قضية سجن تدمر
منشور بواسطة admin في منظمة العفو الدولية, tags: التعذيب, التقارير سنوية 2004, منظمة العفو الدولية2006قضية سجن تدمر -- منظمة العفو الدولية -الجـمـهـوريـة الـعـربـيـة الـسوريـة -تقرير موجز إلى لجنة حقوق الإنسان -- مارس/آذار 2001
رقم الوثيقة: MDE 24/001/2001
INTERNATIONAL SECRETARIAT, 1 EASTON STREET, LONDON WC1X 8DW, UNITED KINGDOM
Syria: Briefing to the Human Rights Committee
قضية سجن تدمر
يقع سجن تدمر العسكري بالقرب من مدينة تدمر القديمة في صحراء حمص على بعد حوالي 250 كيلومتراً إلى شمال شرق دمشق.
ويخضع السجن لإدارة الشرطة العسكرية.
وطوال سنوات عديدة وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطاً للتعذيب وسوء المعاملة يبدو أن سجن تدمر ينفرد به.
كما وثقت منظمة العفو الدولية نمطاً للسجناء السياسيين الذين يُرسلون إلى سجن تدمر كإجراء عقابي.
وتلقت منظمة العفو الدولية آخر هذه التقارير في العامين 1996 و1998 عندما نُقلت مجموعتان من السجناء السياسيين، ومن بينهم سجناء الرأي، إلى تدمر بسبب رفضهم على ما يبدو التخلي عن انتمائهم السياسي أو الموافقة على الإفراج المشروط عنهم.
وبحسب الأنباء التي تلقتها منظمة العفو الدولية، فإن “حفلات الاستقبال” التي “تقام” في تدمر هي من بين أكثرها وحشية.
ويشكل الوصف التالي “لحفلة الاستقبال” في تدمر التي كانت تقام في الثمانينيات والذي أعطاه معتقل سابق نموذجاً للإفادات التي تلقتها منظمة العفو الدولية على مر السنين.
“وصلت بنا الحافلة إلى سجن تدمر حيث كانت الشرطة العسكرية بانتظارنا… وكان السجانون يمسكوننا حتى نستطيع النزول من السيارة (يكون السجناء عادة معصوبي الأعين عند نقلهم من مكان إلى أخر)، وكان الجميع يحملون السياط بأيديهم وينهالون علينا بالضرب بكل قسوة ووحشية، حتى أننا نزلنا جميعاً من الحافلة، وقاموا بفك القيود والغمامات الموضوعة على أعيننا، ثم اقتادونا إلى باحة يطل منها موظفو السجن علينا، حيث تم تسجيل أسمائنا.
وأثناء كل ذلك كنا نتعرض للجلد من جميع الجهات.
ثم اقتادونا عبر باب حديدي إلى ما يُعرف بباحة التعذيب قام رجال الشرطة العسكرية بخلع جميع ثيابنا وتفتيشها طبعاً، وجاءوا بنا فرداً فرداً إلى الدولاب، حيث ضرب كل شخص حوالي 200 إلى 400 سوطاً على قدميه، وأما باقي الشرطة فقد كانوا مشغولين بضرب بقية السجناء على ظهورهم وبقية أنحاء الجسم حتى انتهى الجميع من الضرب.
وبعد ذلك وضعنا في طابور صغير وأمسكنا بثياب بعضنا البعض ورؤوسنا منحية إلى الأسفل، وأعيننا مغمضة، وسرنا إلى داخل السجن، ثم وصلنا إلى الباحة الرابعة وبعدها تم فتح إحدى الزنزانات حيث أدخلنا فيها، طبعاً طوال هذه المدة كانت السياط تنهال علينا من كل جانب حتى أغلق باب الزنزانة.
وكان الجميع بحالة سيئة، الأرجل مدماة وفيها الكثير من الجروح وكذلك جميع أنحاء الجسم.
الآلام شديدة ولا يستطيع أحد من السجناء الوقوف، وإذا وقف فإن أرجله لا تساعده على ذلك من شدة الألم، وإذا حاول النوم فإنه لا يستطيع أن ينام إلا على جنبه، حيث أن الظهور كانت ملىء بالجروح.
وقد قتل بعض السجناء في حفلة الاستقبال.”
ويظل العديد من السجناء يلقى المعاملة السيئة طوال فترة سجنهم اللاحق.
وورد أن المعاملة السيئة في تدمر منتظمة ومتكررة، وتهدف إلى ترهيب المعتقلين وإذلالهم.
وذكر سجناء سابقون لمنظمة العفو الدولية أنهم تعرضوا للضرب والجلد وغير ذلك من ضروب المعاملة السيئة طوال الفترة التي قضوها في السجن.
وقالوا إن المعتقلين كانوا يتعرضون للضرب بصورة مألوفة كلما دخلوا إلى زنزاناتهم أو خرجوا منها، أحياناً وهم عراة.
وعندما تقدم لهم وجبات الطعام ثلاث مرات يومياً، كان المعتقلون يتعرضون للجلد والركل واللكم والصفح، وكان يتم إطفاء السجائر على أجزاء حساسة من أجسادهم.
ويقترن كل ذلك عادة بالإهانات أو التهديدات.
كذلك تُساء معاملة المعتقلين بشكل روتيني خلال فترة التمارين اليومية (التنفس) التي تدوم زهاء نصف ساعة.
