل المئات، ممن قُبض عليهم في السنوات السابقة لأسباب مماثلة، رهن الاحتجاز محرومين من حقوقهم الأساسية. ووردت أنباء عن إجراء محاكمات جائرة لعشرات المشتبه فيهم ممن وُجهت إليهم تهم تتعلق “بالإرهاب” في المغرب والسعودية وتونس واليمن. واستمر التعذيب من بواعث القلق في الجزائر وليبيا وتونس، في إطار استخدام “الحرب على الإرهاب” لتبرير الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الجائرة.

كما واصلت الدول تعاونها في العمليات الأمنية، في إطار “الحرب على الإرهاب”. وورد أن المشتبه فيهم ممن اعتُقلوا لأسباب أمنية كانوا يُنقلون فيما بين إيران والسعودية واليمن ودول خليجية أخرى، دون اعتبار لما تتعرض له حقوق الإنسان من الأخطار في الدول المستقبلة لهم. وكان المحتجزون أو من تتسلمهم دول أخرى في إطار “الحرب على الإرهاب” يتعرضون لخطر الاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة والمحاكمة الجائرة. واستمرت دول المنطقة في تطبيق “الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب” الصادرة عام 1998، والتي لا تنص على ضمانات ضد التعذيب والمحاكمة الجائرة، وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان. وأُعيد عشرات المعتقلين، الذين أُفرج عنهم بعد أن احتجزتهم الولايات المتحدة في خليج غوانتانامو بكوبا وفي بلدان أخرى، إلى بلدانهم الأصلية، ومنها الكويت والمغرب واليمن.

حقوق المرأة والعنف ضد المرأة

زادت مناقشة حقوق المرأة على المستويات الرسمية وفي دوائر المجتمع المدني. وصدر في المغرب “قانون الأسرة” الجديد الذي أدى إلى تحسين الإطار القانوني لحقوق المرأة بصورة ملحوظة. وواصلت الجماعات النسائية والمنظمات غير الحكومية ممارسة الضغط لزيادة مشاركة المرأة في الحياة العامة، ولاتخاذ موقف أشد صرامة تجاه العنف ضد المرأة.

وفي العراق وإسرائيل والأراضي المحتلة، كان وقوع العنف ضد المرأة يرتبط ارتباطاً مباشراً بالصراع، وتفاقم العنف نتيجة سهولة الحصول على الأسلحة والتمزق الاجتماعي الذي نشأ عن الحرب. واستمر ارتكاب العنف في محيط الأسرة في شتى أنحاء المنطقة نتيجة تقاعس الدولة عن مواجهته، والتشريعات القاصرة القائمة على التمييز، والتعصب الاجتماعي. وكانت المرأة في إيران تواجه التمييز في المحاكم، كما شهد عام 2004 إعدام فتاة دون الثامنة عشرة من عمرها في أعقاب محاكمة اتسمت بالجور الصارخ، وربما لم تكن هذه هي الحادثة الوحيدة من نوعها.

اللاجئون والمهاجرون

كانت معظم بلدان المنطقة تفتقر إلى النظم القانونية اللازمة لحماية اللاجئين وطالبي اللجوء. وما زالت المصادقة على “اتفاقية اللاجئين” لعام 1951 أو على البرتوكول الملحق بها والصادر عام 1967 محصورة في نطاق ضيق، إذ كانت البلدان الأطراف فيهما تقتصر على الجزائر ومصر وإيران وإسرائيل والمغرب وتونس واليمن.

وأدت السياسات الرامية إلى فرض قيود على الهجرة في كثير من البلدان الأوروبية إلى دفع المهاجرين وطالبي اللجوء إلى الاستعانة بالمجرمين من مهربي البشر. وهلك كثيرون ممن حاولوا الهجرة واللجوء في حوادث بحرية، في غضون محاولات قواربهم عبور البحر المتوسط. وفي أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول، أقدمت إيطاليا على ترحيل مئات الأشخاص إلى ليبيا بموجب اتفاق ثنائي بين البلدين، وكان معظمهم ينحدرون من شمال إفريقيا، ولم يكن بوسعهم الانتفاع بحماية “المفوضية العليا لشـؤون اللاجئين” التابعة للأمم المتحدة، سواء في إيطاليا أو ليبيا. كما أقدمت ليبيا، في عدة مرات على امتداد عام 2004، على طرد أعداد كبيرة من الأشخاص وترحيلهم إلى بلدان قد يتعرضون فيها لمخاطر الانتهاكات الجسيمة لحقـوق الإنسان، دون أن توفر لهم سبل الاتصال بالمفوضية. وقالـت أجهزة الأمن الجزائرية إنها ألقت القبض خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2004 على 3500 شخص اشتبهت في أنهم مهاجرون بصورة غير مشروعة، وكان معظمهم من بلدان إفريقية. وفي إيران، كان فرض المصاريف الدراسية على تلاميذ المدارس الابتدائية وعدم تجديد تصريحات الإقامة للاجئين الأفغان سبباً دفع الكثيرين منهم إلى العودة إلى أفغانستان، وربما كان ذلك دون توافر الشروط الأساسية اللازمة للعودة حتى ينتظم مسارها وتصبح عودة آمنة كريمة.

أما اللاجئون الفلسطينيون، وهم من أكبر مجموعات اللاجئين في العالم، فقد استمرت مكابدتهم للمشاق في البلدان المضيفة لهم دون تلبية حقهم في العودة حتى الآن. وكانت الضغوط التي تتعرض لها موارد “وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى”، وهي موارد محدودة، سبباً في حرمان الكثيرين من تلقي المساعدة التي يحتاجون إليها. وما برح اللاجئون الفلسطينيون يواجهون مصاعب بالغة الشدة في لبنان، حيث أدت السياسات القائمة على التمييز إلى تقويض قدرتهم على كسب أرزاقهم، ووضعت قيوداً فعلية على إمكان حصولهم على حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.

العدالة والإفلات من العقاب وعقوبة الإعدام

ما زالت الدول في شتى أنحاء المنطقة لا تولي اهتماماً يُذكر لالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ كانت حالات القبض على الأشخاص واحتجازهم بصورة تعسفية، والتعذيب، وسوء المعاملة، والمحاكمات الجائرة، التي تجري أحياناً أمام محاكم استثنائية، من الأمور المألوفة التي تُمارس بصفة منتظمة. وفي الجزائر وإيران وليبيا وسوريا وتونس واليمن وغيرها من البلدان، دأبت السلطات على فرض قيود على حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، أو الانقضاض على المعارضين في حملات من حين لآخر؛ وكثيراً ما كان ذلك يؤدي إلى الزج بأشخاص في السجون لأسباب تجعلهم من سجناء الرأي. وظل النشطاء السياسيون يواجهون الاعتقال التعسفي أو السجن مدداً طويلة في أعقاب محاكمات جائرة في إيران وليبيا وسوريا.

وظل مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان يتمتعون بالإفلات الكامل من العقاب في معظم بلدان المنطقة. ومع ذلك، فقد شهدت المغرب إجراءً غير مسبوق في المنطقة، إذ شُكلت “هيئة الإنصاف والمصالحة” للنظر في حالات “الاختفاء” والاعتقال التعسفي التي وقعت خلال العقود السابقة.

واستمر إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها في شتى أرجاء المنطقة. فصدرت في ليبيا وغيرها من البلدان أحكام الإعدام بعد محاكمات جائرة. وظل إعدام الأطفال الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة بعد أمراً جائزاً في إيران. وشهدت لبنان انتكاسةً في هذا الصدد، حيث أُعيد فرض عقوبة الإعدام بعد التوقف عن تطبيقها فعلياً لمدة خمس سنوات، وذلك حين أُعدم ثلاثة أشخاص في مطلع العام. وشنّ نشطاء حقوق الإنسان حملة ضد إعادة العمل بعقوبة الإعدام في لبنان، وجرت مناقشات عامة حول عقوبة الإعدام في مصر وفي إطار المنظمات غير الحكومية الإقليمية المعنية بحقوق الإنسان.

الميثاق العربي لحقوق الإنسان
اعتمدت جامعة الدول العربية، في مايو/أيار، صورة منقحة من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، وهي صيغة معدلة من تلك الوثيقة الصادرة عام 1994 . وانتفع الميثاق بالاقتراحات المقدمة من المنظمات غير الحكومية الدولية والإقليمية إلى لجنة من الخبراء شكلتها الجامعة. وكانت منظمة العفو الدولية قد قدمت توصيات بشأن القيود المفروضة على بعض الحقوق والانتقاص من بعضها، وبشأن عقوبة الإعدام، والتعذيب، وحقوق المرأة، واستقلال القضاء، وحرية التعبير، وقد انعكس الكثير من هذه التوصيات في النص النهائي الذي اعتمدته الجامعة. ومع ذلك، فقد استمر القلق بشأن بعض أحكام الميثاق الجديد التي لا تتسق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن بينها أحكام تنص على جواز إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها في القاصرين إذا كانت القوانين الوطنية تسمح بذلك، وعلى جواز التحلل من تلبية حق الحياة في حالة الطوارئ. وبالإضافة إلى ذلك، فقد التزم الميثاق الصمت إزاء موضوع العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة، رغم أنه نص على حظر التعذيب.

المدافعون عن حقوق الإنسان

واصل دعاة حقوق الإنسان في شتى أرجاء المنطقة جهودهم في الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها. ومع انتشار المناقشات الجماهيرية حول حقوق الإنسان، ظهرت مجموعات جديدة لحقوق الإنسان في السعودية والإمارات، وظفرت منظمات حقوق الإنسان بالاعتراف الرسمي بها في الكويت.

