- مقدمة
- تمهيد
- الفصل 1: تجريم الميول الجنسية المثلية -- رخصة للتعذيب
- الفصل 2: التعذيب وإساءة المعاملة على أيدي الشرطة
- الفصل 3: التعذيب وإساءة المعاملة في السجون
- الفصل 4: المعالجة الطبية القسرية في مؤسسات الدولة
- الفصل 5: القسوة تبدي الكراهية- العنف بدافع رُهاب العلاقات الجنسية المثلية في المجتمع
- الفصل 6: الفرار من التعذيب الذي يرتكب على أساس الهوية الجنسية
- الفصل 7: الذود عن حياتنا -المدافعون عن حقوق الإنسان
- الفصل 8: التوصيات
مقدمة
“جاءوا عند منتصف الليل، وقالوا لي:”سنريك شيئاً”، ثم جردوني من ملابسي واغتصبوني. أتذكر أنني اغتُصبت من قبل اثنين منهم، وبعدها أُغمي عليَّ.”
تعرضت كريستين للتعذيب في مركز اعتقال سري في أوغندا، واغتُصبت بعد أن تُركت وحدها في غرفة مع ثلاثة معتقلين ذكور. وكانت قد اعتُقلت لأنها سحاقية. ويجدر بالذكر أن الميول الجنسية المثلية في أوغندا لا تعتبر من المحرمات الاجتماعية فحسب، وإنما جريمة جنائية أيضاً.
وكانت كريستسن قد شكَّلت مع أصدقائها -- بول ونورا ورودني وتشارلز -- جماعة لحقوق الإنسان في مطلع العام 1989. وكان هؤلاء الخمسة، جميعاً، من المدافعين عن حقوق اللوطيين والسحاقيات، ولذا واجهوا عقبات خاصة في أوغندا، حيث تعتبر “العلاقة الجسدية المضادة لنظام الطبيعة” جريمة يمكن أن تنطوي على عقوبة تصل إلى السجن المؤبد.
ففي أيلول/ سبتمبر 1999، وعقب نشر أنباء في وسائل الإعلام الأوغندية حول مزاعم حدوث “زواج مثلي” في كمبالا، أعلن الرئيس يوري موسيفيني للصحافة أنه أصدر أوامره لقسم التحقيقات الجنائية بالبحث عن ذوي الميول الجنسية المثلية، وحبسهم وتوجيه تهم إليهم.3 وكان تأثير هذا الإعلان على حياة النشطاء الخمسة مدمراً.
وبعد إعلان الرئيس التقى الأصدقاء الخمسة في منـزل كريستين في أوائل تشرين الأول/ أكتوبر 1999 لمناقشة الاستراتيجية. وبطريقة ما، عرف الجيش بأمر اجتماعهم. وفي حوالي الساعة العاشرة مساءً، اقتحم ثمانية رجال مسلحين غرفتهم وقبضوا على الأصدقاء الخمسة. وتتذكر كريستين الحادثة قائلة: “لم يتمكن أحد من الكلام، لقد أُصبنا جميعاً بصدمة … وقد وضعوا قطع قماش سوداء على رؤوسنا واقتادونا إلى السيارات”.
وعندما أزالوا العصابة عن عيونهم، وجدت كريستين نفسها في مركز اعتقال سري، حيث تم تجريدها من ثيابها تماماً، وتعرضت للضرب، وهُددت بالاغتصاب من قبل الجنود الذين كانوا يحتجزونها. ثم اقتيدت إلى مركز اعتقال آخر، حيث أُخضعت للاستجواب بشأن مجموعة حقوق الإنسان التي أنشأتها مع أصدقائها، وكذلك حول جنسها. وقالت: “سألوني عما إذا كنت أعرف أن الجنسية المثلية من المحرمات في أفريقيا، فالتزمت الصمت. وقالوا إنها جريمة جنائية، وقد يُحكم عليَّ بسببها بالسجن عشر سنوات أو بالسجن المؤبد. وفي أثناء ذلك، دخلت شرطية وقالت: “سمعت أن لدينا سحاقية هنا، هل يمكنك أن تفعلي معي كما تفعلين مع النساء؟”، رفعت رأسي، فصفعتني”.
اقتيد رودني إلى ثكنات الجيش. ويتذكر قائلاً: “تعرضت للركل على صدري أربع مرات، وكذلك للصفع. وأروني سلكاً كهربائياً قالوا إنهم يمكن أن يصعقوني به إذا لم أخبرهم عن منظمتنا …” وقد احتُجز مع عدد كبير من السجناء العسكريين.
“وعندما عرفوا أنني لست جندياً وأنني من نشطاء اللوطيين، قاموا بتعذيبي بضربي على معدتي وبصفعي على وجهي إلى أن بدأت أنزف. وأرغموني على النوم في مرحاض صغير. وفي اليوم التالي، أُرغمت على تنظيف المرحاض لمدة أسبوع كامل، مرتين في اليوم، وبيدي العاريتين … ففقدت ثقتي بالله. وبدأت أومن أن الله يكره اللوطيين حقاً، كما تدعي الكنيسة المحلية في مواعظها.”
واقتيد نورا إلى ثكنة عسكرية أخرى. وقال: “وضعوني في غرفة قذرة تسكن طيور الوطواط في سقفها. وقضيت خمس ساعات في تلك الغرفة بمفردي، ثم دخل ثلاثة رجال وبدأوا باستجوابي. كانوا قساة ومخيفين. وكان الوضع لا يُطاق … وقد تعرضت للضرب والإساءة الجنسية والجسدية. وجرَّدوني من ملابسي، وأسمعوني عبارات بذيئة، قائلين إنني يجب أن أُعاقب على إنكار ما للرجال من حقوق، ومن أنا حتى أفعل ما يراه الرئيس غير صحيح. بل إنهم اقترحوا أنه ينبغي أن يبينوا لي ما أفتقده، وذلك عن طريق “التناوب” عليَّ.”
أما تشارلز، وهو أصغرهم، فقد أُخضع للاستجواب في مركز اعتقال عسكري، وتلقى تهديدات بالقتل. وقد احتُجز مع خمسة متمردين مشتبه فيهم، قالوا له إن كل من يعمل ضد الحكومة فهو ثائر.”
وأُطلق سراح النشطاء الخمسة بعد حوالي أسبوعين. وفروا إلى دول مجاورة خوفاً على حياتهم في حالة عودتهم إلى منازلهم. وبعد أيام من السفر المضني في ظروف قاسية، وصلوا إلى العاصمة في حالة من الإعياء والمرض. إلا أنهم خافوا من طلب اللجوء في دولة تجرِّم، كذلك، الميول الجنسية المثلية، وبالتالي اضطروا للتواري عن الأنظار عدة أشهر، في الوقت الذي كانوا فيه يحاولون إيجاد طريقة للحصول على حماية كلاجئين. وكان الأشخاص الخمسة، جميعاً، بحاجة إلى معالجة طبية بعد مرورهم بتلك المحنة. غير أن الشفاء من الآثار النفسية يتطلب وقتاً أطول. ومع ذلك فإنهم لم يفقدوا عزمهم على التأكيد بأن السحاقيات واللوطيين سيتمكنون في المستقبل من أن يعيشوا حياتهم بأمان وكرامة. وقد لخص رودني تلك الشجاعة والعزم على النحو الآتي:
“سيمر وقت طويل قبل أن أنسى التعذيب الذي قاسيته في أوغندا. وآمل أن أعود ذات يوم إلى أوغندا وأتمكن من تأسيس مركز للسحاقيات واللوطيين والثنائيين والمتحولين من دون خوف … أود أن أعود إلى أفريقيا لأعلِّم حقوق الإنسان، بهدف تعزيز حرية هؤلاء الأشخاص. ربما لا يكون هذا اليوم الآن أو غداً، ولكنه آت عما قريب.”
تمهيد
“تتفاوت الطرق التي يُمارس فيها التمييز القائم على العنصر أو الجنس أو الدين أو العجز، تفاوتاً كبيراً -- أي أن ثمة اختلافاً ضمن الاختلاف. ويكمن القاسم المشترك بينها جميعاً في إلحاق الضرر بكرامة الأشخاص نتيجة لانتمائهم إلى فئات معينة ..
“وفي حالة ذوي الميول الجنسية المثلية، يعلمنا التاريخ والتجارب أن التشوه لا يأتي من الفقر أو الضعف، وإنما من الاستتار. إنه إفساد الرغبة، وعزو التمادي في الخطأ و العار إلى العاطفة الجسدية الطبيعية، إنه منع التعبير عن الحب، والحرمان من المواطنة المعنوية الكاملة في المجتمع لكونك ما أنت عليه، وهو ما يشكل تعدياً على كرامة فئة من الناس.”
القاضي ألبي ساكس، المحكمة الدستورية لجنوب أفريقيا، 1998 .
ملاحظة حول المصطلحات
فيما يتعلق بالميول الجنسية، تتفاوت المصطلحات التي يستخدمها الناس تفاوتاً كبيراً بين ثقافة وأخرى. وفي هذا التقرير تُستخدم مصطلحات “سحاقية”، “لوطي”، “ثنائي الميول الجنسية”، “المتحول إلى الجنس الآخر”، لأنها هي المصطلحات الإنجليزية الأكثر شيوعاً في خطاب حقوق الإنسان. إلا أنه لا يُقصد من هذه الطريقة تجاهل التنوع الذي تنطوي عليه مصطلحات أخرى وهويات أخرى، ولا إنكار الدلالات الثقافية المرتبطة بهذه المصطلحات.
ولتسهيل قراءة النص، واحترام ثراء المصطلحات، استُخدمت في هذا التقرير صيغ متنوعة منها، وهي تتبادل المواقع إلى حد كبير. لذا فإن عبارة “الحقوق الإنسانية للسحاقيات واللوطيين”، مثلاً، هي بمثابة صيغة مختصرة لعبارة ” الحقوق الإنسانية للسحاقيات واللوطيين وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين إلى الجنس الآخر”؛ وبهذا المعنى استُخدمت عبارة “المثليين والثنائيين والمتحولين”.
· الميول الجنسية: يشير التعبير إلى انجذاب الشخص جنسياً وعاطفياً إلى أشخاص من الجنس نفسه (الميول الجنسية المثلية)، أو من الجنس الآخر (الميول الجنسية إلى الجنس الآخر)، أو من كلا الجنسين (الميول الجنسية الثنائية).
· الهوية المتعلقة بنوع الجنس: يشير التعبير إلى تجربة الشخص في التعبير عن ذاته فيما يتعلق بالبنية الاجتماعية للذكورة والأنوثة (نوع الجنس). ويمكن أن يكون للشخص هوية جنسية ذكرية أو أنثوية في الوقت الذي يتمتع بالخصائص الفيزيولوجية للجنس الآخر.
· الهوية الجنسية: يُستخدم التعبير في هذا التقرير ليشير إلى الميول الجنسية و/أو الهوية الجنسية.(ولتجنب التعقيد الضار استُخدم هذان المصطلحان في النص بالمعنى نفسه أحياناً)
هوية المتحول إلى الجنس الآخر: ويشير التعبير إلى أن الهوية الجنسية لا تتوافق مع الخصائص الفيزيولوجية للجنس الذي ولد به الشخص. وربما يدفع ذلك بعض الأشخاص إلى البحث عن “تحويل النوع”، باستخدام الهرمونات أو العمليات الجراحية عادة، وذلك لإحداث توافق بين الخصائص الفيزيولوجية والهوية الجنسية.
الفصل 1: تجريم الميول الجنسية المثلية -- رخصة للتعذيب
في العام 1592، أصدرت محكمة التفتيش الكاثوليكية حكمها على امرأة تدعى فيليبا دي سوزا، كانت تعيش في المستعمرة البرتغالية “برازيل” لارتكابها “جريمة السحاق الشنيعة المنكرة”، بعد اعترافها بإقامة علاقات جنسية مع نساء أخريات. وقد حُكم عليها بالنفي، وتعرضت للجلد بشراسة أثناء سيرها في شوارع سلفادور، كي تكون عبرة للأخريات.
ربما يبدو تجريم الميول الجنسية المثلية واستخدام التعذيب كعقوبة على هذه الجريمة ممارسة قروسطية، بيد أن لفيليبا نظراء عديدين في العصر الحديث. فقد دخل ما لا يقل عن 70 دولة القرن الحادي والعشرين بقوانين تحظر العلاقات الجنسية المثلية. وفي بعض البلدان قد يترتب على مثل هذه العلاقات عقوبة الإعدام. إن العديد من التقارير التي تلقتها منظمة العفو الدولية بشأن التعذيب وإساءة المعاملة التي يتعرض لها اللوطيون والسحاقيات، جاءت من بلدان تعتبر فيها العلاقات المثلية أفعالاً خارجة عن القانون.
وينظِّم القانون الجنائي، في كل مجتمع، حدود السلوك الجنسي المسموح بها، ويضع قيوداً على التعبير الجنسي والممارسة الجنسية للرد بحسب ما تقتضي ضرورات حماية حقوق الآخرين. وتتفاوت هذه الحدود من ثقافة إلى أخرى، وتتغير عبر التاريخ مع إزالة محرمات قديمة والاعتراف بحقوق جديدة. وكثيراً ما استخدم المشرعون كلمة “اللواط” المطاطية هذه لوصف ما يحدث خارج هذه الحدود. ومن بين الممارسات التي اعتُبرت في الماضي “منحرفة” في العديد من البلدان، العلاقات الجنسية بين أبناء الأعراق المختلفة، وأي فعل جنسي لا يؤدي إلى الإنجاب.
إن القوانين التي تجرِّم العلاقات الجنسية المثلية موجودة في جميع القارات، وإن اتخذت أشكالاً مختلفة. ففي بعض البلدان تُجرَّم العلاقة الجنسية بين بالغين من الجنس نفسه برضاهم، باعتبارها من أفعال “اللواط”، أو “الجرائم المنافية للطبيعة”، أو “الأفعال غير الطبيعية”. وفي بعضها الآخر، تُستخدم أحكام غامضة، من قبيل “الأفعال غير الأخلاقية” أو “الفضيحة العامة”، لتجريم تعبيرات مختلفة عن الهوية الجنسية المثلية. ومثل هذه القوانين، في العديد من البلدان، هي من بقايا الحقبة الاستعمارية، مع أنه، ويا للسخرية، يجري الدفاع عن هذه القوانين من قبل حكومات ما بعد الاستعمار باعتبارها ضمانة ضرورية ضد ما يسمونه بـ “المستورَد الأجنبي”. إن منظمة العفو الدولية تعارض جميع القوانين التي تسمح بسجن الأشخاص بسبب هويتهم الجنسية فقط. ولذا، فهي تعتبر الأشخاص المعتقلين أو المسجونين بموجب هذه القوانين في عداد سجناء الرأي، وتطالب بإطلاق سراحهم فوراً وبلا قيد أو شرط.
