• 1:المقدمة
  • 2 : استخدام التكبيل انتهاك لحقوق الإنسان
  • 3 : استخدام المواد الكيماوية للسيطرة
  • 4 : أسلحة الصعق
  • 5 : المهارات اللازمة للتعذيب
  • 6 : برنامج عمل

1-المقدمة


صحوت بعد برهة قصيرة على ألم فظيع جداً يسري في جسدي. وكان هذا التيار الكهربائي حاداً لدرجة خلت معها أنني سأموت فعلاً. ولم أتسبب بأي مشاكل، وكنت مربوطاً بسلسلة حول بطني ومكبلاً بأغلال ومقيداً إلى مقعد، وكان هناك سياج يفصل بيني وبين موظفي السجن، لذا لم يكن هناك أي داعٍ على الإطلاق لاستخدامهم هذا الجهاز ضدي ولا أتذكر جيداً بقية الرحلة إلى مرفق لارند الإصلاحي للصحة العقلية. لكنني أعتقد أنهم صعقوني مرة أخرى بينما كنت لا أزال في سيارة النقل المقفلة. وعندما وصلنا إلى لارند، أنزلوني من سيارة النقل المقفلة واقتادوني إلى زنزانة احتجاز … وما أن وُضعت في الزنزانة، حتى دخل عدة موظفين إليها وصعقوني مرة أخرى بحزام الصعق. وقد طرحتني هذه الصدمة الكهربائية أرضاً، وكنت أسمع موظفي السجن المحيطين بي يقهقهون ويطلقون النكات“.
كريغ ريان شلتون، نزيل في مرفق هاتشينسون الإصلاحي، في مقاطعة رينو بكنساس في الولايات المتحدة الأمريكية يصف ما حل به أثناء نقله إلى مرفق لارند الإصلاحي للصحة العقلية لتلقي العلاج في إبريل/نيسان 1996.

التعذيب لا يحدث في فراغ. ويعتمد الإطار الاجتماعي والسياسي وتوريد أدوات وتقنيات التسبب ب في الألم على غياب الإرادة السياسية. فلو توفرت لدى حكومات العالم الإرادة السياسية على وقف التعذيب، لأمكنها أن تنجح في ذلك.
ويشكل تصنيع المعدات التي تستخدم في تعذيب الناس والمتاجرة بها والترويج لها تجارة رابحة. والتجارة الموازية المتمثلة في تقديم التدريب في تقنيات التعذيب الجسدي والعقلي لا تقل ربحية. وتزاول الشركات والأفراد في العالم أنشطة توريد الأجهزة والخبرات المصممة ظاهرياً لأغراض أمنية أو لمكافحة الجريمة، لكن المستخدمة في الواقع في التسبب في انتهاكات خطيرة. وهذه تجارة عالمية تشارك فيها دول من جميع القارات؛ لذا فهي تضم حكومات من كافة مناطق العالم.
لم يتغير بعض هذه المعدات إلا قليلاً على مر السنين. فحديد الأرجل والأغلال، مثلاً، تذكرنا بقسوة ولا إنسانية تجارة الرقيق. إلا أن التقنيات الحديثة، مثل أجهزة الصعق بالصدمات الكهربائية، تشكل جزءاً متزايدة من ترسانة ممارسي التعذيب. وثمة قاسم مشترك بين جميع هذه الأجهزة والأسلحة، مهما كانت مختلفة، هو قدرتها على إلحاق ألم وأذى شديدين. كما يجمع بينها غياب خطير لوسائل السيطرة الرسمية على تصنيعها وبيعها.

ويبحث هذا التقرير في التجارة المستمرة في أدوات التعذيب الأقدم عهداً، فضلاً عن التجارة المتنامية في تقانة الصعق بالصدمات الكهربائية. وينظر في تزايد استخدام ما يُسمى بالأسلحة “غير المميتة”، مثل قنابل الغاز المسيل للدموع والمواد الكيماوية المهيجة، والكيفية التي تُسهل بها حدوث التعذيب. كما يبين كيف أن نقل الخبرة والتدريب العسكري والأمني يُسهِّل تدريب ممارسي التعذيب.

وتشكل قضية وقف تجارة التعذيب جزءاً مهماً من حملة القضاء عليه. ويقدم هذا التقرير عدداً من التوصيات إلى الحكومات وكذلك إلى الشركات حول كيفية تحقيق ذلك.

2 : استخدام التكبيل انتهاك لحقوق الإنسان

في مايو/أيار 2000 أُفرج عن آخر المعتقلين في معتقل الخيام الواقع في جنوب لبنان. وفُتحت أبوابه لتكشف النقاب ليس فقط عن التعذيب اليومي الذي عانى منه المعتقلون، بل أيضاً عن الشبكة الدولية التي زودت ممارسي التعذيب بأدوات صنعتهم. وكان جيش لبنان الجنوبي، الميليشيا الموالية لإسرائيل في جنوب لبنان المحتل سابقاً، يدير المعتقل بمشاركة الجيش الإسرائيلي، لكن أصفاد اليدين، التي كانت تستخدم لتعليق المعتقلين من برج الأسلاك الكهربائية حيث يتم رشهم بالماء وصعقهم بالصدمات الكهربائية، كانت تحمل بوضوح عبارة ” The Peerless Handcuff Co. Springfield, Mass. Made in  USA، أي اسم الشركة وأنها صنعت في الولايات المتحدة الأمريكية.
القيود الميكانيكية -- أصفاد اليدين وحديد الأرجل وأغلال الساقين والسلاسل وأصفاد الإبهام -- هي بعض من أجهزة التقييد الأكثر استخداماً. كما يُساء استخدامها على نطاق واسع. وجرى استخدامها في كل منطقة من العالم بصورة متكررة وثابتة لانتهاك الحقوق الإنسانية للسجناء. ويُنقل هذا النوع من المعدات ذات التقنية المنخفضة من دولة إلى أخرى من دون رقابة حكومية تُذكر على تجارتها أو استخدامها. وتُسهِّل السرية وعدم وجود عمليات تفتيش وضمانات توريدها إلى ممارسي التعذيب واستخدامها من جانبهم.
وبعض هذه المعدات -- مثل حديد الأرجل -- قاسية ولا إنسانية ومهينة بطبيعتها ويجب منعها.
ويبدو أن أدوات أخرى -- مثل ألواح التقييد وأغلال الإبهام -- تؤدي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان. وتدعو منظمة العفو الدولية إلى وقف تصنيع هذه الأدوات والمتاجرة بها والترويج لها واستخدامها، بينما يتم إجراء تحقيق صارم ومستقل وحيادي حول استخدامها وآثارها.
ثمة استخدامات شرعية لبعض القيود مثل أصفاد اليدين، لكنها استُخدمت أيضاً لتسهيل المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ولا تعارض منظمة العفو الدولية الاستخدام المشروع لمثل أدوات التكبيل هذه في الظروف المناسبة. غير أن منظمة العفو الدولية تعتقد أنه يجب وضع قيود صارمة تستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان لضمان عدم وصولها إلى أيدي الذين قد يسيئون استخدامها لتعذيب السجناء.

السلاسل وأغلال الساقين وحديد الأرجل
حياناً يحتاج الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون إلى القيود للتحكم أو الحماية. لكن يجب أن تتمشى الظروف والحدود التي تُستخدم ضمنها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وتمنع هذه المعايير منعاً باتاً التعذيب وإساءة المعاملة وتشير تحديداً إلى أنه لا يجوز استخدام أدوات التكبيل المشروعة إلا عندما تكون الإجراءات الأخرى غير فعالة وفقط عندما يكون ذلك ضرورياً للغاية.
لقد تلقت منظمة العفو الدولية تقارير عديدة في السنوات الأخيرة حول استخدام أصفاد اليدين وأغلال الساقين في تعذيب المعتقلين في المملكة العربية السعودية وإساءة معاملتهم. ووصف عدة سجناء سابقين كيف أن قوات الأمن استخدمت أدوات التقييد هذه لانتزاع الاعترافات من السجناء. لكن رغم السجل الحافل للسعودية في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، واصلت شركات في عدة دول تزويد السلطات السعودية بأدوات التقييد، بما فيها حديد الأرجل وأغلال الساقين وأصفاد اليدين.
وقد ذكر بعض السجناء السابقين أن القيود التي استُخدمت لتكبيلهم في السعودية كان ممهورة باسم سميث آند ويسن، وهي شركة أمريكية أو هياتس وهي شركة بريطانية.
حالما تغادر الزنزانة، حتى لزيارة طبيب الأسنان، تكون مكبل اليدين والرجلين. وأحياناً كان يتم ربط الأشخاص معاً بواسطة الأصفاد والأغلال في اليدين والساقين. وكانت أصفادنا تحمل اسم سميث آند ويسن. وقال آخرون إن أصفادهم كانت تحمل عبارة ‘صُنع في بريطانيا’ سواء كانت أصفاداً لليدين أو أغلالاً للساقين … وكان هناك نوعان من الأغلال. أحدهما له قضيب سميك وأطراف مستديرة، موصولة معاً بواسطة سلاسل، كانت أحياناً طويلة وأحياناً أخرى لم يتعد طولها بضع بوصات. وكان النوع الآخر مثل أصفاد اليدين تماماً. وكانت رديئة لأنها حادة جداً ويمكن أن تجرح الكاحلين.”
رين كاماهورت، يصف استخدام الأغلال والأصفاد بينما كان رهن الاعتقال في سجن الملز بالرياض في العام 1999.