ويقتادون إلى باحات السجن ويؤمرون بالركض حولها حفاة القدمين وفي الوقت ذاته يجلدهم حراس السجن المشرفين على التمارين على ظهورهم أو أرجلهم.
ويجبرون على الزحف على بطونهم ومرافقهم تلامس الأرض وأيدهم فوق آذانهم ورؤوسهم مطأطئة.
كما يجبرون على الاستلقاء ورفع أرجلهم لضربهم عليها، أحياناً حتى تنـزف دماً.
وعوض ذلك، يجبرهم الحراس على الاستلقاء على بطونهم، ثم يدوسون على رؤوسهم أو أعناقهم أو ظهورهم أو يجلدونهم و”يعاقب” المعتقلون الذين يرفضون تنفيذ الأوامر خلال فترة التمارين بأشكال أخرى من سوء المعاملة مثل الدولاب (طريقة إطار السيارة).
وتُساء معاملتهم أيضاً عندما يحلقون ذقونهم، كل ثلاثة أو أربعة أسابيع تقريباً؛ وإضافة إلى تعرضهم للضرب أثناء انتظار دورهم لحلق ذقونهم، تُشرط وجوههم، وبخاصة شفاههم وآذانهم وأنوفهم بشفرات (موسى) الحلاقة.
وتتضمن الأشكال الأخرى من سوء المعاملة في السجن الحرمان من النوم: حيث يُجبر المعتقلون على الوقوف في زنازينهم ورؤوسهم وأذرعهم مرفوعة.
ويراقب الحراس السجناء باستمرار عبر فتحات في سقف الزنازين، تستخدم أيضاً لصب الماء البارد عليهم في فصل الشتاء.
ونتيجة لسوء المعاملة الروتينية، يقال إن معظم السجناء في تدمر غالباً ما يعانون من تورم اليدين والقدمين والعينين والوجه، وانسلاخ جلدهم (وبخاصة في مؤخر العنق) وتكسر أسنانهم، ونوبات الإغماء.
ويقال إن صحتهم النفسية تكون سيئة للغاية، نتيجة هذه المعاملة من ناحية واضطرارهم إلى مشاهدة الآخرين أثناء إساءة معاملتهم، أو سماع صراخهم من ناحية أخرى.
ووصف تقرير بعثت به مؤخراً مجموعة من السجناء السوريين السابقين إلى منظمة العفو الدولية الوضع في تدمر على النحو التالي :
“تدمر فريد بين السجون السورية في كونه مؤسسة عقابية على شكل معسكر اعتقال.
وهو مثال صارخ على الترهيب والترويع والتعذيب والقتل، فضلاً عن الإذلال النفسي والمعنوي الجسدي.
[في تدمر] واجهنا أحداثاً وفظائع يعجز اللسان عن وصفها طوال سبعة عشر عاماً ابتداءً من العام 1980 وحتى نهاية العام 1996.”
ومضى التقرير يقول إنه بعد العام 1996، “بدأ مسلسل التعذيب اليومي يفقد الكثير من حدته (لكن) معاملة السجناء اكتسبت طابعاً مختلفاً … فالتعذيب يركز الآن على تذكير النـزلاء على الدوام بمعنى تدمر، واستمرار استخدام الأساليب التي تسبب الموت الروحي”.
بيد أن التقارير التي تلقتها منظمة العفو الدولية تشير إلى أن تدمر يظل سجناً يشكل فيه تعذيب المعتقلين عملاً يومياً مألوفاً.
وأشار السجناء السياسيون الذين أُطلق سراحهم من تدمر، خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى أن التعذيب، رغم أنه أصبح أقل حدة قياساً بالأعوام السابقة، لكنه ما زال يُمارس يومياً.
وأكد بعض هؤلاء السجناء أن المعتقلين ما زالوا يتعرضون للضرب بصورة منتظمة كلما غادروا مهاجعهم (لتسلم وجبات الطعام، أو الذهاب إلى المراحيض، أو القيام بتمرين “التنفس”).
وعلاوة على ذلك ما زال السجناء -- الذين يخضعون للمراقبة المستمرة -- يتعرضون لعقوبات قاسية عند الإتيان بأتفه عمل غير مصرح به (مثل الذهاب إلى المرحاض أثناء الليل).
وذُكر في إحدى الشهادات أن العقوبات التي كانت تُحدد بـ 50 جلدة لكل “مخالفة” في العام 1996، زيدت فيما بعد إلى 100 ثم إلى 200 لكل مخالفة.
وتشير شهادات أخرى إلى أنه بينما تظل الأوضاع في تدمر قاسية إجمالاً، إلا أن المعاملة تتفاوت من قسم إلى آخر، نسبة إلى فئات السجناء كما يبدو.
وعلى حد علم منظمة العفو الدولية لم يُجر أي تحقيق في هذه الانتهاكات المنهجية.
الوفيات في الحجز
لا يبدو أن السلطات السورية أمرت بإجراء أي تحقيق في قضايا أثارتها منظمة العفو الدولية في الأعوام السابقة تتعلق بحالات وفاة في الحجز زُعم أنها نجمت عن التعذيب أو حدثت في ظروف تثير الشبهات.
وتتضمن هذه الحالات.
عطية دياب عطية، فلسطيني عمره قرابة 31 عاماً، توفي في فبراير/شباط 2000 في سجن تدمر جراء التعذيب وسوء المعاملة، حسبما ورد.