ومع ذلك، فقد استمرت القيود المفروضة على أنشطة المدافعين عن حقوق الإنسان وجماعات حقوق الإنسان وحرية حركتها، وكانت تتعرض في معظم الدول للترهيب والمضايقات. ففي مصر، منعت السلطات بعض منظمات حقوق الإنسان من تسجيل نفسها رسمياً، ثم حاكمت بعض أعضائها بتهمة القيام “بأنشطة غير مشروعة”. وواصلت بعض الحكومات استخدام نظام العدالة الجنائية في مضايقة المدافعين عن حقوق الإنسان وتهديدهم وفرض القيود على أنشطتهم. وفي غضون عام 2004، تعرض بعض المدافعين عن حقوق الإنسان في الجزائر والبحرين وإيران والسعودية وسوريا للاعتقال التعسفي. وأُحيل كثيرون منهم إلى محاكم لا تفي بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة. وفي بعض الحالات، على نحو ما حدث في العراق مثلاً، لم توفر السلطات الحماية اللازمة للمناضلات في سبيل حقوق المرأة، وغيرهن من المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين تلقوا تهديدات بالقتل من بعض الأفراد أو المنظمات بسبب عملهم في مجال حقوق الإنسان.

المبادرات الإقليمية

في مارس/آذار، بدأت في العاصمة الأردنية عمَّان المبادرة الإقليمية المنبثقة عن الحملة العالمية التي تقوم بها منظمة العفو الدولية تحت شعار “أوقفوا العنف ضد المرأة”، حيث عُقدت ندوة حضرها مشاركون من شتى أرجاء المنطقة لمناقشة استراتيجيات الإصلاح القانوني اللازمة لتدعيم حقوق المرأة ووضع حد للعنف ضد المرأة. وعرضت منظمة العفو الدولية بواعث قلق محددة بشان تأثير التحفظات التي أبدتها غالبية بلدان المنطقة على “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”، وهي التحفظات التي تدعم التمييز ضد المرأة وتقوِّض حمايتها وتحررها من العنف.

وفي إبريل/نيسان، نظمت منظمة العفو الدولية مؤتمراً بعنوان “حقوق الإنسان للجميع” في العاصمة اليمنية صنعاء، بالتعاون مع “الهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات”، وهي منظمة يمنية. وكان من بين المشاركين عدد من المحامين الدوليين ومن أبناء المنطقة، ومن نشطاء حقوق الإنسان، وأقارب ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. ودعا المؤتمر الولايات المتحدة وحكومات دول الخليج إلى وضع نهاية لحالة التيه القانوني التي يعيش فيها المشتبه في أنهم “إرهابيون” والذين تحتجزهم الولايات المتحدة، بما في ذلك المحتجزون في أماكن سرية، وأن تتيح لهم الفرصة الكاملة للاتصال بالمحامين والأطباء والأهل واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وفي أعقاب ذلك، شُكلت “لجنة صنعاء” المكلفة بمتابعة نتائج المؤتمر وتنسيق تبادل المعلومات بين المعتقلين والمحامين والأهالي في مختلف البلدان.

الأمريكيتان

نظرة عامة على المنطقة في عام 2004

ظل احترام حقوق الإنسان يمثل وهماً للكثيرين، إذ إن الحكومات في شتى أرجاء الأمريكيتين لم تف بالتزاماتها بتعزيز حقوق الإنسان وإعلاء شأنها، فاستمر انتشار التعذيب، وأعمال القتل دون وج حق على أيدي الشرطة، والاعتقال التعسفي. واستمرت “الحرب على الإرهاب”، بقيادة الولايات المتحدة، في تقويض حقوق الإنسان باسم الأمن، على الرغم من ازدياد الاستياء على المستوى الدولي من الأدلة التي ظهرت على جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة، ومن بينها التعذيب، ضد المعتقلين.

وكانت المؤسسات الديموقراطية وسيادة القانون تتعرض للخطر في معظم بلدان أمريكا اللاتينية. وكان من شأن زعزعة الاستقرار السياسي التي يذكي لهيبها الفساد والجريمة المنظمة ومظاهر التفاوت الاقتصادي والقلقلة الاجتماعية، أن تؤدي إلى وقوع عدة محاولات للإطاحة بالحكومات، واتخذت معظم هذه المحاولات سُبُلاً دستورية، ولكن بعضها، على نحو ما حدث في هايتي، لم يلتزم بالخطوات الديموقراطية.

وقد تضررت الحقوق الأساسية للشعوب بصورة متزايدة مما ارتكبته الجماعات السياسية المسلحة والعصابات الإجرامية، وخصوصاً تلك التي تعمل في تجارة المخدرات، كما تضرر الملايين من الفقر والتمييز، وخصوصاً أشد الفئات عرضةً للضرر، كالنساء والأطفال والسكان الأصليين والجماعات المنحدرة من أصل إفريقي.

وبدت التطورات الإيجابية في الحملات النشطة التي واصل شنها المدافعون عن حقوق الإنسان، الذين هبّوا لمحاسبة الحكومات والجماعات المسلحة غير عابئين بالمضايقات والاضطهاد. وأصدرت المحاكم في عدة بلدان أحكاماً قربّت الأمل في محاكمة القادة العسكريين والسياسيين المسؤولين عن وقوع انتهاكات حقوق الإنسان الهائلة خلال العقود الماضية.

الأمن القومي و”الحرب على الإرهاب”

استمر التجاهل الصارخ للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في إطار “الحرب على الإرهاب”، وهو التجاهل الذي أصبحت معه مزاعم الرئيس الأمريكي جورج بوش بأن الولايات المتحدة هي النصير العالمي لحقوق الإنسان مجرد هزل يبعث على السخرية. فلقد أحسّ العالم بالصدمة عندما شاهد صور المعتقلين الذين حبستهم القوات الأمريكية وهم يتعرضون للتعذيب في سجن أبو غريب في العراق. وهكذا فإن جرائم الحرب في العراق، والأدلة المتزايدة على وقوع التعذيب وسوء المعاملة للمعتقلين الذين تحتجزهم الولايات المتحدة في بلدان أخرى، أرسلت رسالةً إلى العالم لا لبس فيها ولا غموض بأن حقوق الإنسان قد تذهب ضحية التشدق بالأمن.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، صدر قرار قضائي يطعن في رفض الرئيس بوش تطبيق أحكام اتفاقيات جنيف على أسرى الصراع الدولي المسلح في أفغانستان، الذين نُقلوا إلى القاعدة البحرية الأمريكية في خليج غوانتانامو في كوبا. وأدى القرار المذكور إلى إيقاف المحاكمات التي كانت تجريها هيئة عسكرية في غوانتانامو، وعلى الفور تقدمت الحكومة بطلب استئناف ذلك الحكم. واستمرت معاملة الإدارة الأمريكية للمعتقلين في إطار “الحرب على الإرهاب” في إثارة الحيرة البالغة في تفكير هيئات الخبراء، مثل “اللجنة الدولية للصليب الأحمر”، وحتى في تفكير أعلى هيئة قضائية في الولايات المتحدة نفسها. ورغم انقضاء ستة أشهر على إصدار المحكمة العليا حكمها بأن المحاكم الفيدرالية مختصة بالنظر في قضايا المعتقلين في غوانتانامو، فلم نشهد حتى الآن إحالة معتقل واحد إلى أي من تلك المحاكم. وكان المعتقلون الذين قيل إن لهم “قيمة استخبارية” عالية لا يزالون قيد الاحتجاز السري في أماكن لم يُصرّح بها، وكان أوضاع بعضهم بمثابة “اختفاء”.

وازداد المزج بين “الحرب على الإرهاب” و”الحرب على المخدرات”، بحيث سادتا العلاقات بين الولايات المتحدة وبلدان أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي. وما أن انتهت الانتخابات الرئاسية الأمريكية، في نوفمبر/تشرين الثاني، حتى بدأت إدارة الرئيس بوش في تشجيع حكومات تلك المنطقة على أن تعهد بدور أكبر للعسكريين في عمليات إقرار النظام العام والحفاظ على الأمن الداخلي. وكان تشويش الحدود الفاصلة بين مهام الجيش ومهام الشرطة هو ما حدا ببعض الحكومات، مثل البرازيل وغواتيمالا وهندوراس والمكسيك وباراغواي، إلى نشر القوات العسكرية لمواجهة الجريمة والاضطرابات الاجتماعية.

وضاعفت الولايات المتحدة الحد الأقصى لعدد الأفراد الذين أرسلتهم إلى كولومبيا للمشاركة في عمليات قمع التمرد وقمع تجارة المخدرات. واستمرت الحكومة الكولومبية بدورها في إعادة تعريف الصراع الداخلي الذي مضى عليه 40 عاماً واعتباره جزءاً من الحرب الدولية على “الإرهاب”.

الصراع والجريمة وعدم الاستقرار

ظل المدنيون في مقدمة ضحايا العنف السياسي. وكانت حقوق الإنسان في كولومبيا في وضع حرج، إذ تعرض المدنيون فيها لاعتداءات من جميع أطراف الصراع: من قوات الأمن، والجماعات شبه العسكرية التي يساندها الجيش، وجماعات المعارضة المسلحة. ورغم الاتفاق على وقف إطلاق النار وتسريح بعض المقاتلين، فقد ارتكبت القوات شبه العسكرية من جديد انتهاكات واسعة النطاق. وأدت سياسات الأمن التي وضعتها الحكومة إلى مزيد من الزج بالمدنيين في أتون الصراع.

وتوافرت أدلة جديدة على تسرب بعض آثار الصراع الداخلي في كولومبيا إلى البلدان المجاورة، إذ وردت أنباء اشتباكات حدودية متعددة في فنزويلا وإكوادور، حيث ازداد أعداد الفارين من كولومبيا طلباً للجوء فيهما.