وتبين أبحاث المنظمة أن مثل هذه القوانين يمكن أن تشكل رخصة للتعذيب وإساءة المعاملة بطرق عديدة. فعلى سبيل المثال، تُفرض عقوبات جسدية قضائية -- مثل الجلد -- على “جريمة” الميول الجنسية المثلية. إن منظمة العفو الدولية تعتبر مثل هذه العقوبات ضرباً من التعذيب وغيره من ضروب العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
كما أن القوانين التي تجرِّم الميول الجنسية المثلية يمكن أن تشجع الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين على تجاهل إنسانية المعتقل، الذي جُرمت هويته أصلاً. وبجعل التمييز أمراً مؤسسياً، فإن هذه القوانين يمكن أن تلعب دور المحرض الرسمي على العنف ضد المثليين في المجتمع ككل، سواء في الحجز أو السجون أو الشارع أو البيت. وبحرمان قطاع من السكان من جميع حقوقهم، فإنه يتم حرمان ضحايا التعذيب وسوء المعاملة من المثليين من حق الحصول على الإنصاف، والسماح لجلاديهم بالاستمرار في انتهاك حقوق الآخرين مع الإفلات من العقاب.
رومانيا: ” عوملت كأنني دون الدون”
قُبض على ماريانا سيتينر في تشرين الأول/ أكتوبر 1995 بسبب “محاولة إغواء امرأة أخرى”. وفي حزيران/ يونيو 1996، أُدينت وحُكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بموجب المادة 200 من قانون العقوبات الروماني. وقالت ماريانا: “عوملت معاملة سيئة للغاية على أيدي حراس السجن، لأن العلاقة بين أشخاص من الجنس نفسه غير مقبولة في رومانيا. والأسوأ من ذلك هو أن الحراس قاموا بضربي وإهانتي. ويعامل المجرمون معاملة أفضل من تلك التي تلقاها امرأتان بينهما علاقة جنسية … وهكذا، عوملتُ “كدون الدون” بسبب هذه العلاقة المثلية”.
وفي حادثة وقعت في آب/ أغسطس 1996، عندما قدمت ماريانا سيتينر شكوى بشأن إساءة معاملتها، قُيدت يداها بمشعاع وأُرغمت على الوقوف مدة 11 ساعة “في وضع يشبه وضع السيد المسيح” من دون طعام. ومع أنها بُرئت ساحتها في محكمة الاستئناف في كانون الثاني/ يناير 1997، فقد أُعيد القبض عليها لاحقاً، عندما نقضت محكمة الدرجة الثالثة قرار الحكم، وأمرت أن تقضي ما تبقى من مدة حكمها السابق. واقتيدت ماريانا سيتينر إلى سجن آخر، حيث وُضعت في زنزانة ذات إجراءات أمنية فائقة معدَّة للمعتقلين العنيفين، وتعرضت للضرب على أيدي الحراس والنـزلاء. وقد أصيبت في إحدى المرات بكسور في أضلاعها. وعندما طلبت مراجعة طبيب، وُضعت في زنزانة انفرادية مدة 10 أيام. وعقب ضغوط دولية، بما في ذلك حملة مستديمة من المظاهرات وكتابة الرسائل من قبل أعضاء منظمة العفو الدولية في شتى أنحاء العالم، أُطلق سراح ماريانا بموجب مرسوم رئاسي في آذار/ مارس 1998، وغادرت رومانيا لفترة وجيزة.
وقد خلق تجريم الميول الجنسية المثلية في رومانيا لعدة سنوات خلت مناخاً خصباً للتعذيب. وجرت مراجعة المادة 200 من قانون العقوبات في العام 1996 بضغط من مجلس أوروبا. إلا أنه ظل ينص على عقوبة السجن للأشخاص الذين يقيمون علاقات جنسية مثلية برضاهم وفي خلوة، إذا كانت تلك العلاقات تسبب “فضيحة عامة”. وتنص الفقرة 5 من المادة 200 على أن “إغراء شخص أو إغوائه بهدف ممارسة أفعال جنسية مثلية، أو المشاركة في أشكال أخرى من الدعوة إلى الهدف نفسه” يعتبر جريمة يعاقب عليها بالسجن مدة تتراوح بين سنة واحدة وخمس سنوات. وبحلول مطلع العام 2001، لم يكن البرلمان قد اعتمد الإصلاحات التي اقترحت الحكومة إجراءها على قانون العقوبات في أيلول/ سبتمبر 1996، قُبض على صبيين في السابعة عشرة من العمر في أحد المتنـزهات ليلاً، ووُجهت إليهما تهم بموجب القانون الجديد، وتعرضا للضرب المبرح على أيدي أفراد الشرطة لإرغامهما على الاعتراف بأنهما قاما بممارسة الجنس علناً. وقال أحدهم: “أرادوا معرفة أسماء الأشخاص الآخرين الذين مارست معهم الجنس، وضربوني بقسوة لمعرفة الأسماء والعناوين … وظلوا يسألون: من منكما الولد ومن البنت؟ وكنت أجيب بأن كلينا ولد، فيقومون بصفعي وضربي. لقد كنا مثل كيسيْ ملاكمة.”
ولم ترد أنباء عن إجراء أي تحقيق في حوادث التعذيب وسوء المعاملة هذه.
الفصل 2: التعذيب وإساءة المعاملة على أيدي الشرطة
في تموز/ يوليو 2000، قُبض على فريدريك ميسون، وهو مساعد ممرض عمره 31 عاماً، في شيكاغو بالولايات المتحدة، إثر مشادة مع صاحب البيت. وبحسب أقوال الشهود، دخل ميسون مركز الشرطة بصحة جيدة، ولكنه خرج منه والدم ينـزف من عجيزته. ووفقاً لإفادته، فقد اقتاده شرطيان مجهولا الهوية إلى غرفة التحقيق، حيث قاما بتقييد مرفقيه وتثبيتهما بالجدار. وورد أن الشرطي الذي اعتقله قام بنـزع سرواله، ورش سائل تنظيف أزرق اللون على عصى غليظة، ثم أدخلها في شرجه. وبعد أن “لاط” به الشرطي، ورد أنه أمطر فرديريك بوابل من الشتائم الجنسية المثلية. وزُعم أن شرطياً آخر شاهد نـزع سروال فردريك، ولكنه غادر المكان أثناء الاعتداء. وقال فردريك ميسون أنه تعرض للإساءة، بما في ذلك الإهانات العنصرية والمعادية للوطيين، مثل “الزنجي المخنث”، وذلك منذ لحظة اعتقاله.
وفي 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000، تعرض جيفري ليونز، وهو رجل ذو ميول للجنس الآخر وعمره 39 عاماً، للاعتداء على أيدي مجموعة تتألف من 8-10 من أفراد شرطة شيكاغو، كانوا خارج دوامهم الرسمي، بعد أن شاهدوه يعانق صديقاً له خارج إحدى الحانات. ونتج عن ذلك الاعتداء إصابات حادة، منها كسر في الأنف وفي عظمة الوجه، وأضرار عصبية. وفي نهاية الاعتداء، ورد أن شرطياً مجهول الهوية أرهبه قائلاً: “إحفظ هذا الدرس مني: أنتم يا معشر المخنثين لن تنتصروا”. وبعد أن فقد جيفري ليونز الوعي لبرهة، تفرَّق أفراد الشرطة بينما عاد الفاعل الرئيسي إلى الحانة. ووردت أنباء عن أن اثنتين من السيارات التي فرَّت من مكان الاعتداء حاولتا دهس صديق جيفري لأنه سجَّل أرقام لوحتيهما.
وفي وقت كتابة هذا التقرير، كانت كلتا الحالتين رهن التحقيق من قبل مكتب المعايير المهنية للشرطة، وهو المسؤول عن الشكاوى ضد الشرطة. إلا أن مصادر محلية أعربت عن قلقها من احتمال إعاقة سير التحقيق من جراء محاولة التغطية على الحادثتين.وقد أُوقف ثلاثة من أفراد الشرطة المتورطين في الاعتداء على جيفري ليونز عن العمل في البداية، بيد أنهم عادوا إلى عملهم منذ ذلك الحين.
ودعت منظمة العفو الدولية بلدية شيكاغو وسلطات الشرطة إلى ضمان إجراء تحقيق شامل ومحايد، لإبراز رسالة واضحة تفيد بأن التعذيب وإساءة المعاملة على أيدي الشرطة، بما في ذلك الإساءة الناجمة عن رهاب الجنسية المثلية، أمر لا يمكن السماح به.
وحتى عندما لا يعاقب القانون على الهوية الجنسية المثلية أو السلوك المثلي، فإن أفراد الشرطة يفعلون ذلك. إن التحيز -- سواء كان على شكل عنصرية أو تعصب جنسي أو رهاب الجنسية المثلية- يعني أن ثمة أشخاصاً معينين معرَّضون بشكل خاص للتمييز وسوء المعاملة في الحجز. كما أن التمييز يمكن أن يعزز إمكانية الإفلات من العقاب من جانب أفراد الشرطة المسؤولين عن التعذيب وإساءة المعاملة. وعندما يكون الضحية منتمياً إلى فئة اجتماعية مهمَّشة، أو يُتصور أنها كذلك، فإن أفراد الشرطة كثيراً ما يكونون قادرين على التصرف بأمان، لعلمهم بأنه لن يتم التحقيق في تصرفهم بصورة وافية، أو لن يتم التحقيق معهم على الإطلاق. وفي العديد من الحالات يؤدي قانون الصمت، الذي يردع أفراد الشرطة عن الإبلاغ عن الانتهاكات التي تقع في صفوفهم، إلى حماية المسؤولين عن التعذيب وإساءة المعاملة. وتتمثل إحدى النتائج التي تترتب على مناخ الإفلات من العقاب في إسكات الأشخاص الذين انتُهكت حقوقهم، إما لأنهم لا يشعرون أن بإمكانهم الإبلاغ عن الانتهاكات، أو لأن الشرطة لا تريد أن تستمع إلى الشكاوى.
إن السحاقيات واللوطيين عرضة لخطر العنف الجنسي في الحجز إلى درجة كبيرة. فالعديد منهم يتعرض لمضايقات جنسية مستمرة، ويقع بعضهم ضحايا للاعتداءات الجنسية، بما فيها الاغتصاب. إن عدم قيام السلطات بمعالجة القضايا، من قبيل التعصب الجنسي ورهاب الجنسية المثلية في صفوف قوات الشرطة، يخلق مناخاً تتكاثر فيه مثل هذه الانتهاكات.
ففي العام 1997، ذهبت كاتيا إيفانوفا، وهي سحاقية تعيش في موسكو بروسيا الاتحادية، إلى مركز محلي للشرطة لتقديم شكوى ضد جيران لها اعتدوا عليها وهددوها. وسلمت ضابط الشرطة الذي تولَّى شكواها الملاحظات التي دسَّها جيرانها تحت باب شقتها وتضمنت تهديدات وإهانات جنسية مثلية. وما أن رأى الضابط تلك الملاحظات، حتى بدأ بمضايقتها جنسياً. فغادرت كاتيا مركز الشرطة نادمةً على أنها لجأت إلى الشرطة طلباً للمساعدة. وبعد مرور عدة أشهر، استدعاها الضابط إلى مكتبه. فظنت كاتيا أنه يريد أن يراها بشأن الشكوى التي كانت قد قدمتها. ولكنها كانت على خطأ. قالت كاتيا: “هددني بأن جيراني يمكن أن يقتلوني، ولكنه يستطيع أن يساعدني. ثم قال إن الطريقة الوحيدة لجعله يساعدني هو أن أنام معه. وعندما حاولت مقاومته، أمسك بي وألقى بي على الطاولة، وضربني واغتصبني، هناك في مكتبه.” وفي الأشهر التالية، استدعاها الضابط نفسه عدة مرات إلى مكتبه أو إلى أماكن أخرى. وقد وافقت كاتيا إيفانوفا على مقابلته لعلمها بأنها إن لم تستجب له، فإنه سيعتقلها. “لقد كان السبب الظاهري لاستدعائي هو التحقيق في قضيتي، ولكن السبب الحقيقي هو لاغتصابي مرة أخرى”. وتطلب كاتيا إيفانوفا حالياً اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتقول: “إنني أصلي من أجل أن أُمنح اللجوء، كي ينتهي هذا الكابوس.”
ويكتشف اللوطيون الذين يُعتقلون لأسباب لا علاقة لها بميولهم الجنسية، أنه يجري استغلال ميولهم تلك من قبل الشرطة أثناء التحقيق. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المحققين ربما يرون أن “المعارضة” الجنسية مرتبطة بالمعارضة في مجالات أخرى.
ففي 7 تموز/ يوليو 2000، اقتاد عدد من أفراد جهاز أمن الدولة بوجان أليكسوف، وهو لوطي من جمهورية يوغسلافيا الاتحادية، إلى حجز الشرطة، حيث استُجوب بشأن علاقته بمنظمة نسائية مناهضة للحرب تدعى “نساء بالسواد” ومركزها بلغراد، وبمشروع مركزه بودابست، يتولى الدفاع عن حقوق المعترضين على أداء الخدمة العسكرية الإجبارية بدافع من الضمير من جمهورية يوغسلافبا الاتحادية. وقال له المحققون إنهم على علم “بدعمه للفارين”، وأن الأشخاص المتورطين مع نشطاء معينين من البوسنة والهرسك “أغبياء وأعداء لبلادنا”. وأضاف يقول: “قالوا لي إنني أتقاضى أموالاً من مصادر أجنبية، وأن المنحة التي أحصل عليها [منحه من إحدى المؤسسات الغربية للعمل الإنساني] ما هي إلا غطاء للأعمال الاستخبارية والأنشطة المناوئة للدولة.”
وقال بوجان أليكسوف إنه تعرض للضرب المبرح خلال الاستجواب، الذي دام حوالي 24 ساعة. وقيل له إن الشرطة تستطيع أن تلفق قصة حول وفاته. “ظلوا يصرخون ويحلفون أغلظ الأيمان، وينعتونني بأقذع الشتائم الجنسية. وفي لحظة ما، أخرج أحد المحققين مفتاح سيارة كبيراً ولوَّح به أمام عيني، قائلاً إنه يلائم إستي.”
وأُطلق سراح بوجان أليكسوف بعد إرغامه على توقيع إفادة تقول إنه قد تورط مع إحدى نشطاء منظمة “نساء بالسواد”، في أعمال استخبارية، وأنهما كانا يعملان على تقويض القدرات الدفاعية ليوغسلافيا. كما أُرغم على الموافقة على العمل كمخبر مع جهاز أمن الدولة، ولكنه ما لبث أن فر من البلاد خوفاً على ما يمكن أن يحدث له.