وتثبت الأرقام الرسمية للصادرات الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية هذه الشهادات وما شابهها. ورغم أن حكومة  الولايات المتحدة قد صرحت أنها تأخذ حقوق الإنسان بعين الاعتبار عندما تصدر قرارات الترخيص، إلا أنها سمحت بإنتاج حديد الأرجل وأغلال الأرجل وسلاسل التكبيل الجماعي وتصديرها. وأظهرت المعلومات التي حصل عليها اتحاد العلماء الأمريكيين بموجب قانون حرية المعلومات أن شركة سميث آند ويسن وغيرها من الشركات الأمريكية، بما فيها ترايكو إنك وسيرتشي فينغربرنتس قامت بتوريد أدوات التكبيل إلى المملكة العربية السعودية.
وقد وصف باتريك فوستر، وهو رجل أعمال بريطاني قُبض عليه في أكتوبر/تشرين الأول 1992 في الرياض ووُجهت إليه تهمتان تتعلقان بمعاقرة الخمرة، وصف المعاملة التي لقيها وتكبيله من جانب قوات الأمن السعودية:
أمسك بي رجلان أو ثلاثة، ولووا ذراعيَّ خلف ظهري واقتادوني بخشونة نحو سيارة أمريكية الصنع من طراز شفروليه… والشيء التالي الذي أذكره أنهم قيدوا ساقيَّ بالأغلال حول الكاحلين. وكان معصماي مكبلين بالأصفاد. وبعد أن أصبحت الآن مكبلاً بالكامل بدأ هؤلاء الأوغاد المجهولون بتوجيه اللكمات إلى رأسي وصدري ومعدتي . . .”

وحالما زُج به في السجن، استمر استخدام أصفاد اليدين وحديد الساقين، كما أبلغ باتريك فوستر “منظمة الإنصاف” غير الحكومية التي يقع مقرها في المملكة المتحدة أن :
السجناء كانوا يكبلون بالأغلال وحديد الأرجل عندما يغادرون الزنزانة لأي سبب كان مثل الذهاب إلى المحكمة. وكانت الأغلال مؤلمة للغاية، لأنها كانت توضع من دون ارتداء الأحذية والجرابات وكانت تصيب جلدي بتشققات وتترك ندباً تدوم طوال أشهر.”

وفي يوميات هرَّبها من السجن في علب السجائر، سجل باتريك فوستر اندهاشه من أن السلاسل التي كانت يُكبل بها صُنعت في إنجلترا :
كانت الأغلال والأصفاد المستخدمة في هذه المؤسسة، وعلى فكرة كما في أي مؤسسة أخرى، مصنوعة من جانب شركة هياتس الإنجليزية؛ وهذا أمر يدعو للسخرية إلى حد ما …”

وفي يناير/كانون الثاني 1995، وردا على مزاعم باتريك فوستر، صرح أحد مديري شركة هياتس قائلاً:
لقد أوقفنا صنع أغلال الساقين وقد أرسلنها لهم كأصفاد لليدين … ولا أستطيع أن أُملي على أحد ما يفعله بالأدوات التي يحصل عليها. فهذه ليست مشكلتي، فهم يفعلون ما يشاءون.”

لكن في العام 1995 اشترى باحثون أغلال للساقين تحمل اسم ‘هياتس’ وعبارة “صنع في إنجلترا” من موزع في الولايات المتحدة اسمه هيات-طومسون. وأكد باتريك فوستر أنها مطابقة للأغلال التي جرى تكبيله بها. ويبدو أن هياتس كانت تُصدِّر أصفاد للأيدي ذات حجم أكبر من المعتاد من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تضيف شركة هيات -- طومسون سلاسل أطول إليها لتحويلها إلى أغلال للساقين؛ ذلك أن بيع وتصدير أغلال الساقين ما زال قانونياً في الولايات المتحدة  الأمريكية.
وفي 28 يوليو/تموز 2000، أعلن الوزير في وزارة الخارجية البريطانية بيتر هين عن وضع ضوابط جديدة على تصدير الأصفاد الفردية المستخدمة في تقييد اليدين “ذات الحجم الأكبر من المعتاد”، بحيث لا يُسمح باستخدامها كحديد للأرجل أو كأغلال للساقين. وقد رحبت منظمة العفو الدولية بهذا التصريح، لكن قضية هياتس توضح سهولة الالتفاف على قيود التصدير وتشدد على الحاجة إلى الشفافية والمساءلة.
وتلقي قضية شركة تصنيع الأسلحة الأسبانية المسماة لارا آغا إي إلورزا الضوء على الحاجة الملحة لوضع ضوابط تشمل جميع دول الاتحاد الأوروبي (لقد تخصصت شركة لارا آغا إي إلورزا على مدى السنوات العشر الماضية في تصنيع أدوات وحديد تكبيل. وقد نقل عن توماس أستيغاراغا، مدير التصدير في الشركة، قوله في صحيفة “إل باييس الأسبانية إن الزبائن الرئيسيين لحديد [التقييد] الذي تصنعه شركة لارا آغا إي إلورزا هم الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أمريكا الجنوبية. وأبلغ الصحيفة أن هذه الشركة لا تحتاج إلى ترخيص محدد من الحكومة الأسبانية لتصدير حديد الأرجل وسلاسل البطن. لكن التشريع الأسباني واضح جداً حول هذه القضية. فتصدير أدوات التقييد يحتاج إلى ترخيص من الحكومة.
ولدى شركة لارا آغا إي إلورزا وكلاء في عدة دول -- بينها تشيلي وباكستان وتايلند واليمن -- أسيء فيها استخدام أدوات التكبيل بحسب ما ورد. وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 2000، دعت منظمة العفو الدولية، وغرين بيس، وأوكسفام، وأطباء بلا حدود الحكومة الأسبانية إلى وضع قيود قانونية صارمة على الوساطة في أسبانيا والاتحاد الأوروبي، وإلى فتح تحقيق في الأنشطة غير الشرعية المزعومة التي تقوم بها شركة لارا آغا إي إلورزا وإلى حظر تجارة التعذيب.
وثمة حاجة واضحة لمبادرة الحكومة الأسبانية إلى تحسين مستوى الشفافية وعمل آليات الرقابة البرلمانية على المعدات العسكرية والأمنية والشرطية. ولا تشير التقارير الصادرة منذ العام 1998 من جانب وزارة التجارة حول تصدير المعدات الدفاعية وذات الاستخدام المزدوج إلا إلى ست فئات عامة للأسلحة، بينها الأسلحة الفردية. ولم تقدم معلومات تفصيلية حول المنتجات المصدرة وإلى أي دول أو حول هوية الجهات التي تستخدمها في النهاية. وهذا ما يمنع أعضاء البرلمان والمنظمات غير الحكومية والرأي العام من القيام بالرصد الفعال لعملية تصدير المعدات الأمنية والشرطية. وعلى سبيل المثال، فإنه بحسب سجل شركات التصدير الأسبانية، قامت شركة لارا آغا إي إلورزا بتصدير معدات بموجب نظام  يشير أساساً إلى نوع من أنواع الأقفال.
وفي السنوات الأخيرة، اتُخذت خطوات إيجابية في عدة دول باتجاه إبطال الاستخدام القاسي واللاإنساني والمهين للأغلال وحديد الأرجل. وعلى سبيل المثال جرى منع استخدام أشكال جديدة من الأغلال والسلاسل في عدة دول. ففي المملكة المتحدة ولاتفيا، غيرت الحكومتان في الآونة الأخيرة قوانينهما لمنع استخدام وإنتاج ونقل مواصفات معينة من معدات التكبيل. وفي نامبيبا، أصدر كبير القضاة جوان ستريدوم في العام 1999 قراراً يقضي بأن استخدام السلاسل وحديد تقييد الأرجل يشكل معاملة مهينة، وبالتالي ويتعارض مع المادة الثامنة من دستور ناميبيا. وأشار إلى أنه :
أياً تكن الظروف، فإن استخدام السلاسل وحديد الأرجل يشكل تجربة مذلة تحط من منـزلة الشخص المكبل بالحديد ليصبح حيواناً مقيداً يُحد من حركته حتى لا يتوه. وعلاوة على ذلك يشكل تذكيراً قوياً بالأيام الخوالي عندما كان الناس يساقون سوق العبيد ويباعون كالمتاع. وإن التقييد المتواصل بالسلاسل أو حديد الأرجل وعدم قدرة المرء على تنظيف جسمه والملابس التي يرتديها بشكل صحيح يجعلانه مختلفاً عن زملائه البشر، وهذا بحد ذاته تجربة مهينة ومذلة
“لذا فبرأيي، أن تقييد السجين بحديد الأرجل أو السلاسل يشكل انتهاكاً غير مسموح به للمادة 8(1) ويتعارض مع المادة 8(2)(ب) من الدستور لأنه يشكل على أقل تقدير معاملة مهينة.”