واستمر تضرر فنزويلا من الاستقطاب وعدم الاستقرار السياسي معظم فترات العام، وانخفضت مستويات العنف ومظاهرات الاحتجاج فترةً قصيرةً بعد أن عجز الاستفتاء الشعبي عن زحزحة الرئيس هوغو شافيز عن منصبه، ولكن وفاة المدعي الخاص الشهير في حادث تفجير سيارته أثار المخاوف من تجدد العنف السياسي.

ووصل عدم الاستقرار الذي طال أمده في هايتي إلى مستويات الأزمة بعد أن نجحت انتفاضة عسكرية في الإطاحة بحكومة الرئيسي جان برتراند أريستيد. واستمرت أحداث العنف السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع رغم وجود قوة تابعة للأمم المتحدة من العسكريين ورجال الشرطة. وأسفر الإعصار الذي أصاب هايتي في سبتمبر/أيلول عن خسائر فادحة في الأرواح وأضرار بالغة بالمنشآت، وأدى ذلك بدوره إلى تفاقم زعزعة الاستقرار وانهيار سيادة القانون، الأمر الذي عاق توزيع معونات الإغاثة الدولية.

وأصدرت الأمم المتحدة تقريراً عن غواتيمالا تحذر فيه من أن عدم تحقيق إصلاحات فعالة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً قد يشجع على اندلاع الصراع.

وانتشرت المظاهرات الجماهيرية احتجاجاً على جرائم العنف، وخصوصاً جريمة الاختطاف، في مختلف أرجاء أمريكا اللاتينية. واستمرت مستويات الجريمة على ارتفاعها في مدن المكسيك والبرازيل، وفي بعض مناطق أمريكا اللاتينية حيث ساعد عليها الفقر المصحوب بسهولة الحصول على الأسلحة، وكذلك تركة الحروب الأهلية. وردت الحكومة على ذلك بإصدار تشريعات أشد صرامة كانت أحياناً تمثل انتهاكاً للضمانات الدستورية وضمانات حقوق الإنسان. ووردت أنباء عن تشكيل لجان أمن أهلية وأقدام الجماهير الغاضبة على شنق بعض من يُشتبه في إجرامهم دون محاكمة في بعض البلدان، ومنها غواتيمالا والمكسيك وبيرو، حيث استمر تدهور الثقة في قوات الأمن.

إفلات مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب

على الرغم من بعض النكسات، فقد استمرت الزيادة المطردة في قوة الدفع التي اكتسبتها الجهود المبذولة في شتى أنحاء الأمريكيتين للقضاء على الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ارتُكبت خلال العقود المنصرمة.

وقد صدرت سلسلة من الأحكام، ورُفعت بعض القضايا التي تستند إلى الولاية القضائية الدولية، والتي تدل على أن القادة العسكريين وقادة قوات الأمن، الذين ارتكبت القوات التابعة لهم انتهاكات لحقوق الإنسان، لن يستطيعوا الإفلات بعد الآن من المحاكمة. إذ أصدرت إحدى محاكم الأرجنتين أمراً دولياً بالقبض على الرئيس السابق لباراغواي، ألفريدو ستروسنر، بتهمة ضلوعه في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في إطار “عملية كوندور”، وهي خطة مشتركة للقضاء على معارضي الحكومات العسكرية في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين في الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وشيلي وباراغواي وأوروغواي. وأكدت المحكمة العليا في إسبانيا أن القضاء الإسباني مختص قانوناً بمحاكمة ضابط البحرية الأرجنتيني السابق أدولفو سيلينغو بتهمة ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في ظل الحكومة العسكرية ما بين عامي 1976 و1983 . وبعد انقضاء ما يربو على عشرين عاماً من وقوع الجرائم المشار إليها، وقف أحد الرؤساء السابقين لجهاز الاستخبارات في هندوراس متهماً في قضية مدنية رفعها عليه في المحاكم الأمريكية أقارب الذين تعرضوا للتعذيب والقتل من أبناء هندوراس في الثمانينيات من القرن الماضي.

كما حققت المحاكم الوطنية تقدماً يُعْتَدُّ به، رغم بطئه، في إلقاء الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي. فقد رفعت المحكمة العليا في شيلي الحصانة من المحاكمة عن الرئيس السابق أوغستو بينوشيه، الأمر الذي سمح بالشروع في الإجراءات القضائية ضده لمحاكمته عن انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في سياق “عملية كوندور”.

وفي البرازيل، أمرت المحكمة العليا الحكومة الفيدرالية بأن تفتح الملفّات الخاصة بالعمليات العسكرية التي نفذتها ضد جماعات المعارضة المسلحة في إقليم أراغوايا، بولاية بارا، أيام الحكم العسكري، وهو الأمر الذي قد يساعد الأقارب في نهاية المطاف على تحديد أماكن دفن ضحايا العمليات العسكرية.

وواصلت المحاكم العسكرية والشرطية زعمها بالحق في الولاية القضائية، على الرغم من التوصيات الصادرة عن الهيئات الدولية لحقوق الإنسان. ففي بوليفيا، رفض العسكريون مبدئياً الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية، والذي يقضي بوجوب اختصاص المحاكم المدنية بمحاكمة الضباط المتهمين بارتكاب جرائم ضد المدنيين. واستمرت في بيرو وكولومبيا إحالة قضايا انتهاكات حقوق الإنسان إلى المحاكم العسكرية على الرغم من حكم المحكمة الدستورية في كل من هذين البلدين بأن هذه المحاكم لا تختص قضائياً إلا بنظر الجرائم المرتكبة في “أثناء تأدية الواجب العسكري”. واستمرت المحاكم الشرطية في إكوادور تزعم اختصاصها القضائي بنظر قضايا الانتهاكات التي يرتكبها التابعون للشرطة، على الرغم من تأكيدات السلطات بأن المحاكم المدنية سوف تنظر تلك القضايا.

ولكن المحاكمة أمام المحاكم المدنية لم تضمن تحقيق العدالة على أي حال. إذ حكمت إحدى هذه المحاكم في كولومبيا، ورغم جميع الأدلة المقدمة إليها، بإسقاط التهم الموجهة إلى الجنرال السابق ريتو أليخو دل ريو، الذي كان متهماً بتشكيل جماعات شبه عسكرية غير قانونية ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان في التسعينيات من القرن الماضي.

وواصلت الولايات المتحدة ضغطها على الحكومات في المنطقة بأسرها حتى توافق على التوقيع على اتفاقات حصانة غير قانونية تحمي الأفراد الأمريكيين من التسليم إلى المحكمة الجنائية الدولية. ورفضت 12 بلداً توقيع هذه الاتفاقات، فأوقفت الولايات المتحدة إمداد عشرة منها بالمعونة العسكرية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، هدد الكونغرس الأمريكي بقطع المعونة الإنمائية عن البلدان التي رفضت التوقيع.

عقوبة الإعدام

واصلت الولايات المتحدة خرقها للمعايير الدولية لحقوق الإنسان بفرض عقوبة الإعدام على الجناة الأطفال، ومن يعانون ضروب العجز العقلي، والمتهمين الذين لا يملكون توكيل المحامين الذين يمثلونهم بصورة فعالة، والأجانب الذين حُرموا من حقوقهم القنصلية. وشهد عام 2004 تنفيذ حكم الإعدام في 29 شخصاً، بسبب النظام القضائي الذي يطبق هذه العقوبة ويتسم بالتعسف والتمييز والأخطاء. وتأجل تنفيذ حكم الإعدام الصادر على عدد من الأطفال المذنبين ريثما تصدر المحكمة العليا حكمها في قضية سجين ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه رغم أنه كان في السابعة عشرة من عمره عند ارتكاب الجريمة.
ولم تشهد منطقة البحر الكاريبي تنفيذ أي حكم قضائي بالإعدام، وإن كانت اللجنة القضائية التابعة للمجلس الملكي الخاص، والتي تمثل أعلى محكمة استئناف لمعظم بلدان البحر الكاريبي الناطقة بالإنجليزية، قد أحيت إمكان استئناف إعدام الأشخاص في ترينيداد وتوباغو بإلغائها القرار الذي يقول إن عقوبة الإعدام الإجبارية مخالفة للدستور. وقد قضت اللجنة أيضاً بأن أحكام الإعدام الإجبارية المفروضة على مرتكبي جناية القتل العمد، وهي الجناية التي تستوجب هذه العقوبة، تمثل انتهاكاً لدستور جامايكا، وأمرت بإجراء جلسات أخرى لإصدار عقوبات مختلفة على السجناء الذين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في جامايكا، وقضت كذلك بأن عقوبة الإعدام الإجبارية تتفق مع الدستور في بربادوس.

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

أظهرت المؤشرات الاقتصادية تحسناً في أمريكا اللاتينية في أعقاب فترة الكساد التي طال أمدها. ومع ذلك، فلم يبلغ النمو الحد الكافي لإحداث تأثير ملحوظ في مستويات الفقر. واستمرت أوجه التفاوت الشديد في الثروة، وفي التمتع بالحقوق الأساسية، مثل التعليم والصحة والمياه والكهرباء. وكان من وراء ضروب التفاوت دائماً عوامل عنصرية وعرقية، خصوصاً بالنسبة للسكان الأصليين، والسكان المنحدرين من أصول إفريقية، وهم من أفقر الفئات في هذه المنطقة.

وتفيد دراسة أجرتها الأمم المتحدة عن انتشار مرض الإيدز وحاملي فيروسه أن منطقة البحر الكاريبي تشغل المرتبة الثانية بين أكثر المناطق إصابة به في العالم. وتشير الدراسة إلى أن بعض المواقف الاجتماعية، مثل كراهية ذوي الميول الجنسية المثلية ومثل الوصمة التي يُوصم بها المريض، من العوامل التي تساهم في انتشار الوباء.