حراسة الحاجز بين الذكر والأنثى
في كانون الثاني/ يناير شباط/ فبراير 2000، قُبض على فنيسا لورينا ليدزما، وهي امرأة متحولة، خلال عراك نشب في إحدى الحانات في كردوبا بالأرجنتين. وبعد مرور خمسة أيام قضت نحبها. وذكر تقرير الشرطة أنها توفيت نتيجة “لذبحة قلبية”. إلا أن التشريح أظهر وجود آثار تعذيب على جسدها، ومنها رضوض شديدة. وورد أنها احتُجزت في مركز الشرطة بمعزل عن العالم الخارجي، وعُزلت عن المعتقلين الآخرين، لا لحمايتها، وإنما كي لا يعيش النـزلاء في زنزانة واحدة مع “شخص مريض”معد، في إشارة إلى إصابتها بفيروس نقص المناعة المكتسبة. وبعد اندلاع مظاهرة لنشطاء الدفاع عن حقوق اللوطيين والسحاقيات في بوينوس آيريس، أعلنت السلطات المحلية في كردوبا أنها ستفتح تحقيقاً في حادثة وفاة فنيسا لورينا ليدزما.
ويواجه المتحولون إلى الجنس الآخر، في العديد من البلدان، أشكالاً حادة للغاية من التمييز والإساءة. وكثيراً ما يُعامل هؤلاء على أنهم “خارجون على قانون الجنس”، ويعاقبون، لا لتجاوزهم الحواجز الاجتماعية للجنس فحسب، وإنما أحياناً لتغيير جنسهم المحدد بيولوجياً. وبالنسبة للعديدين، فإن “العقوبة” هي استخدام العنف، بما فيه التعذيب.
لقد وثَّقت منظمة العفو الدولية في السنوات الأخيرة مستويات مروِّعة من الانتهاكات، بما فيها التعذيب وسوء المعاملة، ضد المتحولين إلى الجنس الآخر في الأمريكيتين. إن وفرة المعلومات المتعلقة بمثل هذه الاعتداءات جاءت، في جزء كبير منها، نتيجة للعمل الشجاع الذي قام به النشطاء المحليون في مجال الدفاع عن حقوق المتحولين إلى الجنس الآخر، الذين خاضوا كفاحاً ضد التهديدات والتهميش بهدف لفت الانتباه إلى أنماط الانتهاكات.
وفي بعض بلدان الإقليم، يمكن أن يصطدم المتحولون إلى الجنس الآخر بالقانون لمجرد أنهم على ما هم عليه. ففي بعض المقاطعات في الأرجنتين، مثلاً، تجيز القوانين المحلية للشرطة اعتقال الأشخاص لارتكابهم جرائم غامضة التعريف منافية للآداب العامة، بما فيها اللباس. إلا أن العاملات في الجنس يُعتبرن الأكثر تعرضاً لوحشية الشرطة.
والابتزاز من الدوافع الشائعة للتعذيب وإساءة معاملة العاملات في الجنس من المتحولات. ففي حزيران/ يونيو 1997، قبضت الشرطة المدنية في ماسيو بالبرازيل على ثلاث من المتحولات لعدم دفعهن “إتاوة” إلى الشرطة. وتعرضن للضرب الوحشي بعصي مطاطية مرصعة بالمسامير، وأجبرن على تنظيف مراحيض قذرة. وعند إطلاق سراحهن، فرَّت اثنتان منهن، تُعرفان باسم أليسكا وفوبيانا، إلى “بيت آمن”، ولم تقدما أي شكوى بسبب حالة الرعب التي أصابتهما.
كما وقعت حالات إساءة المعاملة على أيدي الشرطة في سياق عمليات “التطهير الاجتماعي” التي تستهدف العاملات في الجنس من المتحولات، اللواتي تحملهن الشرطة مسؤولية نشر الأمراض. ففي تموز/ يوليو 2000، اعتقلت تسعة متحولات من العاملات في الجنس في غوايا كويل، إكوادور، للاشتباه في أنهن يحملن فيروس نقص المناعة المكتسبة على ما يبدو.
وبسبب اتهامهن بارتكاب “جرائم ضد الأخلاق العامة”، فقد أُرغمن على الخضوع لفحص الأيدز. وتحدثت الصحافة المحلية عن “حاملات الأيدز” وعن “فلتان حاملي الأيدز”. إن المعايير الدولية الخاصة بالصحة وحقوق الإنسان تمنع إجراء فحوص بالإكراه في مثل هذه الظروف. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن مثل هذا الفحص العدواني يصل إلى حد المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وفي آب/ أغسطس 2000، اعتقلت الشرطة صديقتين من المتحولات إلى الجنس الآخر في فلنسيا بولاية كرابوبو. وقد أُرغمتا على التعري في الشارع وتعرضتا للضرب المبرح. وورد أن شرطة كرابوبو قد أرغمت بعض المتحولين على القيام بأفعال جنسية مقابل الإفراج عنهم، أو إلقائهم عراة في أماكن بعيدة عن المدينة في حالة الرفض.
وكثيراً ما يجري الاعتداء على المتحولات بطرق أخرى تمس المظاهر الأساسية لهويتهن المتحولة، من قبيل ضرب المتحولات من ذكور إلى إناث على عظام الوجنتين أو الصدر كي تُفقأ المواد المزروعة، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى إخراج المواد السامة، والتسبب بالتالي في عواقب صحية خطيرة.
كما تعرض نشطاء الدفاع عن حقوق المتحولين، الذين حاولوا تحميل الشرطة مسؤولية التعذيب وإساءة المعاملة، إلى العنف الجسدي. ففي كانون الأول/ ديسمبر 1997، اعتقلت شرطة بوينوس آيريس بالأرجنتين ناديا إيكارو، وأساءت معاملتها، في اليوم الذي كان يُفترض أن تدلي بشهادتها أمام محكمة تتولى التحقيق في إساءة معاملة المتحولات إلى الجنس الآخر في مركزين للشرطة. وقد اقتيدت إلى أحد مراكز الشرطة حيث تعرضت للركل والضرب، ووُضعت في سترة الاعتقال قبل أن يُطلق سراحها من دون توجيه تهمة إليها.
وفي الآونة الأخيرة استُهدف نشطاء في مجال الدفاع عن ذوي الميول الجنسية المثلية في الأرجنتين، كانوا يناضلون من أجل تحقيق العدالة في قضية فنيسا ليدزما. وقامت فنيسا بيدرابوينا، رئيس رابطة المتحولين المتحدة في كردوبا، بالتوقيع على الشكوى الرسمية بشأن وفاة فنيسا ليدزما، فتلقت تهديدات وتعرضت للمضايقة في منـزلها من قبل أفراد الشرطة الذين قالوا لها: “طأطئي رأسك … واهتمي بشؤونك الخاصة، فلن يبحث عنك أحد إذا وقع لك مكروه”. وعقب ضغوط محلية ودولية كبيرة، وُجهت إلى عدد من أفراد الشرطة تهمة إساءة معاملة فنيسا ليدزما. إلا أن أحداً لم يُعتقل أو يوقف عن العمل، بل إن الإجراءات القانونية ضد أفراد الشرطة توقفت في أواسط العام 2000.
ربما كانت التهديدات وسوء المعاملة التي يتلقاها النشطاء تؤدي إلى ضمان إفلات الشرطة من العقاب، ولكنها لم تردع ذوي الميول الجنسية المثلية عن المضي في نضالهم.
“ما فتئنا نعمل، منذ سنوات، من أجل حقنا في المواطنة الكاملة. إننا نريد من الدولة أن تحترم حقنا في الحصول على هوية؛ ولا نريد أن نهمَّش في بيوتنا ومدارسنا، أو يُحكم علينا بممارسة الدعارة، حيث نتعرض لأسوأ أشكال الانتهاكات. لقد تعرض العديد من زملائنا للضرب حتى الموت في مراكز الشرطة، من دون أن يجهر أحد بصوته دفاعاً عنهم.”
حفظ الأمن في الأماكن العامة
إن إساءة المعاملة على أيدي الشرطة لا تقتصر على غرفة الاستجواب أو مركز الشرطة، إذ يمكن أن تقع خلال الغارات على أماكن الاجتماعات العامة أو خلال المظاهرات. وتُستخدم في بعض بلدان العالم لحرمان المثليين والثنائيين والمتحولين من حرية الوصول إلى الأماكن العامة، ومنعهم من ممارسة حقهم في حرية الاشتراك في الجمعيات والمشاركة في التجمعات السلمية.
ففي إكوادور، استُخدمت إساءة المعاملة كأسلوب لمنع هؤلاء الأشخاص من تنظيم أنفسهم، وحرمانهم من التواجد في المجتمع. فعلى سبيل المثال، ورد أن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق نحو 300 شخص تجمعوا سلمياً في وسط مدينة غوايا كويل للقيام باستعراض ثقافي نظَّمته مؤسسة “أصدقاء مدى الحياة” احتفالاً بذكرى يوم “ستونوول” الموافق في 28 حزيران/ يونيو2000 . وكانت المؤسسة قد طلبت، مراراً، ترخيصاً للاحتفال من سلطات الشرطة، إلا أن هذا الطلب رُفض على أساس أن المجتمعi ليس مستعداً بعد لتقبل هكذا مناسبة.
وشنت الشرطة في غواياكويل حملة على الحانات وغيرها من الأماكن التي يرتادها أفراد المجتمع المحلي للوطيين والسحاقيات. فبينما كان توماس في ناد ليلي في المدينة، اقتحم المكان، في حوالي الساعة الثالثة صباحاً، مساعد ملازم في الشرطة المحلية. قال توماس: “سألته بأدب جم، ماذا يجري أيها الشرطي؟ وكان ذلك السؤال كافياً بالنسبة له لمهاجمتي ودفعي بقوة، فسقطت من أعلى الدرج. وتابع ضربي وإهانتي لكوني لوطياً.”
اقتيد توماس وموظف في النادي الليلي في حافلة شرطة. وبعد مسافة قصيرة، توقفت الحافلة، وأُرغم الشخصان على الانبطاح على أرضية الحافلة ووجهاهما إلى أسفل. وتعرض توماس للركل والضرب إلى أن نزف الدم من وجهه. وفي مقر قيادة الشرطة، أُمر بالوقوف مع فتح رجليه، وضُرب عدة مرات بعصى مكنسة. وورد أن شرطياً آخر، شارك في الاعتقال، هدد بقتله إذا أبلغ عن الحادثة. ولا يبدو أن ثمة دافعاً قانونياً وراء الغارة على النادي الليلي، الذي سُحبت رخصته. وأُطلق سراح كلا المعتقلين بعد يومين من دون توجيه تهم إليهما.
ووردت أنباء عن غارات الشرطة على حانات السحاقيات في ليما، بيرو، في السنوات الأخيرة. وانتهت هذه الغارات، في بعض الحالات، بالضرب وتوجيه الإهانات اللفظية الجنسية. وفيما مضى كانت طواقم الصحفيين ترافق الشرطة أثناء الغارات، إلا أن نتائج الكشف عن هويتهم على شاشات التلفزيون يمكن أن تكون مدمرة بالنسبة لبعض السحاقيات واللوطيين وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين إلى الجنس الآخر.
وفي تموز/ يوليو 1997، زُعم أن أفراداً مسلحين من شرطة موسكو، في روسيا الاتحادية قاموا بضرب عدة أشخاص خلال غارة عشوائية شنوها على ناد ليلي خاص بالسحاقيات واللوطيين، وأساءوا معاملتهم. وورد أن نحو 40 شخصاً تعرضوا للضرب أثناء الاعتقال، وأُرغموا على توقيع إفادات معدَّة سلفاً تتضمن نتائج اختبارات مزيفة لتعاطي المخدرات. ويبدو أن دعوات منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق في تلك المزاعم ذهبت أدراج الرياح.
وفي الهند، قام الاتحاد الشعبي للحريات المدنية -- كرنتاكا أنماطاً شائعة من حوادث إساءة المعاملة والابتزاز الموجهة إلى اللوطيين والرجال من ثنائيي الميول الجنسية في المتنـزهات وغيرها من أماكن اللقاء في بنغالور. فعلى سبيل المثال، ذكر الاتحاد الشعبي للحريات المدنية أن 10 رجال اعتُقلوا في 22 نيسان/ أبريل 2000. وقد تعرض بعضهم للضرب المبرح، بينما تعرضوا جميعاً للإهانات اللفظية والتهديد بإبلاغ عائلاتهم بشأن ميولهم الجنسية واعتقالهم. وذكر الاتحاد الشعبي للحريات المدنية أن المتنـزهات وغيرها من الأماكن العامة غالباً ما تكون الأماكن الوحيدة التي يستطيع اللوطيون أن يلتقوا فيها وأن يقيموا علاقات اجتماعية، في حين أن حرية النساء في الوصول إلى الأماكن العامة أكثر تقييداً. إن الافتقار إلى الخصوصية في هذه الأماكن يعرِّض هؤلاء الأشخاص إلى اعتداءات الأفراد المناهضين للوطية، ممن يشعرون أن بوسعهم القيام بذلك والإفلات من العقاب. إن خوف الضحايا من ذوي الميول الجنسية المثلية من كشف هويتهم الجنسية إلى عائلاتهم وزملائهم وجيرانهم يمنعهم من تقديم شكاوى
|
الفصل 3: التعذيب وإساءة المعاملة في السجون
كثيراً ما يكون السجناء، من المثليين والثنائيين والمتحولين، وغيرهم ممن يُظن أنهم كذلك، معرَّضين لخطر التعذيب وسوء المعاملة، وغالباً ما يحرمون من وسائل طلب الإنصاف، ويرغمون على أن يتحملوا، بصمت، ممارسات العنف والاعتداءات الجنسية والإكراه والإذلال والحرمان من المعالجة الطبية، وغيرها من ضروب إساءة المعاملة. ففي 7 كانون الأول/ ديسمبر 2000 اقتيد لوسيانو رودريغيز ليناريس، وهو لوطي سجين في سجن توبو تشيكو بولاية نيفو ليون في المكسيك، خارج زنـزانته وتعرض للضرب. وقام عدد من حراس السجن بتعليقه إلى أسفل، بينما أدخل شرطي آخر إصبعه في شرجه، فنـزف دماً. ومع أنهم، ظاهرياً، كانوا يفتشون عن مخدرات، فإن الشرطي قال له:” إذا كان هذا ما تريد، فهو لك، بينما كان أفراد الشرطة الآخرون ينظرون ويتضاحكون. وقال له الشرطي إنه سيُقتل إذا قدم شكوى. وفي كانون الثاني/ يناير 2001، أعربت منظمة العفو الدولية للسلطات، مرة أخرى، عن قلقها من أن لوسيانو رودريغيز يتعرض لخطر الانتقام بسبب تقديمه شكوى.