بيد أنه يستمر استخدام الأغلال وحديد الأرجل في دول عديدة. وخلال العقد الأخير، تلقت منظمة العفو الدولية عدداً من الأنباء التي تصف بالتفصيل استخدام الأغلال في اليمن. وقد وصف أحد الضحايا كيف أنه عقب القبض عليه في نوفمبر/تشرين الثاني 1997 بسبب أنشطته السياسية، جرى تكبيل يديه بالأصفاد ونقله إلى مجمع عسكري. وعند وصوله، قُيِّد بأغلال الساقين وحُبس داخل حاوية فولاذية للشحن. واحتُجز قرابة الشهر كانت أصفاد يديه خلاله تزال أحياناً. لكن أغلال ساقيه لم تزل قط؛ وما زالت ساقاه تحمل ندباً.
وفي باكستان ورد أن الأطفال قيدوا بالأغلال فترات طويلة من الزمن. وفي العام 1995، أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن مدرسة دينية في ببلان بإقليم البنجاب، كبلت أطفالاً تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات و16 سنة بالسلاسل وقيود الساقين. وكانت السلسلة تربط بين الكاحلين بمسافة قصوى تبلغ 25 سنتمتراً. وقد رُبط طرف السلسلة بقطعة خشبية ثقيلة، ولم يستطع أي من الأطفال التحرك من دون مشاركة الآخرين في رفع القطعة الخشبية. وورد أن عدة أطفال احتُجزوا في هذه الأوضاع بصورة متواصلة مدة تصل إلى عشر سنوات لمنعهم من الهرب والتعرض “للمؤثرات المفسدة”. ويظل تكبيل السجناء بالأغلال والسلاسل واسع الانتشار في باكستان.

كذلك ورد أن تكبيل السجناء بالأغلال في تايلند من الأمور الشائعة: وفي بعض سجون تايلند، يبقى النـزلاء المتهمون بالقتل أو محاولة القتل أو بجرائم خطيرة تتعلق بالمخدرات مكبلين طوال الوقت بأغلال تزن بين 7 و10 كيلوغرامات. وفي العام 1997، وُصفت الأوضاع في المبنى 10 من سجن بانغكوانغ بأنها رديئة؛ وكان الأشخاص الذين يُعاقَبون يوضعون في الحبس الانفرادي، وغالباً ما يظلون مقيدين بأغلال ثقيلة الوزن طوال أشهر متواصلة. وقد احتُجز بعض السجناء طوال ثلاثة أشهر في زنزانة صغيرة مظلمة وهم مكبلين بأغلال ملحومة حول كواحلهم يصل وزنها إلى 15 كيلوغراماً وتسمى “سلاسل الفيلة” وبحسب ما ورد، كان جميع السجناء يقيدون بالأغلال خلال الأشهر الثلاثة الأولى من وجودهم في سجن بانغكوانغ، ويعتقد أيضاً أن جميع الذين ينتظرون تنفيذ أحكام الإعدام فيهم يكبلون بالأغلال. ويبدو أن استخدام الأغلال مدداً طويلة ما زال أسلوباً مستخدماً في سجني بانغكوانغ وتشونبوري.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، درجت العادة على تكبيل السجناء والمعتقلين بالأغلال خلال نقلهم مع وصل أصفاد اليدين بسلاسل معدنية للخصر، وفي حالات عديدة، يتم ربط الساقين أو الكاحلين معاً بالسلاسل. ويشيع تقييد السجينات المرضى أو الحوامل بالأغلال لدى نقلهن إلى المستشفى وأثناء علاجهن فيها. وتنطبق هذه الممارسة الروتينية بغض النظر عما إذا كانت النساء معروفات باستخدام العنف، وبصرف النظر عما إذا كن قد هربن أو حاولن الهروب على الإطلاق.
جاء الطبيب وقال نعم إن هذا الطفل على وشك أن يولد الآن، وبدأ يعد السرير لعملية الوضع. وبما أنني كنت مقيدة إلى السرير، لم يستطيعوا إزالة الجزء الأسفل للسرير من أجل الوضع، ولم يستطيعوا وضع قدمي في الركاب. وكانت قدماي لا تزالان مكبلتين معاً، ولم أستطع أن أبسط رجلي. واستدعى الطبيب الشرطي، لكنه كان قد ذهب إلى القاعة. ولم يستطع أحد فك الأغلال، وكان طفلي على وشك الخروج، لكنني لم استطع بسط ساقي. وأخيراً جاء الشرطي وفك الأغلال عن كاحليَّ. وعندئذ وُلد طفلي. وبقيت في غرفة الولادة مع طفلي برهة قصيرة، لكن عندئذ أعاد الشرطي تكبيلي بأغلال الساقين وأصفاد اليدين، وأُخرجت من غرفة الولادة.”
ماريا جونز تصف كيف ولدت طفلها بينما كانت سجينة في سجن مقاطعة كوك بولاية شيكاغو، في الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1998.

وفي الصين، تستثني الأنظمة الرسمية صراحة بعض السجناء، مثل أولئك الصادرة عليهم أحكام بالإعدام، من الحدود الزمنية لتكبيلهم بالأغلال. وتنص الأنظمة الأخرى الخاصة بموظفي السجون ومعسكرات العمل والتي صدرت في العام 1982، على أنه “يجوز استخدام حديد الأرجل وأصفاد اليدين معاً ضد السجناء الذين ينتظرون تنفيذ أحكام الإعدام فيهم.” وتشكل ممارسة التكبيل طويل الأمد “المزدوج” للسجناء الذين حُكم عليهم بالإعدام عقوبة أخرى لا إنسانية ومهينة يتم إنزالها بأشخاص يعانون أصلاً من القسوة البالغة والألم النفسي المتمثلين في انتظار تنفيذ حكم الإعدام فيهم من جانب الدولة. وعند إعدام السجناء، جرت العادة على تكبيلهم بالأغلال وإجبارهم على الركوع قبل إطلاق النار عليهم.
وتتضمن بعض أشكال التعذيب الاستخدام المتعمد لمزيج من القيود والأدوات. وأحد هذه الأساليب واسمه “الشبح” قد استُخدم في إسرائيل والأردن وسوريا كما ورد. ويتضمن تقييد السجناء في أوضاع مؤلمة وغالباً غير طبيعية فترات طويلة من الزمن باستخدام الأغلال أو حديد الأرجل أو أصفاد اليدين. وأصبحت “الشبح”  الأسلوب المفضل للعديد من ممارسي التعذيب لأن الأذى الجسدي الظاهر الذي تلحقه بالضحية ضئيل نسبياً.
بعد ذلك وُضعت في وضع “الشبح”  مدة أسبوعين متواصلين على كرسي ووقوفاً مربوطاً بالأغلال إلى أنبوب، حيث لم يتوقفوا عن ضربي وركلي على صدريوقد وُضعت في خزانة عدة مرات خلال استخدام أسلوب “الشبح” معي.”
زياد قواسمه الذي اعتقلته قوات الأمن الإسرائيلية في العام 1994.