وأدت شدة العنف السياسي وعدم الاستقرار في هايتي إلى تفاقم الحرمان الذي طال أمده من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحرمان من المرافق الصحية بعد أن اتخذ انهيار الأحوال الصحية أبعاد الأزمة.

واستمرت النزاعات الناشبة حول الأراضي وشروط العمل في المزارع الكبيرة في إذكاء لهيب الصراعات الطويلة الأمد وانتهاكات حقوق الإنسان في بعض البلدان، مثل بوليفيا والبرازيل وشيلي وغواتيمالا وباراغواي. وسقط بعض القتلى من المتظاهرين ومن رجال الشرطة عندما أدت مطالبة أسر المزارعين المعدمين بالانتفاع بالأراضي إلى اصطدامها بكبار الملاك الذين تؤيدهم قوات الأمن أو يستعينون بمأجورين مسلحين.

وبحلول نهاية عام 2004، كانت حكومات أمريكا الوسطى والجمهورية الدومينيكية قد وافقت على اتفاق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وأعربت جماعات المجتمع المدني عن القلق بشأن عدم توافر ضمانات لحقوق العمال، ولحماية البيئة، ولاستمرار إمكانية الحصول على الأدوية بأسعار في متناول أيدي العامة. وفي ديسمبر/كانون الأول، وقعت 12 دولة في أمريكا الجنوبية اتفاقاً لإنشاء كتلة سياسية واقتصادية إقليمية.

العنف ضد المرأة

ظلت النساء والفتيات يتعرضن فعلياً لخطر انتهاكات حقوق الإنسان في شتى أرجاء الأمريكيتين. وكانت “اتفاقية الدول الأمريكية لمنع العنف ضد المرأة والقضاء عليه ومعاقبة مرتكبيه”، والتي مر عليها عشر سنوات، قد صادق عليها عدد من الدول يفوق عدد من صادق على أية اتفاقية أخرى لحقوق الإنسان في تلك المنطقة. ولم يكن قد تقاعس عن المصادقة إلا كندا والولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد تجاهلت الحكومات في شتى أرجاء المنطقة أحكامها إلى حد كبير، واستمر تعرض المرأة للعنف، لكونها امرأة، وبصفة دائبة، في المنزل وفي المجتمع.

وأصدرت الأمم المتحدة تقريراً عن أحوال المدن في العالم يقول إن أمريكا اللاتينية بها أعلى نسبة تعرض لأخطار الاعتداء الجنسي، ويُصنف نحو 70 بالمئة من الحوادث التي أُبلغ عنها بأنها حالات اغتصاب أو محاولة اغتصاب أو أذى جنسي. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها السلطات المكسيكية، فقد سقط المزيد من النساء قتلى في ولاية تشيهواهوا. وأدت الوحشية البشعة التي اتسمت بها جرائم قتل النساء في غواتيمالا إلى تزايد القلق على الصعيد الدولي.

وتتعرض المرأة للخطر بصفة خاصة في حالات الصراع. ففي كولومبيا، قامت جميع أطراف الصراع بارتكاب العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، بما في ذلك الاغتصاب وتشويه الأعضاء التناسلية. وكان الهدف من اضطهاد المرأة بث الرعب في القلوب، والانتقام من الخصوم، وجمع “غنائم الحرب”.

وازداد الوعي بتأثير الاتجار بالبشر في الأمريكيتين على حقوق الإنسان، وخصوصاً حقوق النساء والفتيات. وتفيد الدراسة التي أجرتها “منظمة الدول الأمريكية” أن عدد الذين “يُتاجر بهم” سنوياً عبر بلدان أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي يزيد على 100 ألف رجل وامرأة وطفل، وأن نسبة النساء من بينهم تبلغ 80 في المئة، معظمهن لأغراض الاستغلال الجنسي.

المدافعون عن حقوق الإنسان

شَنَّ نشطاء حقوق الإنسان في شتى أرجاء الأمريكيتين حملات قوية من أجل حمل الحكومات والجماعات المسلحة على تنفيذ التزاماتها باحترام المعايير المحلية والدولية لحقوق الإنسان.

وحظيت المناضلات في سبيل حقوق المرأة بالثناء في كولومبيا على جهودهن من أجل الآلاف من ضحايا الصراع الأبرياء وإشراك المرأة بصورة فعَّالة في مفاوضات السلام وفي الحياة السياسية. وتولى النشطاء المدافعون عن حقوق السكان الأصليين في إكوادور رفع لواء حقوق أبناء جلدتهم في الدفاع عن مصادر أرزاقهم أثناء النزاعات الناشبة حول استخراج الموارد الطبيعية. ورغم العداء والتعصب الذي أبداه الجمهور، فلقد ازداد الاعتراف والتأييد الذي تبديه منظمات حقوق الإنسان على المستوى الدولي لجهود النشطاء المدافعين عن الحقوق الجنسية في جامايكا وهندوراس من أجل تحقيق المساواة في الحقوق والوقاية من مرض الإيدز ومن الإصابة بفيروسه.

وكانت الصعوبات والأخطار التي يواجهها النشطاء في الأمريكيتين تتراوح ما بين التخويف وفرض القيود على السفر، وبين الاتهامات الباطلة بوجود صلات لهم مع “الإرهابيين” أو بغير ذلك من أنشطة العنف، وبين الاعتقال التعسفي والتهم الجنائية الزائفة، بل والقتل كذلك. إذ تعرض للقتل نشطاء يكافحون محلياً في سبيل تنمية الريف والقضاء على فقر أبنائه، وكثيراً ما يكون ذلك في مناطق منعزلة، وكذلك بعض الصحفيين الذين يغطون أنباء قضايا معينة مثل الفساد، في البرازيل وكولومبيا وغواتيمالا والمكسيك.

وعلى المسرح الدولي، أبدت الحكومات التزامها بتأييد عمل نشطاء حقوق الإنسان. ومع ذلك فقد قوَّضت بعضها مصداقية ذلك الالتزام، وذلك بأن سمحت لبعض كبار المسؤولين الحكوميين بالإدلاء بتصريحات تتضمن الافتراء على العاملين من أجل حقوق الإنسان، دون أن تدينها. وكثيراً ما كان الرفض أو التجاهل هو مصير المناشدات التي تتقدم بها إلى السلطات المناضلات في سبيل حقوق المرأة من أجل النظر بجدية في بواعث قلقهن ومقترحاتهن.

ولم تستجب إلا حكومة واحدة، هي حكومة البرازيل، للطلب الذي قدمه الممثل الخاص للأمم المتحدة المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان، بالاشتراك مع منظمة العفو الدولية، ويقضي بأن تضع الحكومات وتنشر وتطبق الخطط الكفيلة بتنفيذ “إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان”.

المبادرات الإقليمية

قامت منظمة العفو الدولية، أثناء انعقاد مؤتمر القمة الذي جمع بين الاتحاد الأوروبي وبلدان أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي في مايو/أيار، بعرض بواعث قلقها بشأن استغلال النظام القضائي في اضطهاد المدافعين عن حقوق الإنسان. وشارك مندوبون من الأمانة الدولية لمنظمة العفو الدولية ومن فروعها في المنطقة في المنتدى الاجتماعي الإقليمي للأمريكيتين الذي عقد في كيتو، بالإكوادور، في أغسطس/آب. وفي الشهر نفسه، شاركت منظمة العفو الدولية أيضاً في ندوة التشاور الثالثة للمدافعين عن حقوق الإنسان في سان باولو بالبرازيل.

إفريقيا

نظرة عامة على المنطقة في عام 2004

استمرت الصراعات المسلحة في إحداث دمار واسع النطاق في العديد من مناطق إفريقيا في عام 2004، وكانت انتهاكات حقوق الإنسان تُذكي لهيب الكثير منها، وكان اللاجئون والنازحون داخلياً يواجهون أحوالاً مروعة، واتخذ المجتمع الدولي بعض المبادرات لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات. وعلى امتداد إفريقيا كلها انتشر التمييز ضد المصابين بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) أو الحاملين لفيروسه، والذين كان القسم الأعظم منهم يعانون من حرمان حقهم في الرعاية الطبية. وانتشر القمع السياسي وتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان للعدوان. وتفاقم العنف ضد المرأة بسبب الفقر والعجز عن التمتع بالرعاية الصحية والتعليم.

وشرعت في العمل المؤسسات الإقليمية التي أُنشئت لضمان احترام حقوق الإنسان أو للقيام ببعض مهام الحفاظ على السلام، أو للحيلولة دون اندلاع الصراعات أو لحلها. وبالإضافة إلى ذلك، بدأ في يناير/كانون الثاني سريان البروتوكول الملحق “بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب”، والخاص بإنشاء محكمة إفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. ومع ذلك فلم يكتمل إنشاء المحكمة بسبب فترات التأخير الطويلة التي نتجت عن القرار الذي اتخذه مجلس الاتحاد الإفريقي بضم المحكمة إلى محكمة العدل الإفريقية.

وأعادت الحكومات تأكيد التزاماتها بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، ومع ذلك فقد أدى عدم الوفاء بالوعود، وضعف نظم العدالة الجنائية أو تهالكها، والفساد، والاستغلال غير المشروع للموارد، إلى حرمان الكثيرين من الحقوق الأساسية.

الصراع المسلح

استمر انتشار حالات القتل والاختطاف والاغتصاب من جانب القوات الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة في الصراعات المسلحة الدائرة في جمهورية الكونغو الديموقراطية والصومال والسودان وأوغندا. أما التقدم الذي أُحرز في تنفيذ عدد من اتفاقات السلام فقد استمر افتقاره إلى الصلابة في بوروندي، وساحل العاج والصومال، إذ لم يتوقف اندلاع أحداث العنف بصورة متقطعة في مناطق محدودة.