ويتعرض السجناء من ذوي الميول الجنسية المثلية لخطر العنف على أيدي النـزلاء الآخرين، فضلاً عن موظفي السجن، وعندما يتقاعس مسؤولو السجن، كوكلاء للدولة، عن حماية النـزلاء من العنف على أيدي السجناء الآخرين، فإنه يصبح بالإمكان مساءلتهم عن التعذيب وإساءة المعاملة. ففي جمايكا، حيث العلاقات الجنسية المثلية غير مشروعة، قُتل 16 سجينا وجُرح 40 آخرون في هجمات معادية للوطيين وقعت في سجن مقاطعة سانت كاثرين والسجن العام في كنغستون، في آب/ أغسطس 1997. وقد بدأت الاضطرابات عقب إعلان مفوض مراكز الإصلاح عن نيته توزيع عوازل على الحراس والسجناء في محاولة للحد من انتشار فيروس نقص المناعة المكتسبة/ الأيدز. وقد خرج الحراس في مظاهرة احتجاجاً على التلميح بأنهم يقيمون علاقات جنسية مع النـزلاء. وفي غياب الإشراف، هاج النـزلاء وماجوا ضد السجناء المعروفين بأنهم لوطيون أو يُعتقد أنهم كذلك. ولم يُعرف أنه اتُّخذ أي إجراء ضد المسؤولين عن العنف. وعلى الرغم من قسوة مثل هذه الانتهاكات، فإن العديد من السجناء يخشون المطالبة بالإنصاف. وربما يخشى السجناء اللوطيون أعمال الانتقام، أو انتهاك السرية، أو عدم أخذ مطالبهم على محمل الجد من قبل السلطات. وكما علق ناطق باسم منظمة غير حكومية أمريكية:”فإنه لا يجري الإبلاغ إلا عن عدد قليل جداً من الانتهاكات بسبب وصمة العار الفظيعة التي ينطوي عليها ذلك، ولأن عمر “المخبر” خلف القضبان يُقاس بالدقائق لا بالأيام.”22ونتيجةً لذلك، فإن الاعتداءات التي يتعرض لها السجناء اللوطيون، سواء من قبل الحراس أو النـزلاء الآخرين، نادراً ما يجري التحقيق فيها، والأندر أن يعاقب عليها.
وما فتئ حراس السجون يرعون العنف بين النـزلاء، ويسمحون بالاعتداءات على السجناء اللوطيين كطريقة لتنظيم أوضاع السجون.”إنهم يفضلون أن يمارس السجناء العنف ضد بعضهم بعضاً بدلاً من توجيهه ضدهم، فهم يستخدمونه كأداة إدارية.” ففي العام 1999، توفي كيفن ماهوني، وهو لوطي، في وحدة الإيواء الأمني في كوركران بكاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. فقد تُرك كيفن وحده في ساحة التمارين الرياضية مع نـزيل آخر معروف بخطورته؛ فقام الأخير بخنقه. وتقاعس الحراس عن التدخل مدة ساعة أو ساعتين، مع أنه تم تصوير حادثة القتل بحسب ما ذكر. ويُعتقد أن غاري أدكنـز، وهو نـزيل في سجن مقاطعة وين في ويست فرجينيا بالولايات المتحدة، كان هدفاً للتعذيب وسوء المعاملة بسبب ميوله الجنسية المثلية. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1999، رشَّ أفراد شرطة السجن غازات في عيني غاري أدكنـز، من دون سبب ظاهر، وانهالوا عليه بالضرب، ثم حرموه من المعالجة الطبية. وقد أُصيب أدكنـز بكسور في أضلاعه وأنفه وبكدمات في رأسه وجروح ورضوض في جسمه نتيجةً للضرب. وفتح مكتب التحقيقات الفدرالي تحقيقاً في الحادثة، وكان تقريره قيد المراجعة في وزارة العدل في وقت كتابة هذا التقرير.
“من أنت؟”، وليس “ماذا تفعل؟”- الهوية والتمييز والمخاطرة إن سلطات السجون ملزمة باتخاذ تدابير فعالة لمنع العنف ضد جميع السجناء، بمن فيهم السجناء اللوطيون والسحاقيات. وهذا يعني أنه يجب احتجاز السجينات بشكل منفصل عن السجناء الذكور، وألا يكنَّ تحت إشراف موظفين ذكور. وتواجه العديد من النساء في السجون مضايقات واعتداءات جنسية على نطاق واسع. وغالباً ما تتعرض السحاقيات وغيرهن من النساء اللواتي يُعتقد أنهن تجاوزن حدود الجنس، لمخاطر التعذيب وسوء المعاملة بدرجة كبيرة. وتبيَّن أن الميول الجنسية، سواء الحقيقية أو المتصورة، تشكل واحداً من العوامل الأربعة التي تجعل السجينة أكثر عرضة للإساءة الجنسية. ففي العام 1995، سُجنت روبن لوكاس، وهي امرأة أمريكية من أصل أفريقي لقيامها بالغش في بطاقة ائتمان في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد وُضعت في وحدة الإيواء الخاصة في مركز الاعتقال الفدرالي، بليزنتون. وتجاهلت سلطات السجن شكاواها بشأن وضعها في وحدة تؤوي الرجال عموماً، ومن أنها تظل تحت أعين النـزلاء والحراس الذكور على مدار الساعة، بما في ذلك أثناء الاستحمام والذهاب إلى المرحاض. كما شكت من أنها تعرضت للمضايقة والسخرية والتهديد بسبب ميولها الجنسية. وذات مساء من شهر أيلول/ سبتمبر 1995، فتح ثلاثة نـزلاء باب زنـزانتها وقيَّدوها ثم اغتصبوها. وأُصيبت روبن لوكاس بجروح بالغة في رقبتها وذراعيها وظهرها ومنطقتي المهبل والشرج. وأمرها المعتدون بالتزام الصمت، وهددوها بتكرار الاعتداء إذا استمرت في تقديم شكاوى. أما الحراس الذين تورطوا في تلك الانتهاكات، فقد نُقلوا، ببساطة، إلى سجن آخر؛ ولم تُتخذ أي إجراءات تأديبية ضد أحد، كما لم توجه إلى أي من الحراس أو النـزلاء المتورطين في الحادثة تهمة ارتكاب جريمة. وفي العام 1998 تم التوصل إلى تسوية في دعوى مدنية لطلب التعويض لصالح روبن لوكاس.
ويمكن أن تكون النساء المتحولات، أيضاً، عرضة لخطر سوء المعاملة بدرجة كبيرة، وخاصة إذا وُضعن في سجون أو معتقلات للرجال. ولضمان حماية السجناء المتحولين إلى جنس الآخر، ينبغي احتجازهم في مرافق ملائمة لهويتهم الجنسية المفضلة. ففي بعض الحالات ربما تقتضي مصلحة السجين الفضلى فصله عن النـزلاء غير المتحولين. إلا أن الفصل في السجون يجب أن يراعي تجنب المزيد من تهميش المتحولين في مجتمع السجن أو تعريضهم لمزيد من خطر التعذيب أو سوء المعاملة. إن بإمكان سلطات السجون أن تطمس بسهولة الخط الفاصل بين حماية السجين والتمييز القائم على أساس رهاب الجنسية المثلية، كما يستطيع موظفو السجون أحياناً أن يخفوا السلوك التمييزي، وأن يظلوا مسؤولين عن أفعالهم بالادعاء بأنهم يقومون بحماية السجناء المثليين والثنائيين والمتحولين.
وفي شباط/ فبراير 1999، حُكم بالسجن أربع سنوات على ثلاثة حراس في سجن فلوري يروغيس في إيون بفرنسا (مع وقف أحدهم عن العمل)، لقيامهم بالاعتداء على سجناء متحولين، كانوا محتجزين في جناح تابع للسجن، مخصص للسجناء المنتمين إلى أقليات جنسية.وقد ظهرت الانتهاكات إلى العلن أول مرة في العام 1996، عندما اشتكت إحدى المعتقلات إلى طبيب السجن، من أنها تعرضت للاغتصاب من قبل أحد الحراس. وخلال زيارة إلى السجن قامت بها اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب في تشرين الأول/ أكتوبر 1996، أبلغت السجينات اللجنة المذكورة أن الحراس يعمدون إلى ابتزازهن بشكل اعتيادي، بهدف ممارسة الجنس معهن. وعلى الفور، أبلغت اللجنة السلطات الفرنسية، التي فتحت تحقيقاً قضائياً في تلك الحوادث. وذكرت اللجنة في تقريرها الذي أصدرته عقب الزيارة أنها تلقت تأكيدات من السلطات الفرنسية على التزامها بمنع حالات “سوء المعاملة” والمعاقبة عليها، ولكنها لم تشر إلى حقيقة أن أولئك السجناء كانوا من المتحولين إلى الجنس الآخر. إلا أن النقابة المحلية للعاملين في السجن انتقدت عدم وجود مبادئ توجيهية، والافتقار إلى التدريب والهياكل المتخصصة في التعامل مع السجناء المتحولين. ونُقل عن الطبيب النفسي للسجن قوله إنه لا سبيل إلى منع الانتهاكات ضد السجناء المتحولين إلا بتحسين ظروفهم المادية. وورد أن تهمة الاغتصاب المشددة للعقوبة قد أُسقطت، عندما تراجعت إحدى الضحايا، التي كانت قد أبلغت عن تعرضها لاغتصاب جماعي، ورفضت الإدلاء بشهادتها لأن عائلتها تلقت تهديدات. |
الفصل 4: المعالجة الطبية القسرية في مؤسسات الدولة
وردت أنباء عن تعرض اللوطيين والسحاقيات وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين إلى الجنس الآخر للتعذيب وإساءة المعاملة في عدد آخر من مؤسسات الدولة، مثل المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية والجيش. وفي بعض المجتمعات، يجري التعامل مع الميول الجنسية المثلية باعتبارها نوعاً من الاضطرابات الصحية أو النفسية، ويشكل اللوطيون والسحاقيات هدفاً لإجراء تجارب طبية عليهم ومعالجة نفسية تستهدف “شفائهم” من هذا “المرض”.
مع أن الميول الجنسية المثلية لا تعتبر جريمة في روسيا الاتحادية في الوقت الراهن، فقد كان القانون يعاقب على اللواط حتى فترة متأخرة. أما السحاق، فكان يُنظر إليه على أنه نوع من الاضطرابات العقلية التي تستدعي معالجة نفسية. ومن المعروف أن الشرطة كانت تضع السحاقيات في مستشفيات نفسية رغماً عن إرادتهن، بسبب ميولهن الجنسية ليس إلا، وأحياناً بناء على طلب أفراد الأسرة أو الأصدقاء.
فقد زُعم أن علا بتشرسكايا، وهي سحاقية من روسيا، اتُّهمت مرارا بارتكاب جريمة “الأعمال الغوغائية”، واعتقلت من قبل الميليشيا الروسية بسبب ميولها الجنسية. وتلقت علا بتشرسكايا أثناء اعتقالها تهديدات بإدخالها مؤسسة للطب النفسي إذا استمرت في العمل مع منظمة للشابات السحاقيات. وتعرضت للضغط بهدف إعطاء أسماء أصدقائها من السحاقيات واللوطيين، وتعرضت للضرب. وعندما زارت علا بتشرسكايا صديقتها التي كانت محتجزة قسراً في مؤسسة للطب النفسي، تم تسجيل اسمها على أنها “سحاقية مشتبه فيها”، وأُمرت بالتوجه إلى عيادة محلية مخصصة لجلسات المرضى الخارجيين. وعندما امتنعت علا بتشرسكايا عن حضور تلك الجلسات، تسلمت رسالة “طلب حضور” خطية تهددها بإدخالها قسراً إحدى مؤسسات الطب النفسي.
فرَّت علا بتشرسكايا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قدمت طلب لجوء. وقد رفض طلبها في البداية مجلس الاستئناف الخاص بطلبات الهجرة في الولايات المتحدة، مدعياً بأن الدافع لوضعها في مؤسسة الطب النفسي يكمن في رغبة السلطات في “المعالجة” أو “الشفاء”، وليس في فرض العقاب، ولذا فإن ذلك الإجراء لم يشكل نوعاً من “الاضطهاد”. إلا أن محكمة فدرالية نقضت قرار المجلس وقضت بأن “العقوبة” ليست من الجوانب الإلزامية أو الكافية للاضطهاد. “فالاضطهاد يستدعي، ببساطة، أن يتسبب الجاني بإلحاق الأذى أو المعاناة بالضحية. ولا يمكن تنحية قانون حقوق الإنسان بمجرد صياغة أفعال التعذيب العقلي والنفسي في كلمات خيِّرة، من قبيل “شفاء” الضحايا أو “معالجتهم”.
ووردت أنباء عن استخدام التهديد بالمعالجة النفسية كنوع من العقاب من قبل شرطة أوكرانيا المجاورة في السنوات الأخيرة. فوفقاً لما ذكرته منظمة الدفاع عن حقوق اللوطيين “ناش مير”، شنَّت الشرطة غارة على حانة في كييف يتردد عليها اللوطيون في تشرين الأول/ أكتوبر 2000. وورد أن أفراد الشرطة أرغموا الموجودين في الحانة على الوقوف في مواجهة الحائط مدة أربع ساعات، وهددوهم بإجراء فحوص طبية نفسية إجبارية قبل إطلاق سراحهم.
وفي السبعينات والثمانينات أُرغم “اللوطيون والسحاقيات “المشتبه فيهم” في قوات الدفاع لجنوب أفريقيا على الخضوع إلى “معالجة تحويلية” وغيرها من أشكال “المعالجة” من دون موافقتهم المستندة إلى المعرفة والمعلومات. وفي انتهاكٍ لحقوق الإنسان ومبادئ الصحة العامة، تعرض هؤلاء للتعذيب الجسدي والنفسي، وللتجريب وسوء المعاملة المفرطة، بما فيها المعالجة بالتنفير والإخصاء الكيميائي”.وكان من بين المسؤولين عن مثل هذه الممارسات اختصاصيون عسكريون وصحيون. وتضمنت المعالجة بالتنفير أحياناً صعق الرجال بالتيار الكهربائي عبر الأقطاب الكهربائية أثناء عرض صور رجال عراة. ويجري قطع التيار الكهربائي عندما تعرض صور نساء عاريات بدلاً من صور الرجال. وقد أيدت منظمة العفو الدولية الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق في هذه المزاعم المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
إن رفض التصنيف الرسمي للميول الجنسية المثلية، الذي يعتبرها نوعاً من المرض، يعتبر خطوة أساسية نحو وضع حد لإساءة معاملة ذوي الميول الجنسية المثلية. وفي العام 1992، حذفت منظمة الصحة العالمية، وهي إحدى وكالات الأمم المتحدة، الميول الجنسية المثلية من تصنيفها الدولي للأمراض. واتخذت بعض الجمعيات الطبية والنفسية الوطنية خطوات، وإن كانت بطيئة، بغية جعل سياساتها تتماشى مع سياسات منظمة الصحة العالمية.
