- العنف في البيت والمجتمع
- العنصرية والتعذيب
- العقبات التي تعترض تطبيق العدالة
- العاملون بالمهن الطبية والتعذيب
- التمييز: أرض خصبة للتعذيب
- التعذيب على أيدي الشرطة
- التعذيب سلاح في الحرب
- التعذيب بموجب القانون- العقوبات البدنية بموجب أحكامٍ قضائية
- التعذيب اليوم
- الإفلات من العقاب ـ مشكلة عالمية
- الإفلات من العقاب
- استخدام النظام الدولي لمناهضة التعذيب
- تعذيب الأطفال
- علاج ضحايا التعذيب
- ظروف الاحتجاز القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
- حماية الفارين من التعذيب
- مكافحة التعذيب: خطة عمل
- بناء الاسترتيجية
- تعذيب النساء
- وقف تجارة التعذيب
العنف في البيت والمجتمع
تزوجت صبرية خان في باكستان في سن السادسة عشرة من رجل يزيد عمره عن مثلي عمرها. وبعد قليل من الزفاف في 1991 قال لها زوجها إنها ينبغي ألا ترى أهلها ثانية. وفي ديسمبر/كانون الأول 1993 حاولت صبرية، وهي حامل في شهرها الثالث، أن ترى أهلها. واعتبر الزوج هذا خروجاً على طاعته، ورداً على ذلك سكب الزوج وأمه الكيروسين على صبرية وأشعلا فيها النار. وأُصيبت صبرية بحروق بنسبة 60 في المائة، لكنها نجت من الموت رغم أنها صارت مشوهة. وعندما حاولت الانتصاف لنفسها بإقرار العدالة من خلال المحاكم أُحبط مسعاها. فقد أيد قاضي التحقيق في جيلوم ادعاء زوج صبرية أنها مجنونة وأنها أشعلت النار في نفسها. وتنتظر صبرية نظر الاستئناف أمام المحكمة العليا في روالبندي.
ومثل كثيرين غيرها من ضحايا التعذيب، عانت صبرية خان ألماً مروعاً أُلحق بها عمداً. إنها بلا حول ولا قوة في أيدي من اعتدوا عليها أصلاً، وعوملت بازدراء من النظام الذي كان يجب أن يحميها، وفوق هذا وذاك فقد صارت مشوهة مدى الحياة. أما ما يميز بين محنتها وبين محنة معظم الضحايا الآخرين المذكورين في هذا التقرير فهو أن من اعتدوا عليها ليسوا مسؤولين حكوميين بل أفراداً من أسرتها.
والدول مسؤولة عن حماية الأشخاص، لا من التعرض للتعذيب والمعاملة السيئة على أيدي موظفيها الرسميين فحسب، بل ومن التعرض للممارسات المماثلة على أيدي أفراد عاديين (وهم الذين يُشار إليهم بتعبير “فاعلون غير رسميين”). وقد تتحمل الدولة المسؤولية بعدة أشكال مختلفة؛ فهي مسؤولة عن الانتهاكات التي يرتكبها أفراد عاديون أو هيئات تسند إليهم مسؤوليات؛ وهي تتحمل قسطاً من المسؤولية عن أعمال العنف التي يقوم بها أفراد عاديون عندما تؤيد هذه الأفعال أو تسكت عنها؛ وهي مسؤولة أيضاً عندما تتقاعس بأشكال أخرى عن توفير الحماية الفعالة من التعرض للتعذيب أو المعاملة السيئة.
ومن أعمال منظمة العفو الدولية الأخيرة بخصوص الانتهاكات التي يقوم بها أفراد عاديون مطبوعات عن العنف ضد النساء في باكستان،وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، (وهي عادة تقليدية تحدث إصابات خطيرة بملايين النساء) وانتهاكات حقوق الإنسان التي يعاني منها النساء اللاتي هُربن من الاتحاد السوفيتي السابق إلى إسرائيل.
التعذيب على أيدي أفراد عاديين
تحمِّل “اتفاقية مناهضة التعذيب” الدولة المسؤولية عن أي عمل من أعمال التعذيب “يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي.” فعلى سبيل المثال، قد يُعتبر عدم توفير الحماية من التعرض للهجمات العنصرية العنيفة موافقة على التعذيب أو سكوتاً عنه.
والدول ملزمة أيضاً، بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بالعمل بالدأب الواجب على منع وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، والتحقيق فيها إن وقعت، ومعاقبة مرتكبيها، بما في ذلك الأفعال التي تصدر عن أفراد عاديين. وهذا المبدأ الأساسي، أي مبدأ مسؤولية الدولة، قائم في كل المعاهدات الأساسية الخاصة بحقوق الإنسان. فمثلاً يلزم “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” الدول “بأن تكفل” الحقوق الواردة فيه، بما فيها الحق في الحرية من التعرض للتعذيب، وهو التزام توسعه “لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان” ليشمل الأفعال التي يقوم بها أشخاص يتصرفون بصفتهم أفراداً عاديين.
كما أكدت “المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان” أن الدول مطالبةً، بموجب “الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان”، باتخاذ إجراءات لضمان ألا يتعرض الأفراد للتعذيب أو لمعاملة أو عقوبة لاإنسانية أو مهينة، بما في ذلك مثل هذه المعاملة السيئة التي يمارسها أفراد عاديون. وفي عام 1998 قررت المحكمة أن المملكة المتحدة انتهكت المادة 3 من الاتفاقية (التي تحظر التعذيب والمعاملة السيئة) بعدم توفير الحماية الكافية لصبي في التاسعة من عمره ضربه زوج والدته بعصا.
ومفهوم الدأب الواجب هو وسيلة لوصف الحد الأدنى من الجهد الذي يجب أن تقوم به الدولة للنهوض بمسؤوليتها عن حماية الأفراد من التعرض لانتهاكات لحقوقهم.(11) فلا يمكن لدولةٍ ما، على سبيل المثال، أن تتهرب من المسؤولية عن المعاملة السيئة التي يلقاها العاملون في المنازل بدعوى أن الانتهاكات وقعت في إطار خصوصية منزل المستخدم، أو أن الأعراف الاجتماعية أو الثقافية تبرر مثل هذا المسلك. ويشمل الدأب الواجب اتخاذ إجراءات فعالة لمنع وقوع مثل هذه الانتهاكات، والتحقيق فيها متى وقعت، ومقاضاة من تتردد مزاعم بأنه ارتكبها، وتقديمه لساحة العدالة من خلال إجراءات عادلة، وتقديم التعويض الكافي وغيره من أشكال الإنصاف للضحايا. كما يعني أيضاً ضمان تطبيق العدالة دون تمييز أياً كان نوعه.
وترى منظمة العفو الدولية أن أعمال العنف التي يقوم بها أفراد عاديون قد تُعتبر من ضروب التعذيب أو المعاملة السيئة عندما تقع من حيث طبيعتها وشدتها في النطاق الذي يصفه مفهوم التعذيب في المواثيق الدولية، وعندما لا تفي الدولة بالتزامها بتوفير الحماية الفعالة.
وتهريب البشر ظاهرة عالمية. وتميل الحكومات للتصدي لعمليات التهريب من زاوية مكافحة الجريمة المنظمة أو الهجرة غير المشروعة، وليس من زاوية حماية الحقوق الإنسانية للضحايا. وفي تقرير عن النساء والفتيات اللاتي يجري تهريبهن من دول الاتحاد السوفيتي السابق للعمل في مجال الجنس في إسرائيل، سلَّطت منظمة العفو الدولية الضوء على تقاعس الحكومة الإسرائيلية عن حماية حقوقهن الإنسانية. ويتعرض كثير من هؤلاء النساء والفتيات للعنف، بما في ذلك الاغتصاب. وهن يُحتجزن في شقق سكنية في ظروف أحياناً ما تكون باعثة على الأسى، دون جواز سفر أو مال. ومع ذلك فلم يُقدم أي شخص تقريباً من الأشخاص المسؤولين عن مأساتهن إلى ساحة العدالة. وفي عام 1998 أعربت “اللجنة المعنية بحقوق الإنسان” عن أسفها لأن “النساء اللاتي يُجلبن إلى إسرائيل لأغراض الدعارة لا يجدن الحماية كضحايا للتهريب، بل يتحملن في أغلب الحالات العقاب عن وجودهن غير القانوني في إسرائيل بالترحيل.”(14)
وتتراوح الانتهاكات المتنوعة التي يتعرض لها الأطفال في الأسرة والمجتمع من المعاملة السيئة في المؤسسات إلى التعرض للإساءات في البيت، ومن تهريب الأطفال إلى عمل الأطفال بالسخرة. وتُعد بعض هذه الانتهاكات تعذيباً أو معاملة سيئة. وتضع “اتفاقية حقوق الطفل” على عاتق الدول التزاماً بحماية الطفل، لا من التعذيب أو المعاملة السيئة على أيدي الموظفين الرسميين فحسب، بل ومن كل أشكال العنف والانتهاكات الجسمانية أو العقلية أثناء وجوده في رعاية “والديه أو أوصيائه أو غيرهم من الأفراد المسؤولين قانوناً عنه.”
ويتعرض كثير من الأطفال لصنوف الإساءة داخل المؤسسات التي يُفترض أن ترعاهم، مثل المدارس ودور الأيتام. وفي كثير من الأحيان تصبح الانتهاكات معروفةً على نطاق واسع، ومع ذلك لا تقوم السلطات بتحرك حاسم لحماية الأطفال. وتُطبق العقوبات البدنية في المدارس في كثير من البلدان، على الرغم من أن “اللجنة المعنية بحقوق الطفل” أدانت استخدام العقوبات البدنية سواء في المدارس أم من جانب الأسرة. كما نصت هيئات أخرى من هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في وثائقها على أن الحماية من التعذيب والمعاملة السيئة تشمل المؤسسات التعليمية.
وتحميل الدول المسؤولية عن الانتهاكات التي يرتكبها الأفراد والجهات غير التابعة للدولة أمرٌ ذو أهمية حاسمة في النضال للدفاع عن الحقوق الإنسانية للنساء والأطفال وأفراد الأقليات العرقية والجنسية، وغيرهم ممن يتعرضون للتمييز. ويتبدى هذا التمييز يومياً من خلال العنف، سواء أكان في شكل عنف أسري، أم جرائم ترجع لأسباب عنصرية أو لكراهية أصحاب الممارسة الجنسية المثلية. وفي حالة التمييز الراسخ في الأنظمة والأعراف يتضاءل في كثير من الأحيان احتمال أن يلقي الضحايا الحماية والدعم من السلطات. بيد أن الحكومات ليس بوسعها أن تكون انتقائية في الوفاء بالتزاماتها. وينبغي لها العمل على القضاء على التعذيب والمعاملة السيئة للجميع أينما وقع وأياً كان مرتكبه.
والشعور بالألم والمعاناة واحد بالنسبة للضحايا، بغض النظر عمن ألحقه بهم أو أسلوب تقاعس الدولة عن حمايتهم. والدول مسؤولة عن منع هذه الانتهاكات، وتقديم مرتكبيها للمحاكمة، وضمان الإنصاف للضحايا، وتدعوها منظمة العفو الدولية للنهوض بهذه المسؤولية.
العنصرية والتعذيب
“الزنجي يستحق أن تضربه أولاً، ثم تسأل بعد ذلك عن اسمه.”
ضابط كبير بالشرطة يتحدث إلى مرؤوسيه من الضباط في دورة تدريبية في فيينا بالنمسا، أغسطس/آب 1999.
كان من شأن وفاة ستيف بيكو، زعيم حركة “الوعي الأسود” في جنوب إفريقيا، أثناء وجوده في الحجز عام 1977، أن تلفت أنظار العالم إلى استخدام التعذيب كأداةٍ من أدوات الفصل العنصري، وهو نظام الهيمنة العنصرية المقننة في إطار النظام القانوني والسياسي لجنوب إفريقيا الذي لاقى إدانةً على المستوى العالمي بوصفه جريمةً ضد الإنسانية. وعلى الرغم من انتهاء نظام الفصل العنصري بعد قرابة ربع قرن من ذلك، فما زالت العنصرية المقننة أو المتأصلة (17) قائمة في كثير من البلدان بما في ذلك جنوب إفريقيا. ومن أوضح مظاهر تجلي هذه الظاهرة على النطاق العالمي تفشي نمط من التعذيب والمعاملة السيئة على أيدي الموظفين الرسميين لدوافع عنصرية.
وتُظهر بحوث منظمة العفو الدولية أن كثيراً من ضحايا وحشية الشرطة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، إن لم يكن معظمهم، من السود أو غيرهم من أبناء الأقليات العرقية. وفي الأمريكيتين ما زال تعذيب السكان الأصليين ومعاملتهم معاملة سيئة، وخاصةً في إطار النزاعات المتعلقة بالحقوق في الأرض، يمثل استمراراً لتركة القهر الذي ساد قروناً من الزمان. كما استُخدم الاغتصاب والتشويه وغيرهما من أشكال التعذيب سلاحاً في الحرب في غمار الصراعات ذات البعد العرقي التي اندلعت مؤخراً في إفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية. ومن العوامل التي تساعد على تفشي المعاملة السيئة ذات الدوافع العنصرية المواقف التي تنحو باطراد نحو كراهية الأجانب كرد فعل للهجرة، والتمييز في نظام العدالة الجنائية، وعودة الصراعات المسلحة ذات البعد العرقي إلى الظهور.