وأعرب الطرفان المشاركان في الحرب بين الشمال والجنوب في السودان عن التزامهما بالتوصل إلى اتفاق شامل بحلول نهاية 2004، وكانا قد انتهيا من التوقيع على الاتفاق بالمشاركة في الثروة والسلطة وإعداد ترتيبات الأمن المؤقتة. وكان مما يتناقض تناقضاً شديداً مع مفاوضات السلام المذكورة تعرض الآلاف للقتل أو الاغتصاب في الصراع المتصاعد في إقليم دارفور، غربيّ السودان، وطرد مئات الآلاف من ديارهم، وكانت قوات الميليشيات التي تساندها الحكومة مسؤولة عن تشريد الكثيرين منهم، كما كانت شتى القوات المتحاربة تقوم بصفة منتظمة بخرق اتفاقات وقف إطلاق النار.

وشهدت الصومال، في المراحل الأخيرة من عملية المصالحة الرامية إلى وضع حد لما استمر على ما يربو من عقد كامل من انهيار الدولة وعنف من جانب الفصائل، تعيين رئيس جديد للجمهورية وقيامه بتشكيل حكومة، إلى جانب تأسيس برلمان منتخب. وقد عُيّن معظم زعماء الفصائل أعضاء في الحكومة الجديدة.

واستمر اضطراب الأوضاع في شرقيّ جمهورية الكونغو الديموقراطية، إذ واصلت الجماعات السياسية المسلحة ارتكاب أعمال القتل والاغتصاب وغيره من صور تعذيب المدنيين، وكانت أحياناً ما تستأنف القتال مع القوات المنافسة لها. وكان الدعم المباشر الذي تتلقاه الجماعات المسلحة من البلدان المجاورة عاملاً ساهم في استمرار زعزعة الاستقرار.

واتسع نطاق الدور الذي تنهض به بعثات حفظ السلام في إفريقيا على امتداد عام 2004، فتحولت بعثة الأمم المتحدة في ساحل العاج وبعثة الاتحاد الإفريقي في بوروندي إلى بعثتي لحفظ السلام تابعتين للأمم المتحدة، وأُرسلت قوات جديدة لتدعيم بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديموقراطية. وأرسل مجلس السلام والأمن الإفريقي قوة إلى دارفور تتمتع بصلاحية حماية المدنيين. ولكن على الرغم من زيادة وجود قوات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في الميدان، فقد استمرت في كثير من الأحيان أوجه القصور في حماية المدنيين في بوكافو، بجمهورية الكونغو الديموقراطية، أو في دارفور.

وما زال انتشار الأسلحة الصغيرة في المنطقة من الأسباب الرئيسية لانتهاكات حقوق الإنسان، وأعلن مجلس الأمن الدولي فرض حظر على توريد الأسلحة لجميع القوات غير الحكومية في دارفور، دون أن ينشئ الآليات الصحيحة اللازمة للرقابة، كما إن الحظر لم يمتد ليشمل الحكومة السودانية، على الرغم من مسؤوليتها المباشرة عن انتهاكات حقوق الإنسان. كما أعلن مجلس الأمن حظر توريد الأسلحة إلى ساحل العاج دون أن يضمن، هنا أيضاً، وجود الرقابة الكافية.

وبانتهاء الصراعات المسلحة بدأت عودة اللاجئين، أو بدأ التخطيط لها، وعلى نطاق واسع، إلى ديارهم. ففي بوروندي وليبيريا، قامت “المفوضية العليا لشؤون اللاجئين” التابعة للأمم المتحدة بتسهيل إجراءات العودة الطوعية لمن يريد، واستمرت في أنغولا عودة آلاف اللاجئين إلى ديارهم. أما في البلدان التي تواجه استمرار وجود اللاجئين بها فترة طويلة، مثل تنزانيا، فكثيراً ما كان اللاجئون يواجهون ظروفاً معيشية متدهورة، وكانت الحكومات المضيفة ترفض قبول المزيد من اللاجئين، ومن ثم ازداد الضغط على اللاجئين للعودة.

وتسببت بعض الصراعات، مثل صراع دارفور، في نزوح أعداد هائلة من ديارها، وكان الاعتداء الذي وقع في أغسطس/آب على اللاجئين الكونغوليين في مركز عبور في بوروندي، والذي راح ضحيته 150 قتيلاً، دليلاً آخر على ضرورة تدعيم حماية اللاجئين والسكان المدنيين بصفة عامة.

العدالة الدولية

شهد العام تطورات مهمة في التصدي للإفلات من العقاب فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في غمار الصراعات المسلحة، باستخدام آليات العدالة الدولية.

فقد قامت حكومتا جمهورية الكونغو الديموقراطية وأوغندا بإحالة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والتي وقعت أثناء الصراعات المسلحة، إلى المحكمة الجنائية الدولية، فكانت هذه أولى القضايا التي يتولى التحقيق فيها أعضاء النيابة بالمحكمة. ولما كانت هذه المحكمة لا تستطيع أن تتولى التحقيق ورفع الدعوى إلا في عدد محدود من القضايا الفردية، فقد كانت الحاجة لا تزال قائمة إلى وضع خطط شاملة لوضع حد للإفلات من العقاب في جميع أمثال هذه الجرائم، بغض النظر عن الأطراف التي ترتكبها ومستوى مسؤولية مرتكبيها. واقترحت أوغندا في وقت لاحق معالجة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في شماليّ أوغندا من خلال أساليب المصالحة التقليدية، وإن كان من المحال التراجع عن القضايا التي سبق أن أحالتها الحكومة إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وبدأت المحكمة الخاصة لسيراليون في محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وغيرها من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي، بما في ذلك الاغتصاب، وسواه من أشكال العنف الجنسي والاسترقاق الجنسي. وكانت المحكمة قد سبق لها أن حكمت بأن العفو العام الذي منحه اتفاق لومي للسلام عام 1999 “لا يستطيع” أن يمنعها من محاكمة الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وأن تشارلز تايلور، الرئيس الليبيري السابق، لا يتمتع بحصانة تحول دون رفع الدعوى ضده. وظل تشارلز تايلور في نيجيريا، وهو المتهم بأنه “يتحمل أكبر قدر من المسؤولية” عن أحداث القتل والتشويه والاغتصاب وغيرها من الانتهاكات، من خلال دعمه لقوات المعارضة المسلحة في سيراليون، وقد منحته نيجيريا صفة اللاجئ إلى جانب ضمانات، على ما يبدو، بأنها لن تسلمه إلى المحكمة الخاصة أو تقدمه للمحاكمة في محاكم نيجيريا نفسها.

وتولت لجنة تحقيق مُشكلة بموجب قرار من مجلس الأمن التحقيق في أنباء انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان في دارفور، وكانت مهمتها تتضمن البت فيما إذا كانت قد وقعت أية صور من الإبادة الجماعية وتحديد مرتكبيها بهدف ضمان مساءلتهم.
وشكل المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة لجنة للتحقيق فيما ورد من أنباء القتل غير المشروع واستعمال القوة المتطرفة ضد المتظاهرين المعارضين للحكومة في ساحل العاج. ولم تكن لجنة التحقيق الدولية الأخرى، والتي تشكلت بموجب شروط اتفاق ليناس -- ماركوسيس للسلام عام 2003 في ساحل العاج، قد أعلنت بعد النتائج التي توصلت إليها تحقيقاتها في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة منذ سبتمبر/أيلول 2002، والتي اختتمتها في غضون عام 2004 . وكان من المقرر أن تتخذ الحكومة تقريرها أساساً لرفع الدعوى على المتهمين.

وبناءً على طلب مجلس الأمن، أُجري تقييم لجدوى تشكيل لجنة تحقيق قضائية دولية في بوروندي، على نحو ما رسم اتفاق أروشا للسلام في عام 2000 خطوطه العريضة، وسوف تقوم هذه اللجنة بالتحقيق وتحديد المسؤولية، وفقاً للقانون الدولي، عن الجرائم المرتكبة في الفترة التي انقضت ما بين الاستقلال وانتهاء الحكم الاستعماري وبين توقيع اتفاق السلام.

العنف ضد المرأة

استمر تعرض النساء والفتيات للاغتصاب وغيره من صور العنف الجنسي، على الرغم من انتهاء الصراعات المسلحة في جمهورية إفريقيا الوسطى وساحل العاج وليبيريا. وكانت هذه الانتهاكات تُستخدم في دارفور وشرقيّ جمهورية الكونغو الديموقراطية سلاحاً في الحرب ضد النساء والفتيات اللائي سبق لهن مكابدة العنف أعواماً طويلة. ولم تكن النساء يجدن ملاذاً آمناً حتى في مخيمات اللاجئين. وقد أدى انهيار نظام الرعاية الصحية في جمهورية الكونغو الديموقراطية إلى أن حرمت النساء اللاتي وقعن ضحية الاغتصاب من الرعاية الصحية، وهو ما أصابهن أحياناً بألوان مهلكة من الجروح والعدوى. وكان هذا النقص حتى في الرعاية الصحية الأساسية شائعاً في كثير من الدول الأخرى.

وتزايدت الأدلة على أن العنف المرتكب ضد المرأة في خضم الصراع والفترة التالية له لم يكن له دافع سوى كونها امرأة، وأنه يُعتبر صورة قصوى من صور التمييز والتفاوت بين الجنسين اللذين تعاني منهما المرأة في أوقات السلم. وكانت المرأة تتعرض يومياً لما يتهدد سلامتها الجسدية وينتقص من حقوقها الأساسية. وكان العنف الذي تواجهه المرأة في وقت السلم يساهم أيضاً في التقبل العام للعنف في إطار الأسرة. وكان من شأن القوانين التي تنطوي على التمييز، في نيجيريا وغيرها من البلدان، أن يضاعف من العنف داخل الأسرة والمجتمع.