وأشار مؤخراً المقرر الخاص للأمم المتحدة بالمعني بالتعذيب إلى قضية تعذيب مزعوم في الصين انطوى على استخدام أسلوب “دي لاو” ضد اتباع حركة فالون غونغ الروحية.

زُعم أن معظم أتباع الحركة، ومن ضمنهم الأطفال والمسنون، قد تعرضوا للإهانة والضرب على يد الشرطة عند القبض عليهم وخلال اعتقالهم فيما بعد. ويقال إنه جرى استخدام هراوات للصعق بالتيار الكهربائي وأداة تسمى دي لاو يتم فيها تكبيل معصمي وقدمي الضحية بالأغلال وربطهما بعضهما ببعض بسلاسل فولاذية متصالبة، مما يجعل من شبه المستحيل عليهم المشي أو الجلوس.”

واعتُقل الآلاف من أتباع حركة فالون غونغ منذ حظر نشاط الحركة في يوليو/تموز 1999؛ وتعرض العديد منهم للتعذيب.


3 : استخدام المواد الكيماوية للسيطرة

الغاز المسيل للدموع

في يوليو/تموز 1997، استخدمت شرطة زيمبابوي الغاز المسيل للدموع لتفريق مسيرة احتجاجية سلمية إلى وسط مدينة لوساكا. والتجأ عدد كبير من المتظاهرين، بينهم العديد من النساء اللواتي كان برفقتهن أطفال صغار إلى مبنى يستخدمه حزب الاستقلال الوطني الموحد. فضربت الشرطة طوقاً حول المبنى مدة 12 ساعة. ثم ومن دون سابق إنذار، أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع داخل المبنى لإجبار الناس على الخروج إلى الشارع حيث أنهال عليهم رجال الشرطة بالضرب بواسطة الهراوات. ويعود رابيسون تشونغو، أحد مسؤولي الحزب المذكور بذاكرته إلى الوراء قائلاً :
لم أر قط مثل هذا الكم الهائل من الغاز المسيل للدموع… ولم يكن ممكناً أن  ترى أمامك مسافة خمسة أقدام من القاعة. ولكثرة الغاز تعذر وصول الهواء إلى الرئتين، ولم نستطع التنفس…”
وقال شخص آخر كان موجوداً في المبنى في ذلك اليوم وهو ملانيا تشيبونغو إنها لم تعرف أيهما أسوأ، أهو الاختناق بسبب الغاز المسيل للدموع داخل المبنى أم التعرض للضرب على يد الشرطة في خارجه:
كان الدخان في هذا المكتب رهيباً. وحاولت أن أغسل وجهي. وأردت الصعود إلى الدور الأول. ولم أستطع أن أرى أمامي -- لم أستطع أن أرى لأن الغاز كان أشبه بالفلفل الحار في عينيَّ. لقد تحسست الحائط للخروج والصعود إلى أعلى. ثم أحسست بشخص يسحبني إلى الخارج. يد تسحبني. لقد كانوا رجال الشرطة. وانهالوا علي بالضرب. ثلاثة رجال شرطة ضربوني بالهراوات، هراوات خشبية: وهي عبارة عن عصا لها مقبض في طرفها. ومزقوا تنورتي وألقوا بي في سيارة شحن مقفلة. وقد رأيت بنادق عندما نظرت إلى الخارج. وكان رجال الشرطة يدخلون المبنى مزودين ببنادقهم. وفتحوا بابه وأطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع، ثم أغلقوا الباب مجدداً.”

وقد اتصلت مليان سيبنتي أكوفو مسؤولة حزب الاستقلال الوطني الموحد بالشرطة متوسلة إليهم أن يوقفوا إلقاء قنابل المسيل للدموع داخل المبنى. وأبلغت منظمة العفو الدولية فيما بعد أن الشرطة أجابت قائلة، “سنواصل إلقاء الغاز المسيل للدموع عليهم حتى يموتوا … أما الذين سيخرجون من المبنى، فسندق أعناقهم.”
وقد عُثر في مبنى الحزب المذكور على قنبلة غاز مسيل للدموع استُخدمت في هذا الهجوم وسُلمت إلى باحثي منظمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان. فكانت من صنع مؤسسة بريطانية تدعى بينـز -- وسيكس، وهي شركة تابعة لشركة تشمرينغ بي أل سي (ش.م.ع.). ودعت منظمة العفو الدولية حكومة المملكة المتحدة إلى وقف تصدير قنابل الغاز المسيل للدموع إلى زامبيا. لكن في 21 يوليو/تموز 2000، أصدرت حكومة المملكة المتحدة تقريرها السنوي حول صادرات الأسلحة. وأظهر التقرير أنه في العام 1999 منحت الحكومة تراخيص لتصدير قنابل غاز سي أس والغاز المسيل للدموع/الذخيرة المهيجة إلى زامبيا. وتواصل منظمة العفو الدولية الحث على وقف تصدير هذه القنابل إلى زامبيا إلى أن تصبح شرطة زامبيا خاضعة للمساءلة ومدربة بشكل صحيح على استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع. كما تحاول منظمة العفو الدولية معرفة اسم الشركة المسؤولة عن تصدير هذه المعدات.
ويتوفر الآن لدى الشرطة وقوات الأمن مجموعة كاملة من الأسلحة التي يجري الترويج لها على أساس أنها تؤمن سيطرة فعالة من دون المخاطرة بإزهاق الأرواح. وتزعم الشركات التي تقوم بتصنيع هذه المعدات والمتاجرة بها أنها بديل إنساني للقوة المميتة. لكن هناك أدلة كثيرة على أن بعض الأسلحة “الأقل من مميتة” قد أسيء استخدامها، وأسفرت عن وقوع إصابات خطيرة وحتى وفيات. وكما هو حال الأنواع الأخرى من المعدات والخبرات المبينة في هذا التقرير، فإن القيود المفروضة على تصنيع الرذاذ الكيماوي واستخدامه غالباً ما تدعو للسخرية. وثمة حاجة ملحة لوضع مبادئ توجيهية واضحة حول كيفية وجوب استخدام هذه الأسلحة. ويجب تطبيقها عبر آليات رصد مناسبة. ويجب أن تتلقى القوات التي تستخدمها تدريباً كافياً. وبالنسبة لبعض التطورات الحديثة في هذا الميدان، هناك حاجة إلى إجراء تقييم مستقل حول ما إذا كانت فعلاً تشكل بديلاً “إنسانياً”.
وقد صُمم العديد من هذه المعدات -مثلاً الرذاذ الكيماوي والغاز المسيل للدموع -- للاستخدام في السيطرة على الجموع. لذا، فإن العديد من الأمثلة على إساءة استخدامها تتضمن محاولات من جانب قوات الأمن لتفريق المظاهرات. وكان بعضها عبارة عن احتجاجات سياسية سلمية تُرجمت فيها رغبة السلطات في قمع المعارضة إلى استخدام مفرط للقوة من جانب قوات الأمن. وفي حالات أخرى، ثم إطلاق المواد الكيماوية في أمكنة مقفلة، بما يتعارض مع تعليمات الشركة الصانعة، الأمر الذي عرض شاغليها للخطر. كما وردت أنباء عديدة حول الاستخدام المفرط للقوة، حيث رُش الرذاذ الكيماوي والغاز المسيل للدموع مباشرة على الأفراد في الشارع أو استُخدم ضد سجناء أفراد، وترتب على ذلك عواقب مميتة أحياناً.
وفي العام 1999، كشف تقرير أعدته هيئة الشكاوى المتعلقة بالشرطة في المملكة المتحدة أنه في 40 بالمائة من الـ 135 حالة التي جرت مراجعتها، لم يتم استخدام الغاز المسيل للدموع للدفاع عن النفس، على عكس ما جاء في المبادئ التوجيهية. وفي 14 بالمائة من الحالات استُخدم الغاز المسيل للدموع ضد أشخاص سبق للشرطة أن قيدتهم؛ وفي 4 بالمائة من الحالات كان الأشخاص قد كُبلوا بأصفاد اليدين أصلاً. وعلاوة على ذلك، كُشف النقاب عن أن 75 بالمائة من أجهزة الشرطة في المملكة المتحدة وضعت مبادئ توجيهية “إضافية” خاصة بها، ولم يكن واضحاً قط ما إذا كانت تندرج ضمن المبادئ التوجيهية الوطنية. كما أن الدراسات التي أُجريت حول آثار الغاز المسيل للدموع في المملكة المتحدة تثير بواعث قلق جدية. وقد أظهرت إحدى الدراسات التي أُجريت في المملكة المتحدة أنه من أصل عينة مؤلفة من 34 شخصاً رُشوا بالغاز المسيل للدموع، تعافى اثنان فقط ضمن فترة الشفاء المعتادة، بينما ما زال نصفهم يعاني من أعراض بعد مضي أكثر من أسبوع آخر.