الهجرة
كان من نتائج العولمة تدفق رأس المال في حريةٍ عبر الحدود، إلا إن التدفق البشري من خلال الهجرة يواجه في الوقت نفسه عقباتٍ تتزايد باطراد. وكثيراً ما يصبح المهاجرون، وهم عمال وطالبو لجوء غادروا أوطانهم أو فرّوا منها بحثاً عن حياة موفورة الكرامة والأمن، عرضةً للمعاملة السيئة التي ترجع لأسبابٍ عنصرية أو لكُرْه الأجانب على أيدي المسؤولين في البلد “المضيف”. وقد باتت المعاملة القاسية للمهاجرين فيما يبدو عنصراً من عناصر السياسة الرسمية الخاصة بالهجرة يتنامى باطراد، ولاسيما في الدول التي أُججت فيها مشاعر كُره الأجانب بين قطاعاتٍ واسعةٍ من السكان.
ففي أوروبا الغربية ظهر نمط يتمثل في وفاة بعض الرعايا الأجانب خلال عمليات الترحيل، وذلك على ما يبدو من جراء استخدام الشرطة للقوة المفرطة والأساليب الخطيرة للسيطرة على الأشخاص، في دولٍ مثل النمسا وبلجيكا وألمانيا وسويسرا والمملكة المتحدة.
كما تعرَّض بعض طالبي اللجوء للمعاملة السيئة في الحجز. فعلى سبيل المثال، أُنقذ 113 من طالبي اللجوء بعد أن جنحت بهم سفينة صيد قبالة سواحل قبرص في يونيو/حزيران 1998. وتعرَّض عدد منهم للضرب على أيدي ضباط الشرطة أثناء وجودهم في الحجز في أغسطس/آب، واستدعت حالاتهم العلاج في المستشفى. وفي أكتوبر/تشرين الأول، وفي محاولة لتنفيذ أمر بترحيل 40 منهم كانوا محتجزين في مركز الاحتجاز في لارناكا، ألقى ضباط من قوة التدخل السريع التابعة للشرطة عبوات الغاز المسيل للدموع داخل الزنازين، وأجبروا طالبي اللجوء على الرقاد على الأرض ووجوههم لأسفل، وركلوهم وداسوا عليهم بالأقدام، وضربوهم بالهراوات. وفي بلجيكا اشتكت بلاندين كانيكي، وهي طالبة لجوء من جمهورية الكونغو الديمقراطية كانت محتجزةً في مركز للاعتقال، من تعرضها هي ونزلاء آخرين في مركز الاعتقال للاعتداء البدني على أيدي أفراد من الدرك كانوا يرتدون الخوذات ومسلحين بالهراوات والدروع في نوفمبر/تشرين الثاني 1998. وقد عانت إثر ذلك من إجهاض حملها.
وفي الشرق الأوسط تمثِّل المملكة العربية السعودية أحد المقاصد الرئيسية للعمال المهاجرين. ولا يتمتع العمال الأجانب المهاجرون بحقوق قانونية تُذكر، كما أن فرصتهم في الحصول على الحماية والإنصاف من خلال القانون تخضع لقيود مشددة. ويتعرض العمال المهاجرون للاحتجاز لفترات طويلة ويُعاملون معاملة سيئة لمجرد ارتكاب مخالفات فيما يتصل بتأشيرات الدخول والإقامة. أما من يُتهم منهم بجرائم جنائية أكثر خطورة فهو أكثر عرضة لخطر التعذيب بما في ذلك بتر الأطراف، والجلد، وعقوبة الإعدام. وتكون العاملات المهاجرات ممن يعملن خادمات في المنازل تحت رحمة مستخدميهن، ومن يتعرضن منهن لانتهاكات مثل الضرب أو الاغتصاب فليس أمامهن وسيلة تُذكر، أو ليس أمامهن أية وسيلة على الإطلاق، للانتصاف لأنفسهن.(18)
ويتعرَّض الأجانب الذين يُحتجزون في اليابان بشدة لخطر المعاملة السيئة على أيدي السلطات. ويقاسي العمال الأجانب المحتجزون ريثما يتم ترحيلهم بعد انقضاء مدد تأشيراتهم وكذلك الرعايا الأجانب في السجون اليابانية، أهوال العقاب التعسفي والتعرض للمهانة والضرب. ويُحتجز طالبو اللجوء في بعض الأحيان لفتراتٍ طويلة رهن الحبس الانفرادي. فعلى سبيل المثال، تعرض سجين مصري لسلسلة من الاعتداءات في “مركز الاحتجاز في طوكيو”، واحتُجز في ظروف مروعة في زنزانة مخصصة للعقاب، لمجرد أنه تكلم في وقت غير مناسب. وقد قال لمنظمة العفو الدولية ملخصاً مأساته “عندما تغادر مركز الاحتجاز في طوكيو تكون قد فقدت إنسانيتك… لو كان عندك كلب في بيتك لما عاملته مثل هذه المعاملة…”
وفي جنوب إفريقيا في عهد ما بعد الفصل العنصري يعاني اللاجئون والمهاجرون، ولا سيما القادمين من دول إفريقية أخرى، من وحشية الشرطة، والتعليقات العدائية من المسؤولين الحكوميين، والهجمات العنيفة من أفراد الجمهور الذين يحملونهم المسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة والبطالة في البلاد. وقد ردت “لجنة حقوق الإنسان” الوطنية والمنظمات غير الحكومية على ذلك بتنظيم حملات عامة مناهضة لنزعة الكُرْه المرضي للأجانب، وكذلك بإقامة دعاوى قضائية نيابةً عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي تستهدف الأشخاص من “ذوي المظهر الأجنبي”.
الممارسات المتحيزة من جانب الشرطة
تشير أنماط ممارسة الشرطة لعملها، التي تابعتها منظمة العفو الدولية في كثير من البلدان، إلى أن بعض المسؤولين عن إنفاذ القانون ينظرون للانتماءات العرقية والعنصرية على أنها مؤشرات على الإجرام.
فمن المألوف في أوروبا الغربية مثلاً اعتقال السود وغيرهم من أبناء الأقليات العرقية للاشتباه في ارتكابهم جرائم مثل الاتجار في المخدرات أو عدم حيازة وثائق هوية سارية. ومن النادر أن يتم التحقيق بصورة فعالة في المزاعم الخاصة بالتعرض للمعاملة السيئة لدوافع عنصرية. فعلى سبيل المثال، استوقف اثنان من ضباط الشرطة غريس باتريك أكبان، وهي طالبة إيطالية سوداء تدرس الطب، لفحص بطاقة هويتها في كاتانتسارو بإيطاليا في فبراير/شباط 1996. وعندما أبلغتهما بأنها مواطنة إيطالية أجاباها قائلين “لا يمكن أن تكون امرأة سوداء مواطنة إيطالية”. وقال أحدهما عبر جهاز اللاسلكي الخاص بالشرطة إنهما سيحضران “عاهرة ملونة”. وتعرضت غريس للاعتداء البدني في الشارع وفي مركز الشرطة، واستدعت حالتها قضاء أسبوعين في المستشفى عقب الإفراج عنها، وذلك للعلاج من جروح قطعية وكدمات وإصابات في رأسها وصدرها. وقد أُدين الضابطان في أكتوبر/تشرين الأول 1999، أي بعد ما يقرب من ثلاثة أعوام من تقديمهما للمحاكمة، بمعاملتها معاملة سيئة وحُكم عليهما بقضاء شهرين تحت المراقبة.
ووردت أنباء تفيد بتعرض بيوت أبناء طائفة الروما أو مجتمعاتهم لمداهمات تتسم بالعنف من جانب أعداد كبيرة من ضباط الشرطة في بلغاريا وسلوفاكيا والمجر. وكثيراً ما يرد أن ضباط الشرطة في تلك الدول وفي رومانيا يُقْدمون على معاملة أبناء طائفة الروما معاملة سيئة لترهيب مجتمعاتهم أو لانتزاع اعترافاتٍ منهم. ويمتنع كثير من الضحايا من الروما عن التقدم بشكاوى من المعاملة السيئة خشية التعرض للانتقام.
وفي أستراليا ما زال السكان الأصليون يُسجنون بمعدلات مرتفعة لا تتناسب مع نسبتهم إلى مجمل السكان. ويأتي ذلك على الرغم من التحقيقات القضائية وغيرها من التحقيقات التي تشير إلى وجود إهمالٍ جسيم، وتجاهل على المستوى الرسمي للأثر الخاص للسجن على السكان الأصليين. ويموت من هؤلاء في الحجز عددٌ يبعث على القلق، وذلك إثر تردد ادعاءاتٍ عن تعرضهم للمعاملة السيئة، ويموت كثيرون من المرض أو ينتحرون. وقد صورت كاميرا فيديو خاصة بالأمن ثلاثة من ضباط الشرطة وهم يلكمون ويركلون شباناً من السكان الأصليين في إيبسويتش بكوينزلند في مارس/آذار عام 1997، ومع ذلك فقد بُرئوا من تهمة الاعتداء بالضرب في سبتمبر/أيلول 1999 وأُشيد بهم لأنهم استخدموا أساليب جديدة عنيفة للسيطرة على الأشخاص.
والتعذيب والمعاملة السيئة على أيدي القوات الحكومية جزء من نمط أوسع كثيراً للعنف الذي يُمارس ضد أشخاص لأسباب عنصرية أو بدافع كُرْه الأجانب أو الكراهية العرقية. والدول ملزمة بمنع العنف العنصري من جانب أي شخص وليس من جانب مسؤوليها الرسميين فحسب. وتشدد “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري” على التزام الدول بضمان حق كل شخص “في التمتع بسلامة شخصه وحماية الدولة له من العنف أو الإيذاء البدني سواء ألحقه به موظفون رسميون أو أي فرد أو جماعة أو مؤسسة.” غير أن التوجهات العنصرية داخل المؤسسات المسؤولة عن إنفاذ القانون تترك ضحايا العنف دون حماية مرة أخرى.
وفي المملكة المتحدة تبيَّن أن الشرطة تهمل في معالجتها للهجمات العنصرية. فقد خلص تحقيق عن تحريات الشرطة في حادث القتل لأسباب عنصرية الذي راح ضحيته الشاب الأسود ستيفن لورانس عام 1993 أن تلك التحريات شابتها عيوب جوهرية بسبب “اقتران عدم الكفاءة المهنية والتوجهات العنصرية داخل مؤسسة الشرطة وفشل القيادة من جانب كبار الضباط.” وفي عام 1999، أدانت “هيئة شكاوى الشرطة” ثلاثة ضباط بالإهمال في أداء الواجب لعدم إجرائهم تحقيقاً دقيقاً ونزيهاً في قضية ريكي ريل، وهو طالب آسيوي غرق في لندن في أكتوبر/تشرين الأول 1997.
المجر
ورد أن ضباط الشرطة انتزعوا مونيكا (ليس اسمها الحقيقي) التي تبلغ من العمر 13 عاماً من فراشها صبيحة يوم أحد، وصفعوها على وجهها، واقتادوها إلى مركز الشرطة بملابس النوم. وأهانها ضباط الشرطة ووصفوها بأنها “عاهرة قذرة” وهددوا بقتلها. ومونيكا هي الصغرى بين ستة شبان من أبناء طائفة الروما اعتُقلوا عندما داهمت الشرطة مبنى سكنياً في شمال بودابست مستخدمة العنف يوم 5 سبتمبر/أيلول 1999. فقبل ظهر ذلك اليوم بقليل اقتحم ضباط الشرطة المجرية شقتين في المنطقة الثالثة عشرة دون إبداء أسباب ودون إبراز إذن بالقبض، فيما ورد. وبالتدريج فهم الأصدقاء الذين كانوا نائمين في الشقتين بعد حفلة في الليلة السابقة أنهم متهمين بالاعتداء على امرأة حامل والتسبب في إجهاضها.
وقد تعرَّض الصبية الثلاثة للضرب وهُددوا بالقتل. وطرح ضباط الشرطة سيندور (ليس اسمه الحقيقي) الذي يبلغ من العمر 16 عاماً ونوربرت باتي الذي يبلغ من العمر 21 عاماً أرضاً وقيَّدوا أيديهما وراء ظهريهما. ثم ضربوا الشابين الطريحين على رأسيهما وأكتافهما وظهريهما بسلاح يتألف من ثلاثة أجزاء يمكن سحبها يسمى فيبرا. ووقف ضابط على معصمي سيندور وهو مكبل بالقيد الحديدي وراقد على الأرض. وأمسكه ضابط آخر بين ذراعيه وطرق رأسه في باب حديدي في الفناء. أما ميكلس دورتس وعمره 17 عاماً فضُرب في الفراش، وفي وقت لاحق داس ضباط الشرطة على عنقه وهو راقد على الأرض.
كما تعرَّضت الفتيات الثلاث لإهاناتٍ عنصرية وجنسية. حيث صفع ضباط الشرطة إلفيرا فارغا، وعمرها 19 سنة، على وجهها، ولطموها على رأسها فمزقوا طبلة أذنها بعد أن نفت أنها تعرف أي شيء عن الاعتداء على المرأة الحامل. وصفع شرطي ليلا (ليس اسمها الحقيقي)، وعمرها 17 عاماً، على وجهها وقال لها: “مات طفل بسببك.”
وفي مركز الشرطة ضُرب رأس سيندور بباب المركز. وتعرض سيندور ونوربرت باتي للضرب لمدة 45 دقيقة أخرى في ردهة بمركز الشرطة حيث أمكنهما أن يسمعا ميكلس دورتس يصرخ. وعندما قال سيندور لضباط الشرطة إنه يعاني صعوبة في التنفس ويشعر بألم حاد في صدره استُدعيت سيارة إسعاف لكن الشرطة لم تسمح للعاملين الطبيين المساعدين بنقله إلى المستشفى.