وظلت فتيات ممن يعشن تحت خط الفقر يتعرضن لخطر التجنيد، رغم طفولتهن، والمشاركة في القتال، أو للضرب، أو الإرغام على الاسترقاق الجنسي، بل والقتل. وفي جمهورية الكونغو الديموقراطية، استمر إلحاق الأطفال بصفوف الجنود، على الرغم من اتجاه النية إلى تسريح الجيش، وإن لم يكن من المقرر استكمال تنفيذ ذلك قبل نهاية العام. وكانت برامج نزع السلاح وتسريح الجنود وإعادة انخراطهم في المجتمع تخلو من أية أحكام خاصة باللاتي عانين من العنف الجنسي.

عقوبة الإعدام

ألغت السنغال رسمياً عقوبة الإعدام. واستمرت دول أخرى في إيقاف تنفيذها عملياً. وفي نيجيريا، قام فريق قومي بدراسة عقوبة الإعدام، ودعا الحكومة إلى فرض فترة توقف عن إعدام الأشخاص وتخفيف جميع أحكام الإعدام الصادرة إلى السجن مدى الحياة بالنسبة للسجناء الذين انتهت المحاكم من نظر استئنافهم. وفي سيراليون، أوصت “لجنة الحقيقة والمصالحة” بالإلغاء الفوري لجميع القوانين التي تسمح باستخدام عقوبة الإعدام. ومع ذلك، فلم يمض وقت طويل حتى حُكم بالإعدام على عشرة أشخاص أُدينوا بتهمة الخيانة العظمى.

وعلى أية حال، فلقد ظل حكم الإعدام قائماً على عدد من السجناء في بعض البلدان، من بينها بوروندي وغينيا الاستوائية وكينيا وموريتانيا، وقد صدرت هذه الأحكام على غالبيتهم في أعقاب محاكمات جائرة. وحُكم على عدة مئات من الأشخاص بالإعدام في السودان في عام 2004 .

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

استمر تعرض إفريقيا لأحوال اقتصادية قاسية. وساهم انتشار الفساد على نطاق واسع والاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية في حرمان الكثيرين، وخصوصاً قطاعات السكان المهمشة، من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبصفة خاصة الحق في الغذاء والماء والصحة والإسكان والتعليم، إلى جانب التمتع بحقوقهم المدنية والسياسية، مثل الحق في المحاكمة العادلة، وتطبيق الإجراءات الفعالة للعدالة الجنائية.

وتعرضت بعض المجتمعات المحلية في زمبابوي، وبصورة منتظمة، للحرمان من الحق في الغذاء، وذلك إلى حد ما بسبب السياسات التمييزية للحكومة التي كانت تستخدم الغذاء أداةً من أدوات القمع السياسي. واستمر حرمان النساء والأطفال والمسنين والأقليات والمغتربين خصوصاً من التمتع بالحق في الرعاية الصحية إلى الحد الكافي في رواندا وجنوب إفريقيا وسوازيلاند، ومن حق الإسكان في أنغولا. وازداد الوعي بالمتطلبات الأساسية للمصابين بمرض الإيدز أو الحاملين لفيروس ذلك المرض، وتمكن هؤلاء تدريجياً من الحصول على العقاقير المضادة لذلك الفيروس من خلال البرامج الحكومية وبرنامج الصندوق العالمي. ومع ذلك، فقد ظلت الحاجة قائمة إلى بذل جهود كبيرة للتصدي للتمييز، والآثار الناجمة عن الفقر، وعن النقص الحاد في العاملين بالمهن الطبية باعتبارها من العقبات التي تحول دون التمتع بالحق في الصحة.

القمع السياسي

استمر تعدّي الحكومات على الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وظل هذا الحق خاضعاً للقيود التي يفرضها القانون في سوازيلاند. وعمدت الحكومة في ساحل العاج إلى تخويف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان من خلال استغلال أجهزة الإعلام المطبوعة. ولجأت الكاميرون وموريتانيا وزمبابوي إلى نشر قوات الأمن لقمع أي انشقاق أو معارضة للحكومة.

وأبرأت إحدى المحاكم زعيم المعارضة في زمبابوي، مورغان تسفانغاري، من تهمة خيانة الدولة، ولكن استقلال السلطة القضائية لا يزال موضع تساؤل في زمبابوي. وقد سمحت الحكومة لميليشيات الشباب في زمبابوي بالاعتداء على كل من ترى أنه يفتقد الحكومة، وهي بمنأى من العقاب.

وفي إريتريا، اعتقلت السلطات سرًّا الآلاف من منتقدي الحكومة والمعارضين السياسيين، وكان الكثيرون منهم في عداد سجناء الرأي. وكانت قد صدرت على بعضهم أحكام من محاكم يتكون أعضاؤها من ضباط في الجيش والشرطة، في جلسات مغلقة تنتهك المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة. ولم يُبلغ أحد ممن أُدينوا بالتهم الموجهة إليهم، كما حُرموا من حق الدفاع عن أنفسهم أو توكيل المحامين للترافع أمام تلك المحاكم، أو الرجوع إلى سلطة قضائية مستقلة للطعن في انتهاكات حقوقهم الأساسية.

وفي السودان، ألقت السلطات القبض على عدد من المعارضين السياسيين، ومن يُشتبه في أنهم من منتقدي الحكومة، والطلاب والنشطاء، واحتجزتهم بموجب “قانون قوات الأمن القومي” الذي يسمح بالاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي دون تهمة أو محاكمة مدة أقصاها تسعة اشهر. وقد ورد أن كثيرين من المعتقلين تعرضوا للتعذيب أو لسوء المعاملة أثناء احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي بموجب ذلك القانون.
وأدى تقاعس السلطات عن محاكمة أفراد قوات الأمن الذين اتُهموا بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، أو حامت الشبهات حولهم، إلى انتشار الإفلات من العقاب في بلدان كثيرة، كما أن عدم إجراء تحقيقات وافية ذات مصداقية في ادعاءات التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء أدى فعليّاً إلى إضعاف سيادة القانون.

المدافعون عن حقوق الإنسان

فرضت عدة حكومات قيوداً صارمة على عمل المدافعين عن حقوق الإنسان، وأتاح قانون المنظمات غير الحكومية في زمبابوي سلطات واسعة للحكومة تمكنها من التدخل في شؤون المجتمع المدني وجماعات حقوق الإنسان من خلال مجلس المنظمات غير الحكومية الذي عينت الحكومة أعضاءه. ويحظر القانون المذكور على هذه المجموعات الحصول على التمويل الأجنبي لعملها في مجال حقوق الإنسان، كما يحظر على منظمات حقوق الإنسان الأجنبية العمل في زمبابوي.

وفي رواندا، تعرض عمل إحدى المنظمات الرئيسية لحقوق الإنسان، وهي “الرابطة الرواندية لتعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها” للتصفية من الناحية الفعلية. وكانت هذه من المنظمات غير الحكومية الرواندية التي صدرت التوصية بحلّها استناداً إلى أنها ساندت جريمة الإبادة الجماعية، وذلك في أعقاب التحقيقات غير العادلة والمفتقرة إلى الشفافية التي أجرتها لجنة برلمانية.

وفي السودان، واصلت الحكومة إلقاء القبض على المدافعين عن حقوق الإنسان الذين كشفوا انتهاكات حقوق الإنسان، بدلاً من أن تحيل مرتكبيها إلى العدالة. وفي إثيوبيا، لم تسمح الحكومة لمنظمات حقوق الإنسان الوطنية بالعمل، ومنعت المنظمات الدولية لحقوق الإنسان من دخول البلد. وفي ساحل العاج، تعرض المدافعون عن حقوق الإنسان لاعتداءات بسبب تعبيرهم عن آراء اعتبرتها الحكومة بمثابة انتقاد لها.

وكان من التطورات الإيجابية قيام “اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب” بتعيين مقرر خاص لشؤون المدافعين عن حقوق الإنسان، ومع ذلك، فقد استمرت التحديات التي تواجهها اللجنة، ومن بينها نقص الموارد اللازمة لتنفيذ مهامها.

آسيا والمحيط الهادئ

نظرة عامة على المنطقة في عام 2004

لعبت حقوق الإنسان دوراً بارزاً في الانتخابات التي جرت في هذه المنطقة. وأدى تأثير بعض القضايا، مثل الفقر و”الحرب على الإرهاب” والإفلات من العقاب، على البرامج السياسية إلى تجدد الأمل في عودة التركيز على حماية حقوق الإنسان. ومع ذلك فقد ظلت بعض جيوب القمع الكبيرة قائمة، وتفشت فيها انتهاكات الحق في الحياة والحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات. واستمر وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان مع اندلاع الصراع المسلح في شمال شرقيّ الهند، وفي مقاطعة نانغرو أتشيه دار السلام في إندونيسيا، وفي نيبال. وأدى الصراع الذي برز أخيراً في جنوبيّ تايلند إلى إثارة القلق.

وحتى حين كان الجانبان المتنازعان يواصلان محاولاتهما لتسوية النزاع، على نحو ما حدث في الهند وباكستان فيما يتعلق بولاية جمو وكشمير، وفي شمال شرقي سري لنكا، وفي إقليم منداناو في الفلبين، فقد استمر ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان مراراً، ومن بينها ما ارتكبته جماعات سياسية مسلحة.

واستمرت “الحرب على الإرهاب” في حصد أعداد هائلة من أرواح البشر، ونشأت أخطار أخرى على أمن الإنسان من التهديدات النووية، وسباق التسلح الذي لا يهدأ، وانتشار الحرمان. وكان النساء والأطفال والسكان الأصليون والمغتربون يواجهون الفقر، والتمييز، وإضفاء الطابع السياسي على منح المعونات. وكان عدد النازحين داخلياً يزيد على مليون ونصف مليون شخص.