وفي الصين، حيث ظل موضوع الميول الجنسية المثلية لسنوات عديدة من المحرمات المطلقة، شهدت السنوات الأخيرة انفتاحاً أكبر بشأن القضايا المتعلقة بالميول الجنسية. ويتمثل أحد مظاهر هذا التغيير في القرار الذي اتخذته “جمعية الطب النفسي الصينية”، والذي يفيد بأن القسم الثالث للتصنيف الصيني للاضطرابات العقلية، سيشطب الميول الجنسية المثلية من قائمة الاضطرابات العقلية في نيسان/ أبريل 2001.
الفصل 5: القسوة تبدي الكراهية- العنف بدافع رُهاب العلاقات الجنسية المثلية في المجتمع
“حبسوني في غرفة، ودأبوا على إدخاله عليَّ يومياً ليغتصبني، وذلك كي أحمل وأضطر للزواج منه. وظلوا يفعلون ذلك بي إلى أن حملت..”
ربما تعكس رواية الاغتصاب والحمل القسري هذه صدى أعمال العنف ضد المرأة إبان النـزاعات الأخيرة في البلقان أو أفريقيا الوسطى. غير أن فعل التعذيب هذا لم يُرتكب في الحجز أو إبان نـزاع مسلح، وإنما حدث لفتاة مراهقة في منـزل عائلتها “الهادئ” في زمبابوي. أما الذين أمروا بالاغتصاب فلم يكونوا قادة عسكريين من الأعداء، وإنما هما والدا الفتاة، اللذين أصرَّا على “تصحيح”، الميول السحاقية لابنتهما، إلى حد إرغامها على أن تُغتصب مراراً من قبل رجل يكبرها سناً.
إن جزءاً كبيراً من العنف الذي تتعرض له السحاقيات واللوطيون يُرتكب في المجتمع أو الأسرة. وكما هي الحال بالنسبة للتعذيب على أيدي موظفي الدولة، فإن العنف في المجتمع يُستخدم لمعاقبة اللوطيين والسحاقيات وترهيبهم وممارسة التمييز ضدهم. إن هذا العنف، شأنه شأن التعذيب في الحجز، يمكن أن يكون قاتلاً أحياناً، ونتائجه مدمرة دائماً.
وفي الوقت الذي يكون فيه اللوطيون والسحاقيات أكثر عرضة لإساءة المعاملة الجسدية والنفسية على أيدي الوالدين أو الأقارب أو الأقران أو الزملاء أو الأفراد والمجموعات في المجتمع الذي يعيشون فيه، فإن ذلك لا يعفي الدولة من المسؤولية.
مسؤولية الدولة عن العنف في المجتمع
إن مسؤولية الحكومات عن أفعال التعذيب وإساءة المعاملة على أيدي “أفراد أو جهات خاصة” يختلف باختلاف السياق الذي ترتكب فيه تلك الفعال. ففي بعض الحالات يجري التحريض على العنف من أعلى المستويات. وفي بعضها الآخر، قد يصل تسامح الحكومات مع العنف الناجم عن رهاب الجنسية المثلية إلى حد التواطؤ أو السكوت.
|
التزام الحكومات بممارسة الدأب الواجب |
ففي زمبابوي، مثلاً، شن الرئيس روبرت موغابي، لسنوات عدة، حملة خطابات تتضمن كراهية حاقدة ضد السحاقيات واللوطيين، وذهب إلى حد القول: “لا أعتقد أن لهم حقوقاً على الإطلاق”. وعندما أقامت منظمة السحاقيات واللوطيين في زمبابوي كشكاً في معرض الكتاب في هراري في العام 1996، تلقى أعضاء المنظمة تهديدات وأَشعلت مجموعة من الطلبة المؤيدين للحكومة النار في الكشك. وقد شاهدت الشرطة الحادثة، ولكنها رفضت توفير الحماية لهم، قائلة إنهم جلبوا الهجمات على أنفسهم.
ووصف منتدى السحاقيات واللوطيين في جمايكا كيف تكون القوانين التي تعاقب على العلاقات الجنسية المثلية بمثابة ترخيص رسمي للعديد من أفعال العنف التي تُرتكب ضد هذه الفئة. فقد قام بعض السكان المحليين المسلحين بملاحقة شاب، كشفت أسرته علاقته اللوطية، بملاحقته حتى داخل إحدى الكنائس، حيث أردي قتيلاً بالرصاص، بينما كان يتوسل لهم من أجل الإبقاء على حياته. ومع أن قسوة الاعتداء أثارت الغضب، فإن “روح” ذلك الفعل حظيت بالثناء على نطاق واسع. وظل شريكه في البيت، يتلقى تهديدات بالقتل، وزُعم أن الشرطة رفضت حمايته. وبحسب الأنباء الواردة، فإن اللوطيين الذين يقدمون شكاوى إلى الشرطة بشأن الاعتداءات التي يتعرضون لها، يلقون اللامبالاة في أحسن الأحوال، ومزيداً من الاضطهاد في أسوأها.
وحتى في البلدان التي لا يصل فيها تحريض الدولة على ارتكاب جرائم الكراهية ضد المثليين أو السماح بارتكابها إلى هذا الحد، فإن السلطات يمكن أن تتقاعس عن ممارسة “الدأب الواجب” في منع الاعتداءات، والتحقيق فيها عندما تقع، وضمان تقديم الجناة إلى العدالة. وأشارت المنظمات التي تعنى بمراقبة العنف ضد المثليين في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أنه على الرغم من الزيادة الملحوظة في عدد الاعتداءات الناجمة عن رهاب الجنسية المثلية، فإن رد الشرطة غالباً ما يكون غير كافٍ أو حتى عدائياً، ولم تتم إدانة الجناة سوى في عدد قليل من الحالات.
وبناء على خلفية إجراءات الدولة أو تقاعسها عن اتخاذ إجراءات، تصبح قضية العنف بدافع رهاب الجنسية المثلية من قضايا حقوق الإنسان التي تنطوي على مسؤولية الدولة بموجب المعايير الدولية المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة. ومن منظور القانون الدولي، فقد كان العنف على أيدي الأفراد والجهات غير التابعة للدولة منفصلاً من حيث المفهوم عن التعذيب وسوء المعاملة على أيدي عملاء الدولة. أما من منظور الضحية، فإن أثارهما غير قابلة للفصل على الأغلب.
فقد طلبت إرينا، وهي سحاقية روسية، اللجوء في الولايات المتحدة الأمريكية على أساس أنها تعرضت للتعذيب وسوء المعاملة على أيدي مجموعة من الأشخاص، بينهم أفراد شرطة ومحققون خاصون وأفراد عائلتها. وقالت إرينا إن شقيقاتها طلبن منها في العام 1995 التخلي عن الوصاية على ابنها والخضوع لمعالجة نفسية كي “تشفى” من السحاق. وهددتها أمها بإفشاء علاقتها الجنسية المثلية للسلطات ما لم تتخلى عن ابنها. واستأجر والدا إرينا محققين خاصين ليتحريا عن حياتها الخاصة. وادعى المحققان أن لديهما شريط فيديو يظهر إرينا وهي تمارس الجنس مع شريكتها، وهدداها بإبلاغ الشرطة عنها، ما لم تدفع مبلغاً كبيراً من المال. وذهبت إرينا وحبيبتها إلى الشرطة لإبلاغها عن حادثة الابتزاز، فردَّ ضابط الشرطة على ذلك بأن بدأ بمضايقتهما جنسياً. ثم قام، مع شرطي آخر، باغتصاب إرينا كي “يلقنها درساً” و”يعيد توجيه” هويتها الجنسية. وقررت إرينا عدم إبلاغ الشرطة عن حادثة الاغتصاب، نظراً لتجربتها السابقة معهم.
السحاقيات يتعرضن للخطر في الأسرة والمجتمع
إن سيادة التعصب الجنسي ورهاب الجنسية المثلية في المجتمع ككل يخلق مناخاً تتعرض فيه السحاقيات لخطر انتهاكات جسيمة في المجتمع والأسرة. في بعض الأحيان ترغم الأسر بناتها السحاقيات، اللواتي يكشفن عن ميولهن الجنسية، على الزواج أو إقامة علاقات جنسية أخرى مع الرجال. إن إرغام النساء والفتيات على الزواج أو إقامة علاقات تنطوي على ممارسة الجنس بشكل متكرر من دون رضاها لا يعتبر ضرباً من التمييز فحسب، بل ربما تصل إلى حد التعذيب والرق الجنسي. وتتعرض السحاقيات أحياناً لسوء المعاملة بطرق لا تطال اللوطيين وثنائيي الميول الجنسية، مثل إجراء فحص العذرية القسري أو الحمل القسري. ونظراً لأن التجارب الجنسية للمرأة يمكن مراقبتها من قبل الأسرة والمجتمع بسهولة أكبر، فقد تواجه السحاقيات مجموعة من العقبات في محاولتهن مقاومة سوء المعاملة أو طلب الإنصاف. إن النساء اللواتي ينجذبن إلى نساء أخريات، سواء حددن أنفسهن كسحاقيات أم لا، يتعرضن لخطر سوء المعاملة في المجتمعات التي تنظر إليهن على أنهن يجلبن “العار”، لعائلاتهن ومجتمعاتهن.
وفي بعض البلدان تشارك وسائل الإعلام في المسؤولية عن إشاعة مناخ التعصب الذي يمكن أن يؤدي بسهولة إلى العنف. ففي سري لنكا، حيث يعاقب على الميول الجنسية المثلية بالسجن 12 سنة، نشرت جريدة “ذي آيلند” في آب/ أغسطس 1999، رسالة تحتج على مؤتمر للسحاقيات كان من المقرر عقده في كولومبو. ودعا كاتب الرسالة الشرطة إلى “إفلات مرتكبي جرائم الاغتصاب المدانين بين النسوة المبتهجات لكن المتعبات عندما يكون اجتماعهن على أشدِّه، وذلك كي تتمكن النساء المضلَّلات من “تذوق الطعم الحقيقي”. وقدمت منظمة “رفاق رحلة” للسحاقيات واللوطيين في سري لنكا شكوى إلى مجلس الصحافة السريلانكية. لكن المجلس رفض إدانة الجريدة وقال إن للمؤلف الحق في طرح وجه نظره، وأن لرأيه ما يبرره لأن السحاقية “فعل سادي”، ويعتبر جريمة بموجب قانون العقوبات المعمول به في البلاد. كما ذكر مجلس الصحافة أن السحاق “فعل يعبِّر عن انعدام الحياء بشكل فاضح”، وهو “غير طبيعي”، وأنه يجب تقويم اعوجاج النساء المضلَّلات والمترددات وإتاحة الفرصة لهن لفهم المعنى الحقيقي للحياة.”
وأشار المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعنف ضد المرأة إلى أن “المرأة التي يُتصور أنها تتصرف بطريقة تعتبر غير مناسبة جنسياً من زاوية المعايير الاجتماعية تتعرض للعقوبة. وإن الخيار الوحيد المتاح للنساء لإقامة علاقات جنسية في معظم المجتمعات ينحصر في الزواج من رجل من المجتمع نفسه. وإن النساء اللائي يخترن خيارات لا يوافق عليها المجتمع، سواء كانت بإقامة علاقة جنسية مع رجل خارج إطار الزواج، أو خارج إطار المجتمع العرقي أو الديني أو الطبقي، أو خارج إطار العلاقة بين الجنسين، غالباً ما يتعرضن للعنف والمعاملة المهينة…
إن الدول يجب أن تلتزم بمواجهة الممارسات الثقافية التي تؤدي إلى العنف ضد المرأة، والتي تسبب لها الإذلال والإهانة، وبالتالي تحرمها من التمتع الكامل بحقوقها. وتقضي المعايير الدولية بأن تضع الدولة سياسة منسقة للقضاء على هذه الممارسات حتى لو حاجج المعارضون بأن لها جذوراً في العقائد والشعائر الدينية.”
وتعتقد منظمة العفو الدولية أن ذلك ينطبق على جميع أشكال العنف الذي يقوم على أساس الجنس، والتي يجري الدفاع عنها لأسباب ثقافية، بما في ذلك العنف ضد اللوطيين والسحاقيات.
الشباب يتعرضون للخطر
كثيراً ما يتعرض الشباب، الذين يُظهرون أو يُتصور أنهم يُظهرون علامات انجذاب إلى الجنس نفسه، إلى خطر العنف في الأسرة والمجتمع. وتلقى التعبيرات الأولى عن هويتهم الجنسية أحياناً عقوبات وحشية. فثمة حالات عديدة تعرضت فيها سحاقيات صغيرات للضرب والاغتصاب والاعتداء من قبل أفراد العائلة، وذلك لمعاقبتهن وتحطيم أرواحهن، وليكون واضحاً لهن أن عقولهن وأجسادهن ليست حرة. إن آثار جميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة على الشباب وعواقبها على التنمية الاجتماعية والعاطفية لهؤلاء الشباب، تتسم بالحدة بشكل خاص.
بالنسبة للعديد من المثليين والثنائيين والمتحولين، تثير ذكريات المدرسة فيهم قليلاً من الحنين إلى الماضي:
“كنت أقف في وسط موقف السيارات في مدرستنا، عندما أحاط بي عدد من الصبية، وقالوا: دعونا نربط هذا المخنث بالسيارة من الخلف ونجرُّه على طول الطريق السريع؛ وأخرجوا حبلاً وبدءوا برميه حول عنقي … كل ما أتذكره هو أنني كنت محاطاً بهؤلاء الأشخاص، وكيف استبدَّ بي الرعب حتى الموت.”
وفي كانون الثاني/ يناير 2000، رفع ديريك هنكل دعوى حقوق مدنية ضد المسؤولين التعليميين في نيفادا بالولايات المتحدة، مدعياً أنهم لم يتخذوا أي إجراءات، بصورة متكررة وإرادية، لحمايته من سوء المعاملة المستمرة من قبل الطلبة الآخرين في ثلاث مدارس مختلفة في الفترة بين العامين 1995 و 1997 . وبدلاً من معالجة السلوك الضار للجناة، نُقل ديريك من مدرسة إلى أخرى قبل أن يترك النظام الدراسي العام برمته في سن السادسة عشرة من دون أن يكمل دراسته.
ومع أن المعاملة التي تعرض لها ديريك هنكل تعكس تلك التي يتعرض لها العديد من الشباب من هذه الفئة، فإن مثابرته على المطالبة بالإنصاف كانت أمراً غير عادي. إذ أن معظم الأطفال يشعرون بأنهم غير قادرين على إبلاغ معلميهم أو أسرهم بإساءة معاملتهم، ناهيك عن المطالبة بالإنصاف من السلطات التعليمية من خلال المحاكم.