أما ضباط الشرطة الذين استجوبوا الفتيات الثلاث فكالوا لهن مزيداً من الشتائم والإهانات. وعلى الرغم من إبلاغ ضباط الشرطة بأن مونيكا لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها، فإنهم لم يقوموا بأي محاولة للاتصال بأمها مع أن ذلك طُلب منهم عدة مرات. وعندما اكتشفوا أن إلفيرا فارغا في التاسعة عشرة من عمرها قالوا لها “لست في سن الأحداث. يمكن ضربك.”
ووصل آباء الشبان إلى مركز الشرطة في بداية المساء. وسرعان ما انضم إليهم ممثلون لمؤسسة الحقوق المدنية لطائفة الروما وقدموا معاً شكوى. وأُطلق سراح الستة من الحجز دون تهمة في نحو التاسعة مساء.
وقد برَّر وزير الداخلية المجري تصرفات الشرطة زاعماً أن الشرطة اتخذت “إجراءات قسرية” لأن الروما الشبان تصرفوا بعدوانية. غير أن الشبان كانوا نائمين وكانوا بملابس النوم عندما وصلت الشرطة بأعداد كبيرة من الأفراد المدججين بالسلاح.
الصراع المسلح
تقوم كثير من الصراعات المسلحة في الوقت الراهن على أساس الانتماء القومي والعرقي، مثل الحروب الأخيرة في البلقان والقتال المستمر في أفغانستان ووسط إفريقيا. ويؤجج الاستغلال السياسي لما يبدو أنه خلافات عرقية أو عنصرية كثير من الصراعات الأخرى التي تستعر في شتى أنحاء المعمورة.
وقد أشارت القوات الحكومية الروسية بإصبع الاتهام إلى جماعة عرقية كاملة في إطار الصراع الدائر في الشيشان، وطوال عام 1999 ظلت ترد أنباء من شيشانيين وآخرين من أبناء منطقة القوقاز تفيد أنهم اعتُقلوا بصورة تعسفية وتعرضوا للمعاملة السيئة والتعذيب في موسكو وأجزاء أخرى من روسيا الاتحادية. وفي منطقة الشيشان نفسها تعرض مدنيون شيشانيون للاغتصاب والصدمات الكهربائية وغيرها من أشكال التعذيب فيما يسمى “معسكرات الفرز”. ولا يعرف أحد على وجه الدقة عدد المعتقلين المحتجزين في “معسكرات الفرز”، إلا إنه تردد في أوائل عام 2000 أن هناك 700 معتقل على الأقل في معسكر تشيرنوكوزوفو وحده. وشاهد معتقل سابق فتاة في الرابعة عشرة من عمرها يغتصبها زهاء عشرة من حراس السجن في ردهة خارج الزنازين التي كان محتجزاً بها هو ومعتقلون آخرون. وكانت الفتاة قد جاءت لزيارة أمها المعتقلة، وسُمح لها بمقابلتها لخمس دقائق مقابل مبلغٍ قدره خمسة آلاف روبل. وتحوَّل لقاء الدقائق الخمس إلى محنة استمرت أربعة أيام حُبست خلالها في زنزانة وتعرضت للضرب والاغتصاب المتكرر على أيدي الحراس.
وما زال الصراع الدائر في بوروندي يودي بأرواح المئات من المدنيين العزل كل عام، ومع ذلك يتجاهله العالم الخارجي إلى حد بعيد. وثمة بعد عرقي لهذا الصراع المستمر على السيطرة الاقتصادية والسياسية، ويُعتبر التعذيب أحد الوسائل التي تلجأ إليها القوات المسلحة التي تهيمن عليها طائفة التوتسي لقمع تمرد جماعات المعارضة المسلحة التي تهيمن عليها طائفة الهوتو. ويتفشى التعذيب والمعاملة السيئة للمحتجزين في بوروندي وخاصة في حجز الشرطة والجيش. والأشخاص المتهمون بالتواطؤ مع جماعات المعارضة المسلحة معرضون على وجه الخصوص لخطر التعذيب أو “الاختفاء”. وقد تعرض مثل هؤلاء للضرب بأسلاك الكهرباء والعصي؛ وضُربوا بأدوات ثقيلة على المفاصل وباطن القدمين والأعضاء التناسلية؛ وقُيدوا في أوضاع مؤلمة أشد الألم. وقال أشخاص من مناطق شتى في البلاد إنهم يخافون النوم في بيوتهم خشية أن يُلقى القبض عليهم خلال الليل. وقال لاجئ يبلغ من العمر 25 عاماً خلال مقابلة في مخيم في تنزانيا إنه فر بعد أن ألقى الجنود القبض على زهاء 25 شخصاً اتُهموا بأن لهم صلات بجماعات المعارضة المسلحة في المنطقة التي يسكن فيها، وذلك في يناير/كانون الثاني 1998. وكان مثله مثل كثيرٍ من اللاجئين الآخرين الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية يخشى أن يؤدي أصله العرقي إلى اتهامه بدعم جماعات المعارضة المسلحة التي تهيمن عليها طائفة الهوتو.
ويُعد “المؤتمر العالمي بخصوص العنصرية”، الذي تعقده الأمم المتحدة عام 2001، بمثابة فرصة تستحق الترحيب لتسليط الضوء على أنماط الانتهاكات العنصرية. ومن الواجب أن يضع المؤتمر خطة عمل للحكومات لوضع حد للتعذيب والمعاملة السيئة
العقبات التي تعترض تطبيق العدالة
يتخذ الإفلات من العقاب أشكالاً شتى. ومن ثم فالتصدي له بإجراءات فعالة يتطلب تحديد العوامل المتنوعة التي تمده بأسباب القوة. وتتنوع هذه العوامل من بلد إلى آخر. فالإفلات من العقاب يمكن أن يتم في أي مرحلة، قبل العملية القضائية أو خلالها أو بعدها، بل ويمكن أن تعمل آليات الإفلات من العقاب قبل ارتكاب فعل التعذيب. وفيما يلي استعراض لبعض الانتهاكات المألوفة التي تساعد على الإفلات من العقاب.
إخفاء الأدلة: لاشك أن الممارسات غير القانونية عند الاحتجاز، مثل عدم قيام الضباط بتعريف أنفسهم أو تسجيل المحتجزين، أو إبقاء المحتجزين معصوبي الأعين أو في أماكن احتجاز سرية، أو حرمانهم من الاتصال بالمحامين أو الأقارب أو الأطباء، من شأنها أن تسهل الإفلات من العقاب من خلال إخفاء الخيط الذي يربط بين الجريمة ومرتكبها. وقد يلجأ مرتكبو التعذيب إلى وسائل لا تترك آثاراً جسمانية تُذكر مثل تغطية رأس الضحية أو التعذيب النفسي. وقد يحاول المسؤولون الذين ارتكبوا التعذيب تغطية جرائمهم في وقت لاحق من خلال إخفاء الأدلة. فعلى سبيل المثال، قد يتم إخفاء الأدلة الطبية وتشجيع المسؤولين الطبيين على تزوير التقارير، بينما قد يتعرض من يقومون بعملهم بضمير يقظ للمضايقة بل وللملاحقة القانونية.
حرمان الضحايا من إمكانية الانتصاف لأنفسهم: في بعض الأحيان يتم إرهاب الضحايا، الذين يستبد بهم الخوف أصلاً، حتى يلزموا الصمت عما حدث لهم. أما من يتقدمون منهم بشكاوى فقد يتعرضون للتهديد أو الاعتداءات أو المقاضاة بتهم جنائية مضادة مثل تشويه السمعة. وفي كثير من الأحيان لا يتيسر للضحايا الذين ينتمون للقطاعات الفقيرة والمهمشة من المجتمع أن يطلبوا العون من المحامين أو المنظمات غير الحكومية، وقد لا يعرفون سبل الانتصاف القانونية المتاحة لهم. وفي بعض الحالات لا يتيح القانون إلا إنصافاً محدوداً للغاية، مثل الحالات التي لا يمكن فيها للأفراد إقامة دعاوى مدنية أو فرض تنفيذ الأحكام الصادرة في مثل هذه الدعاوى، أو السعي لبدء إجراءات جنائية ضد مرتكبي التعذيب.
عدم فعالية التحقيقات: في بعض الأحيان تتولى التحقيق في حالات التعذيب نفس الهيئات التي مارس العاملون فيها التعذيب. ويمكن عرقلة العدالة أيضاً من خلال وضع التحقيقات في حالات التعذيب تحت ولاية المحاكم العسكرية التي تفتقر إلى الاستقلال والنزاهة. وفي كثير من الحالات يتقاعس المدعون المستقلون أو المسؤولون القضائيون عن تحري المزاعم بدقة ودأب. وفي بعض الحالات قد لا تكون لديهم الصلاحية للتحرك بمبادرتهم الذاتية أو قد لا يكون بوسعهم تقييد تحركات قوات الأمن. وقد يفضي التدخل السياسي في العملية القضائية إلى صدور قرار بعدم الملاحقة القانونية لشخص متهم بممارسة التعذيب. وفي بعض الحالات لا تُمنح المؤسسات الأخرى التي تضطلع بجانب من المسؤولية عن ضمان إقرار العدالة، كمكاتب التحقيق في الشكاوى ضد الدولة ولجان حقوق الإنسان الوطنية، الصلاحيات أو الموارد الكافية التي تلزمها لتصير فعالة حقاً في التصدي للإفلات من العقاب.
ففي المكسيك، على سبيل المثال، يقوم مكتب المحامي العام بدور متناقض، فهو يحقق في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان ويعمل فيه في الوقت نفسه أشخاص متهمون بمثل هذه الانتهاكات. وقد دعت “اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان” الحكومة لتعزيز استقلال المكتب.
تواطؤ الضباط الآخرين من زملاء مرتكبي جريمة التعذيب: قد يؤدي “ميثاق الصمت”، المعمول به في كثير من أجهزة الشرطة، إلى إثناء الضباط عن تقديم أدلة مهمة ضد زملائهم المتهمين بالتعذيب. وقد تكون النتيجة هي أفدح أشكال الظلم. ففي إبريل/نيسان 1999، على سبيل المثال، انتقدت المحكمة العليا الإسبانية بشدة اضطرارها لتأييد الحكم بتبرئة ثلاثة من ضباط الشرطة الوطنية اتُهموا باغتصاب وضرب امرأة برازيلية في عام 1995. وكانت المرأة، وتُدعى ريتا مارجريت ر. وتعمل وكيلة للسياحة والسفر، قد اعتُقلت في ساعة متأخرة من الليل في بيلباو بينما كانت تنتظر سيارة أجرة، وافترضت الشرطة على ما يبدو أنها بائعة هوى. وقررت المحكمة الإقليمية أنها تعرضت للاغتصاب ولكنها برأت الضباط لعدم كفاية الأدلة، إذ لم يبد أي ضابط استعداداً لتقديم أدلة ضد الضباط المتهمين. وورد أن المحكمة العليا قالت إنه مما يتعارض مع سيادة القانون كمبدأ ديمقراطي أن تبقى “قضية اغتصاب ثابتة وخطيرة للغاية” دون عقاب بسبب “أفكار عتيقة وبالية تخص التعصب للمؤسسة أو روح الزمالة الزائفة”.
عدم كفاية الإطار القانوني لمعاقبة مرتكبي التعذيب: في بعض النظم القضائية لا يحرِّم القانون المحلي ممارسة التعذيب بشكل يتماشى مع “اتفاقية مناهضة التعذيب” أو غيرها من المعايير الدولية المعنية. فقد لا يتضمن القانون نصاً محدداً عن جريمة التعذيب، وقد يكون لجريمة “الاعتداء” عقوبة أقل. وفي الحالات التي تكون فيها جريمة التعذيب معرفة قانوناً قد يكون تعريفها أو تفسيرها ضيقاً. فعلى سبيل المثال لا تطبق في الصين جرائم “استخدام التعذيب لانتزاع اعترافات قسراً” و”انتزاع إفادة باستخدام العنف” و”المعاملة السيئة للسجناء” إلا على نطاق محدود من المسؤولين في بعض الظروف، ويُستبعد عدد كبير من أفعال التعذيب أو المعاملة السيئة الأخرى التي تتضمنها “اتفاقية مناهضة التعذيب”. وفي مايو/أيار 2000، كررت “لجنة مناهضة التعذيب” التابعة للأمم المتحدة دعوة منظمة العفو الدولية لمراجعة القانون الجنائي في الصين.
وهناك الكثير من المثالب الأخرى في الأطر القانونية لبعض الدول يمكن أن تساعد في الإفلات من العقاب. فقد يفلت المتهم من الإدانة من خلال الدفع بأنه إنما كان ينفذ الأوامر، على الرغم من الحظر الواضح لاستخدام هذه الحجة كدفاع في “اتفاقية مناهضة التعذيب”. وقد لا يعتبر القانون الضباط ذوي الرتب الأعلى الذين أصدروا أوامر بممارسة التعذيب أو سكتوا عنه مسؤولين جنائياً. وحتى في الحالات التي تتوفر فيها تشريعات وافية، فمن الممكن أن يُتهم الضباط الذين مارسوا التعذيب بجرائم أقل خطراً أو تُوجه إليهم تهم لا تشمل كل الجرائم المرتكبة.
وفي بعض الحالات تتقاعس المحاكم عن إدانة المتهمين على الرغم من وجود أدلة مقنعة من شأنها إثبات جرمهم دون أسباب معقولة للشك. وحتى في الحالات التي تتم فيها الإدانة قد يكون الإفلات من العقاب مكفولاً إذا كانت العقوبة أخف كثيراً من خطورة الجريمة المرتكبة.