وكان عطية دياب عطية، وهو عضو في فتح -- الفصيل الفلسطيني الرئيسي الذي يتزعمه ياسر عرفات -- قد قُبض عليه في العام 1989 في جنوب لبنان ونُقل على ما يبدو إلى سوريا.
ولا تعرف منظمة العفو الدولية ما إذا كانت قد وُجهت إليه تهمة أو قُدم للمحاكمة، لكنه كان واحداً من عشرات الفلسطينيين الذين اعتُقلوا في السجون السورية لأسباب سياسية.
q رفعت بن أحمد رجب توفي في سجن عدرا في إبريل/نيسان 1992 نتيجة مرض في القلب تفاقم بسبب التعذيب وعدم المعالجة الطبية كما ورد.
وكان قد اعتُقل للاشتباه في انتمائه إلى عضوية التنظيم الشعبي الديمقراطي الناصري في العام 1986.
زياد موسى قطناني ورد أنه توفي في 8 مايو/أيار 1990 في فرع التحقيق العسكري في دمشق.
وكان قد قُبض عليه في مطار دمشق في يوليو/تموز 1985 لدى وصوله من تونس.
وزارته والدته قبل شهر من وفاته حيث بدا أنه بحالة صحية معقولة.
لكن عندما أُعيدت جثته إلى عائلته، كانت تحمل كما يبدو علامات على التعذيب بالكهرباء ومصابة بكسر في الجمجمة.
وخلال زيارتها إلى سوريا في مارس/آذار 1997، كررت منظمة العفو الدولية طلبها إلى الحكومة السورية بالتأكد من إلا تتم عمليات القبض والاعتقال إلا تحت إشراف صارم من جانب القضاء؛ والسماح للمعتقلين بالمثول أمام القاضي ورؤية عائلاتهم بصورة سريعة ومنتظمة، فضلاً عن رؤية المحامين والأطباء الذين يختارونهم بأنفسهم؛ وأن تُعطى تعليمات واضحة للسلطات التي تجري عملية الاعتقال بأن ممارسة التعذيب أو إساءة المعاملة ضد السجناء أو المعتقلين غير مقبولة، وأنه سيتم الاقتصاص من مرتكبي مثل هذه الأفعال.
ويجب أن تُقرن هذه الإجراءات بخطوات عملية تضمن إجراء تحقيق سريع وشامل وحيادي في مزاعم التعذيب والوفاة في الحجز، وتقديم أي موظفين رسميين مسؤولين عن التعذيب أو غيره من الانتهاكات إلى العدالة.
ولم تتلق المنظمة أي رد.
المادة التاسعة : حق الشخص في الحرية والأمن
تتعارض ممارسات القبض والاعتقال المذكورة في هذا التقرير الموجز مع الالتزامات الدولية المترتبة على سوريا في مجال حقوق الإنسان بموجب المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتتعارض أيضاً مع القانون المعمول به في سوريا نفسها، وبخاصة المادة 104 (1) و(2) من قانون الإجراءات الجنائية، التي تقتضي من السلطات القائمة على الاعتقال جلب المتهم المعتقل للمثول أمام هيئة قضائية خلال 24 ساعة: والتقاعس عن فعل ذلك يعطيه الحق القانوني في إخلاء سبيله فوراً.
وبحسب المادة 105 من القانون نفسه، إذا احتُجز المعتقل أكثر من 24 ساعة من دون المثول أمام قاضٍ، تكون السلطة التي تحتجزه تتصرف بصورة تعسفية، وتعرض نفسها للمقاضاة على جريمة الحرمان من الحرية الشخصية التي يُعاقب عليها بالسجن مدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، كما تنص على ذلك المادة 358 من قانون العقوبات.
وبالمثل فإنه وفقاً لمادة 72(2) من قانون الإجراءات الجنائية، يُكفل للمتهمين حق الاتصال بمحاميهم في أي وقت يشاءون والاختلاء بهم، إلا في حالات التجسس.
لكن السلطات تتجاهل هذه المستلزمات القانونية بصورة روتينية، وقد أُخضعت لأحكام قانون حالة الطوارئ وللصلاحيات الممنوحة إلى مختلف قوات الأمن بالتصرف من دون إشراف قضائي.
ووفقاً لقانون حالة الطوارئ، يتمتع الحاكم العرفي، الذي هو وزير الداخلية بموجب تفويض، بمجموعة واسعة من الصلاحيات التي ينتهك بعضها مباشرة الحقوق والحريات الأساسية للفرد.
وتسمح المادة 4أ من المرسوم التشريعي رقم 51 بـ :
“وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور في أماكن معينة، وتوقيف المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام توقيفاً احتياطياً والإجازة في تحري الأشخاص والأماكن في أي وقت، وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال.”
وفي معظم حالات السجناء السياسيين التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية، لم يتم إبراز أي مذكرة أو مستند تفويض آخر عند إلقاء القبض.
وعلاوة على ذلك، وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطاً لا تُقدم فيه غالباً التفاصيل المتعلقة بعمليات الاعتقال التي تقوم بها مختلف الفروع المحلية إلى هيئة مركزية على الفور لاعتمادها رسمياً، لكن غالباً ما تتأخر هذه العملية أسابيع أو أشهر.