وفي مايو/أيار 1993، داهم رجال الشرطة الهنغاريون الذين كانوا يحققون في سرقة سيارة تجمعاً للغجر في بيكي أوتكا في أوركني، التي تبعد زهاء 50 كيلومتراً إلى جنوب بودابست. وقد أُغمي على لاكاتوس ليزلني، وهي امرأة عمرها 55 عاماً، ونُقلت إلى المستشفى بعد أن ضربها شرطي وانتزع أنبوب التنفس من عنقها ورشها بالغاز المسيل للدموع في وجهها. وحاولت فهير بترنيه، التي كانت حاملاً في شهرها الخامس حماية لاتاكوس ليزلني التي كانت ممدة على الأرض وهي فاقدة الوعي. فتعرضت هي أيضاً للضرب ورُشت بالغاز المسيل للدموع. واحتاجت فيما بعد إلى المعالجة الطبية للجروح التي أُصيبت بها. وعلى حد علمنا لم يُتخذ أي إجراء ضد رجال الشرطة المسؤولين عن ذلك.

وفي بوليفيا أسفر استخدام الغاز المسيل للدموع بلا تمييز من جانب أفراد وحدة الدوريات الريفية المحمولة والجيش لتفريق مظاهرات وإضرابات جماهيرية في منطقة إل تشباري بين إبريل/نيسان ويونيو/حزيران 1998، عن وفاة أربعة أشخاص نتيجة استنشاقهم الغاز المسيل للدموع، من بينهم راؤول دياز كماتشو، وهو طفل عمره 16 شهراً. وتعرض ما لا يقل عن خمسة أطفال لأذى شديد عندما ألقيت قنابل الغاز المسيل للدموع على الجموع في بلدتي فيلا توناري ولوس يونغاس. وأُصيب صبي عمره 10 سنوات وفتاة عمرها 17 عاماً بجروح في الرأس والوجه نتيجة ارتطام قنابل الغاز المسيل للدموع برأسيهما. وفي بلدة شيناهوتا، تأذى عدة أطفال عندما أُلقيت قنابل الغاز على المدرسة المحلية.

وفي تقريره للعام 2000، أورد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب تفاصيل إساءة استخدام الغاز المسيل للدموع في سجن كولينا واحد المحاط بإجراءات أمنية مشددة في تشيلي في 5 فبراير/شباط 1999. وفُتحت الزنازين في مبنى الزنازين رقم G وأُيقط السجناء بواسطة قنابل الغاز المسيل للدموع وتعرضوا للتهديد بالقتل. وجُرجروا من زنازينهم، وشكَّل أفراد اللواء الخاص لمكافحة الشغب في السجون ممراً أُجبر السجناء على المشي ضمنه وهم يتعرضون للركل واللكم والضرب بالعصي. وفي الفناء الخارجي، أُجبر السجناء على الجلوس على الأرض في وضعية الجنين؛ ثم رُشوا مرة ثانية بالغاز المسيل للدموع وتعرضوا للمزيد من الضرب.

4 : أسلحة الصعق

قُبض على يوسف24، وهو من أبناء أقلية الإيغور العرقية في الصين، في العام 1998 للاشتباه بقيامه بنشاط سياسي. واقتيد إلى مركز الاحتجاز التابع لمكتب الأمن العام في مدينة أورومكي، واستُجوب في غرفة تحت الأرض محاذية لمركز الاعتقال. وقد ربط مستجوبوه يديه خلف ظهره ورفعوا ذراعيه وسحبوهما إلى أعلى مما أدى إلى ليِّهما خلف ظهره في وضع سبب له الألم. وصُعق بالصدمات الكهربائية بواسطة هراوات الصدمات الكهربائية. واستُخدمت الصدمات في جميع أنحاء جسده، بما في ذلك فمه وقضيبه، فسببت له ألماً مبرحاً. وضربه المحققون على عظام ساقيه بهراوة خشبية. وأجبروه على الركوع وضربوه على فخذيه وكتفيه بهراوة. وأثناء تعذيبه، ألبسوه خوذة معدنية غطت عينيه. واستخدم المحققون هذه الخوذة لمنع وقوع إصابات مميتة؛ ذلك أن بعض السجناء الذين لا يستطيعون تحمل ألم التعذيب، قد يحاولون قتل أنفسهم بضرب رؤوسهم بالحيطان. وقال يوسف إنه يعرف سجيناً واحداً ضرب رأسه بمشعاع للهروب من التعذيب. ولم يمت السجين، لكنه أُصيب بكسور في جمجمته، وأصبح مختلاً عقلياً. وأُفرج عنه نتيجة ذلك.

ومنذ العام 1999، استُخدمت أجهزة الصعق بالصدمات الكهربائية وما زالت لتعذيب أو إساءة معاملة الناس في السجون أو مراكز الاعتقال أو مراكز الشرطة في ما لا يقل عن 76 دولة في كل منطقة من العالم. ومن شبه المؤكد أن هذا الرقم أقل من الرقم الحقيقي. ويستفيد الذين يصنعون هذه المعدات ويتاجرون فيها من السرية الرسمية وغياب المساءلة. وثبت أن هناك صعوبة جمة في تقديم ممارسي التعذيب، الذين يستخدمون أسلحة الصعق بالصدمات الكهربائية، إلى العدالة. إذ يتم عصب عيني العديد من الضحايا أو تغطية وجوههم خلال التعذيب مما يجعل من المستحيل عليهم تحديد الأدوات التي استُخدمت لإيلامهم. كذلك غالباً ما يبدو أن ممارسي التعذيب يفضلون استخدام أسلحة الصعق بالصدمات الكهربائية لأنها تسبب ألماً مبرحاً من دون أن تترك علامات دائمة على جسد الضحية.
لقد استُخدمت أدوات الصعق بالصدمات الكهربائية ضد الأطفال والمسنين والحوامل والمصابين بأمراض عقلية. واستخدمت ضد المتظاهرين المسالمين والسجناء العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.
واستُخدمت أجهزة الصعق بالصدمات الكهربائية بصورة متعمدة وغالباً متكررة على أفواه السجناء وأعضائهم التناسلية وغيرها من الأجزاء الحساسة في أجسادهم. وغالباً ما يقترن التعذيب بالصدمات الكهربائية بضروب أخرى من التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك التعذيب النفسي. ورغم أن العواقب المترتبة على التعذيب بالصدمات الكهربائية تختلف تبعاً لنوع المعدات المستخدمة وكيفية استخدامها، فإنه يمكن للآثار الفورية أن تتضمن الألم الشديد وفقدان السيطرة على العضلات والغثيان والتشنج والإغماء والتبرز والتبول غير التطوعيين. وعادة تختفي الآثار الجسدية للتعذيب بالصدمات، مثل احمرار الجلد وإصابته بالندب، خلال أسابيع. لكن الآثار الأكثر استدامة التي ذكرها الضحايا تتضمن تصلب العضلات والضرر طويل الأمد الذي يلحق بالأسنان الشعر والاضطراب الإجهادي اللاحق للصدمة والاكتئاب الشديد.

هراوات الصعق بالصدمات الكهربائية ومناخس الماشية
يتزايد استخدام هراوات الصعق بالصدمات الكهربائية عالية الجهد كأداة للسيطرة على الجموع. وأحياناً يتم الخلط بين هذه الأجهزة الجديدة وبين مناخس الماشية الأقل قوة والتي تُستخدم أحياناً في التعذيب. وفي عدد من الدول التي استخدمت فيها قوات الأمن القوة المفرطة ضد المتظاهرين المسالمين ولقمع المعارضة السياسية، جرى استعمال هراوات الصعق بالصدمات الكهربائية لإلحاق إصابات خطيرة بالمتظاهرين والخصوم السياسيين.
وفي سبتمبر/أيلول 1998 استخدمت قوات الأمن في بنوم بنه بكمبوديا القوة المفرطة لسحق المظاهرات السلمية التي قام بها أنصار أحزاب المعارضة. وخلال حملة القمع العنيفة، تعرض العديد من المتظاهرين، بينهم رهبان بوذيون، للضرب بهراوات الصعق بالصدمات الكهربائية التي استخدمتها الشرطة العسكرية. واحتاج أكثر من 60 شخصاً إلى المعالجة في المستشفى من الجروح التي أُصيبوا بها؛ واحتاج ستة منهم على الأقل إلى علاج من آثار الصدمات الكهربائية. وكانت هراوات الصعق بالصدمات الكهربائية المستخدمة تشبه تلك التي ورَّدتها شركة في الصين.
كذلك استُخدمت هراوات الصعق بالصدمات الكهربائية لتعذيب السجناء السياسيين والمتهمين بارتكاب جرائم، من أجل انتزاع اعترافات منهم وترهيب النشطاء وإسكاتهم.