الاستهانة بأحكام القضاء: في بعض البلدان تتجاهل السلطات السياسية عادة الأحكام الصادرة عن القضاء مما يقوض مبدأ سيادة القانون ويعزز الإفلات من العقاب. فعلى سبيل المثال، تجاهلت السلطة الفلسطينية عدة أحكام أصدرتها المحكمة الفلسطينية العليا بالإفراج عن سجناء. ويُحتجز المئات من المعتقلين السياسيين في السجون الفلسطينية دون تهمة أو محاكمة لمجرد الاشتباه في تعاونهم مع السلطات الإسرائيلية أو للاشتباه في انتمائهم لعضوية جماعات إسلامية تعارض عملية السلام مع إسرائيل. وقد تعرض الكثير من هؤلاء المعتقلين، إن لم يكن معظمهم، للتعذيب أو المعاملة السيئة. وقد سهل الاحتجاز المطول بمعزل عن العالم الخارجي في الفترة التي تعقب الاعتقال إمكانية وقوع هذا الانتهاك. فعلى سبيل المثال، ألقى أفراد من المخابرات العامة القبض، في أغسطس/آب 1999، على سامي نوفل العضو القيادي في حزب الخلاص، وهو حزب سياسي إسلامي شرعي أعلن معارضته للعنف. وقد احتُجز ثمانية أيام قبل أن يُطلق سراحه دون توجيه تهمة إليه. وهو يزعم أنه تعرض خلال احتجازه للضرب على باطن القدمين، ووضعت القيود الحديدية في يديه على نحو مؤلم، وأُجبر على البقاء في أوضاع ملتوية لمدد طويلة، وحُرم من النوم. وحينما أُطلق سراح سامي نوفل بدا واضحاً على أجزاء مختلفة من جسمه وخاصة على أطرافه وجود كدمات وتورم وسحجات. كما أكد تقرير طبي وجود إصابات في جسمه تتفق مع مزاعمه.
تقنين التعذيب: في عام 1987، مُنيت الحملة العالمية الرامية للقضاء على التعذيب بانتكاسة حين أقرت الحكومة الإسرائيلية رسمياً تقريراً للجنة تحقيق برر استخدام “قدر معتدل من الضغط البدني” خلال الاستجواب. واستخدمت أجهزة الأمن الإسرائيلية بشكل دؤوب وسائل مثل الهز العنيف والتقييد في أوضاع ملتوية لفترات مطولة ضد المحتجزين الفلسطينيين. وكانت هذه الممارسة والأذى الذي تلحقه بالضحية معروفين جيداً. وأثار قرار الحكومة الإسرائيلية جدالاً محتدماً داخل إسرائيل حول استخدام التعذيب، وأدى إلى حملة على المستوى الوطني والدولي لإلغاء القرار. وقال دعاة حقوق الإنسان إنه لا يمكن على الإطلاق تبرير اللجوء للتعذيب سواء من الناحية القانونية أم الأخلاقية، وأنه لم تثبت قط فعالية هذه الوسيلة في الحيلولة دون وقوع هجمات من جانب الجماعات السياسية المسلحة. وفي سبتمبر/أيلول 1999 قضت المحكمة الإسرائيلية العليا بأن هذه الوسائل غير قانونية ويتعين حظرها. وفي وقت لاحق تقدم عضو في البرلمان الإسرائيلي بمشروع قانون يسمح لجهاز الأمن العام باستخدام “الضغط البدني” خلال الاستجواب. ولكن هذا المشروع لم يحظ بالتأييد الكافي حتى الآن، نتيجة لجملة من الأسباب منها قوة الحركة المناهضة لتقنين التعذيب في إسرائيل سواء على الصعيد المحلي أو العالمي.
إسرائيل والأراضي المحتلة
“في ثلاث مرات، وأنا ملقى على الأرض أمسك (أحد المحققين) بقيود ساقي وجرني على الأرض. وضربني (محقق آخر) بركبته فكسر أحد ضلوعي.”
عمر غنيمات
“…الأساليب المستخدمة… تتفق مع إجراءات الاستجواب المصرح بها.”
“إدارة التحقيق في مخالفات الشرطة”
قال المحققون الإسرائيليون للفلسطيني عمر غنيمات إنه سيغادر المعتقل “مجنوناً أو مشلولاً”. وقد قضى أول 48 ساعة من مدة احتجازه مغطى الرأس في وضع الشبح (أنظر الصورة). وعلى مدى الأسابيع التالية كان يُجبر في كثير من الأحيان على البقاء في أوضاع مؤلمة للغاية. فقد أُجبر، مثلاً، على أن يجلس القرفصاء على أصابع قدميه “في وضع الضفدع” لمدد مطولة. وكبَّل المحققون يديه بشدة مما منع الدم من الوصول لأصابعه. وأجبروه على سماع موسيقى صاخبة للغاية، وعرضوه للبرد القارس، وحرموه من النوم بشكل دؤوب.
وعلى الرغم من الضرر الدائم الذي لحق بصحة عمر غنيمات، فقد رأت السلطات الإسرائيلية أن معاملته لم تخرج عن الإجراءات المصرح بها.
وكان عمر غنيمات قد اعتُقل من منزله في قرية صريف قرب مدينة الخليل، في 10 إبريل/نيسان 1997، على أيدي جنود إسرائيليين وأفراد من جهاز الأمن العام الإسرائيلي. ونُقل إلى مقر قيادة شرطة منطقة القدس حيث استجوبه ضباط جهاز الأمن العام الإسرائيلي مراراً واتُهم بالانتماء إلى “كتائب عز الدين القسام”، وهي الجناح العسكري “لحركة المقاومة الإسلامية” (حماس) التي تعارض عملية السلام مع إسرائيل.
وقامت أليغرا باتشيكو محامية عمر غنيمات بأول زيارة لمقر الشرطة في أواخر مايو/أيار 1997، وبادرت على الفور بتقديم التماس للمحكمة العليا مطالبةً بوقف استخدام التعذيب. وكان عمر غنيمات حاضراً في الجلسة وكانت إصاباته واضحة للعيان. وأمرت المحكمة “إدارة التحقيق في مخالفات الشرطة” بالتحقيق في القضية، ولكن الإدارة خلصت في وقت لاحق إلى أن “الوسائل التي استُخدمت مع مقدم الالتماس تتفق مع إجراءات الاستجواب المصرح بها ونالت موافقة المسؤولين المختصين المصرح لهم.” وأوصت الإدارة بعدم اتخاذ أي إجراء ضد المحققين.
وعندما أُفرج عن عمر غنيمات، في يوليو/تموز 1997، كان قد فقد 17 كيلوجراماً من وزنه. وكان غير قادر على الجلوس على مقعد وفاقداً للإحساس في طرفي ذراعيه. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1997، أجريت له جراحة لعلاج ركبته اليسرى التي لحق بها الضرر من الجلوس في وضع القرفصاء. ويرى أحد الأطباء أنه يعاني من عجزٍ بنسبة عشرة في المئة نتيجة للتعذيب.
الإفلات من العقاب المنصوص عليه في القانون: لعل أكثر أشكال الإفلات من العقاب سفوراً هو ذلك المنصوص عليه في القوانين التي تمنح الحصانة من المحاكمة للضالعين في ممارسة التعذيب. وكثيراً ما تُسن هذه القوانين خلال حالات الطوارئ أو في الحالات الأخرى التي تعلن فيها الحكومات وجود تهديد خاص للقانون والنظام.
وقد استُحدث كثير من القوانين التي تضمن الحصانة من الملاحقة القانونية لمرتكبي التعذيب خلال الفترات السياسية الانتقالية، مثل الفترة التي تعقب حكماً عسكرياً أو في إطار مفاوضات لإنهاء صراع مسلح. وتقدم هذه القوانين الحماية من الملاحقة القانونية للأشخاص الذين عُرف عنهم أنهم مارسوا التعذيب، وذلك لتعزيز المصالحة الوطنية على ما يظهر. وقد تبدو الحجة القائلة أن مثل هذه الإجراءات ضرورية لضمان استقرار عملية الانتقال والتئام جراح المجتمع حجةً وجيهة. ولكن التجربة أظهرت أنه حينما تُعطل العدالة باسم المصالحة الوطنية فإن المجتمع بأسره، وليس ضحايا التعذيب أو أقاربهم وحدهم، يدفع ثمناً باهظاً. وإذا أُريد بناء نظام اجتماعي وقانوني جديد يقوم بشكل راسخ على مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون، فإنه يتعين النظر إلى العدالة والمصالحة باعتبارهما ضرورتين تكمِّل إحداهما الأخرى، وليس بوصفهما ضرورتين لا تتحقق إحداهما إلا على حساب الأخرى.
وتتعارض قوانين العفو أو الإجراءات المماثلة مع القانون الدولي، إذا تم سنها قبل إقرار الحقيقة فيما يتعلق بالجرائم التي ارتكبت، وقبل تعويض الضحايا، وقبل اكتمال العملية القضائية بصدور حكم واضح بالإدانة أو التبرئة. فمثل هذه القوانين والإجراءات تضع أساساً مزعزعاً للمستقبل.
ففي سيراليون، على سبيل المثال، نص اتفاق لومي للسلام الذي أُبرم عام 1999 سعياً لإنهاء الصراع المرير في البلاد على العفو العام. وأتاح هذا العفو لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها ممارسة التعذيب بصورة دؤوبة وعلي نطاق واسع، أن يبقوا بمنجى من العدالة. ومع عدم توفير أساسٍ لردع انتهاكات حقوق الإنسان المستمرة التي ترتكبها جميع الأطراف، فقد أرسى الاتفاق مناخاً خصباً لتجدد العنف والانتهاكات ضد السكان المدنيين في عام 2000.
وفي جنوب أفريقيا، أُنشئت “لجنة الحقيقة والمصالحة” نتيجة للمفاوضات التي أنهت نظام الفصل العنصري. وأُعطيت اللجنة صلاحية إصدار العفو في حالات انتهاكات حقوق الإنسان “ذات الدوافع السياسية”، بما في ذلك التعذيب، متى اعترف مرتكبوها بجرائمهم وكشفوا عن التفاصيل الكاملة. وعلى الرغم من أن السلطات بررت العفو على أنه ضروري لضمان التحول السلمي للنظام في البلاد، فقد شعر كثير ممن نجوا من الانتهاكات وأقارب الضحايا بالظلم من حرية الاختيار التي مُنحت لمرتكبي الانتهاكات. وزاد من حدة هذا الشعور تباطؤ الحكومة في الاستجابة لتوصيات “لجنة الحقيقة والمصالحة” الخاصة بتعويض ضحايا جرائم حقوق الإنسان. إلا إن اللجنة عارضت بشدة، في تقريرها الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 1998، اقتراحاً بمنح عفو عامٍ، وذلك “لتجنب مناخ الإفلات من العقاب ولتعزيز سيادة القانون”.
يدعو “إعلان فيينا”، الذي اعتمده مؤتمر الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان في عام 1993، حكومات العالم إلى “إلغاء التشريعات التي تؤدي إلى إفلات المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، مثل التعذيب، من العقاب وملاحقة مثل هذه الانتهاكات قانونياً ليتوفر بذلك أساس راسخ لسيادة القانون”.
عدم وجود آليات أخرى متاحة لضمان المحاسبة: على الرغم من أهمية الملاحقة القانونية، فإنها مجرد خطوة من الخطوات التي يجب اتخاذها للتغلب على ظاهرة الإفلات من العقاب. فالعقوبات الإدارية والتأديبية مهمة أيضاً في إيضاح أن التعذيب ليس وسيلة مقبولة للحصول على معلومات أو مواجهة التهديدات التي يتعرض لها أفراد أجهزة الأمن خلال عملهم. ويتعين أن تتيح اللوائح الإدارية المجال للنظر على وجه السرعة وبصورة دقيقة ومستقلة ونزيهة في جميع مزاعم التعذيب، ووقف الضابط المعني عن العمل ريثما ينتهي التحقيق، وتنحيته من مهامه، أو نقله، أو فصله إذا ثبتت مسؤوليته، مع توقيع العقوبات الأخرى المناسبة مثل التغريم أو الإلزام بدفع تعويضات.
وبالمثل، فإن كيفية استجابة المؤسسة داخلياً لمزاعم استخدام أحد العاملين بها للتعذيب لها دور حاسم في تقويض الإفلات من العقاب أو توطيد دعائمه. فترقية أو مكافأة ضابط يجري التحقيق معه في قضية تعذيب تمثل رسالة مفادها أن مثل هذا السلوك مقبول، بل ويلقى التشجيع. والقول بأن التعذيب حادث فردي يرتكبه ضباط منحرفون “كثمرات التفاح المعطوبة” قد يحول دون الاعتراف بطبيعة المشكلة الراسخة في الأنظمة والأعراف أو التصدي لها. وتزعم بعض سلطات الشرطة أن العقوبات الجنائية ضد ضباط الشرطة المتهمين بالتعذيب ستؤثر على الروح المعنوية وتزعزع قدرتهم على حماية المواطنين من الجريمة. ومثل هذه المواقف لا تتصدى للروح السائدة داخل مؤسسة ما والتي ترى أن التعذيب مسلك مهني مقبول.