والدليل على هذا النمط هو الاختلاف بين التاريخ الفعلي لإلقاء القبض والتاريخ المسجل في الوثائق الرسمية مثل لائحة الاتهام.
وأدت الحصانة التي تتمتع بها قوات الأمن في القبض على أي متهم في أي وقت من دون الرجوع الفوري إلى سلطة مركزية إلى حالات عديدة من الاعتقالات التعسفية، والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي وحرمان المقبوض عليهم من حقوقهم.
وهذا نمط مستمر حتى يومنا هذا، وإن كان على نطاق أضيق وبدرجة أقل من الحدة.
وعلى مر السنين تعرض المعارضون السياسيون أو المشتبه في انتمائهم لجماعات معارضة إلى اعتقال طويل الأجل من دون تهمة أو محاكمة في انتهاك صريح للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وحُرموا بثبات من أبسط الحقوق التي تكفلها المعايير الدولية.
ولم يُجلب بعضهم قط للمثول أمام قاض أو هيئة قضائية أو لم يتمكنوا من الطعن بقانونية اعتقالهم كما يقتضي العهد المذكور.
وإضافة إلى ذلك، مُنعوا من الاتصال بمحام.
ومن الأمثلة على هذا النمط، اعتقال مجموعة من المسؤولين السابقين في الحكومة وحزب البعث بصورة تعسفية من دون تهمة أو محاكمة طوال أكثر من عقدين من الزمن :
اعتباراً من العام 1970 وحتى وفاتهم في السجن أو الإفراج عنهم في العام 1993/94.
وكان بينهم الرئيس السوري الأسبق نور الدين الأتاسي الذي توفي بُعيد الإفراج عنه من السجن في العام 1994.
وفي العام 1998 أُفرج عن رياض الترك، وهو عضو قيادي في الحزب الشيوعي المكتب السياسي وسجين رأي.
وكان قد قُبض عليه في العام 1980 واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي من دون تهمة أو محاكمة قرابة 18 عاماً، لم يُسمح له خلال هذه المدة إلا بأربع أو خمس زيارات من أفراد عائلته.
وما زال هناك المئات من السجناء المحتجزين في مختلف السجون السورية بسبب صلتهم بجماعة الأخوان المسلمين المحظورة، رغم أنه أُفرج في الأعوام 1995 و1998 و2000 عن أكثر من ألفي سجين سياسي، احتُجزوا بسبب علاقتهم بهذه الجماعة، وكان معظمهم معتقلاً بمعزل عن العالم الخارجي منذ مطلع الثمانينيات، ويظل مكان وجودهم مجهولاً.
وبينهم عبد الرحمن محمد عنجرين، وهو طالب هندسة في جامعة حلب وُلد في العام 1958.
وقد قُبض عليه في مارس/آذار 1980، بسبب الاشتباه بعلاقة والده على ما يبدو بالأخوان المسلمين.
ويُعتقد أنه معتقل بمعزل عن العالم الخارجي في سجن تدمر، لكن مصيره ومكان وجوده الحالي هما في طي المجهول.
وهناك مثال أحدث عهداً يتعلق بمدحت منير طيفور، وهو ملاحظ أشغال سوري يبلغ من العمر 46 عاماً، متزوج ولديه خمسة أطفال، ورد أن قوات الأمن السورية قبضت عليه في درعا على الحدود السورية -- الأردنية في 22 مايو/أيار 1998.
وعند القبض عليه، كان مدحت منير طيفور في طريقه لزيارة عائلته في سوريا بعد أن أقام في الخارج مدة ثماني سنوات.
وقبل الدخول إلى سوريا اتصل بالسفارة السورية في الأردن للسماح له بزيارة البلاد والتأكد من ضمان سلامته، نظراً لصلة شقيقه بجماعة الأخوان المسلمين السورية.
وبعد حصوله على الإذن الضروري من السفارة، باشر رحلته على متن حافلة استقلها في عمان.
ويُعتقد أن مدحت منير طيفور ليس متورطاً شخصياً مع الأخوان المسلمين أو في أي نشاط سياسي.
وأثارت منظمة العفو الدولية قضيته مع السلطات السورية في يونيو/حزيران 2000، لكنها لم تتلق جواباً.
ويوجد حالياً المئات من السجناء السياسيين، من بينهم سجناء الرأي، المعتقلين في السجون السورية.
وبينما يُحتجز بعضهم من دون تهمة أو محاكمة ربما، يقضي آخرون عقوبات بالسجن فُرض معظمها بعد محاكمات جائرة (أنظر أدناه).
فمثلاً، قُبض على وجيه غانم، وهو موظف حكومي من مواليد جبلة في العام 1949 متزوج ولديه طفل واحد، مع آخرين في مدينة اللاذقية الساحلية في أغسطس/آب 1987 بسبب علاقته بحزب العمل الشيوعي.
وورد أنه تعرض للتعذيب وسوء المعاملة عندما استجوبته قوات الأمن السورية عقب القبض عليه.
وعند اعتقال وجيه غانم ورفاقه، ورد أن قوات الأمن السورية قامت بعملية تفتيش واسعة لعشرات المنازل في منطقتي حماه وحمص لتعقب نشطاء حزب العمل الشيوعي.
واتُهم وجيه غانم بالانتساب إلى حزب العمل الشيوعي الذي تصفه السلطات السورية بأنه “تنظيم يهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة والأحوال الأساسية للمجتمع” و”معارضة أهداف الثورة”.