ووصف أحد اللوطيين الشباب، وهو سوري مُنح حق اللجوء في الولايات المتحدة في العام 2000، فترة مراهقته بأنها “مليئة بالألم وسوء المعاملة. وادعى أن معلماً استبقاه في المدرسة بعد انتهاء الدوام المدرسي في العام 1994، واغتصبه، قائلاً إنه “خطيئة هذا العالم”. وقد فرَّ الصبي إلى الأردن، حيث اعتُدي عليه جنسياً، مرة أخرى، في العام 1999. وعندما قدم شكوى إلى الشرطة، سخروا منه ورفضوا مساعدته، وهددوه بأن يلقوه في “مكان مرعب” إذا أزعجهم مرة أخرى. وقد أصبح الصبي ذا مزاج انتحاري وقرر كشف ميوله الجنسية إلى والديه. “فتملك والده الغضب وبدأ بضربه وركله قائلاً إنه سيدنس شرف العائلة.. وقذف بي إلى الشارع”.
إن اتفاقية حقوق الطفل تلزم الدول، بشكل صريح، بحماية جميع الأطفال- بلا أي تمييز من أي نوع- من العنف وغيره من أشكال إساءة المعاملة في الأسرة والمدرسة والمجتمع. وكما هي الحال مع العنف المنـزلي ضد المرأة، فإن العنف ضد الطفل في الأسرة أو المدرسة من شأنه أن يؤذي جسده، وأن يكون ذا تأثير مدمر طويل الأجل على شعوره بكرامته وقيمته. إن التقاعس عن حماية الأطفال المعرَّضين للخطر بسبب هويتهم الجنسية، سواء الحقيقية أو المتصورة، يعتبر من أقسى أشكال التمييز الناجم عن رهاب الجنسية المثلية، كما يشكل انتهاكاً لحقوقهم.
توسيع نطاق الحماية
إن تقاعس السلطات في العديد من البلدان عن حماية المثليين والثنائيين والمتحولين من العنف في المجتمع، أدى إلى إنشاء منظمات تعمل من أجل مراقبة مثل هذا العنف ومنع وقوعه. وقد قامت بعض المشاريع المناهضة للعنف في عدد من البلدان بتوثيق أنماط من الاعتداءات الجسدية بدافع الكراهية، وقدمت إلى السلطات توصيات بشأن المراقبة الفعالة للعنف الناجم عن رهاب الجنسية المثلية، والتحقيق فيه.
وقد أبرزت هذه المنظمات قسوة جرائم العنف التي يغذِّيها رهاب الجنسية المثلية، ووحشيتها. وكما علق تقرير العام 1997 الذي أصدره “المركز القانوني لفقر الجنوب ” في الولايات المتحدة بالقول: “عندما يُشن هجوم على اللوطيين والسحاقيات، فإنه يكون هجوماً شرساً بشكل خاص… فلا يكتفى بلكمهم، وإنما يتعرضون للكم والركل والضرب والبصق، ويُربطون بالسيارات ويُجرُّون خلفها. ويبدو الأمر وكأن المهاجم يحاول أن يمحو هوية اللوطي برمتها من الوجود.”
ويتمثل أحد العناصر الأساسية لحماية هؤلاء الأشخاص من التعذيب وسوء المعاملة في وضع حد لحالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها المعتدون. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2000، هاجم جمهور مؤلف من زهاء 200 مسلح مؤتمراً في يوغياكرتا بإندونيسيا، كان يحضره نحو 350 شخصاً من العاملين في مجال الصحة الجنسية وحقوق الإنجاب. وكان بين المشاركين ممثلون لمنظمات اللوطيين والسحاقيات والثنائيين والمتحولين في إندونيسيا، بالإضافة إلى العاملين الصحيين وأشخاص من المثليين والثنائيين والمتحولين من يوغياكرتا. ووقع ذلك الهجوم في سياق عدد متزايد من الهجمات من قبل الجماعات الإسلامية الراديكالية على مجموعة من الأهداف، بينها الحانات والمراقص، فضلاً عن الاجتماعات مثل مؤتمر يوغياكرتا. وأسفر الهجوم عن جرح ما لا يقل عن 10 أشخاص، أُدخل عدد منهم المستشفى لتلقي العلاج. ووفقاً لأقوال شهود عيان، فقد اقتحم المهاجمون مبنى المؤتمر، وبدءوا بترهيب المشاركين بالعصي والسيوف والكراسي والقضبان الحديدية.
إن النظام القضائي الإندونيسي الضعيف والفاسد يخذل ضحايا الجرائم العادية وانتهاكات حقوق الإنسان على حد سواء. وفي الحالة المذكورة أعلاه، ورد أن الشرطة استجوبت عقب الهجوم نحو 57 شخصاً من المشتبه فيهم، ولكنها أطلقت سراحهم بعد فترة وجيزة من دون توجيه أي تهم إليهم. وكرد فعل غاضب على تقاعس الشرطة عن إجراء مزيد من التحقيقات، أنشأ المحامون والنشطاء في يوغياكرتا “اللجنة الشعبية لمناهضة العنف” لتتولى رفع دعاوى قانونية في محاولة لتقديم الجناة إلى العدالة. وأبلغ أحد منظمي المؤتمر منظمة العفو الدولية بأن “الهجوم أحدث هزة في مجتمع المثليين هنا. فلم يعودوا يشعرون بالأمان… وينبغي تقديم المهاجمين إلى العدالة لإظهار أن هذا النوع من العنف غير مسموح به.”
وشددت المشاريع المناهضة للعنف في أستراليا على أن منع وقوع سوء المعاملة يحتاج إلى التركيز على الاتجاهات في المجتمع ككل وليس على الجناة أنفسهم فحسب. إن العنف هو أحد مظاهر التحامل الراسخ، الذي يتعزز غالباً بالقوانين والسياسات الرسمية التي تجعل من السلوك المثلي وصمة عار.
لقد برزت الصلة بين التمييز والعنف في المجتمع في المملكة المتحدة في حادثة زرع متفجرات في حانة يتردد عليها اللوطيون في وسط لندن في نيسان/ أبريل 1999. وقد أظهر التفجير الصلة بين العنصرية ورهاب الجنسية المثلية، والطبيعة المترابطة لجميع أشكال التمييز التي تقوم على أساس الهوية. وكانت قنبلتان أخريان قد انفجرتا في وقت سابق في أجزاء مختلفة من لندن يقطنها عدد كبير من السكان السود والآسيويين. وفي المحاكمة المتعلقة بهذه القضية، أوضح الرجل المسؤول عن الانفجارات الثلاثة جميعا، وهو أحد المتعاطفين مع النازيين الجدد، سبب اختياره المواقع الثلاثة، قائلاً: “السود أولاً، ثم الآسيويون، ثم الشاذون”. وقد حُكم عليه بالسجن المؤبد.
الفصل 6: الفرار من التعذيب الذي يرتكب على أساس الهوية الجنسية
في غياب الحماية الفعالة ضد التعذيب وغيره من الانتهاكات، يُرغم العديد من السحاقيات واللوطيين وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين إلى الجنس الآخر على الفرار من بلدانهم بحثاً عن السلامة الجسدية. إلا أنهم يوجهون عقبات معينة في طلب اللجوء والاعتراف بطلباتهم.
وكي يُعترف بالشخص كلاجئ بموجب اتفاقية اللاجئين للعام 1951، عليه أن يثبت أن لديه خوفاً مبرَّراً من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر أو الدين أو الجنسية أو الانتماء إلى فئة اجتماعية أو الرأي السياسي. ومن سياسة المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الأشخاص الذين يواجهون الاعتداء أو المعاملة اللاإنسانية أو التمييز الخطير بسبب ميولهم الجنسية، والذين لا تكون حكوماتهم قادرة على حمايتهم أو راغبة في ذلك، يجب أن يُعترف بهم كلاجئين. وفي العام 1995، قرر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن السحاقيات واللوطيين يشكلون “فئة اجتماعية خاصة”، وبالتالي يمكن منحهم وضع اللاجئين عندما يكون لديهم خوف مبرَّر من التعرض للاضطهاد. وتحظر اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إعادة أي شخص، بلا استثناء، إلى بلد يمكن أن يتعرض فيها لخطر التعذيب. وثمة ما لا يقل عن 18 بلداً منحت اللجوء إلى أشخاص فروا من الاضطهاد بسبب الميول الجنسية.
وعلى الرغم من الحماية التي يوفرها القانون الدولي، فإن ثمة عوامل عديدة تحرم الأشخاص الذين تعرضوا للاضطهاد بسبب ميولهم الجنسية من الحصول على الحماية الدولية.
وربما لا يتمكن اللوطيون والسحاقيات الذين قاسوا من التعذيب وسوء المعاملة، من الحصول على أدلة موثقة لتجربتهم الشخصية. كما أن أنماط التعذيب وغيره من ضروب الانتهاكات التي يتعرض لها هؤلاء الأشخاص ليست موثقة جيداً في معظم البلدان، مع أن بعض المنظمات غير الحكومية بدأ باقتفاء أثر هذه الانتهاكات. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الأشخاص يمتنعون عن كشف ميولهم الجنسية إلى موظفي الهجرة، وخاصة إذا كانوا فارِّين من الاضطهاد على أيدي موظفي الدولة بسبب هويتهم الجنسية. وقد لا يكشف هؤلاء عن التفاصيل الحميمة لحياتهم خوفاً من عدم أخذهم على محمل الجد، أو الاستهزاء بهم، أو تعريض خصوصيتهم للخطر، أو التعرض لمزيد من الانتهاكات.
وعندما يسعى اللوطيون والسحاقيات إلى طلب اللجوء في بلدان يجري فيها تجريم العلاقات الجنسية المثلية، فإنه من غير المحتمل أن يتابعوا الطلبات القائمة على سلوكهم “غير الشرعي” أو هويتهم “غير الشرعية”. إن القيام بذلك من شأنه أن يعرضهم لخطر التدقيق أو الاشتباه، وربما لمزيد من الاضطهاد على الفور.
إن العديد من اللاجئين وممثليهم القانونيين غير واعين بأنه يمكنهم تقديم طلبات لجوء على أساس تعرضهم للاضطهاد بسبب ميولهم الجنسية. إن الامتناع عن تقديم طلب على هذا الأساس بسبب طائفة من الأسباب، منها الخوف من الانتقام، يمكن أن ينتج عنه نـزع أهلية طالبي اللجوء، بصرف النظر عن وجاهة القضية بحد ذاتها. فعلى سبيل المثال، خشي رجل من هندوراس، طلب اللجوء في الولايات المتحدة، من أن يتحدث بصراحة مع موظفي الهجرة، فحذف تفاصيل أساسية حول سوء المعاملة التي تعرض لها بدافع من رهاب الجنسية المثلية، والتي فرَّ منها لأنه خاف من عنف النـزلاء في مركز اعتقال المهاجرين إذا كشف عن ميوله الحنسية. لقد كان خوفه من كشف المعلومات واحتمال خرق السرية كبيراً إلى حد اختار معه طالب اللجوء هذا إخفاء معظم المعلومات المهمة التي تدعم طلبه. فكانت النتيجة أن طلبه رُفض.
إن موظفي الهجرة ليسوا مدربين، في الأغلب، على كيفية الحصول على المعلومات المتعلقة بالاضطهاد بسبب الميول الجنسية بطريقة حساسة. كما يمكن أن يفتقر المسؤولون إلى الوعي بأشكال معينة من الأذى الخاص باللوطيين والسحاقيات، من قبيل العلاج النفسي القسري كنوع من “الاستشفاء” من مرض الجنسية المثلية، وبالتالي يعجزون عن إدراك أن مثل هذا الانتهاك يعتبر نوعاً من الاضطهاد لأغراض اتفاقية اللاجئين.
كما أن عوامل من قبيل الجنس والعنصر والسن والأصل العرقي، يمكن أن تؤثر في معاملة المسؤولين لطالبي اللجوء. وكما علق لوطي من باكستان، حصل على لجوء إلى الولايات المتحدة بالقول: “إن عملية اللجوء تتطلب أن يرسم الشخص صورة بلده بطرق عنصرية واستعمارية للغاية، كي يبين رهاب الجنسية المثلية السائد فيها.”
ويدل هذا المزيج من العقبات والوصمة الاجتماعية والتمييز على أن التعذيب وسوء المعاملة اللذين يتعرض لهما اللوطيون والسحاقيات لا يتم الإبلاغ عنها بشكل كاف، ولا يتم توثيقها جيداً، وغالباً ما تعتبر غير مرئية. والنتيجة هي حرمان الأشخاص الذين يحتاجون إلى اللجوء من الحماية.
وربما يتعرض اللوطيون والسحاقيات لمزيد من سوء المعاملة بعد الفرار من بلدانهم، بصرف النظر عن الأساس الذي بُنيت عليه طلباتهم. ففي عدد من البلدان، كثيراً ما يُحتجز طالبوا اللجوء في مراكز اعتقال أو سجون إلى حين مراجعة طلباتهم. ويقضي طالبو اللجوء سنوات عديدة، أحياناً، بانتظار البت في طلباتهم. وأثناء فترة احتجازهم، ربما يتعرضون للتعذيب أو سوء المعاملة على أيدي الحراس والموظفين، بالإضافة إلى المعتقلين الآخرين.
فقد احتُجز لوطي من إندونيسيا في مركز اعتقال تابع لدائرة الهجرة والتجنيس في الولايات المتحدة، مدة تزيد على سنتين بين العامين 1998 و 2000. فقد حُبس لأنه كان لوطياً، وكان قد فرَّ من بلاده بعد تلقيه تهديدات بالقتل وغيرها من التهديدات من قبل جماعات اتهمته “بإلحاق العار بها”. وتعرض أثناء احتجازه لمضايقات لفظية متواصلة بدافع من رهاب الجنسية المثلية من جانب موظفي المعتقل. وقيل له إنه سيُنقل إلى سجن آخر “من أجل سلامته”، أو يوضع في وحدة الإيواء الخاصة في السجن، وهي عبارة عن جناح للحبس الانفرادي في مركز الاعتقال، يوضع فيه المعتقلون الذين يُزعم أن دائرة الهجرة والتجنيس تعجز عن حمايتهم.”
على الرغم من مجموعة العراقيل التي تواجه المثليين والثنائيين والمتحولين في طلب اللجوء، فقد تم تحقيق تقدم كبير في هذا المجال في السنوات الأخيرة. فثمة اتفاق متزايد في المجتمع الدولي على أن الأشخاص الذين يفرون من التعذيب وسوء المعاملة لأسباب تتعلق بهويتهم الجنسية، بما في ذلك العنف في المجتمع بدافع رهاب الجنسية المثلية، يمكن أن يكونوا مؤهلين للحصول على وضع لاجئين بموجب اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين.