وفي كثير من البلدان، يتيح التقاضي المدني لضحايا التعذيب إمكانية إقامة دعاوى للمطالبة بالتعويض. وفي كثير من الأحيان تكون الدعاوى المدنية هي السبيل الوحيد المتبقي للإنصاف عندما تُسد سبل المحاكمة الجنائية. وقد تعود الدعوى المدنية بعدة فوائد، إذ قد يتم الإفصاح عن معلومات مهمة خلال سير إجراءات الدعوى، أو قد تقضي المحكمة بتعويض، وهو ما لا تقتصر فائدته عند الضحية على الجانب المادي، إذ قد يُعد أيضاً بمثابة اعتراف ضمني بالمسؤولية. ولكن في بعض الأحيان يُمنح التعويض كوسيلة لإنهاء الإجراءات القضائية التي يُرجح أن تفضي لحكم غير مواتٍ للدولة. إلا إن دفع التعويض لا يعفي الدولة من التزامها بضمان تحديد المسؤولية الجنائية عن جرم التعذيب.
وفي بعض البلدان تبدي السلطات استعداداً لدفع تعويضات لضحايا التعذيب ولكنها تحجم عن تقديم مرتكبي الجريمة لساحة العدالة. ففي كل عام تقضي المحكمة العليا في سري لنكا بالتعويض لأشخاص تعرضوا للتعذيب على أيدي الشرطة. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية، فقد كان أكبر مبلغ دُفع على سبيل التعويض حتى الآن هو ذلك الذي حصلت عليه فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً وتُدعى باثاثا جاياتونجا غاماجي مالشا كوماري، وتعرضت للتعذيب على أيدي الشرطة في مقاطعة هامبانتوتا عام 1995. وكانت قد الفتاة عُلقت من معصميها في شجرة وضُربت بخراطيم مطاطية وعصي لإجبارها على الاعتراف بسرقة قطعة مجوهرات من جارة، على ما يبدو. وذهبت الشرطة إلى مدى غير مألوف في محاولة إقناع أسرتها بالتنازل عن دعوى التعويض. وتردد أن الشرطة عرضت على الأسرة مبلغاً ضخماً وإقامة دعوى على الجارة التي شكت من السرقة. كما حاولت الشرطة أيضاً أن تجعل باثاثا توقِّع على وثيقة دون السماح لأمها بقراءتها. وحصلت على إقرارٍ من والدها يقر بأنه لم يطلب من المحامي إقامة دعوى أمام المحكمة العليا. بل وأقدمت الشرطة في مرحلة لاحقة على إقامة دعوى قضائية ضد الفتاة بتهمة تهديد جارتها. ولكن المحكمة العليا استمرت في نظر القضية التي تمخضت في نهاية المطاف عن دفع تعويض لها. وقد أعربت المحكمة العليا مراراً عن استيائها لعدم متابعة السلطات المعنية لتوصياتها بإجراء مزيد من التحقيقات والقيام بالتحرك المناسب “فيما يتصل بالإجراءات الجنائية أو التأديبية” ضد الضالعين في ممارسة التعذيب. وحتى الآن لم تثبت إدانة شخص واحد بتهمة التعذيب في محاكم سري لنكا.
العاملون بالمهن الطبية والتعذيب
كان من شأن مشاركة الأطباء في عمليات التعذيب المنظم والواسع النطاق خلال الحرب العالمية الثانية أن يحدث صدمةً عنيفةً للرأي العام وللأوساط الطبية نفسها. وكان التصميم على عدم السماح بتكرار مثل هذه الفظائع قوةً دافعةً أساسيةً وراء وضع “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، كما وفر الزخم الأوَّلي لوضع المواثيق الدولية الخاصة بآداب ممارسة مهنة الطب. وفي عام 1949، تبنت “الجمعية الطبية العالمية” لأول مرة “ميثاق الشرف الطبي الدولي”. ويحدد هذا الميثاق التزام الأطباء بممارسة مهنتهم لما فيه خير مرضاهم والامتناع عن إلحاق أي أذى. ومنذ ذلك الحين وضعت عدة هيئات منها “الجمعية الطبية العالمية”، و”المجلس الدولي للممرضين”، و”جمعية الطب النفسي العالمية” مواثيق شرف مستفيضة تحظر مشاركة الموظفين الصحيين في أعمال التعذيب. وفي عام 1982، تبنت الأمم المتحدة “مبادئ آداب مهنة الطب المتصلة بدور الموظفين الصحيين، ولاسيما الأطباء، في حماية المسجونين والمحتجزين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة”.
جمع الأدلة الطبية: بروتوكول إسطنبول
لا شك أن الحصول على المعلومات الدقيقة والتفصيلية أمرُ لا غنى عنها في مكافحة التعذيب. فغياب التوثيق السليم للأدلة التي تدعم مزاعم ضحايا التعذيب يتيح للحكومات إنكار الحقيقة والتنصّل من المسؤولية. وتتضمن “مدونة للتحقيق الفعال وتوثيق التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة”، المعروفة “بإعلان إسطنبول” مبادئ توجيهية بشأن كيفية تقييم الأدلة الطبية على التعذيب وتوثيقها. وقد اعتُمد بروتوكول إسطنبول في عام 1999، وصاغه أطباء شرعيون وأطباء ومراقبون لحقوق الإنسان ومحامون من 15 دولة.
ويسوق بروتوكول إسطنبول عدة مبادئ توجيهية طبية وقانونية مستفيضة بخصوص تقييم مزاعم الأفراد عن تعرضهم للتعذيب والمعاملة السيئة، وكذلك بخصوص إبلاغ نتائج مثل هذه التحقيقات للقضاء وغيره من الجهات. وتشمل وسائل التوثيق المتضمنة في هذا البروتوكول مجموعة من الإجراءات الطبية والنفسية والمعملية. ويحدد بروتوكول إسطنبول أيضاً المعايير الدنيا التي يتعين على الدول الوفاء بها عند التحقيق في مزاعم التعذيب. وقد تبنت الأمم المتحدة ونشرت “المبادئ الخاصة بالتوثيق الفعال للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينةوتمثل هذه المبادئ إطاراً للتحقيق الطبي في مزاعم التعذيب. ويقدم بروتوكول إسطنبول إرشادات للمنظمات غير الحكومية في عملها لمناهضة التعذيب، ويحدد المعايير التي يمكن من خلالها تقييم التحقيقات الرسمية.
كما اتخذت عدة نقابات طبية محلية موقفاً ضد التعذيب. فقامت نقابتا الأطباء في شيلي وتركيا بدور في التحقيق في المزاعم الخاصة بضلوع بعض الأطباء في عمليات تعذيب. ولكن حداثة تاريخ هاتين النقابتين يبرز بعض المشاكل التي يواجهها ممارسو المهن الصحية. فلم تسترد النقابة في شيلي حقها في انتخاب قياداتها إلا في مطلع الثمانينات، بعد أن ظلت الحكومة تعين تلك القيادات طوال ما يقرب من عشرة أعوام . وخلال العقد السابق كانت النقابة، حسب سجلاتها هي نفسها، قد “أنكرت الأنباء التي تفيد أن بعض الأطباء كانوا حاضرين أثناء التعذيب أو المعاملة السيئة للمعتقلين المحتجزين في مراكز تديرها قوات الأمن.” ومنذ الثمانينات وضعت النقابة ميثاق شرف المهنة الخاص بها، والذي يضم تعليمات واضحة ومفصلة للأطباء الذين يتعاملون مع السجناء. وفي تركيا تعرض ستة من أعضاء اللجنة التنفيذية لنقابة الأطباء التركية لمحاكمة طويلة بتهم سياسية، بعد أن بعثوا برسالة إلى الحكومة في عام 1985 داعين لإعفاء الأطباء من دورهم في عمليات الإعدام. ويحظر ميثاق الشرف الذي وضعته نقابة الأطباء التركية في العام التالي الاشتراك في التعذيب أو حضور عمليات تنفيذ عقوبة إعدام. وكانت النقابة صريحة في تنديدها بالمشاركة الطبية في التعذيب في تركيا، وعملت بنشاط على الارتقاء بالمعايير الأخلاقية الدولية.
التمييز: أرض خصبة للتعذيب
يُعد التمييز عدواناً على مفهوم حقوق الإنسان في حد ذاته، فهو نوعٌ من الحرمان الدؤوب لبعض الأشخاص أو الفئات من حقوقهم الكاملة دون سببٍ سوى انتماءاتهم أو معتقداتهم، وهو إنكار للمبدأ الأساسي الذي يقوم عليه “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، ألا وهو أن حقوق الإنسان حقٌ أصيلٌ لكل إنسان وأنها تنطبق على البشر كافةً بدون تمييز. والحق في عدم التعرض للتعذيب حقٌ مطلق ولا يجوز حرمان أحد منه أياً كانت الظروف.
ولا شك أن التمييز يوفر للتعذيب أسباب التفاقم والتفشي. فالتعذيب بكل أشكاله ينطوي على إهدار لإنسانية الضحية، إذ يقطع جميع روابط التعاطف الإنساني بين من يمارس التعذيب ومن يتعرض له. وتسهل عملية إهدار الإنسانية متى كان الضحية ينتمي إلى فئة اجتماعية، أو سياسية، أو عرقية تُعامل بازدراء. ومن ثم فالتمييز يمهد السبيل لممارسة التعذيب لأنه يسمح بالنظر للضحية لا باعتباره إنساناً، بل باعتباره مجرد شيء، ومن ثم يمكن معاملته معاملة لاإنسانية.
والتمييز الذي يُمارس ضد بعض الفئات يجعلها من عدة أوجه أكثر عرضةً للتعذيب على أيدي الموظفين الحكوميين. فالتمييز المنصوص عليه في القانون (كأن يجرِّم القانون الممارسة الجنسية المثلية أو يقيِّد الحقوق الأساسية للنساء مثلاً) يمكن أن يمثل ترخيصاً بممارسة التعذيب. كما يمكن للتمييز في إنفاذ القانون أن يؤثر على فرص الشخص في اللجوء لنظام العدالة الجنائية وعلى معاملته عندما يقع في حبائلها. ففي بعض البلدان، مثلاً، ما زال السود أكثر عرضةً من البيض بكثير للاعتقال والمعاملة السيئة على أيدي دوريات الشرطة التي تستوقف الناس وتفتشهم.
التمييز
“تعبير ‘التمييز’… يجب النظر إليه على أنه يعني أي تفرقة، أو استبعاد، أو تقييد، أو تفضيل لأي أسباب مثل العِرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الآراء السياسية أو غيرها من الآراء، أو الأصل القومي، أو الاجتماعي، أو المِلْكية، أو الميلاد أو أي وضع آخر بغرض إبطال أو تعويق الاعتراف لجميع الأشخاص على قدم المساواة بجميع الحقوق والحريات، أو تمتعهم بها، أو ممارستهم لها.”
“اللجنة المعنية بحقوق الإنسان” التابعة للأمم المتحدة، “التعليق العام رقم 18″
وقد تؤثر هوية الضحية أو وضعه أيضاً على طبيعة المعاملة السيئة التي يتعرض لها وكذلك على عواقبها. فالأطفال الذين يُحتجزون مع بالغين في مكان احتجازٍ واحدٍ، على سبيل المثال، يكونون عرضةً على وجه الخصوص للاغتصاب والعنف الجنسي. كما قد يكون الضحايا من أبناء الفئات المهمشة أقل تمتعاً بسبل الانتصاف لأنفسهم بالطرق القانونية. والتمييز يعزز الحصانة من العقاب، ويقلِّص احتمال القيام بأي تحرك رسمي في حالات التعذيب.
كما يعني التمييز حرمان أبناء بعض الفئات من التمتع على قدم المساواة بحمايةٍ قانونية من العنف الذي يُمارس ضدهم في المجتمع بشكل عام، من قبيل الهجمات العنصرية، والعنف ضد النساء في نطاق الأسرة، والجرائم التي ترجع لنزعة كراهية أصحاب الميول الجنسية المثلية. فهذه المظاهر العنيفة للتحيز كثيراً ما يسهلها عدم القيام بأي تحرك على المستوى الرسمي.
والحكومات ملزمةٌ، بموجب معايير حقوق الإنسان الدولية، بالتصدي للتمييز بكل أشكاله.، بما في ذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حق جميع الأشخاص في عدم التعرض للتعذيب والمعاملة السيئة. ومن هذه الإجراءات مثلاً إلغاء التشريعات القائمة على التمييز التي تسهِّل التعذيب وتمنع المساواة في تطبيق العدالة، وكذلك توفير الحماية الفعالة من العنف في المجتمع على وجه العموم. كما يعني ذلك أيضاً ضمان تصدي القوانين ومؤسسات الدولة للأسباب الحقيقية للتمييز لا تكريسها أو إثارتها لأغراض سياسية.
وتركِّز الأقسام التالية على فئاتٍ معينة من ضحايا التعذيب في الوقت الراهن. وهي تبرز بعض الأنماط التي رصدتها منظمة العفو الدولية في سياق عملها، والدور الذي يلعبه التمييز في ترسيخها. ولا يعني التركيز على تلك الفئات أن أفرادها هم وحدهم، أو هم أساساً ضحايا التعذيب، أو أن التجارب التي يمر بها الضحايا الآخرون أقل مدعاة للقلق. كما أن تقسيم الضحايا إلى فئاتٍ ينبغي ألا يخفي الارتباط العضوي بين الأشكال المختلفة من التمييز. فهوية أي إنسان مركَّبة ولا يمكن اختزالها في عاملٍ واحدٍ مثل الجنس، أو العِرْق، أو النوع، أو الميول الجنسية، أو الطبقة الاجتماعية.