وفي يناير/كانون الثاني 1998 استُخدمت هراوات الصعق بالصدمات الكهربائية من جانب قوات الأمن في كينشاسا، بجمهورية الكونغو الديمقراطية، ضد أنصار اتحاد الديمقراطية والتقدم الاجتماعي، وهو حزب المعارضة السياسية الرئيسي. وقامت شرطة التدخل السريع والشرطة العسكرية بفض اجتماع للحزب المذكور، وبحسب ما ورد أقامت الحواجز على الطرق ومنعت أنصار الحزب من المشاركة في الاجتماع. وأدى تدخل قوات الأمن إلى مصادمات عنيفة بين نشطاء اتحاد الديمقراطية والتقدم الاجتماعي وبين قوات الأمن. واعتُقل ما لا يقل عن 30 من أعضاء الحزب وأنصاره؛ وتعرض بعضهم للتعذيب بهراوات الصعق بالصدمات الكهربائية. وكما يبدو استُخدم التعذيب بالصدمات الكهربائية لإضعاف الضحايا استعداداً للمرحلة الثانية من التعذيب التي تتضمن عمليات الضرب بالهراوات العادية.
ويظل تعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم أمراً شائعاً في مصر، وبخاصة في مكاتب مباحث أمن الدولة ومراكز الشرطة، وأحياناً في السجون. والصعق بالصدمات الكهربائية هو من أكثر الطرق الشائعة التي يذكرها الضحايا. وبحسب ما ورد اعتُقل محمد نجيب أبو حجازي في 17 سبتمبر/أيلول 1997 على يدي أحد رجال مباحث أمن الدولة في الإسكندرية واتهم بالانتساب إلى الجماعة الإسلامية. وأثناء احتجازه في أحد مكاتب أمن مباحث الدولة بالإسكندرية، جُرد من ملابسه وصعق بالصدمات الكهربائية بواسطة “عصا إسطوانية الشكل مزودة بسلك معدني حلزوني”. وورد أيضاً أنه حُرم من الطعام مدة ثلاثة أيام، وبقي معصوب العينين طوال فترة اعتقاله التي دامت تسعة أيام وهُدد بالاعتداء الجنسي عليه.

وفي العام 1997 في تايوان، حُكم على سو تشيين -- هو ولوي بينغ-لانغ وتشوانغ لين -- هسوينغ بالإعدام بسبب ارتكاب جريمة مزدوجة في العام 1991، رغم وجود دلائل قوية على براءتهم. وقال معتقل آخر إنه بعد التوقيع على اعترافه، نُقل إلى غرفة أخرى في مركز الشرطة نفسه ورأى سوتشيين مربوطاً إلى كرسي بينما كان شرطي يضربه على باطن قدميه بقضيب خشبي. وقال أيضاً أنه رأى لوي بينغ -- لانغ مقيداً في كرسي آخر بينما كان رجال الشرطة يستخدمون منخساً للماشية لصعقه بالصدمات الكهربائية في أعضائه التناسلية، وشاهد تشوان لين -- هسوينغ يُضرب على رأسه

5 : المهارات اللازمة للتعذيب

لا يولد الإنسان جلاداً بالفطرة، بل تجري تنشئته وتدريبه ودعمه. وهناك دول عديدة تعتمد على استعداد الحكومات الأجنبية لتزويدها ليس بالمعدات فقط بل أيضاً بالأفراد والتدريب و”الخبرة”. ويجب أن تتضمن عملية وقف التعذيب ليس وقف تجارة المعدات وحسب، بل أيضاً وضع حد للتجارة التي تساعد على خلق “ممارسي تعذيب محترفين”.
وإن الولايات المتحدة الأمريكية والصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة هي من بين الدول الرئيسية التي تقدم التدريب في شتى أنحاء العالم إلى القوات العسكرية والأمنية والشرطية التابعة للدول الأجنبية. وقد ينطوي بعض من هذا التدريب على فائدة للمجتمعات المتلقية عبر صقل مهارات القوات العسكرية والأمنية والشرطية التي تحترم سيادة القانون وتسعى إلى تعزيز وحماية حقوق السكان المدنيين. لكن ما لم يخضع هذا التدريب لسيطرة صارمة ورقابة مستقلة، فهناك خطورة في استخدامه لتسهيل ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان. وللأسف يجري جزء كبير من هذا التدريب في السر، بحيث نادراً ما يكتشف الرأي العام والهيئات التشريعية في الدول المعنية هوية المتدربين والمهارات التي يجري نقلها إليهم وهوية القائمين على التدريب -- وغالباً ما تبذل الدول المتلقية والمانحة جهوداً جبارة للتكتم على نقل الخبرة التي تُستخدم في تسهيل ارتكاب الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. لكن في بعض الأحيان يتم إلقاء الضوء على عالم الأشباح هذا.
وفي مايو/أيار 1999، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً عنوانه “توغو: حكم الإرهاب” وصف عقوداً من الترهيب والتعذيب وحوادث “الاختفاء” وعمليات القتل التي ارتكبتها قوات الأمن التوغولية ضد السكان المدنيين. كما أورد التقرير تفاصيل المساعدة التي قدمتها فرنسا إلى حكومة الرئيس غناسينغبه إياديما. وفي يوليو/تموز 1999، قام الرئيس الفرنسي جاك شيراك بزيارة إلى توغو. لكنه عوضاً عن أن يدين علانية انتهاكات حقوق الإنسان في توغو، أعلن أن “التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية ربما كان وليد الاستغلال والتلاعب.”
ورغم أن هذا الرد معيب إلا أنه كان متوقعاً. ذلك أن الحكومة الفرنسية منحت فيما بعد وسام الاستحقاق الوطني إلى ضابط كبير في شرطة توغو اتهمته اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في توغو بإصدار أمر تعذيب أربعة أشخاص في أغسطس/آب 1990. وطوال سنوات عديدة، زودت فرنسا الجيش وقوات الأمن في توغو بأسلحة ومعدات مثل الأسلحة الفردية والأسلحة الخفيفة وناقلات الجند المدرعة والطائرات. كما كان للمستشارين العسكريين الفرنسيين وجود دائم في توغو، بمن فيهم المدربون وأحد الطيارين وميكانيكيون. وضم أفراد الجيش والأمن التوغوليون الذين تدربوا في فرنسا ضباطاً زُعم أنهم مسؤولون عن التعذيب وإساءة المعاملة. فمثلاً، عندما أثارت منظمة العفو الدولية في العام 1998 مع وزير الدفاع التوغولي،  قضية نقيب في الدرك التوغولي، أعطت اسمه عدة مصادر باعتباره مسؤولاً عن تعذيب وإساءة معاملة، رد الوزير بأن النقيب يتدرب الآن في فرنسا.
وتطرح هذه القضايا أسئلة جدية حول مدى صرامة إجراءات الغربلة المتعلقة بحقوق الإنسان والمعتمدة لدى القوات الفرنسية في اختيار الأفراد العسكريين الأجانب وحول طبيعة التدريب نفسه. وتواصل منظمة العفو الدولية إثارة بواعث القلق هذه والضغط لوضع قيود أكثر صرامة على عملية نقل الخبرة الأمنية ومراقبتها بما يكفل عدم استخدامها لتسهيل ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان.