وفي نهاية العام وقع زلزال جبار، أدى إلى مد بحري (تسونامي) راح ضحيته أكثر من ربع مليون شخص في إندونيسيا وسري لنكا والهند وتايلند، وغيرها من البلدان التي تطل سواحلها على المحيط الهندي. وثارت مخاوف شديدة، خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق الإنسانية للجماعات المستضعفة التي تضررت من تسونامي.

الانتخابات والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية

كانت حقوق الإنسان هي العامل الذي حدد شكل برامج سياسية كثيرة أثناء الانتخابات في أفغانستان وأستراليا وكمبوديا والهند وإندونيسيا والفلبين وكوريا الجنوبية. ففي الهند، كان فقر أبناء الريف وإلغاء “قانون منع الإرهاب” من القضايا الرئيسية في المفاوضات بين الأحزاب المشاركة في أحزاب الائتلاف التي شاركت في الحكومة الجديدة التي شكلها “التحالف التقدمي الموحد”. وفي إندونيسيا، كان ترشيح الجنرال ويرانتو، قائد القوات المسلحة السابق، لرئاسة الجمهورية مثار انتقاد على المستوى الدولي بسبب الاتهام الذي وجهته إليه محكمة ترعاها الأمم المتحدة في تيمور الشرقية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ولم ينجح في الانتخابات.

وكانت بوتان وبروناي ومالديف من بين البلدان التي اتخذت خطوات مؤقتة على طريق الديموقراطية وزادت من حماية حقوق الإنسان. ومع ذلك، فقد استمر ورود أنباء عن قمع حقوق الإنسان. ففي مالديف، خرجت مظاهرات تطالب بزيادة سرعة إجراء الإصلاحات، وأدت إلى فرض حالة الطوارئ، والاعتقال الجماعي والاحتجاز التعسفي لعشرات من النشطاء السياسيين وأعضاء البرلمان، وإلى تردد مزاعم وقوع الاعتداءات الجنسية وغيرها من صور سوء المعاملة.

واستمر قمع المعارضة السياسية في عدد من البلدان، من بينها الصين ولاوس وميانمار وكوريا الشمالية وفيتنام. وأدت القواعد الجديدة المنظمة لاستعمال شبكة الإنترنت، والتي كثيراً ما كانت بالغة الصرامة، إلى تقييد حرية التعبير في الصين وفيتنام. ورغم دعوة مجلس الأمة للانعقاد من جديد في ميانمار، في مايو/أيار، وتغيير القيادة في أكتوبر/تشرين الأول، فقد استمر جمود الوضع السياسي الذي ساد منذ عام 1988 ونفي الأمل في زيادة حرية التعبير وتكوين الجمعيات. وحُرم مئات السجناء من حريتهم دون وجه حق، وكان من بينهم اثنان من زعماء “الرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية” وهما: داو أونغ سان سوكي، ويو تين أو، وذلك لقيامهم بأنشطة سلمية لا تُعتبر من الجرائم وفقاً للقانون الدولي. وأُطلق سراح الآلاف من السجناء في نوفمبر/تشرين الثاني، وذلك فيما يبدو لأنهم دخلوا السجن بسبب “تصرفات غير سليمة” من جانب المسؤولين. والمعتقد أن عدد السجناء السياسيين لم يكن يزيد عن 40 من هؤلاء، ولا يزال ما يربو على 1300 خلف القضبان، بعدما صدرت ضدهم أحكام في محاكمات جائرة، وأُدين كثيرون منهم بموجب تشريعات أمنية، وكثيراً ما كان ذلك بسبب ممارسة أنشطة سلمية وحسب.

وكان الإطار القانوني لحماية حقوق الإنسان في آسيا لا يزال على ضعفه. ولم تكن نظم العدالة الجنائية غير الفعالة قادرةً على أن تنصف بالصورة المطلوبة أشد الفئات تعرضاً للضرر، ومن بينها النساء والسكان الأصليون، وهي الفئات التي استمر العُسْر والتمييز يغلبان على واقعها. وفي بعض البلدان، مثل بنغلاديش وماليزيا وباكستان والفلبين، أدى الفساد في جهاز الشرطة إلى حرمان الناس من حماية حقوق الإنسان.

الصراع المسلح

ازداد عمق الأزمة المدنية والسياسية التي وقعت فيها نيبال. وعلى الرغم من الفحص الذي قامت به لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، لم تنشئ السلطات أية آليات مجدية لزيادة احترام حقوق الإنسان. وللعام الثاني على التوالي، كان أعلى رقم لحالات “الاختفاء” يصل إلى مسامع الأمم المتحدة هو الرقم الخاص بنيبال،.

وفي سري لنكا، وأثناء فترة الإعداد للانتخابات البرلمانية في إبريل/نيسان، قامت حركة “نمور تحرير تاميل عيلام” بقتل عديد من المرشحين والمناصرين للأحزاب السياسية المتنافسة.

وفي إقليم نانغرو أتشيه دار السلام في إندونيسيا، حيث خفّضت الحكومة حالة الطوارئ العسكرية رسميَّاً إلى حالة طوارئ مدنية، استمر نمط الانتهاكات الخطيرة للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وكانت قوات الأمن الإندونيسية تتحمل المسؤولية الأولى عن هذه الانتهاكات، وإن كانت “حركة أتشيه الحرة” قد ارتكبت أيضاً انتهاكات خطيرة، أهمها احتجاز الرهائن واستخدام الأطفال كجنود.

وفي تايلند، وقع حادث لفت نظر المجتمع الدولي إلى الصراع الناشئ بين قوات الأمن والجماعات المسلحة في المنطقة التي يتكون معظم سكانها من المسلمين في جنوب تايلند، ألا وهو وفاة ما لا يقل عن 78 متظاهراً بسبب اختناقهم عندما قامت الشرطة بتكديسهم فوق بعضهم البعض في شاحنات لنقلهم إلى الحجز. وتشير التقديرات إلى أن عدد من ماتوا من المدنيين، بوذيين ومسلمين، بلغ نحو 500 بحلول نهاية عام 2004 .

واستمر في الهند، وخصوصاً في ولاية جمو وكشمير وغيرها من الولايات في الشمال الشرقي، ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، رغم الخطوات المؤقتة التي اتُخذت لإقرار التسوية السلمية. وتعرض اتفاق وقف إطلاق النار في منداناو في الفلبين للانتهاك بين الحين والحين بسبب الاشتباكات بين قوات “جبهة تحرير مورو” الإسلامية، وهي منظمة انفصالية، وقوات الحكومة. وفي خضم القتال، الذي كثيراً ما كان يرغم الأهالي على مغادرة ديارهم، أقدم الجانبان على انتهاك القانون الإنسان الدولي، حسبما ورد، وهو ما تمثل في الاعتداءات التي شنتها القوات المسلحة دون تمييز وفي لجوء قوات “جبهة تحرير مورو” إلى استخدام “الدروع البشرية”.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أنها تسابق الزمن للحيلولة دون قيام جماعات “إرهابية” في آسيا بارتكاب “فاجعة نووية”. وفي جنوب آسيا، أدى تحسن العلاقات بين الهند وباكستان إلى إعلان البلدين، في يونيو/حزيران، توقفهما مؤقتاً عن إجراء تجارب نووية.

“الحرب على الإرهاب”

استمر الاعتداء على حقوق الإنسان في سياق “الحرب العالمية على الإرهاب”. ففي أفغانستان، احتُجز المئات من المشتبه في تعاطفهم مع حركة “طالبان” أو تنظيم “القاعدة” بصورة تعسفية مدداً طويلة في قاعدة باغرام الجوية وغيرها من المعتقلات التي تديرها القوات المسلحة الأمريكية. ونظراً لحرمان المحتجزين من العرض على السلطات القضائية، فقد استحال عليهم فعلياً التمتع بحماية القانون. وشنَّت الجماعات السياسية المسلحة هجمات على العاملين في مجالي تقديم المعونة وإدارة الانتخابات، مما أسفر عن مقتل 12 من موظفي الانتخابات وإصابة أكثر من 30 بجروح إبان حملة انتخاب رئيس الجمهورية. وفي باكستان، نفذ الجيش حملات اعتقال تعسفية، وما يُحتمل أن يكون عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، إلى جانب هدم المنازل بصورة متعمدة، وذلك أثناء العمليات التي استهدفت تطهير مقاطعة وزيرستان الجنوبية من كل من يُشتبه في ارتباطه بحركة “طالبان” أو تنظيم “القاعدة”. ووردت أنباء تفيد بأن الجماعات المسلحة احتجزت بعض الرهائن وأنها قتلتهم في بعض الحالات.

وفي جنوب شرقي آسيا، قتلت الجماعات المسلحة عدداً من المدنيين في هجمات في إندونيسيا والفلبين. واتهمت السلطات ستة أشخاص بتهم تتعلق بمقتل ما يزيد على مئة من ركاب معدية في خليج مانيلا بالفلبين، عندما انفجرت فيه قنبلة، في شهر فبراير/شباط. وقيل إن الستة من أعضاء منظمة “أبو سياف”، وهي جماعة إسلامية مسلحة انفصالية نفذت عمليات اختطاف، واتُهمت بأن لها صلة بتنظيم “القاعدة”. وكان معظم الضحايا في عدد من تفجيرات القنابل في إندونيسيا، بما في ذلك التفجير الذي تعرضت له السفارة الأسترالية، من المدنيين الإندونيسيين.