والهدف من هذا البحث هو تعريف أنماط الانتهاكات التي تستهدف بعضاً من ضحايا هذا العصر، والسياق المحدد الذي يتعرضون فيه لتلك الانتهاكات، وأشكال المعاملة السيئة التي تختصهم بشكل ما، أو تؤثر عليهم أكثر من غيرهم. ويساعد هذا التحليل في تحديد الإجراءات اللازمة للتغلب على هذه المخاطر.
التعذيب على أيدي الشرطة
“كانوا يضربونه كل ليلة وخاصةً على باطن قدميه. وكانت ساقه اليمنى متقرحة بأكملها وتلوثت الجروح، وتورمت قدمه. وفي 24 يناير/كانون الثاني، وفي نحو السادسة مساء، طلب بعض السجناء من الحراس أن يأخذوه من الزنزانة حتى لا يعدي الآخرين. ورد شرطي قائلاُ ‘على أي حال نحن سنقتلكم جميعاً.’ كان بيسي يحتضر، وانبعثت منه رائحة نتنة. وفي السابعة والنصف كف عن الحركة، وبعد ربع ساعة كان ما زال خامداً.”
محتجز يصف وفاة نيجيري يُدعى بيسي، وهو واحد من ستة محتجزين توفوا في زنزانة للشرطة في غينيا الاستوائية في أوائل عام 1998.
وردت أنباء عن وقوع حالات تعذيب أو معاملة سيئة على أيدي الشرطة في 140 دولة ونيف منذ عام 1997. ورغم أن ضباط الشرطة مسؤولون عن حفظ القانون وحماية حقوق كل أفراد المجتمع، فهم بلا جدال أكثر مرتكبي التعذيب شيوعاً بين الموظفين الرسميين. ويصطدم كثير من الضحايا بسلطة القانون بسبب الاشتباه في ارتكابهم جريمة ما، غير أن ثمة آخرين لا ذنب لهم إلا انتمائهم لفئات تستهدفها قوات الشرطة المتحيزة. بل إن أكثر الأشخاص عرضةً لانتهاكات الشرطة هم في كثير من الأحيان من ينتمون لأقليات عنصرية أو عرقية. وفي غالبية البلدان لا تمثل الحالات التي يُقدم فيها أفراد من الشرطة للمحاكمة بسبب ممارسات تتسم بالوحشية سوى نسبة بالغة الضآلة من عدد الشكاوى المقدمة، ومن النادر أن تنتهي أية حالة منها بالإدانة
وفي الصين التي يعيش بها خُمس سكان العالم تتفشى صنوف التعذيب والمعاملة السيئة للمحتجزين والسجناء. وبين الضحايا كثير من الأشخاص الذين دخلوا في نزاعات مع بعض المسؤولين لأنهم شككوا في سلطتهم أو لأنهم حاولوا الحفاظ على حقوقهم. وكثيراً ما ترد أنباء عن وقوع حالات تعذيب في إطار عمليات ابتزاز بالإكراه أو بالتهديد بالتشهير يقوم بها ضباط شرطة فاسدون. ويكثر الضحايا بين العمال المهاجرين، وخصوصاً الفتيات وهن بعيدات عن حماية أسرهن ومجتمعاتهن المحلية. ويُرتكب التعذيب أثناء التحقيق ضد المحتجزين على اختلافهم. ويزيد توارد الأنباء عن وقوع حالات تعذيب خلال الحملات الدورية التي تنظمها الشرطة على جرائم معينة تحت عنوان “الضرب بشدة”، إذ تتلقى الشرطة موافقةً واضحةً على استخدام “كل الوسائل” لتحقيق “نتائج سريعة”. كما أن التعذيب والمعاملة السيئة جزء لا يتجزأ من بعض الحملات السياسية التي تحظى باهتمام كبير مثل الحملة على حركة “فالون غونغ” الروحية المحظورة. وتتقاعس السلطات تماماً عن التحقيق في مزاعم التعذيب في تلك الحملات وتقديم المسؤولين عنها للمحاكمة.
ويلقى كثير من الأشخاص مصرعهم نتيجة للتعذيب في الحجز كل عام في الصين. ففي الفترة بين سبتمبر/ أيلول 1999 ويونيو/حزيران 2000، على سبيل المثال، تُوفي 13 على الأقل من أتباع عقيدة “فالون غونغ” في حجز الشرطة، وكانت وفاة بعضهم نتيجة للتعذيب فيما تردد. وكانت جاو جينهوا، وهي مزارعة من قرية جاوجيا بإقليم شاندونغ، تعمل في الحقول عندما اعتقلتها شرطة بلدة جانغشينغ يوم 27 سبتمبر/أيلول 1999. وقد تُوفيت في مركز للشرطة في بلدة جانغشينغ يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 1999. وورد أنها تعرضت في حجز الشرطة للضرب بالهراوات والعصي المسببة للصدمات الكهربية عندما رفضت نبذ عقيدة “فالون غونغ”. وأثبت تشريح للجثة أن الوفاة حدثت بسبب الضرب بأجسام غير حادة، لكن جثمانها أُحرق بعد ذلك مباشرة. وزعمت السلطات في وقت لاحق أنها تُوفيت بسبب فشل في القلب.
وفي كثير من الأحيان يكون الهدف الأساسي لوحشية الشرطة هو انتزاع اعتراف من أحد الأشخاص أو معاقبته. فعلى سبيل المثال، انتهى الأمر بخليل إبراهيم عوكل، وهو صبي يبلغ من العمر 12 عاماً، في قسم العناية المركزة بإحدى المستشفيات بعد استجوابه في مركز شرطة مارلا في أزمير بتركيا في نوفمبر/تشرين الثاني 1995. وكانت الشرطة تشتبه في ارتكابه جريمة سرقة. وقال خليل إبراهيم عوكل إن اثنين من رجال الشرطة كان يستجوبانه، وأخذاه إلى دورة المياه حيث ضرباه بهراوة وركلاه بعد أن سقط على الأرض. وتابعت مزاعم التعذيب طريقها في المحاكم، لكن مفوض الشرطة الذي أُدين بتعذيب خليل إبراهيم عوكل رُقي إلى رتبة كبير المفوضين خلال سير المحاكمة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1996، حُكم عليه هو وضابط آخر بدفع غرامة والإيقاف عن العمل لمدة شهرين. وألغت محكمة الاستئناف الحكم، وبعد إعادة المحاكمة حُكم على كل من الضابطين بالسجن عشرة أشهر في فبراير/شباط 1998، وأيَّدت محكمة الاستئناف الحكم في مارس/آذار 1999، ومع ذلك أُوقف تنفيذ الحكمين. أما خليل إبراهيم عوكل فما زال يعاني من أثار التعذيب الذي لحق به.
والاعتماد على المعلومات المنتزعة تحت وطأة التعذيب كأسلوب معتاد في التحقيقات الجنائية أمرٌ أكثر شيوعاً في البلدان التي لا يتوفر فيها للشرطة التدريب أو الموارد الكافية، أو حيث تجد الشرطة تشجيعاً على استخدام أساليب تتسم بالشدة ضد المشتبه فيهم جنائياً رداً على ارتفاع معدلات الجريمة.
فقد كان من شأن الصعوبات التي اعترضت تنفيذ إصلاحات حاسمة في نظام العدالة الجنائية في جنوب إفريقيا أن واصل أفراد قوات الأمن اللجوء لأساليب التحقيقات الجنائية المرتبطة بعهد نظام الفصل العنصري، على الرغم من حظر التعذيب في الدستور. وشجعت المستويات المرتفعة الحالية لجرائم العنف في البلاد الرأي العام على تأييد اتخاذ إجراءات قاسية ضد المشتبه فيهم جنائياً أو المجرمين المدانين. فعلى سبيل المثال اعتدى ضباط من الشرطة العسكرية بالضرب على زويلي كينيث ندلوزي في منزله في سويتو أمام شهود عيان في سبتمبر/أيلول 1998، واتهموه بالضلوع في سرقة أسلحة نارية، وفتشوا البيت بحثاً عن أسلحة، ثم أخذوه ومضوا. وبعد يومين أبلغت الشرطة أسرته أنه عُثر عليه ميتاً في زنزانة في مركز شرطة جيرمستون، متدلياً من حبل من النايلون يلتف حول رقبته. وأثبت فحص مستقل للجثة وجود إصابات خطيرة لا تتصل بوفاته شنقاً على ما يظهر، لعل أهمها جروح تماثل الحروق الناجمة عن إطفاء لفافات تبغ مشتعلة في الجسم، وكذلك دليل على تلقيه ضربة شديدة على رأسه. ووردت أنباء عن وقوع حالات وفاة في حجز الشرطة يربو عددها على 200 في عام 1998 وقع بعضها فيما تردد نتيجة للتعذيب أو المعاملة السيئة.
ولا تقتصر حالات التعذيب والمعاملة السيئة على أيدي الشرطة على ما يقع منها في إطار التحقيقات الجنائية، فقد تقع أيضاً عندما تستخدم الشرطة القوة المفرطة بدعوى الحفاظ على النظام العام. ففي زامبيا تظاهر بعض الباعة في أغسطس/آب 1997 بعد أن أحرق مجهولون أكشاكهم في “سوق سويتو” المقامة في الهواء الطلق في وسط لوساكا. وأخذ مئات من ضباط الشرطة شبه العسكرية المدججين بالسلاح يضربون بالهراوات جموع المتظاهرين، بل والمارة الذين لم يشاركوا في الاحتجاج، كما أطلقوا عبوات الغاز المسيل للدموع على جموع الناس في منطقة وسط المدينة. وقالت جين موامبا، وهي بائعة باغتها هجوم الشرطة مع طفلها الرضيع دون أن تشارك في المظاهرة، إنها كانت تعاين الأضرار الناجمة عن الحريق مع عدة نساء آخرين عندما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع عليهن. ونقلت عنها صحيفة محلية قولها “عندما حاولت الجري سقطت على الأرض، وجاء شرطي وركلني مراراً حتى لم أعد أقوى على السير.” وزعم بعض شهود العيان أن الشرطة كانت من الوحشية إلى حد مات معه اثنان من المتظاهرين نتيجة التعرض للضرب.
وعلى الرغم من أن الشرطة مسموح لها باستخدام القوة في تنفيذ واجباتها، فإن المعايير الدولية تضع حدوداً صارمة للمدى الذي قد تُستخدم فيه القوة. وتقضي وثيقة “مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين” ووثيقة “المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين” الصادرتان عن الأمم المتحدة بأنه لا يجوز لضباط الشرطة استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحد الأدنى اللازم لأداء واجبهم وفقاً للظروف. كما ينبغي عليهم استنفاد كل الوسائل غير العنيفة الممكنة قبل اللجوء إلى استعمال القوة. ويتعين على الضباط ممارسة ضبط النفس، والتصرف بصورة تتناسب مع خطورة الجريمة والغرض المشروع الذي يسعون لتحقيقه
البرازيل
اعتُقل خوسيه (ليس اسمه الحقيقي) البالغ من العمر 15 عاماً في يونيو/حزيران 1999 واحتُجز يومين. وخلال تلك الفترة تعرض للضرب المبرح على أيدي ضباط الشرطة المدنية. وكان الضرب من الشدة إلى حد ما برح يحتاج معه منذ ذلك الحين إلى علاج نفسي. وتشير آخر الأنباء إلى أن خوسيه ما زال يُعالج أيضاً من إصابات لحقت بخصيتيه نتيجة للضرب.
وكان خوسيه قد غادر منزله في زينغوارا بولاية بار بعد ظهر يوم 7 يونيو/حزيران للذهاب إلى قاعة للبينغو (إحدى ألعاب المقامرة) مع أصدقاء. وقلقت أمه إيراسي أوليفيرا دوس سانتوس عندما لم يعد تلك الليلة، وبحثت عنه في المستشفيات المحلية قبل أن تذهب إلى مركز الشرطة حيث أُبلغت بأنه احتجز.
وبعد أن انتظرت عدة ساعات سُمح لها في نهاية الأمر بمقابلة خوسيه مساء يوم 8 يونيو/حزيران. وتقول إنها وجدته يكابد آلاماً شديدة وجسمه مغطى بالكدمات. وقال لها أحد الصبية المحتجزين الآخرين إن خوسيه عُومل معاملة سيئة داخل وخارج مركز الشرطة، وإنها يجب أن تأخذ ابنها من هناك بأسرع ما يمكن.
وقال خوسيه لأمه إن الشرطة تابعته عندما غادر البيت، وإن الذعر تملكه وسقط من على دراجته النارية. وتوقف رجال الشرطة وصوبوا بنادقهم إليه وركلوه وهددوا بقتله. وأخذوه بسيارتهم إلى مكان غير معروف حيث ضربوه وهددوه من جديد. وأُخذ أخيراً إلى مركز الشرطة متهماً بحيازة كمية صغيرة من القنب ومسدس صغير. وفي المساء أخذ بعض أفراد الشرطة خوسيه إلى ردهة مركز الشرطة وضربوه من جديد. وقال صبية آخرون كانوا في مركز الشرطة إن الضرب الذي تعرض له كان عنيفاً إلى حد اعتقدوا معه أنه سيُقتل. وأُجبر خوسيه قسراً على الإدلاء باعترافات تخص حالات اعتقال سابقة لم تحدث.
وفي 9 يونيو/حزيران حاولت إيراسي أوليفيرا دوس سانتوس التحدث إلى قائد الشرطة بخصوص احتجاز ابنها، لكنه رفض مقابلتها قائلاً أنها لم تعامل ضباطه بأدب. وأعلمتها الشرطة من خلال صديقة لها بأن باستطاعتها أن تأخذ ابنها إلى البيت إذا وافقت على عدم تقديم شكوى بخصوص المعاملة التي لاقاها. وقد وافقت على ذلك لهفة منها على توفير العلاج الطبي لابنها.