مدرسة الأمريكيتين
خلال 30 عاماً من الصراع الأهلي في غواتيمالا تعرض عشرات الآلاف من الأشخاص للتعذيب أو القتل أو “الاختفاء” على أيدي قوات الأمن الحكومية أو القوات شبه العسكرية. وقصة الأخت ديانا أورتيز، إحدى ضحايا هذه الانتهاكات، هي قصة غير عادية من حيث إنها تعطي فكرة عن دور الولايات المتحدة الأمريكية في تسهيل انتهاكات حقوق الإنسان. وكانت الأخت أورتيز، التي تحمل الجنسية الأمريكية، تعمل في سان ميغيل أكتين، وهي منطقة ريفية فقيرة في غواتيمالا، تُعلِّم أطفال مايان القراءة. وتلقت تهديدات عديدة بالقتل بسبب عملها. وتم اختطافها في نوفمبر/تشرين الثاني 1989.
خطفني أفراد من قوات الأمن الغواتيمالية من الحديقة الخلفية لمأوى بوسادا دي بيلن في أنتيغا. واقتادوني إلى سجن سري حيث تعرضت للتعذيب والاغتصاب بصورة متكررة. وأُحرق ظهري وصدري بالسجائر أكثر من 111 مرة. وقد أُنزلت إلى حفرة مفتوحة مكدسة بجثث أشخاص، جثث أطفال ونساء ورجال، بعضها مقطوع الرأس، وبعضها الآخر ممدد على ظهره ومغطى بالدماء، بعضها لأموات وأخرى لأحياء -- وكانت الحفرة تعج بالجرذان.
وبعد ساعات من التعذيب، أعادوني إلى الغرفة التي بدأ فيها استجوابي، والتقيت في هذه الغرفة بأليخاندرو وهو رجل طويل ذو بشرة فاتحة. وعندما بدأ الأشخاص الذين يعذبونني باغتصابي مرة أخرى، قالوا له، ‘أليخاندرو تعال وخذ نصيبك من المتعة.’ وأشاروا إليه بكلمة الرئيس’. فشتمهم أليخاندرو باللغة الإنجليزية وبلكنة أمريكية لا جدال فيها وأمرهم بأن يتوقفوا، لأنني كنت راهبة من أمريكا الشمالية وأصبحت حادثة اختفائي علنية
اعترف إليخاندرو أنه كان يشعر بالقلق على سكان غواتيمالا، وبالتالي كان يعمل على تحريرهم من الشيوعية. وظل يقول لي بلغة أسبانية غير سلمية أنه آسف لما حصل لي .. وسألته عما سيحدث للأشخاص الآخرين الذين رأيتهم بتعرضون للتعذيب. وفي هذه اللحظة بدأ يتحدث بلغة إنجليزية أمريكية واضحة. وقال لي ألا أشغل بالي بهم…”

ولم يتم قط تأكيد هوية أليخاندرو. لكن المعطيات التي يتم الحصول عليها خلال العام 1999 أكدت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) قد ساعدت القوات المسلحة الغواتيمالية بتعزيز جهاز  مخابراتها الوطني ودربت ضباطها على الأساليب الوحشية في مكافحة التمرد منذ مدة طويلة تعود إلى الستينيات -- وخلصت لجنة التوضيح التاريخية، التي شُكلت فيما بعد في غواتيمالا للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال الصراع الأهلي إلى أنه :
بينما حظيت معاداة الشيوعية التي دعت إليها الولايات المتحدة في إطار سياستها الخارجية، بدعم حازم من الأحزاب السياسية اليمينية ومن مختلف الأفراد والجهات الأخرى القوية في غواتيمالا، فإن الولايات المتحدة أثبتت أنها مستعدة لتقديم دعم إلى الأنظمة العسكرية القوية الواقعة في ساحتها الخلفية الاستراتيجية. وبالنسبة لغواتيمالا، كانت المعونة العسكرية موجهة نحو تعزيز جهاز الاستخبارات الوطني وتدريب الضباط على أساليب مكافحة التمرد، وهي عوامل مهمة كان لها تأثير ملموس على انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال المواجهة المسلحة.”

وفي العام 1991، وفي دعوى قضائية مدنية، أدانت محكمة في الولايات المتحدة وزير الدفاع الغواتيمالي السابق هكتور غراماخو بالمسؤولية عن اختطاف الأخت أورتيز واغتصابها. والجنرال غراماخو هو واحد من مئات المتخرجين من مدرسة الأمريكيتين سيئة السمعة في الولايات المتحدة الأمريكية الذين ثبت ضلوعهم في انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف دول أمريكا الجنوبية.
ومدرسة الأمريكيتين الواقعة في فورت بنينغ، بولاية جورجيا، هي أفضل مرفق تدريب عسكري أمريكي معروف، لكنها واحدة فقط من أكثر من 150 مركزاً في الولايات المتحدة الأمريكية والخارج، يتدرب فيه الضباط الأجانب. وفي سبتمبر/أيلول 1996، أفرجت وزارة الدفاع الأمريكية عن أدلة على أن مدرسة الأمريكيتين قد استخدمت ما يعرف “بكتيبات تدريب المخابرات” بين العامين 1982 و1991 والتي دعت إلى استخدام الإعدام والتعذيب والضرب والابتزاز. وكانت الكتيبات المكتوبة بالأسبانية تُستخدم لتدريب الآلاف من أفراد قوات الأمن في أمريكا اللاتينية. وجرى توزيع نسخ من هذه الكتيبات في كولومبيا والإكوادور والسلفادور وغواتيمالا وبيـرو.

ويبدو أن الكتيبات قد اكتُشفت متأخرة عبر عمليات مراجعة داخلية جرت في العام 1991. وأُخطرت اللجان المعنية في الكونغرس بهذا الاكتشاف في العام 1991، لكن لم يتم الإعلان عن وجود الكتيبات في ذلك الوقت. وفي الحقيقة، عندما أعلنت حملة قادتها منظمات غير حكومية أمريكية -- مرصد مدرسة الأمريكيتين -- على الرأي العام وجود الكتيبات في يوليو/تموز 1996، نفى الناطق الرسمي باسم مدرسة الأمريكيتين استخدام مثل هذه الكتيبات نفياً قاطعاً. وأفرج البنتاغون عن نسخ من الكتيبات بعد شهرين في أيلول/سبتمبر 1996.

وقد تبين لعدة تحقيقات حكومية أنه، بينما تضمنت الكتيبات مواد غير مناسبة، إلا أنه لم يتم انتهاك أي قانون أمريكي في إعدادها وتوزيعها واستخدامها. ونتيجة لذلك، لم تتم مساءلة أحد عن إعدادها واستعمالها. وفي الواقع رفض المسؤولون الأمريكيون إنزال عقوبات تأديبية بالمسؤولين عن إعدادها أو استخدامها على أساس أنه لم تَجرِ “محاولة متعمدة لانتهاك” السياسة الأمريكية

6 : برنامج عمل

إطار للمعايير الدولية
ترتكز سياسة منظمة العفو الدولية وتوصياتها المتعلقة بتجارة المعدات والخبرات التي يمكن أن تُستخدم في التعذيب وإساءة المعاملة على المبادئ المحددة في مختلف المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومن بينها المعايير الدولية المتعلقة بإنفاذ القانون وإدارة السجون، وهذه المعايير :

· تمنع منعاً باتاً التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (سوء المعاملة)
وشأنها شأن المعايير الدولية الأخرى لحقوق الإنسان، تتضمن مدونة قواعد السلوك الخاصة بالموظفين المكلفين بإنفاذ القانون (المادة 5) حظراً مطلقاً للتعذيب وسوء المعاملة. ويشير التعليق الرسمي على المادة 5 إلى أن عبارة معاملة أو عقوبة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة “يجب أن تُفسر على نحو تقدم فيه أكبر قدر ممكن من الحماية ضد الانتهاكات، سواء كانت جسدية أو عقلية.”

· تمنع استخدام بعض أدوات التقييد، وبخاصة حديد الأرجل، وتقيد استخدام أدوات أخرى
وفقاً للمادة 33 من القواعد الدنيا النموذجية للأمم المتحدة الخاصة بمعاملة السجناء، يجب عدم استخدام أدوات التقييد مطلقاً إلا كإجراء احترازي ضد الهروب خلال عملية نقل؛ أو استناداً لأسباب طبية بتوجيه من المسؤول الطبي في السجن أو مركز الاعتقال؛ أو بأمر من مدير المؤسسة، إذا فشلت طرق السيطرة الأخرى في منع السجين من إيذاء نفسه أو إيذاء الآخرين أو إلحاق الضرر بالممتلكات. ولا يجوز استخدامها مدة أطول مما هو ضروري للغاية، ويجب ألا تُستخدم مطلقاً كعقاب. ويجب فكها عندما يمثل السجين أمام هيئة قضائية أو إدارية.