وفي العام 1995 قضت سلطة مراجعة وضع اللاجئين في نيوزيلندا أنه “يجدر الإقرار بمبدأ أن قانون اللاجئين يجب أن يعنى بالإجراءات التي تنكر الكرامة الإنسانية بأي طريقة … وبناء على هذا التفسير، لا تشكل قضية الميول الجنسية صعوبات كبيرة. فكما أشرنا سابقاً، فإن الميول الجنسية خاصية غريزية أو غير قابلة للتغيير أو أساسية بالنسبة للهوية أو الكرامة البشرية إلى حد لا يجوز معه إكراه الشخص على ترك هذه الخاصية أو تغييرها.”
وفي العام 1997، ادعى مركز اللاجئين في لاتفيا، وهو جزء من وزارة الداخلية، أنه على الرغم من عدم ذكر السحاقيات واللوطيين تحديداً في قانون اللاجئين، فإن المركز سيتَّبع بدقة تفسير المفوض السامي لشؤون اللاجئين لعبارة “الفئة الاجتماعية”، وشمول هذا التفسير للميول الجنسية. ويمكن إثبات الخوف المبرَّر من التعرض للاضطهاد بسبب الميول الجنسية، عندما يُضطهد الأشخاص المثليون أو تُنتهك حقوقهم من قبل سلطات الدولة أو على أيدي أفراد آخرين، وتعجز الدولة عن توفير الحماية الكافية لهم.
في أيار/مايو 2000، أُضيفت جنوب أفريقيا إلى قائمة الدول التي وافقت على توسيع نطاق اللجوء ليشمل الأشخاص الذين يفرون من الاضطهاد بسبب الميول الجنسية، عندما اعتمدت قانوناً جديداً للاجئين. وبحلول كانون الثاني/يناير 2000، قدم أربعة لوطيين- اثنان من باكستان وواحد من كل من أوغندا وزامبيا- طلبات لجوء استباقاً للقانون الجديد.
وفي آب/أغسطس 2000، أمرت محكمة فدرالية حكومة الولايات المتحدة بمنح اللجوء إلى جيوفاني هيرنانديز مونتيل، وهو لوطي مكسيكي متحول، كان قد قُبض عليه واحتُجز وأُخضع للتفتيش بتجريده من ملابسه، وتعرض للتعذيب على أيدي الشرطة المكسيكية على مدى سنوات عدة. وقضت المحكمة بأن “هذه القضية تتعلق بالهوية الجنسية وليس بالزي، وأن اللوطيين الرجال الذين لهم هوية جنسية أنثوية في المكسيك يشكلون فئة اجتماعية خاصة لأغراض اللجوء”، وأنه يجب منح هيرنانديز مونتيل حق اللجوء على أساس خوفه المبرر من الاضطهاد. وكانت تلك المرة الأولى التي تمنح فيها محكمة فدرالية في الولايات المتحدة حق اللجوء على أساس الميول الجنسية.
الفصل 7: الذود عن حياتنا -المدافعون عن حقوق الإنسان
لقد انعكس الصمت واللامبالاة اللذين يكتنفان أعمال التعذيب وسوء المعاملة التي يتعرض لها المثليون والثنائيون والمتحولون، في عمل قسم كبير من المجتمع الدولي لحقوق الإنسان حتى وقت قريب. وفي الوقت الذي ركز عمل المنظمات المختلفة، مثل منظمة العفو الدولية، الاهتمام العام على محنة المعارضين السياسيين المسجونين، فإن “المعارضين” الجنسيين أو العاطفيين المضطهدين ظلوا ضحايا منسيين إلى حد كبير. ونادراً ما ظهرت قضايا الجنسانية والميول الجنسية في جداول أعمال المنظمات الحكومية الدولية وآليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
إلا أن مؤامرة الصمت التي تحيط بانتهاكات حقوق السحاقيات واللوطيين قد كُسرت الآن. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، ظهرت حركات في شتى بلدان العالم للدفاع عن الحقوق الإنسانية لهذه الفئة. وناضلت هذه الحركات لوضع حد لوحشية الشرطة، ومن أجل تجريم الميول الجنسية المثلية، ومن أجل توفير الحماية القانونية على قدم المساواة في مواجهة العنف والتمييز بدافع من رهاب الجنسية المثلية. وقد حقق هؤلاء النشطاء بعض الانتصارات المؤثرة، وأحرزوا إصلاحات قانونية، وأحدثوا تغييرات في الاتجاهات والمواقف الثقافية.
وبدأ طرح قضايا السحاقيات واللوطيين في منتدى علني في الهند أواخر الثمانينات، مع تأسيس أول مجلة للوطيين في الهند، وهي “بومباي دوست”، وإنشاء مشاعة سحاقية في دلهي باسم “ساخي”. واليوم، ثمة منظمات وخطوط لتقديم المساعدة ونشرات إخبارية وموارد صحية ومواقع اجتماعية ومراكز للزيارات في معظم المدن الرئيسية في الهند. وأدت الزيادة الحادة في عدد الهجمات على هؤلاء الأشخاص في بنغالور، بما في ذلك إساءة المعاملة على أيدي الشرطة، إلى تشكيل “الائتلاف من أجل الأقليات الجنسية”، الذي يضم منظمات المثليين والمحامين والنساء، بالإضافة إلى نشطاء العمل الاجتماعي. واتصل الائتلاف بمنظمة لحقوق الإنسان، تدعى “الاتحاد الشعبي للحريات المدنية- كرنتاكا”، وطلب منها المساعدة في التحقيق في مثل هذه الانتهاكات وتعبئة الرأي العام ضدها “في محاولة لاختراق التعتيم والصمت اللذين حاول المجتمع أن يحيط بهما هؤلاء الأشخاص بسبب ميولهم الجنسية ليس إلا.”
وكان مليك دمير واحداً من ثمانية متحولين، قدموا شكاوى رسمية بشأن التعذيب وسوء المعاملة ضد الشرطة في تركيا. وفي 26 كانون الثاني/يناير 2001، بدأت محاكمة مفوض شرطة اتُّهم بتعذيبهم في العامين 1996 و 1997. وتحدث الأشخاص الثمانية عن التهديدات التي تعرضوا لها، لحملهم على سحب شكاواهم على ما يبدو. وذكرت إرين كيسكين، رئيسة فرع رابطة حقوق الإنسان في استانبول أنها كانت قد واجهت مفوض الشرطة قبل بضع سنوات بشأن أنباء مشابهة حول تعذيب المتحولين، وأنه قال لها: “حتى هذا اليوم كنتم تهتمون بالإرهابيين،والآن تهتمون باللوطيين، الذين لا يعتبرون في عداد البشر؟” فقلت له إنه ليس هناك من يستحق التعذيب”.
وفي بلدان أخرى أُنشأت منظمات لمراقبة العنف ضد هؤلاء الأشخاص ومنعه. ومن المقرر أن يعقد أول مؤتمر دولي حول جرائم الكراهية ضد المثليين في سدني بأستراليا في العام 2002، والذي يستضيفه “ائتلاف المشاريع المناهضة للعنف في نيو ساوث ويلز”. ويهدف المؤتمر إلى سبر المناهج الشاملة لمواجهة العنف ضد المثليين في إطار حقوق الإنسان. ويشكل المؤتمر فرصة لتعزيز الوعي بحقيقة أن العنف ضد المثليين، سواء في الحجز أو في المجتمع أو في الأسرة، ويمكن أن يشكل ضرباً من التعذيب أو سوء المعاملة التي يتعين على الحكومات أن تمنعها وتحقق فيها وتعاقب عليها، وذلك بموجب المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وربما يتمثل النصر الأكبر الذي حققته حركة حقوق اللوطيين والسحاقيات والثنائيين والمتحولين في أن حقوق هؤلاء أخذت تجد صدى في أرجاء هذا الكوكب في مطلع القرن الحادي والعشرين. وأصبح المدافعون عن حقوق هؤلاء الأشخاص موجودين في كل مكان. وثمة عشرات من المنظمات التي تعمل من أجل حقوقهم في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وتقوم هذه الحركات بشق طريقها الخاص للمطالبة بحقوقها في الهوية الجنسية. ولعل وجودهم بحد ذاته يمثل تحدياً للكذبة التي يدعي أصحابها أن الميول الجنسية المثلية “ليست جزءاً من ثقافتنا”.
وما فتئ المثليون والثنائيون والمتحولون ينشطون في الحركات الوطنية والمحلية من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان في شتى بقاع العالم؛ فكانوا جزءاً من النضال من أجل حقوق المرأة، كما كانوا من النشطاء المناهضين للفصل العنصري. وشاركوا في الحملات من أجل “المختفين” في أمريكا اللاتينية وجمهورية يوغسلافيا الاتحادية السابقة. ومثلما شاركوا في حملات لا حصر لها من أجل جميع قضايا حقوق الإنسان ككل، فإن الجميع يجب أن يشارك في النضال من أجل حماية حقوقهم الإنسانية.
المدافعون عن حقوق اللوطيين والسحاقيات وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين إلى الجنس الآخر يتعرضون للخطر
لقد أدى تزايد العلنية إلى تجديد الهجمات على المدافعين عن حقوق المثليين، وخاصة في البلدان التي ظهرت فيها حركات الدفاع عن هؤلاء الأشخاص في فترة متأخرة. ويتساءل أشوك روكافي، أحد نشطاء الدفاع عن حقوق المثليين في الهند. “لماذا هذا الكره المفاجئ للمثليين؟”، ويضيف مجيباً: “لأنهم باتوا يمثلون هوية سياسية. وتحاول الحكومات قمع هؤلاء لأنها ترى فيهم قوة اجتماعية مخربة.”
وفي بعض البلدان، التي تجرِّم الميول الجنسية المثلية، يمكن أن تعتبر الدعوة إلى حقوق المثليين نوعاً من التحريض على ارتكاب جرائم. فقد قال نائب الرئيس الزامبي، كريستون تمبو: “لا يمكن الموافقة على قبول تسجيل منظمة لرعاية مصالح المثليين في زامبيا. وليعلم الذين يصرون على الذود عن سبب الأنشطة الجنسية المثلية في زامبيا يخاطرون بتعريض أنفسهم للاعتقال بسبب جرائم ارتكاب أفعال جنائية أو التآمر لارتكاب أفعال جنائية.” وأبلغت رابطة السحاقيات واللوطيين والمتحولين أن السلطات رفضت تسجيلها رسمياً، فلم تتمكن بالتالي من شن حملة توعية عامة وتحدي الحظر المفروض على اللوطية. ووردت أنباء عن تعرض الرئيس السابق للرابطة إلى الاعتداء مرتين.
واعترفت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان بالمخاطر التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان الذين يعملون بشأن قضايا الميول الجنسية. وفي تقريرها إلى لجنة حقوق الإنسان في آذار/مارس 2001، قالت: “يواجه المدافعون عن الحقوق الإنسانية لفئات معينة مخاطر أكبر، لأن عملهم يشكل تحدياً للبنى الاجتماعية والممارسات التقليدية والتفسيرات الدينية التي دامت فترة طويلة للتغاضي عن انتهاك الحقوق الإنسانية لأفراد مثل هذه الفئات وتبريرها، وستكون جماعات الحقوق الإنسانية للمرأة وتلك التي تنشط في القضايا الجنسانية وخصوصاً الميول الجنسية وحقوق الإنجاب، ذات أهمية خاصة. وغالباً ما تكون هذه الجماعات مستضعفة ومعرضة للتحيز والتهميش والنبذ، ليس من جانب الدولة، وإنما من قبل الجهات الاجتماعية الأخرى.”
وستتمثل الخطوة الأولى المهمة بالنسبة للآخرين في الحركة الدولية لحقوق الإنسان، في الإقرار بأن الذين يناضلون ضد التعذيب وسوء المعاملة ووضع حد للعنف والتمييز ضد المثليين والثنائيين والمتحولين هم بالفعل مدافعون عن حقوق الإنسان، يعملون من أجل تحقيق الوعد الذي قطعه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان -- وهو أن جميع البشر متساوون في الكرامة والحقوق.
إن الاعتماد على التعاون مع المجتمع الأوسع لحقوق الإنسان يمكن أن يشكل ضمانة أساسية للمدافعين عن الحقوق الإنسانية لهذه الفئة ووسيلة مهمة لمقاومة محاولات تقويض شرعية عملهم وتهميشهم. وعلى حد قول خوان بابلو أوردوثيز، أحد المدافعين الكولومبيين عن حقوق الإنسان، فإن “الدفاع عن الحقوق الإنسانية لذوي الميول الجنسية المثلية من جانب المثليين وحدهم أمر مستحيل، أو أنه، في أحسن الأحوال، يضع حياتهم على شفا الهلاك. ويجب أن يضطلع بهذا النضال أشخاص من الخارج، سواء كانوا مثليين أو غير مثليين، ممن ليسوا من ضحايا هذا المجتمع العدائي.”
الفصل 8: التوصيات
بناءً على سنوات الخبرة في العمل ضد التعذيب في شتى أنحاء العالم، وضعت منظمة العفو الدولية برنامجاً من اثنتي عشرة نقطة يحتوي على التدابير الأكثر أهمية التي ينبغي أن تتخذها الحكومات لمنع التعذيب وسوء المعاملة على أيدي موظفي الدولة (أنظر الملحق).
وأبرزت آخر أبحاث منظمة العفو الدولية الحاجة إلى وجود تدابير محددة لحماية الأشخاص المعرضين للخطر بسبب هويتهم الجنسية الحقيقية أو المتصورة. وتشمل هذه التدابير ضمانات وخطوات وقائية للتغلب على ظاهرة الإفلات من العقاب ومكافحة التمييز، وهما عاملان أساسيان يقفان خلف استمرار التعذيب.
إن معظم التوصيات الواردة فيما يلي موجهة إلى الحكومات، التي تتحمل المسؤولية العليا بوضع حد للتعذيب، بينما توجه التوصيات الأخرى إلى المنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية.
توصيات إلى الحكومات
1. إلغاء القوانين التي تجرِّم الميول الجنسية المثلية
مراجعة جميع القوانين التي ينتج عنها التمييز ضد الأشخاص أو مقاضاتهم أو معاقبتهم بسبب ميولهم الجنسية أو هويتهم الجنسية ليس إلا، ومنها قوانين “اللواط” أو ما شابهها من الأحكام التي تُّجرم الميول الجنسية المثلية أو التحول إلى الجنس الآخر؛ وقوانين سن الموافقة التمييزية؛ وقوانين النظام العام التي تُستخدم لمقاضاة الأشخاص ومعاقبتهم بسبب هويتهم الجنسية فحسب؛ والقوانين التي تحظر “ترويج” الجنسية المثلية، التي يمكن استخدامها لحبس دعاة الحقوق الخاصة بالمثليين والثنائيين والمتحولين.