وحوكم فيما بعد أمام محكمة أمن الدولة العليا وصدر عليه حكم بالسجن في العام 1994 مدة 15 عاماً مع الأشغال الشاقة.
ورغم أن أنباء الاعتقالات التعسفية لأسباب سياسية قد أصبحت أقل تردداً بكثير مما كانت عليه في الثمانينيات، إلا أن الهيكل التشريعي والإداري يظل على حاله دون تغيير، وبالتالي عرضة لإساءة الاستخدام المتواصلة.
وبموجب حالة الطوارئ الشاملة والمجموعة الواسعة من الصلاحيات الممنوحة لقوات الأمن، يمكن القبض على أي شخص أو استدعاؤه للاستجواب أو تقييد حريته على الحركة بأي صورة من الصور من دون السماح له بالطعن في شرعية هذه الإجراءات.
ويتعرض المتهمون بالانتساب إلى المعارضة أو الجماعات المحظورة أو التعاطف معها لهذا النوع من الإجراءات التعسفية بشكل خاص.
وفي ديسمبر/كانون الأول 1999، قامت المخابرات العسكرية وغيرها من فروع قوات الأمن السورية باعتقالات في حمص وحلب ودمشق وغيرها من أنحاء البلاد.
وينتمي الموقوفون إلى جماعات سياسية أو دينية تعارض عملية السلام مع إسرائيل، وبينهم أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات الإسلامية مثل الأخوان المسلمون وحزب التحرر الإسلامي، فضلاً عن أنصار الجماعات اليسارية.
ويعتقد أنه قُبض على 100 عضو على الأقل من حزب التحرير في حينه.
وأُطلق سراح أغلبهم في إطار عفو رئاسي صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2000.
كذلك اعتُقل عدد غير محدد من اللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين أو “اختفوا” في سوريا.
وهم أساساً ضحايا للنـزاعات الإقليمية والصراعات السياسية التي عصفت بالمنطقة خلال العقود السابقة.
وقد حدثت معظم الاعتقالات في خضم الحرب الأهلية اللبنانية التي دارت رحاها بين الأعوام 1975 و1990، أو إبان النـزاع الذي نشب بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية في الثمانينيات.
وقُبضت القوات السورية العاملة في لبنان على معظم هؤلاء اللبنانيين أو اختطفتهم خارج أي إطار قانوني، أو تسلمتهم من المخابرات العسكرية اللبنانية أو الميليشيات المتحالفة مع سوريا خلال الحرب.
وقُبض على الفلسطينيين والأردنيين في معظمهم عند الحدود السورية/الأردنية أو داخل سوريا نفسها.
كما قُبض على بعض الفلسطينيين في لبنان.
ووثَّقت منظمة العفو الدولية حالات أكثر من 300 سجين سياسي و”مختفٍ” لبناني وفلسطيني وأردني، عُرض عدد منها بصورة متكررة على الحكومة السورية مع طلبات لتوضيح مصيرهم.
ولم يرد أي جواب شافٍ.
وفي مارس/آذار 1998، أفرجت سوريا عن 121 سجيناً سياسياً لبنانياً، وأُفرج خلال العام 2000 عن عشرات اللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين.
بيد أنه يُعتقد أن ما لا يقل عن 200 سجين سياسي لبناني وفلسطيني وأردني ما زالوا معتقلين في سوريا؛ بينهم: q مصطفى ديب خليل (معروف بأبو طعان)، وهو فلسطيني من مواليد العام 1923، قُبض عليه في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1983 في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة طرابلس في شمال لبنان.
وكان ناشطاً في فتح ومنسقاً للفدائيين الفلسطينيين في لبنان، كما ورد.
واعتُقل ثماني سنوات في الحبس الانفرادي ثم ظل رهن الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي قرابة 14 عاماً.
وتشير بعض الأنباء إلى أنه قُدم للمحاكمة وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، لكن يبدو أنه معتقل من دون تهمة أو محاكمة.
q نجيب يوسف جرماني، مواطن لبناني وُلد في العام 1957 متزوج ولديه خمسة أطفال، قُبض عليه في 24 يناير/كانون الثاني 1997 في منـزله في بعبدا، من جانب أفراد في جهاز المخابرات اللبناني.
ويبدو أنه نُقل إلى سوريا بعد بضعة أيام.
ويقال إن أحد أفراد عائلته زاره في السجن بسوريا.
لكن في الآونة الأخيرة، ورد أن نجيب جرماني حُرم من زيارة أهله له.
ويعتقد أنه أُحيل على محكمة عسكرية، لكن ليس لدى منظمة العفو الدولية أي معلومات تتعلق بالتهم المنسوبة إليه أو الحكم الصادر عليه.
احتجاز الرهائن وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطاً مستمراً تعمد قوات الأمن بموجبه إلى القبض على أقارب المتهمين السياسيين الذين تبحث عنهم واعتقالهم مكان المتهمين أنفسهم.
وتمثل الحالة التالية نموذجاً لعدد من الحوادث المشابهة التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية.
q ضحى عاشور العسكري، مولودة في حلب في العام 1965 ومتزوجة، قُبض عليها في حلب في 11 فبراير/شباط 1993 على أيدي أعضاء في الأمن السياسي.
وكانت مختبئة منذ العام 1987 عندما نُبِّهت إلى أن الأمن السياسي يبحث عنها.