ويعاني خوسيه منذ إطلاق سراحه من مشاكل نفسية، وأُدخل مؤسسة للعلاج النفسي عدة مرات لشهر أو شهرين في كل مرة. وبعد عطلة بداية العام الجديد التي قضاها مع أسرته تدهورت حالته العقلية بشدة. وأُعيد إلى مستشفي الأمراض النفسية يوم 16 فبراير/شباط 2000 حيث ما زال يرقد مريضاً.
وعلى الرغم من أن إطلاق سراح خوسيه من حجز الشرطة تم بشرط ألا تتقدم إيراسي أوليفيرا دوس سانتوس بشكوى بخصوص المعاملة التي لاقاها ابنها، فقد قدمت بعد ذلك شكوى رسمية إلى المدعي العام. وأحال المدعي العام الشكوى للتحقيق إلى القائد نفسه المسؤول عن مركز الشرطة الذي عُذب فيه خوسيه. وكانت المعاملة التي لاقاها خوسيه من البشاعة إلى حد روع إيراسي أوليفيرا دوس سانتوس ودفعها إلى اتخاذ الخطوة الشجاعة التي نادراً ما يقدم عليها أحد بطرح القضية على الرأي العام في البرازيل والظهور في التلفزيون. وتتردد على نطاق واسع أنباء عن وحشية الشرطة في زينغوارا ولم يجر التحقيق سوى في قلة منها. ويرجع عدم التحقيق في كثير من الأحيان إلى الخوف الشديد الذي يتملك الناجين من التعذيب وشهود العيان فيمنعهم من التقدم بشكوى أو الإدلاء بشهادة.
التعذيب سلاح في الحرب
“اغتصبني اثنان منهم. ثم جاءوا بآخرين من أفراد الميليشيات الصربية شبه العسكرية يريدون اغتصابي. قلت لا، فقالوا إنهم سيلقون ابني من النافذة.”
“قالوا لي إنهم يريدوننا أن نلد أطفالاً من الصرب… قالوا لي ’سنفعل كل شيء حتى لا تفكري مجرد تفكير في العودة’.”(15)
تعرضت هاتان المرأتان للاغتصاب في قرية فو سربينجى، في إطار حملة إرهاب دؤوب خلال الحرب التي عصفت بيوغوسلافيا السابقة في التسعينات ومزقت أوصالها. وبدأ الصراع في فو، وهي بلدة في جنوب البوسنة والهرسك، في إبريل/نيسان 1992. وقد سيطر صرب البوسنة والقوات المسلحة اليوغوسلافية على البلدة والقرى المحيطة بها، واعتقلوا السكان من مسلمي وكروات البوسنة. وأُخذ الرجال إلى عدد من مراكز الاحتجاز حيث “اختفى” كثيرون منهم. واحتُجز النساء في مراكز احتجاز وفي أماكن مجهزة خصيصاً للاسترقاق الجنسي والاغتصاب. واحتُجز عشرات من النساء والأطفال والمسنين في “قاعة بارتيزان الرياضية”، حيث كان النساء يؤخذن كل ليلة لاغتصابهن. ولم تلق النسوة والفتيات اللاتي لحقت بهن إصابات نتيجة للاعتداءات الجنسية أو الضرب أي علاج طبي. وتردد أن امرأتين لقيا مصرعهما هناك نتيجة للضرب. وقد أُلقي القبض على بعض من ترددت مزاعم عن مسؤوليتهم عن تلك الانتهاكات وقُدموا إلى “المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة”.
ومعظم ضحايا حروب اليوم من المدنيين لا من الجنود. فقد أصبح ترويع السكان المدنيين في الصراعات الحديثة وسيلة شائعة لشن الحرب. ويشمل ذلك في الأغلب الأعم من الأحوال استخدام التعذيب. ففي الجزائر مثلاً كانت ممارسة قوات الأمن للعنف قد توقفت تقريباً في الفترة من 1989 إلى 1991، لكنها عادت إلى استخدامه في بداية الصراع الحالي عام 1992، وسرعان ما أصبح استخدامه واسع الانتشار.
وعلى مدى السنوات الأخيرة كان هناك في جميع الأوقات نحو 30 نزاعاً مسلحاً أو أكثر تدور رحاها في نفس الوقت في مناطق شتى من العالم. ولم تكن في معظمها حروباً بين دول، بل صراعات مسلحة داخلية. وتتراوح هذه الصراعات بين حروب محدودة النطاق تشنها جماعات من المقاتلين، وحروب أهلية شاملة بين جيوش مجهزة.
وينطبق الحظر الدولي للتعذيب على ظروف الحروب. فصحيح أن الجماعات السياسية المسلحة لا تتحمل نفس المسؤوليات التي تتحملها الدول لأنها ليست أطرافاً في المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. غير أن أعضاء مثل هذه الجماعات ملزمون باحترام القانون الإنساني الدولي المعروف أيضاً باسم قوانين الحرب. واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والبروتوكولان الإضافيان الملحقان بها لعام 1977، هي المعاهدات الأساسية التي تجمع وتنظم قوانين الحرب. وتحظر اتفاقيات جنيف استخدام التعذيب في الصراعات الدولية المسلحة ضد من تحميهم الاتفاقيات، مثل المدنيين في الأراضي المحتلة وأسرى الحرب. والتعذيب في الصراعات الدولية المسلحة هو بموجب اتفاقيات جنيف “انتهاك جسيم” لقوانين الحرب أي جريمة حرب. كما أن التعذيب والمعاملة السيئة محظوران بموجب المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربعة (المعروفة باسم “المادة 3 المشتركة”) والتي تنطبق على الصراعات الداخلية المسلحة. فالمادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف لا تنطبق على الحكومات فحسب، بل تنطبق بالمثل على أفراد الجماعات المسلحة المعارضة لتلك الحكومات. كما يُعتبر التعذيب الذي يقع بالانتهاك للمادة 3 المشتركة جريمة حرب بموجب “قانون روما” الخاص “بالمحكمة الجنائية الدولية” الذي صدر عام 1998، لكنه لم يكن قد دخل حيز التنفيذ بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2000.
ووردت أنباء تفيد بأن اغتصاب النساء يُمارس على نطاق واسع وبصورة دؤوبة في المناطق المختلفة من جمهورية الكونغو الديمقراطية التي احتلتها جماعات معارضة مسلحة في 1999. غير أن معظم الضحايا يلزمن الصمت خشية التعرض لرفض أزواجهن لهن والنبذ من المجتمع. وتردد أن المقاتلين الذين اغتصبوا المريضات في مستشفى في كيندو بجمهورية الكونغو الديمقراطية في أوائل عام 1999، تباهوا بأنهم أصابوا النساء اللاتي اغتصبوهن بالعدوى بالفيروس المسبب لمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز).
وفي كولومبيا كان المدنيون المقيمون في المناطق التي تشهد نزاعات بين القوات الحكومية والميليشيات شبه العسكرية المتحالفة معها من ناحية، وجماعات المعارضة المسلحة من ناحية أخرى، هم الضحايا الأساسيون للعنف السياسي بما في ذلك التعذيب. وخلال عام 1999 سقط ألف شخص على الأقل ضحايا لعمليات قتل ذات دوافع سياسية. وتعرض ألف آخرون للخطف على أيدي منظمات شبه عسكرية وجماعات معارضة مسلحة، واحتُجزوا طلباً للفدية أو لأسباب سياسية. وتعرض كثيرون للتعذيب في كثير من الأحيان بتشويه أجسادهم وخصوصاً عندما يكون ذلك مقدمة لقتلهم على أيدي قوات شبه عسكرية. ومارست القوات المرتبطة بالحكومات وجماعات المعارضة المسلحة تعذيب الأسرى.
وفي سري لنكا مارس التعذيب كل من طرفي الحرب الأهلية طويلة الأمد بين القوات الحكومية و”جبهة نمور تحرير تاميل إيلام”. وكان “نمور تحرير تاميل إيلام” مسؤولين عن ارتكاب عمليات تعذيب مثل تعليق الأسرى في وضع مقلوب، وضربهم، وجعلهم يستنشقون أبخرة الفلفل الأحمر، وغرس الدبابيس تحت أظافرهم، وكيهم بقضبان محمية. وتظهر صور فوتوغرافية لكوفينثان ميلفاغانام، وهو سجين احتجزته منظمة “نمور تحرير تاميل ايلام” بين عامي 1992 و1995، علامات واضحة على تعرضه للكي بمعدن محمي، على خصيتيه وفخذه وإليتيه وظهره.
ومن الصعب أحياناً في ظل أهوال الصراع المسلح وما يثيره من التباس، الجزم بمسؤولية أي من الجانبين عن التعذيب وغيره من الفظائع. أما ما هو واضح لا لبس فيه فهو أن التعذيب محظور حظراً مطلقاً في كل الأحوال
التعذيب بموجب القانون- العقوبات البدنية بموجب أحكامٍ قضائية
عندما تُتهم حكومات بارتكاب التعذيب أو المعاملة السيئة، يكون الرد المعتاد في أغلب الحالات هو النفي، سواء نفي الواقعة، أو نفي العلم بها، أو نفي المسؤولية عنها. أما العقاب البدني للسجناء فهو من الحالات القليلة المستثناة من ذلك. فهذه العقوبات تفرضها المحاكم كعقوبة جزائية، أو يفرضها النظام الإداري كإجراء تأديبي، وينفذها مسؤولون بالدولة، بل ويتم التنفيذ في بعض الأحيان علناً، وتُحاط بالاحترام الذي تحظى به العقوبات “القانونية”.
وتتخذ العقوبات البدنية التي تُفرض بموجب أحكامٍ قضائية أشكالاً متعددة، لعل من أكثرها شيوعاً، مما لا يزال منها قيد الاستعمال، بتر الأطراف، والوسم بالكي، وأشكال متنوعة من الجلد، منها ما تُستخدم فيه السياط أو أعواد الخيزران. وتعمد بعض هذه العقوبات، مثل البتر، إلى إحداث تشويه دائم في جسم الإنسان. إلا إن هذه العقوبات كلها يمكن أن تسبب مجموعة من الإصابات طويلة الأجل أو العاهات الدائمة.
“…أخذني اثنان من حراس السجن إلى غرفة الجلد… كنت أرتعد وأتصبب عرقًا بارداً من الخوف. ثم سمعت صوت الخيزرانة. وفي طرفة عين أحسست بها تمزق إليتي. صرخت وحاولت التملص من قيودي كحيوان مجنون… لم أملك السيطرة على صراخي. واستمر ذلك بلا نهاية، ضربة كل دقيقة. بعض السجناء يبولون على أنفسهم، بل ويغشى عليهم من الألم… وقد تورمت إليتاي إلى ضعفي حجمهما العادي… وتظل نار الألم مشتعلة في عقل الإنسان لفترة طويلة بعد انتهاء الإحساس به، فما زلت حتى الآن تنتابني الكوابيس من أثر تلك التجربة…”(3)
كانت هذه كلمات رجل يبلغ من العمر 40 عاماً، وهو يذكر ما عاناه من ألم وخوف ومهانة عندما ضُرب بالخيزرانة في سنغافورة وهو في السابعة عشرة من عمره. وفي بعض البلدان يُحكم على الضحايا بمئات الجلدات، وهو ما يسفر عن الإصابة بعجز دائم بل والوفاة.
أما ضحايا البتر، والتشويه، والوسم بالكي فلا يُصابون بعاهة مستديمة فحسب، بل ويُوصمون بأنهم مجرمون بقية حياتهم. ففي العراق مثلاً، في أعقاب حرب الخليج، كان المدانون بجرائم مثل السرقة والهروب من الجيش يتم وسمهم كياً بعلامة (×) على الجبين.
وتدافع بعض الدول عن العقوبات البدنية التي تفرض بموجب أحكام قضائية زاعمةً أنها “عقوبات بموجب القانون” ومن ثم لا يشملها الحظر الدولي للتعذيب.(4) إلا إن التعبير “عقوبات بموجب القانون” يجب أن يؤخذ على أنه يعني عقوبات قانونية بموجب المعايير المحلية والدولية على حد سواء. ففي عام 1992 قالت “اللجنة المعنية بحقوق الإنسان” التابعة للأمم المتحدة في “تعليق عام” ملزم إن حظر التعذيب والمعاملة السيئة بموجب “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” “ينبغي أن يشمل العقاب البدني.”(5) وقالت “لجنة حقوق الإنسان” التابعة للأمم المتحدة في قرار صدر في إبريل/نيسان 2000 إن “العقاب البدني، بما فيه ذلك الذي يلحق بالأطفال، يمكن أن يُعتبر عقوبة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة بل وتعذيباً.”(6)
والعقوبات البدنية المفروضة بموجب أحكامٍ قضائية تُعتبر غير قانونية، لأنها تنطوي على عناصر أساسية تنتمي إلى التعذيب والمعاملة السيئة، منها مثلاً إلحاق الألم والمعاناة الشديدين بشخص ما عن عمد على سبيل العقاب. ولا يمكن أن يجعل إضفاء الشرعية على ممارسة ما على المستوى الوطني أي شيء يتعارض مع القانون الدولي “قانونياً”. وكما قال “مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب” فإن “العقوبات البدنية تتعارض مع حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة…”(7)
ويسعى بعض المدافعين عن العقوبات البدنية التي تُفرض بموجب أحكامٍ قضائية إلى تبرير تلك العقوبات استناداً إلى أسباب ثقافية أو دينية. لكن الثقافة ليست شيئاً جامداً لا يتغير، والحقائق الجديدة في حياة البشر تعيد باستمرار تشكيل التراث. والعقوبات التي ربما كانت مقبولة على نطاق واسع في الماضي تبدو اليوم بوضوح قاسية ومهينة. ويتصدى دعاة حقوق الإنسان المحليون لهذه الممارسات باطراد مؤسسين دعواهم على الطابع العالمي العام لحقوق الإنسان الذي ينطبق على كل البشر.
|
العقوبات البدنية بموجب أحكام قضائية
|
التعذيب اليوم
“لا بد أن أعترف… بأنني لا أجد الكلمات أو التعبيرات التي تصور لكم بدقة الأهوال التي مررت بها…
“أُخذت معصوب العينين إلى مدخل زنزانتي حيث كان ‘الفهد’(2) في انتظاري… رفع العصابة عن عيني وأخذ يضربني… وجُردت من ثيابي وأُخذت عارياً إلى غرفة صغيرة، مساحتها نحو ثلاثة أمتار مربعة، كانت مكتظة بما يزيد عن 30 شخصاً. وفي هذا المكان عرفت ما الذي يمكن أن يفعله البشر بعضهم ببعض…
- تخيل للحظة مكواة ساخنة توضع على بطني.