وأدت تشريعات الأمن السارية في عدد من البلدان إلى اعتقالات تعسفية ومحاكمات جائرة، على نحو ما حدث في الصين والهند وماليزيا ونيبال وباكستان. ففي إقليم “شينجيانغ أوغور” ذي الحكم الذاتي في الصين، استمر اعتقال أشخاص من طائفة “الأوغور”، التي يدين معظم أفرادها بالإسلام، للاشتباه في أنهم “انفصاليون وإرهابيون ومتطرفون دينيون”. كما أغلقت السلطات المساجد غير الرسمية وحظرت تداول بعض الكتب والصحف الصادرة بلغة “الأوغور”.
العنف ضد المرأة

كان تأثير الصراعات التي طال أمدها في هذه المنطقة شديداً على النساء والأطفال. ففي ولاية جمو وكشمير، كانت وحدة شبه عسكرية، هي “وحدة بنادق راستريا”، مسؤولة عن سلسلة من الاعتداءات الجنسية على النساء، حسبما ورد. وفي مانيبور في شمال شرقيّ الهند، أدى ما زُعم من تعرض شابة تُدعى ثانغجام مانوراما للاعتداء الجنسي والقتل أثناء وجودها في الحجز إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بإلغاء التشريعات الأمنية التي يسَّرت ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان على امتداد عقود طويلة. وشهدت لاوس حادثة من أبشع الحوادث التي وقعت في غمار الصراع الذي استمر ثلاثين عاماً، إذ ورد أن خمسة أطفال خرجوا يبحثون عن الطعام، ففاجأهم عدد من الجنود في كمين، وقيل إن عددهم ربما وصل إلى أربعين، فانقضوا عليهم وشوهوهم وقتلوهم، ويبدو أن أربعة من الأطفال، وكانوا فتيات تتراوح أعمارهن بين 13 و16 سنة، قد تعرضن للاغتصاب قبل قتلهن.

وصدر دستور جديد في أفغانستان ينص على المساواة بين الجنسين، إلا إن التمييز ضد المرأة ظل شائعاً في الواقع الفعلي. واتُّهمت كثير من السجينات بأنهن “هربن” من البيت، أو بارتكاب جرائم الزنا وما شابهها من الأنشطة الجنسية غير المشروعة خارج إطار الزواج. ولم تكن النساء اللائي يتعرضن للاغتصاب يتقدمن بشكاواهن إلى السلطات، وذلك بصفة أساسية خوفاً من أن يحاكمن بتهمة ممارسة أنشطة جنسية غير مشروعة.

وانتشرت على نطاق واسع ظاهرة إفلات مرتكبي العنف ضد المرأة من العقاب، سواء كان ذلك أثناء الصراعات المسلحة أو في محيط الأسرة. وكان من الأمثلة على ذلك تقاعس السلطات في جزر سليمان، على الرغم من المساعدة التي تلقتها من قوة التدخل الإقليمية التي يدعمها الجيش، عن محاكمة المسؤولين عن ارتكاب الاغتصاب وغيره من أعمال العنف الجنسي خلال الصراع المسلح في الفترة من عام 1998إلى عام 2003 .

اللاجئون والنازحون داخلياً والمهاجرون

استمر حرمان ملايين اللاجئين والنازحين داخلياً من حقوقهم. وكان اللاجئون العائدون إلى أفغانستان يواجهون فترات طويلة من القلق والبطالة وسوء أحوال السُّكنى وعدم إمكان انتفاعهم بالأراضي. وقد اهتم المجتمع الدولي بمحنة ما يربو على مليون ونصف مليون شخص شُردوا من ديارهم بسبب كارثة تسونامي، وعلى النقيض من ذلك لم يلتفت أحد إلى مشاكل مئات الآلاف من الأشخاص، في ميانمار ونيبال وسري لنكا، ممن أُرغموا على النزوح من ديارهم نتيجة الصراعات الداخلية واضطروا إلى نشدان السلامة في أماكن أخرى داخل أوطانهم.

وأدى الصراع الناشب في مقاطعة نانغرو أتشيه دار السلام في إندونيسيا إلى إرغام اللاجئين على الفرار إلى جاكرتا وخارج إندونيسيا، وخصوصاً إلى ماليزيا، وهي المقصد المفضل لكثير من الإندونيسيين الباحثين عن العمل. وهددت السلطات الماليزية بترحيل مئات الآلاف من المهاجرين في عملية جماعية واحدة، ثم مدّدت، في نوفمبر/تشرين الثاني، فترة العفو التي منحتها للاجئين، لتمكينهم من العودة طوعاً إلى بلدانهم الأصلية، ثم مددتها من جديد في أعقاب كارثة تسونامي.

وكثيراً ما كان اللاجئون في كوريا الجنوبية واليابان وبلدان آسيوية أخرى عديدة، يواجهون التمييز في الحصول على حقهم في المساواة والإسكان والرعاية الصحية وحقوق العمل.

عقوبة الإعدام

ما برحت آسيا هي القارة التي شهدت أكبر عدد من حالات الإعدام التي وردت أنباؤها، وكانت الصين وسنغافورة وفيتنام تتصدر القائمة. ففي الصين، التي تتسم بنقص الضمانات الفعالة اللازمة لحماية حقوق المتهمين، استمر تنفيذ حكم الإعدام في أعداد كبيرة من الأشخاص في أعقاب محاكمات جائرة. وفي أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت السلطات اتخاذ إصلاحات تهدف إلى حماية حقوق المشتبه فيهم جنائياً والمتهمين، بما في ذلك إعادة العمل بنظام عرض القضايا التي يُحكم فيها بالإعدام على المحكمة العليا، إلا إنه لم يتضح بعد موعد اتخاذ هذه التدابير.

وكانت إندونيسيا من بين البلدان التي استأنفت تنفيذ أحكام الإعدام بعد التوقف عدة سنوات، حيث أعدمت ثلاثة أشخاص في عام 2004، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2001 . وفي إبريل/نيسان، نُفذ حكم بالإعدام في أفغانستان للمرة الأولى منذ سقوط حكم “طالبان”، على حد علم منظمة العفو الدولية. كما شهدت الهند أول حالة إعدام منذ عام 1997، وسط مظاهرات جماهيرية عمت أرجاء البلاد، وتلت ذلك استقالة الجلاد. ولفتت أصوات الاحتجاج الصاخبة الأنظار إلى أنه سبق تخفيف حكم الإعدام الذي صدر في قضايا مماثلة في الماضي.

وكانت بوتان من البلدان القليلة التي سارت في عكس هذا الاتجاه السلبي إذ ألغت عقوبة الإعدام بنص القانون. ويتزايد الأمل في أن تؤدي المناقشات العامة إلى تقليص نطاق تطبيق عقوبة الإعدام في الفلبين وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتونغا.

المدافعون عن حقوق الإنسان

تعرض المدافعون عن حقوق الإنسان في هذه المنطقة لأخطار المضايقة والاعتقال التعسفي والتهديد بالقتل. ففي نيبال، كانت أرواح النشطاء وأفراد أسرهم كثيراً ما تتعرض للخطر من جانب طرفي النزاع، إذ كان المحامون وأعضاء منظمات حقوق الإنسان و”اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان” يتلقون أثناء ممارسة عملهم تهديدات عبر مكالمات هاتفية من مجهولين، يُعتقد أنهم من أفراد الجيش أو ممن لهم علاقة وثيقة بالجيش.

واستمرت السلطات الصينية في توجيه اتهامات القيام بالتخريب أو ارتكاب جرائم غامضة التعريف ضد الأمن القومي، إلى من يمارسون النشاط السلمي من نشطاء المجتمع المدني ودعاة الإصلاح. وكان المحامون والصحفيون والنشطاء المدافعون عن مرضى الإيدز وحاملي فيروسه، وكذلك في سبيل حقوق الإنسان، من بين الذين تعرضوا للمضايقات أو الاحتجاز أو السجن بسبب قيامهم بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، أو النضال من أجل الإصلاح، أو محاولة الانتصاف للذين تعرضت حقوقهم للانتهاك. وتعرض لي دان، وهو من النشطاء المدافعين عن مرضى الإيدز، للاحتجاز فترة قصيرة، كما قام مجهولون بالاعتداء عليه وضربه بعد إطلاق سراحه. وأغلقت السلطات المحلية مؤخراً المدرسة التي كان يديرها للأطفال اليتامى من أبناء مرضى الإيدز في مقاطعة هينان، التي ورد أن نحو مليون شخص فيها أُصيبوا بفيروس الإيدز بعد أن باعوا بلازما دمائهم إلى مراكز جمع الدم التي ترعاها الحكومة.

وقد حشد نشطاء حقوق الإنسان في المنطقة صفوفهم متجاوزين الحدود الوطنية، وخصوصاً لمواجهة ما ينجم عن “الحرب على الإرهاب” من آثار على حقوق الإنسان. واستضافت آسيا عدة مؤتمرات دولية عن حقوق الإنسان. ففي المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي عُقد في يناير/كانون الثاني في مومباي بالهند، ناقش عشرات الآلاف من النشطاء تأثير “الحرب على الإرهاب” والعولمة على حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. وشهدت مدينة سول في كوريا الجنوبية، في سبتمبر/أيلول، مؤتمراً ضمَّ ممثلي مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية من شتى أنحاء العالم حيث ناقشوا ضرورة حماية حقوق الإنسان في سياق “الحرب على الإرهاب”. وفي مؤتمر إقليمي عقدته هذه المؤسسات في كاتاماندو في نيبال، في فبراير/شباط، بحث أعضاء منتدى آسيا والمحيط الهادئ للمؤسسات المذكورة قضية “الإرهاب وسيادة القانون”، وشمل البحث كذلك تقريراً مرحلياً مرفوعاً من المجلس الاستشاري لفقهاء القانون.

التعليقات مغلقة