وقبل ذلك في العام 1983، أُجبرت على قطع دراستها في جامعة حلب بعد أن سجلت نفسها لمدة عام كطالبة أدب إنجليزي، نتيجة لاستمرار قوات الأمن في مضايقتها واستهداف أفراد عائلتها.
وبينما كانت متوارية عن الأنظار، قُبض على زوجها واعتقل لعلاقته بحزب العمل الشيوعي واحتُجز طوال أشهر من دون تهمة أو محاكمة، وفي العام 1987، قبض رجال أمن يرتدون ملابس مدنية على شقيقتها لينا، في منـزل العائلة في حلب، عوضاً عن ضحى كما يبدو.
وأبلغت قوات الأمن والدتها سهام أن لينا ستعود بعد عشر دقائق.
لكنها لم تعد وظلت محتجزة في فرع التحقيق العسكري في دمشق طوال سنة اعتباراً من ديسمبر/كانون الأول 1987 وحتى ديسمبر/كانون الأول 1988.
كذلك استُدعيت والدتها واستُجوبت في مركز الاعتقال ذاته في دمشق في العام 1992، وطُلب منها الإفصاح عن مكان وجود ضحى.
وفي مناسبة أخرى، هُددت بالاعتقال ما لم تكشف النقاب عن مكان وجود ابنتها.
وحكمت محكمة أمن الدولة العليا على ضحى عاشور العسكري بالسجن مدة ستة أعوام في العام 1995.
وأُفرج عنها في تموز/يوليو 1999، بعد انقضاء خمسة أشهر على انتهاء عقوبتها.
وأحياناً عندما يغادر المتهم البلاد، يتم اعتقال واحد أو أكثر من أفراد عائلته لإجباره على العودة.
q في ديسمبر/كانون الأول 1986، هاجم فتحي المصري، وهو جندي في الجيش السوري، دورية للأمن السياسي في دمشق (نيابة عن جماعة معارضة كما يبدو)، وفر من البلاد.
ونتيجة لذلك اعتُقل تسعة من أقاربه الذكور وأنسبائه، إضافة إلى عدد من نساء العائلة.
واعتُقل الأقارب الذكور -- خمسة أشقاء وثلاثة أنسباء -- مدة خمسة أعوام (1986-1991) من دون تهمة أو محاكمة.
وتوفي سليم المصري، والد فتحي المصري في الحجز، بنوبة قلبية في العام 1991، كما ذُكر.
q قُبض في العام 1981 على شفاء سليم جولاق المولودة في العام 1961 في اللاذقية، مكان شقيقها- المتهم بالانتماء إلى عضوية الأخوان المسلمين -- الذي فر من البلاد.
ولا يُعرف حالياً مصيرها ولا مكان وجودها.
وهناك أفراد آخرون من العائلة رهن الاعتقال منذ العام 1980، بينهم والدها المسن سليم محمد جولاق.
وفي فترة أحدث عهداً، تلقت منظمة العفو الدولية معلومات بأن حملة الاعتقالات التي شُنت في ديسمبر/كانون الأول 1999 وحتى يناير/كانون الثاني 2000 واستهدفت أشخاصاً يُشتبه بأنهم نشطاء في حزب التحرير الإسلامي، تضمنت أيضاً القبض على الأقارب عوضاً عن المتهمين الفارين.
فمثلاً، قبض الأمن السياسي على شخص واحد واعتقله مدة أسبوع في دمشق بينما كان يتعقب شقيقه.
وتنتهك هذه الاعتقالات المادتين 9 و15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية كما أنها تتعارض مع القانون السوري، وبخاصة المواد التالية من الدستور:
m المادة 25(1) : “الحرية حق مقدس.
وتكفل الدولة الحرية الشخصية للمواطنين وتضمن كرامتهم وأمنهم”.
m المادة 28(2) : “لا يجوز كما هو منصوص عليه في القانون، إخضاع أي شخص للتفتيش أو التحقيق أو احتجازه.
m المادة 357 : “أي موظف رسمي يعتقل أو يسجن أي شخص في حالات غير تلك المنصوص عليها في القانون يحكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة.”
حوادث “الاختفاء” حوادث “الاختفاء” هي المحصلة النهائية لنظام يُقبض فيه على المتهمين بأنهم خصوم سياسيون من دون السماح لهم بالاتصال بأفراد العائلة أو المحامين أو العالم الخارجي، وتتقاعس الحكومة عن إعطاء أي معلومات عنهم.
ويظل مصير ومكان وجود العشرات من السجناء الذين اعتُقلوا في الأعوام السابقة في طي المجهول.
وتخشى منظمة العفو الدولية من أن يكون بعضهم “اختفى” أو أُعدم سراً.
وكان هؤلاء السجناء قد اعتُقلوا لأسباب سياسية على أيدي مختلف الأجهزة الأمنية من دون مذكرة اعتقال قضائية ومن دون إبلاغ عائلاتهم أو أقاربهم بالقبض عليهم أو اعتقالهم.
وتتبع حالات أولئك الذين “اختفوا” نمطاً مشابهاً وبسيطاً: فقد ألقى القبض عليهم أحد فروع قوات الأمن ولم يُشاهَدوا أو تُسمع أخبارهم منذ ذلك الحين.