وينبغي إلغاء جميع هذه القوانين أو تعديلها. كما يجب الإفراج الفوري وغير المشروط عن كل من سُجن أو اعتُقل بسبب ميوله الجنسية الحقيقية أو المتصورة، أو بسبب هويته الجنسية فحسب. وهذا يشمل أولئك المعتقلين بسبب العلاقات الجنسية المثلية الرضائية بين بالغين في خلوة (السن الدنيا نفسها بالنسبة للعلاقات بين الجنسين)؛ وأولئك المحتجزين بسبب دفاعهم عن حقوق المثليين؛ وأولئك المعتقلين بسبب معتقداتهم وأنشطتهم السياسية تحت ستار تهمة الجنسية المثلية.
وينبغي إلغاء عقوبة الجلد وجميع العقوبات البدنية الأخرى، وعقوبة الإعدام وجميع العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة في القانون.
2. إدانة التعذيب، بصرف النظر عن ضحاياه
يجب أن يبادر المسؤولون، على أعلى المستويات، إلى إدانة التعذيب علناً، وأن يوضحوا أنه لن يُسمح بممارسة أي شكل من أشكال التعذيب وسوء المعاملة. وعليهم أن يتأكدوا من أنهم لن يصدروا أي بيان علني أو أوامر يمكن أن تُفسَّر وكأنها بمثابة رخصة لتعذيب الأشخاص وإساءة معاملتهم بسبب هويتهم الجنسية. ويجب تحميل أولئك الذين يصدرون مثل هذه البيانات المسؤولية عن التحريض على التعذيب والدعوة إليه والتشجيع عليه.
3. توفير الضمانات في الحجز
ضمان حصول جميع الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين وموظفي السجون والموظفين الطبيين وغيرهم من المسؤولين المعنيين، على تدريب في مجال حماية المثليين والثنائيين والمتحولين من التعذيب وسوء المعاملة.
ويجب اتخاذ تدابير فعالة لمنع الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي ضد هؤلاء الأشخاص في الحجز. ويجب الاعتراف بأن الاغتصاب في السجون أو حجز الشرطة هو فعل من أفعال العنف. و يجب فصل النساء السجينات عن الرجال السجناء ، كما يجب ألا يوضعن تحت إشراف الموظفين الرجال، وأن تحضر موظفات الأمن (إناث) جلسات استجوابهن.
إلا أن الفصل في السجون يجب ألا يهدف إلى فرض مزيد من التهميش على المثليين والثنائيين والمتحولين في مجتمع السجن، أو تعريضهم لمزيد من مخاطر التعذيب وسوء المعاملة. أما السجناء المتحولون إلى الجنس الآخر فيجب أن يُحتجزوا في الأماكن المناسبة لهويتهم الجنسية المفضلة.
وينبغي السماح لهؤلاء الأشخاص بالحصول على الرعاية الطبية المناسبة لحاجاتهم. فالنساء يجب أن يُسمح لهن بزيارة موظفات طبيات (إناث). وعندما يُسمح بالزيارات الزوجية، يجب أن تشمل جميع السجناء والمعتقلين، بصرف النظر عن جنس شركائهم.
وينبغي التأكد من أن الموظفين المسؤولين عن حفظ الأمن في المظاهرات وتطبيق أحكام النظام العام، أو حفظ النظام في مراكز الاعتقال، يتقيدون بالمعايير الدولية الخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية.
4. منع “المعالجة” الطبية القسرية
إن المعالجة الطبية للمثليين والثنائيين والمتحولين رغماً عن إرادتهم، والتي تهدف إلى تغيير ميولهم الجنسية أو هويتهم الجنسية تعتبر ضرباً من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، التي يمكن أن تصل إلى حد التعذيب، ويجب منعها في جميع الظروف. وإن مشاركة المهنيين الطبيين في مثل هذه “المعالجة” يشكل انتهاكاً للقوانين الدولية لآداب مهنة الطب، التي تمنع مشاركتهم في التعذيب وإساءة المعاملة. ويتعين على الجمعيات الطبية الوطنية التي لم تفعل ذلك بعد، أن تؤكد أن الميول الجنسية المثلية ليست نوعاً من الاضطراب الطبي، وأن تدين وتمنع أعضاءها من المشاركة في أي معالجة تهدف إلى “شفاء” المرض أو “معالجته”.
5. وضع حد للإفلات من العقاب
ضمان إجراء تحقيق فوري ومحايد في جميع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة الحقيقية أو المتصورة، التي تقع بسبب الهوية الجنسية، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
ويتعين على السلطات إنشاء آليات مستقلة فعالة لمراقبة عمل الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون والموظفين القضائيين، وذلك لتحديد جميع أشكال التمييز في النظام القضائي، والقضاء عليها، وإزالة أي عقبات تمنع تقديم المسؤولين عن التعذيب وإساءة المعاملة إلى العدالة.
كما يتعين على السلطات إنشاء أنظمة تشاور فعالة مع الجماعات المعنية، بما فيها المدافعون عن حقوق المثليين والثنائيين والمتحولين. ويجب على هيئات المراقبة أن تحتفظ بإحصائيات شاملة وغيرها من الوثائق المتعلقة بالشكاوى بشأن العنف الناجم عن رهاب الجنسية المثلية، سواء على أيدي موظفي الدولة أو غيرهم، وأن تنشر تلك الإحصائيات.
وينبغي تطبيق تدابير خاصة للتأكد من أن الأشخاص، الذين راحوا ضحايا للتعذيب وسوء المعاملة بسبب الهوية الجنسية، بما في ذلك الاغتصاب وغيره من ضروب الإساءة الجنسية، يتمتعون بحرية استخدام وسائل الحصول على الإنصاف، وبالحق في الحصول على حلول فعالة، ومنها إعادة التأهيل والتعويضات.
6.حماية السحاقيات واللوطيين وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين إلى الجنس الآخر من العنف في المجتمع
يجب أن تعمل سلطات الشرطة والقضاء بالدأب الواجب لحماية هؤلاء الأشخاص من العنف في المجتمع، بما فيه العنف المنـزلي. ويجب أن توضح هذه السلطات أن مثل هذا العنف يعتبر جريمة جنائية ولن يُسمح به. وينبغي تزويد الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون بتوجيهات محددة، وتدريبهم على كيفية تحديد الجرائم الناجمة عن رهاب الجنسية المثلية والتحقيق فيها. وينبغي التحقيق في جميع المزاعم بشكل ملائم، وتقديم الجناة إلى العدالة، وتحقيق الإنصاف الكافي للضحايا.
كما يجب حماية الأطفال من العنف الجسدي والنفسي الذي يتعرضون له بسبب هويتهم الجنسية الحقيقية أو المتصورة. وعلى السلطات التعليمية أن تطبق سياسات من شأنها منع الاعتداءات بدافع رهاب الجنسية المثلية، وغيرها من أفعال “البلطجة” على الأطفال الأضعف أو الأصغر سناً في المدارس. ويتعين على الحكومات أن تحترم التزاماتها الدولية بحماية الأطفال من جميع أشكال العنف في الأسرة والمجتمع، بما في ذلك العنف الذي يتعرضون له بسبب هويتهم الجنسية الحقيقية أو المتصورة.
وينبغي منع التحريض على التمييز وبث الروح العدائية والعنف ضد المثليين والثنائيين والمتحولين، وذلك وفقاً للمعايير الدولية التي تمنع الدعوة إلى الكراهية، والمعايير المناهضة للتمييز.
7. حماية اللاجئين الفارين من التعذيب بسبب الهوية الجنسية
يجب أن تقوم الحكومات بمراجعة السياسات والممارسات الخاصة باللجوء، وتعديلها، وذلك كي يتمكن كل شخص لديه مخاوف مبررة من التعرض للاضطهاد بسبب هويته الجنسية الحقيقية أو المتصورة، من طلب حق اللجوء والحصول عليه، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين.
ولا يجوز إعادة أي شخص قسراً إلى دولة يمكن أن يتعرض فيها لخطر الاضطهاد أو التعذيب، بما فيها الدول التي لا توفر الحماية له من الاضطهاد أو التعذيب في المجتمع. وينبغي تجنب اعتقال طالبي اللجوء عادة. وفي الحالات المحدودة التي يكون فيها الاعتقال قانونياً، يتعين على السلطات ضمان عدم تعرض طالبي اللجوء للتعذيب وسوء المعاملة.
ويجب إصدار مبادئ توجيهية موجهة إلى موظفي الهجرة وغيرهم من ذوي العلاقة بعملية اللجوء، وتتعلق بكيفية التعامل بحساسية مع الطلبات القائمة على الميول الجنسية. ويجب أن يشمل التدريب كيفية القضاء على التحيز في المقابلات والتوثيق ومعالجة المعلومات الخاصة ببلد معين، وأن تشمل جماعات الدفاع عن حقوق المثليين والثنائيين والمتحولين.
ولدى تقييم الطلبات، ينبغي طلب المعلومات الخاصة بالبلد المعني من منظمات المثليين والنساء وغيرها من منظمات حقوق الإنسان التي توثِّق حوادث التعذيب وسوء المعاملة وغيرها من الانتهاكات لحقوق هذه الفئة. كما يجب على الحكومات أن تراقب القرارات التي تدل على وجود التمييز الضار؛ وينبغي التحقيق في الشكاوى بصورة ملائمة، وكذلك توفير آليات نزيهة وفعالة للاستئناف.
8. حماية المدافعين عن الحقوق الإنسانية للسحاقيات واللوطيين وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين إلى الجنس الآخر، ودعمهم
يتعين على الحكومات ضمان حماية كافية للمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتعرضون للخطر بسبب عملهم المتعلق بقضايا الجنسانية والهوية الجنسية. كما يتعين دعم عملهم والتشاور معهم بشأن المبادرات المتعلقة بالسياسات الخاصة بمناهضة التعذيب. وعلى الحكومات أن تزيل جميع العقبات القانونية والإدارية التي تمنع المدافعين عن حقوق المثليين من أداء عملهم، وتطبيق أحكام إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق وواجبات الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها دولياً، وتوصيات الممثل الخاص للأمم المتحدة المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان.
9. تعزيز الحماية الدولية
يجب أن تصادق الدول من دون تحفظات على الصكوك الدولية التي تنص على منع التعذيب وإساءة المعاملة، ومن هذه الصكوك:
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والبروتوكول الاختياري (الأول) الملحق به، والذي يقر بصلاحية لجنة حقوق الإنسان في النظر في الشكاوى الفردية؛
- اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وبضمنها الإعلانات بموجب المادتين 21 و 22، اللتين تقران بصلاحية لجنة حقوق الإنسان في النظر في الشكاوى الفردية، ومن دون تحفظات؛
- اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والبروتوكول الاختياري الملحق بها، والذي يجيز النظر في الشكاوى الفردية؛
- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛
- اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري؛
- اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل؛
- القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛
- المعايير الإقليمية ذات الصلة، من قبيل اتفاقية الدول الأمريكية لمنع التعذيب والمعاقبة عليه؛ والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وضمنها البرتوكول 12 الملحق بها والمتعلق بالتمييز، والاتفاقية الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وعند تقديمها التقارير والتوصيات إلى الهيئات الدولية لحقوق الإنسان، يتعين على الحكومات أن تضمِّنها معلومات حول الخطوات التي اتخذتها لحماية المثليين والثنائيين والمتحولين من التعذيب وسوء المعاملة، سواء على أيدي موظفي الدولة أو غيرهم من الأفراد أو الجهات في المجتمع. كما يتعين على الحكومات تطبيق توصيات المقررين الخاصين المعنيين بالعنف ضد النساء والتعذيب باعتبارها مسألة ذات أولوية.
ويجب أن تكفل الحكومات تعزيز حماية الحقوق الإنسانية لهؤلاء الأشخاص، بصورة فعالة، في جميع مؤتمرات الأمم المتحدة ذات الصلة وفي عمل هيئات الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية لحقوق الإنسان.
10. مقاومة التمييز
يجب أن تكفل الحكومات قدراً أكبر من الحماية القانونية من الانتهاكات بدافع رهاب الجنسية المثلية، عن طريق اعتماد أحكام دستورية وغيرها من الأحكام التي تمنع جميع أشكال التمييز بسبب الميول الجنسية أو الهوية الجنسية.
كما يجب أن تعزز خاصية التنوع في إنشاء الوكالات المسؤولة عن تطبيق العدالة، وأن تكفل تصدي السياسات المناهضة للتمييز للقضايا المتعلقة بالهوية الجنسية.
وينبغي أن تبادر الحكومات إلى شن حملات عامة لمناهضة التمييز، بهدف زيادة الوعي بالحاجة إلى حماية حقوق جميع الأشخاص، بمن فيهم المثليون والثنائيون والمتحولون، في أن يتحرروا من التعذيب وسوء المعاملة. وعليها أن تدعم عمل المنظمات التي تناضل ضد التمييز، وأن تمكنها من الاضطلاع بعملها بلا خوف أو قيود لا مبرر لها.
وينبغي عدم تطبيق القيود المفروضة على حرية اشتراك هؤلاء الأفراد أو المنظمات في الجمعيات وفي التجمع السلمي، تطبيقاً تعسفياً أو قائماً على التمييز.
توصيات موجهة إلى المنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية
ينبغي على الهيئات الحالية للأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان أن تسعى للحصول على معلومات حول التعذيب وسوء المعاملة وغيرها من الانتهاكات بسبب الهوية الجنسية. وينبغي أن يتضمن عملها تحليلاً لأنماط التعذيب وسوء المعاملة بسبب الهوية الجنسية، بالإضافة إلى توصيات بشأن التصدي لهذه الأنماط، وذلك بالبناء على العمل الذي أنجزه المقررون الخاصون للأمم المتحدة المعنيون بالتعذيب، والعنف ضد المرأة، وحوادث الإعدام خارج نطاق القضاء وبإجراءات موجزة وتعسفية؛ والممثل الخاص للأمم المتحدة المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان؛ ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان؛ ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويجب أن تقوم هذه الهيئات، أيضاً، بترويج أمثلة تُحتذى للممارسات الجيدة بين الدول.
وينبغي أن يصدر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مبادئ توجيهية بشأن طلبات اللجوء التي تقوم على أساس الميول الجنسية والهوية الجنسية، تعزز الوعي بأفضل الممارسات في ولايات قضائية معينة.
ويتعين على المنظمات غير الحكومية أن تعزز عملها المتعلق بتوثيق انتهاكات الحقوق الإنسانية للمثليين والثنائيين والمتحولين، والإبلاغ عنها. وعليها أن تقدم الدعم لضحايا التعذيب وعائلاتهم، وذلك، مثلاً، بتقديم شكاوى فردية إلى السلطات الحكومية المعنية والهيئات الدولية لمراقبة حقوق الإنسان. وينبغي إرسال المعلومات العاجلة المتعلقة بالأفراد الذين يواجهون التعذيب، إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، أو المقرر الخاص المعني باستخدام العنف ضد المرأة، أسبابه ونتائجه، لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
التدوينات (RSS)