· تشير إلى أن استخدام القوة من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون يجب أن يخضع لمبدأي الضرورة والتناسب.
تُشير المادة 3 من مدونة قواعد السلوك للأمم المتحدة الخاصة بالموظفين المكلفين بإنفاذ القانون إلى أن القوة يجب أن تستخدم “فقط عندما تكون ضرورية للغاية.” ويشير التعليق الرسمي على المادة 3 إلى أن استخدام القوة يجب أن يكون “استثنائياً”؛ وأنه يجب ألا تُستخدم القوة إلا “بالقدر الضروري بصورة معقولة في ظل الظروف القائمة”؛ وأنه لا يجوز استخدامها إلا لغرضين، “منع وقوع جريمة” و”تنفيذ إلقاء القبض القانون بصورة قانونية على المذنبين أو المتهمين بارتكاب ذنب أو المساعدة في ذلك”. ويجب أن تكون القوة المستخدمة متناسبة مع الأهداف المشروعة المراد تحقيقها.
وتنص المبادئ الأساسية للأمم المتحدة الخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون على أنه “يجب على الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، أثناء قيامهم بواجبهم، أن يستخدموا قدر الإمكان، وسائل غير مصحوبة بالعنف، قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية،” (المادة 4) وأنه “كلما كان تفادي الاستخدام القانوني للقوة والأسلحة النارية غير ممكن، على الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون… أن يقللوا إلى أدنى حد من إلحاق الأذى والإصابة، وأن يحترموا أرواح الناس” (المادة 5).
وتنص القاعدة 54 من القواعد النموذجية الدنيا للأمم المتحدة الخاصة بمعاملة السجناء على أنه لا يجوز لموظفي السجن استخدام القوة ضد السجناء “ألا في حالة الدفاع عن النفس أو في حالات محاولة الهرب، أو المقاومة الجسدية النشطة أو السلبية لأمر يرتكز على القانون أو النظام” وأن “موظفي السجن الذين يلجأون إلى استخدام القوة عليهم ألا يستخدموا منها أكثر مما هو ضروري للغاية”.

· تنص على فرض رقابة على الأسلحة غير المميتة
تؤيد المبادئ الأساسية للأمم المتحدة الخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية من جانب المسؤولين المكلفين بإنفاذ القانون استخدام الأسلحة غير المميتة وتنص على فرض رقابة عليها. فالمادة 2 من هذه المبادئ الأساسية للأمم المتحدة تنص على أن : الحكومات وهيئات تنفيذ القانون يجب أن تطور أوسع مجموعة ممكنة من الوسائل وأن تزود الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون بمختلف أنواع الأسلحة والذخيرة التي تسمح بالاستخدام التفاضلي للقوة والأسلحة النارية. ويجب أن تتضمن تطوير أسلحة تشل القدرة لكنها غير مميتة لاستخدامها في الظروف المناسبة، بغية الحد من استخدام الوسائل القادرة على التسبب بوفاة الأشخاص أو إصابتهم بجروح… وتنص المادة 1 على أنه يجب على الحكومات وهيئات إنفاذ القانون أن تعتمد وتنفذ قواعد وأنظمة حول استخدام القوة والأسلحة النارية ضد الأشخاص من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون. وتنص المادة 3 على : أن تطوير ونشر أسلحة غير مميتة تشل القدرة يجب أن يخضع لتقييم متأنٍ للتقليل إلى أدنى حد من احتمال تعريض أشخاص لا علاقة لهم للخطر، ويجب أن يخضع استخدام هذه الأسلحة لرقابة شديدة.

وتدعو منظمة العفو الدولية الحكومات إلى :

1.      حظر استخدام المعدات الشرطية والأمنية التي يكون استخدامها بطبيعته قاسياً أو لا إنسانياً أو مهيناً. وحظر تصنيع هذه المعدات والترويج لها والتعامل بها مع الدول الأخرى. ويجب أن تتضمن : حديد الأرجل وأحزمة الصعق بالصدمات الكهربائية والأدوات التي تسبب ألماً بطبيعتها مثل قيود الإبهام المسننة.

2.      وقف استخدام المعدات التي لا تكون آثارها الطبية معروفة بالكامل، بانتظار نتيجة تحقيق صارم ومستقل حول الآثار المترتبة عليها. ويجب أن تتضمن معدات مثل أسلحة الصعق بالصدمات الكهربائية ذات الجهد العالي. ويجب وقف عمليات نقلها إلى دول أخرى بانتظار نتائج التحقيق.

3.      إجراء مراجعة مستقلة وصارمة لاستخدام المعدات التي يكشف استعمالها العملي عن وجود خطر كبير في إساءة استخدامها أو التسبب بإصابات غير مبررة. ووقف نقل هذه المعدات إلى دول أخرى بانتظار نتائج المراجعة. ويجب أن تتضمن معدات مثل قيود الساقين وقيود الإبهام وألواح التقييد بالأغلال وكراسي التقييد وأسلحة الفلفل والغاز.

4.      وضع مبادئ توجيهية صارمة حول استخدام المعدات الشرطية والأمنية مثل أصفاد اليدين والغاز المسيل للدموع. وإنشاء آليات رصد كافية لمراجعة المبادئ التوجيهية باستمرار وضمان التقيد بها.

5.      ضمان وضع جميع الأبحاث ذات الصلة حول سلامة المعدات والأسلحة الجديدة لإنفاذ القانون في متناول الرأي العام قبل اتخاذ أي قرارات حول تطويرها.

6.      ضمان عدم السماح بعمليات نقل المعدات الشرطية والأمنية إلا إذا اقتنعت حكومة الدولة التي تجري عملية النقل منها بأنها ستُستخدم وفق المبادئ التوجيهية الصحيحة. وفرض قيود صارمة على تصدير هذه المعدات لضمان عدم استعمالها لممارسة التعذيب أو سوء المعاملة. وزيادة المساءلة العامة والشفافية في توريد هذه المعدات.

7.      ضمان عدم إدراج نقل المهارات أو المعرفة أو الأساليب التي يُحتمل أن تؤدي إلى التعذيب أو سوء المعاملة في الدولة المتلقية في تدريب أفراد الجيش أو قوات الأمن أو الشرطة. ويجب جعل التطبيق العملي لمعايير حقوق الإنسان والقانون الإنساني المعني جزءاً لا يتجزأ من برامج التدريب هذه.

8.      وضع إجراءات موضوعية لاختبار جميع المشاركين المحتملين في التدريب الخاص بأفراد الجيش وقوات الأمن والشرطة التابعين لدولة أخرى لضمان منع الأشخاص الذين تورطوا في ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان من المشاركة، إلا إذا كانوا قد قُدموا للعدالة واتُخذت إجراءات فعالة لإعادة تأهيلهم.

9.      إذاعة المعلومات المتعلقة بجميع برامج التدريب الشرطي والأمني والعسكري للرعايا الأجانب والتي ترعاها الحكومة، وبخاصة الأفراد والوحدات التي يجري تدريبها، وطبيعة التدريب وآليات المراقبة القائمة. وإنشاء آليات للرصد الصارم لتأثير التدريب المقدم على حقوق الإنسان.

10.  سن تشريعات لمراقبة ورصد أنشطة الشركات الخاصة التي تقدم الخدمات العسكرية والشرطية والأمنية. ويجب أن يُشترط على الشركات والأفراد الذين يقدمون مثل هذه الخدمات أن يسجلوا أنفسهم ويقدموا تقارير سنوية تفصيلية حول أنشطتهم. ويجب أن يحتاج كل نقل دولي مقترح للأفراد أو التدريب إلى موافقة حكومية مسبقة. وينبغي منح هذه الموافقة وفق معايير متوفرة علناً تستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني.

تدعو منظمة العفو الدولية جميع الشركات إلى :

11.  التوقف بصورة فورية ودائمة عن إنتاج وترويج وتوزيع المعدات التي تكون بطبيعتها قاسية أو لا إنسانية أو مهينة.

12.  وقف تصنيع وترويج ونقل جميع المعدات التي لا تكون الآثار الطبية المترتبة عليها معروفة بالكامل، أو التي كشف استعمالها العملي عن وجود خطورة كبيرة في إساءة استخدامها أو التسبب بإصابة غير مبررة، بانتظار نتيجة مراجعة صارمة ومستقلة لها.

التعليقات مغلقة