ونفت الحكومة معرفتها بمكان وجودهم، لكن العائلات والأقارب يستمرون في المطالبة بإعطائهم تفسيراً لما حدث لهم.
والأشخاص التالية أسماؤهم هم من جملة الذين “اختفوا” أو الذين تجهل عائلاتهم مصيرهم ومكان وجودهم وهم رهن الاعتقال:
q مضر الجندي، مهندس عمره 34 عاماً، ورد أن أفراد من الأمن العسكري قبضوا عليه أو خطفوه عند الساعة السابعة من مساء 20 سبتمبر/أيلول 1987 في شارع بغداد بدمشق، بتهمة الانتساب إلى عضوية حزب العمل الشيوعي.
وكانت السلطات تتعقبه بسبب صلته بالحزب المذكور منذ العام 1984.
واقتيد على ما يبدو إلى مركز الاعتقال التابع لفرع فلسطين في دمشق، لكن لم يشاهد أو يُسمع عنه شيء منذ ذلك الحين.
ولم تعترف السلطات باعتقاله.
وفي العام 1995، أشارت بعض الأنباء إلى أن مضر الجندي قد حُوكم وأُعدم في العام 1988.
ومع ذلك لم تعترف قط السلطات السورية علناً بالقبض عليه أو محاكمته أو إعدامه.
q وفاء فهمي علي عبيدات، مواطنة أردنية من أصل فلسطيني، قُبض عليها في دمشق في العام 1986 بتهمة التجسس لصالح الأردن.
ويبدو أن اعتقالها يرتبط بعلاقة شقيقها بالمجلس الثوري لفتح (المجموعة الموالية لأبي نضال)، وهو تنظيم فلسطيني.
وتنكر سوريا اعتقالها، لكن عائلتها تلقت بعض الأنباء التي تؤكد وجودها في أحد سجون دمشق.
ويظل مصيرها ومكان وجودها في طي المجهول.
q مصطفى أبو قوص، طالب جامعي مولود في حلب في العام 1963، قُبض عليه في 12 أكتوبر/تشرين الأول 1983 في حلب.
ولا تُعرف أسباب القبض عليه، لكن يبدو أنه يُشتبه في أن له صلات بالأخوان المسلمين.
وزارته عائلته مرة واحدة في العام 1983 في حلب بعد أسبوعين من إلقاء القبض عليه.
ومنذ ذلك الحين لم يُعرف شيئاً عن مصيره أو مكان وجوده، لكن بعض الأنباء أشارت إلى أنه أُعدم منذ عدة سنوات.
هذه هي بعض من حالات “الاختفاء” الـ 59 التي أثارتها منظمة العفو الدولية مع الحكومة السورية في مذكرة قدمتها في العام 1994 (ومرة أخرى في العام 1997) ولم تتلق أي معلومات حولها.
المادة 14 : المحاكمات العادلة
هناك أساساً نوعان من المحاكم لمحاكمة المعتقلين السياسيين في سوريا:
المحاكم العسكرية ومحكمة أمن الدولة العليا.
أ) المحاكم العسكرية تشير الأدلة التي تلقتها منظمة العفو الدولية، والبعض منها في صيغة شهادات شخصية، إلى أن انتهاكات خطيرة للمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحدث في المحاكم العسكرية؛ وأن هذه المحاكم ليست مستقلة ولا حيادية؛ وأنه لا يتم احترام مبدأ افتراض البراءة، إذ يبدو في حالات عديدة أنه يصدر حكم مسبق على المتهم يقضي بأنه مذنب؛ ولا يحترم حق المتهم في أن يُحاكم حضورياً وأن يقدم دفاعه، بمساعدة محام أو بدون مساعدته.
ففي بعض الحالات التي علمت بها منظمة العفو الدولية، أُجريت المحاكمات داخل السجن وتضمنت جلسة واحدة يمثل فيها المتهمون أمام هيئة المحكمة العسكرية فقط لكي يعترفوا بارتكاب التهم المنسوبة إليهم أو ببراءتهم منها.
وفي حالات أخرى، أُبلغ المتهمون بالأحكام الصادرة ضدهم من دون أن يُطلب منهم أبداً حضور الجلسة.
وفي معظم الحالات، لا يعلم الأقارب بالمحاكمات إلا بعد فترة طويلة من إجرائها وغالباً من طرف ثالث، يكون عادة السجناء السابقين.
وفي حالات أخرى ظل الأقارب يجهلون حقيقة إجراء المحاكمات للسجناء ونتيجتها.
ومن ضمن هؤلاء السجناء أشخاص لا يُعرف شيئاً عن مصيرهم أو مكان وجودهم.
وعادة تتولى إجراء هذا النوع من المحاكمات محاكم غير عادية تُعرف بالمحاكم العسكرية الميدانية، وتصدر أحكاماً غير قابلة للاستئناف، ومن دون الضمانات المحددة في قانون الإجراءات الجنائية.
ويمكن لهذه المحاكم أن تصدر أي حكم تراه مناسباً، بما في ذلك عقوبة الإعدام.
وقد أُنشئت المحاكم العسكرية الميدانية بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 وتاريخ 17 أغسطس/آب 1968، ويشكلها القائد العام للقوات المسلحة، وتتألف عادة من رئيس (يحمل رتبة لا تقل عن رائد) وعضوين (المادة 3).
وبينما تنص المادة 4(أ) على تعيين نائب عام لهذه المحاكم من جانب القائد العام، إلا أن المرسوم لا يذكر شيئاً عن حق المتهم في الدفاع.
ويمكن للمحاكم العسكرية الميدانية ألا تتقيد بالمبادئ والإجراءات المحددة في قانون أصول المحاكمات الجزائية (المادة 5)، ولا تخضع أحكامها لأي شكل من أشكال الاستئناف (المادة 6).
بيد أن أحكام المحكمة العسكرية الميدانية تخضع لموافقة رئيس الدولة و/أو القائد العام للجيش الذي يملك حق إلغاء الحكم أو تخفيضه أو وقف تنفيذه، أو إصدار أمر بإعادة المحاكمة أمام محكمة عسكرية أخرى (المادة 8).
وأبلغ طبيب سوري قُبض عليه في العام 1980 منظمة العفو الدولية أنه مثل أمام محكمة عسكرية ميدانية في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1981.
وأُقيمت المحاكمة في القسم الإداري من سجن تدمر.
وقال في روايته :
“أحضرتني الشرطة العسكرية وأنا معصوب العينين إلى قاعة المحكمة وأمرتني بالجلوس على كرسي أمام هيئة المحكمة.
وعندما نزعوا عصابة عينيَّ، سألني الضابط الذي يترأس المحكمة عن اسمي ومهنتي، ثم نظر في بعض الأوراق الموجودة أمامه، وهز رأسه وشتمني.
ثم أمر كاتب المحكمة أن يسجل بأن “المتهم كرر شهادته السابقة قائلاً إنه عالج شخصاً مريضاً من ‘عصابات الأخوان المسلمين’.
ثم قال لي إنه سيسجنني مدة 15 عاماً.
وأمر الشرطة بإخراجي من القاعة.
ولم أتفوه بكلمة واحدة أمام المحكمة، ولم أُمنح فرصة لقول أي شيء”.
ولم يعرف هذا السجين بأنه حُكم عليه بالسجن مدة 10 سنوات إلا بعد الإفراج عنه في 17 ديسمبر/كانون الأول 1991، بعد أن أمضى 11 عاماً وأربعة أشهر رهن الاعتقال، وهي مدة تزيد بحوالي 16 شهراً عن العقوبة المقررة.
ووصف سجين فلسطيني سابق لمنظمة العفو الدولية محاكمته أمام محكمة عسكرية ميدانية في العام 1988 :
“عند الساعة الثامنة صباحاً، أُحضرنا ونحن معصوبي الأعين للمحاكمة التي جرت في مكتب مدير السجن.
وعندما جاء دوري عند قرابة الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، نادوا اسمي وأخذوني إلى المكتب ونزعوا عصابة عينيَّ عند الباب.
وعندما دخلت رأيت المحكمة التي كانت تتألف من لواء هو رئيس المحكمة الميدانية الأولى، ونائبه ومدير السجن والكاتب.
وأمروني أن أجلس على كرسي خشبي.
وبعد أن دونوا اسمي وجنسيتي وبيانات أخرى، سألوني ما التهمة المنسوبة إلي.
فقلت “لا أعلم”.
عندئذ قال الرئيس إنني متهم بالقيام بأنشطة تخريبية في القطر (سوريا).
فقلت : “هذا ليس صحيحاً”.
وقال : “نحن أدرى، ويمكنك مغادرة الغرفة الآن”.
هذا كل ما حصل. ولم أعرف الحكم الذي صدر علي”.
ودرجت العادة ألا يتم إبلاغ السجناء بطول مدة عقوبتهم، وحتى لو تمكنوا من اكتشافها، لم يكن يفرج عنهم بالضرورة عند انتهائها، حتى لو برئت ساحتهم.
ويروي معتقل أردني سابق قُبض عليه في التسعينيات أنه مثل أمام محكمة عسكرية ضمت لوائين، ورئيس فرع التحقيق العسكري، وممثلاً عن القصر الرئاسي.
ورغم وجود نائب عام عسكري، لم يكن هناك محامي دفاع.
ويتذكر أنه : “عندما مثلت أمام المحكمة، سألوني عن اسمي ومهنتي وبيانات أخرى، ثم أبلغوني أنني متهم بالتجسس لصالح المخابرات الأردنية.
فأنكرت التهمة … ثم أمروني بمغادرة القاعة وقالوا إن النطق بالحكم سيتم بعد شهر.
واضطررت إلى دفع مبلغ من المال للحارس كي أعرف العقوبة التي صدرت ضدي. لقد تمت تبرئتي.”
ومع ذلك لم يُفرج عن هذا السجين إلا فيما بعد، بموجب عفو رئاسي.
وعقب هذه المحاكمات السرية والمقتضبة، ورد أنه حُكم على بعض المعتقلين، بعد عدة أشهر من إجراء المحاكمة، بالسجن مدداً تتراوح بين 10 و15 سنة، بينما حُكم على آخرين بالسجن المؤبد أو حتى بالإعدام.
وفي الأعوام القليلة الماضية، لم تتلق منظمة العفو الدولية أي أنباء حول استخدام المحاكم العسكرية في المحاكمات السياسية.
بيد أنه لم تُتخذ أي خطوات لمراجعة الأحكام الصادرة، بما في ذلك أحكام السجن الطويلة وعقوبات الإعدام التي أصدرتها هذه المحاكم قبل هذه الفترة.
التدوينات (RSS)