- تخيل المقصات التي يستعملها الحلاقون… تستعمل في قص جلد ظهري حتى عظمة اللوح، كما لو كان جلدي قطعة من القماش.
- تخيل الكماشات التي يستعملها ميكانيكي السيارات أو تجار الخردة ـ لقد استعملها ‘الفهد’ في نزع أظافري، وزملائي من النزلاء يراقبون بلا حول ولا قوة.
- تخيل إجباري على شرب بول آخرين وبندقية كلاشنيكوف مصوبة إلى رقبتي…
- تخيل سكين المائدة الصغيرة ذات الحافة المشرشرة التي استعملوها في خرق لساني. ما زال من الممكن أن ترى الندبة…
“وفي يوم جميل يأتي رجل… ويقول ‘أنت أدريان وايي أليس كذلك؟ الليلة في الثانية صباحاً ستذهب في رحلة، دون جواز سفر. ستُقتل في معسكر ماكالا ثم تُلقى في النهر مثل الآخرين… أفهمت؟”
“فهمت أن الإنسان يخاف عندما يكون لديه أمل في إنقاذه. أما وقد فقدت كل أمل في الحياة فلم أعد أخشى الموت. كل ما أسفت عليه هو أنه لن يكون لي قبر يذكرني أبنائي به.”
احتُجز الصحفي أدريان وايي 12 يوماً في أكتوبر/تشرين الأول 1997 في منطقة باكونغو في برازافيل لدى إحدى الميليشيات المتحاربة في جمهورية الكونغو. وكان اعتُقل لصلته بأحد زعماء الميليشيات. وما برحت الندوب ظاهرة على ظهره ولسانه ومعصميه. لكن ندوبه ليست كلها مرئية؛ فما زال يعاني من فقدان الذاكرة، وصعوبات في السمع والإبصار، ونوبات من الصداع الشديد. كما أنه يعاني من صعوبات في النوم، لا بسبب الكوابيس التي تقض مضجعه فحسب، بل وأيضاً بسبب الألم المبرح الذي ما زال يعانيه عند الرقاد على ظهره بسبب جروحه.
وتظهر تجربة أدريان وايي كيف يواصل زبانية التعذيب ابتكار أساليب مختلفة لا حصر لها لإلحاق الألم بالبشر. إنهم يستخدمون العنف والترهيب لانتزاع معلومات أو لإجبار الضحية على الاعتراف قسراً؛ لتحطيم الشخص جسدياً وعقلياً؛ لترويع فئات معينة أو مجتمعات بأكملها؛ لمعاقبة الأفراد أو إذلالهم.
فآثار التعذيب تتردد أصداؤها في نطاق يتجاوز كثيراً معاناة الضحايا الأفراد. ويستتبع التعذيب عواقب طويلة الأجل وعميقة الأثر على أسرة الضحية، وعلى محلته، وعلى مجتمعه ككل. وفي كثير من الأحيان تكون أسوأ العواقب بالنسبة للناجين من التعذيب هي العواقب النفسية. فيظل يطارد الكثيرين منهم الشعور العميق بالذنب والعار: الذنب لأن النجاة كانت من حظهم ولم تكن من نصيب آخرين، والعار لأن المعلومات التي أدلوا بها تحت وطأة التعذيب ربما تكون السبب في تعرض أصدقاء للأذى. ويواجه آخرون “الاختيار المستحيل” بين الكشف عن أسماء رفاقهم وبين تعرض أحد أحبائهم للتعذيب أمام أعينهم. وهؤلاء يظلون يشعرون بالمسؤولية عن نتيجة الاختيار لفترات طويلة بعد اندمال الجروح التي خلفها التعذيب في أجسادهم.
أساليب التعذيب
ما زال الضرب هو الأكثر شيوعاً بين أساليب التعذيب والمعاملة السيئة التي يستخدمها الموظفون الرسميون اليوم. ووردت أنباء عن وقوع حالات تعرض للضرب مما ينيف على 150 دولة، أو تقريباً كل الدول التي وردت أنباء عن وقوع حالات تعذيب ومعاملة سيئة فيها منذ عام 1997. ومن الأساليب الشائعة للتعذيب والمعاملة السيئة التي وردت أنباء عنها منذ عام 1997 الصدمات الكهربائية (أكثر من 40 دولة)، الاغتصاب والاعتداءات الجنسية في الحجز (أكثر من 50 دولة)، تعليق الجسم (أكثر من 30 دولة) إيهام الضحية بأنه سيُعدم أو التهديد بقتله (أكثر من 50 دولة)، الحبس الانفرادي لفترات مطولة (أكثر من 50 دولة). ومن الأساليب الأخرى التي وردت أنباء عنها الغمر في الماء، وإطفاء لفافات التبغ المشتعلة في الجسم، وربط الشخص إلى مؤخرة سيارة ثم جره خلفها، والحرمان من النوم، والحرمان من التمتع باستخدام الحواس.
وقد تكون اللغة أداة للتمويه على ويلات التعذيب، وتصوير أشنع الأعمال بحيث تبدو من الهنات غير الجديرة بالاعتبار. فالضرب مثلاً هو أكثر أشكال التعذيب والمعاملة السيئة شيوعاً. لكن كلمة الضرب قد تبدو هينة إلى حد، ما أما واقع الأمر فليس كذلك. فالناس يُضربون بالقبضات، وبالعصي، وكعوب البنادق والسياط، والأنابيب الحديدية، ومضارب البيسبول، وأسلاك الكهرباء… والقائمة طويلة. ويُصاب الضحايا بالكدمات، والنزيف الداخلي، وكسر العظام، وسقوط الأسنان، والتمزق في الأعضاء. والبعض يفقدون حياتهم.
وقد تترك أشكال أخرى من التعذيب علامات أقل على الجسم. ومنها مثلاً خنق الضحية حتى يدنو من الهلاك، أو إبقائه مغطى الرأس لفترات طويلة، أو إيهامه بأنه سيُعدم، أو حرمانه من النوم، أو تعريضه للحر الشديد أو للبرد القارس. لكن هذه الأشكال قد تكون أيضاً ذات أثر مدمر على جسم الإنسان وشخصيته مثلها مثل الصدمات الكهربائية أو الضرب. فالوقوف لفترات مطولة على سبيل المثال يسبب في نهاية الأمر تورم الساقين، ومشاكل في الدورة الدموية، والهلوسة، والفشل الكلوي. وقد تسبب بعض “أدوات السيطرة” التي تبدو بريئة، إذا استخدمت لفترات طويلة، جلطات دموية، وعجز دائم، بل والوفاة.
وقد استمدت حملات منظمة العفو الدولية الأولى ضد التعذيب قوة من غضب الناس في شتى أنحاء العالم من المعاملة التي يلقاها سجناء الرأي، أولئك الضحايا المنسيون الذين يعانون وراء القضبان. فهؤلاء الناس لا يودعون السجون بسبب معتقداتهم فحسب، بل ويتعرضون للتعذيب ويسامون المعاملة السيئة لإجبارهم على التخلي عن آرائهم وردعهم عن مواصلة نضالهم. وما برح التعذيب يُستخدم أداة للقمع السياسي. ففي كثير من أنحاء العالم ما زال معارضو النظام السائد، سواء بصورة سلمية أو بحمل السلاح، هدفاً للتعذيب والمعاملة السيئة في أغلب الأحوال.
إلا إن دراسة أنماط التعذيب اليوم التي قامت بها منظمة العفو الدولية على النطاق العالمي تشير بقوة إلى أن أكثر ضحايا التعذيب والمعاملة السيئة شيوعاً هم المجرمون المدانون والمشتبه فيهم جنائياً. فتعذيب هؤلاء الأشخاص لم ينل حتى الآن ما يستحقه من تأييد شعبي كبير يتصدى لاستمراره. ولهذا عدة أسباب، منها مثلاً أن شيوع تعذيب المشتبه فيهم جنائياً قد لا يكون واضحاً بسبب عدم الإبلاغ عن جانب كبير من الحالات؛ إذ أن الضحايا عموماً أقل قدرة على الوصول لآليات الشكوى. وقد يكون ضرب المشتبه فيهم جنائياً أمراً مألوفاً إلى حد لا يُعتبر معه تعذيباً حتى من جانب الضحايا أنفسهم. وفي بعض البلدان لم يحظ تعذيب المجرمين العاديين الجاري منذ أمد طويل بالانتباه إلا عندما انحسرت مستويات القمع السياسي الأكثر وضوحاً. وقد ينظر مرتكبو التعذيب، بل والجمهور العادي في واقع الأمر، إلى استخدام العنف ضد المشتبه فيهم جنائياً على أنه “جزاء وفاق للمجرمين الذين يلاقون ما يستحقون”. وفي بعض الأحيان يجد مثل هذا العنف تأييداً ممن يطالبون بإجراءات أشد لمكافحة الجريمة المتصاعدة. وفي غياب التدريب المناسب والموارد الكافية للتحقيق والتحري، قد تلجأ الشرطة إلى التعذيب أو المعاملة السيئة “كطريق مختصر” لانتزاع اعترافات وإدانة المتهمين. ويكون المشتبه فيهم جنائياً، في معظم الأحوال تقريباً، من أفقر فئات المجتمع أو أكثرها تعرضاً للتهميش. وفي كثير من الأحيان يساهم التمييز ضد مثل هذه الفئات في غياب أي تحرك للتصدي لتعذيبهم أو معاملتهم معاملة سيئة. والضرب وغيره من أشكال المعاملة السيئة بدنياً ونفسياً هو في كثير من البلدان الأسلوب السائد لمعاملة المشتبه فيهم جنائياً المقبوض عليهم أو أفراد الفئات المهمشة الذين يصطدمون بسلطة القانون. وفي بعض الحالات يكون الغرض هو انتزاع معلومات، أو الحصول على “اعتراف” سواء أكان حقيقياً أم زائفاً. وفي حالات أخرى يكون العقاب والإذلال هما الهدف الأساسي، على ما يبدو.
وفي كثير من الأحيان يكون مرتكبو التعذيب من ضباط الشرطة، أو الجنود، أو ضباط المخابرات، أو حراس السجن، أو غيرهم من الموظفين الرسميين. غير أن ممارسة التعذيب لا تقتصر على هؤلاء. فالتعذيب قد يمارسه أيضاً أعضاء الجماعات السياسية المسلحة، أو أفراد عاديون في بعض الظروف.
ولا يمكن تعريف التعذيب استناداً إلى قائمة من الممارسات المحظورة. ومن المتعذر أيضاً رسم خط فاصل بين “التعذيب” وبين غيره من ضروب “المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”. ويتوقف اعتبار أي عمل من أعمال المعاملة السيئة تعذيباً على عدد من العوامل منها درجة شدة الانتهاك. والتعذيب والمعاملة السيئة كلاهما محظوران بموجب القانون الدولي، لكن الآليات القانونية الدولية الخاصة بالتصدي للتعذيب أقوى.
وقد تم تعريف التعذيب في عدد من المعاهدات الدولية. وتتنوع التعريفات بصورة تعكس اختلاف السياق الذي وُضعت فيه والغرض من المعاهدة التي ترد فيها. فتعريف التعذيب الوارد في “اتفاقية مناهضة التعذيب” الصادرة عن الأمم المتحدة يشير إلى “أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما” بقصد الحصول على معلومات، أو على اعتراف، أو معاقبته، أو تخويفه، أو إرغامه، “أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه.” والاتفاقية معنية بالتعذيب الذي يمارسه الموظفون الرسميون أو من يعملون بموافقة رسمية.
“اتفاقية مناهضة التعذيب” الصادرة عن الأمم المتحدة
المادة 1: “لأغراض هذه الاتفاقية، يُقصد ‘بالتعذيب’ أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يُشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث ـ أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم علي التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية ـ ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط من عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو التي يكون نتيجة عرضية لها.”
و”اتفاقية مناهضة التعذيب” الصادرة عن الأمم المتحدة التي أُقرت عام 1984 من أقل المعاهدات الأساسية الخاصة بحقوق الإنسان حظاً من التصديق، فبحلول منتصف عام 2000 لم يكن قد صدق عليها سوى 119 دولة ولم تصدر سوى 41 دولة إعلانات بموجب المادة 22 من الاتفاقية تسمح للأفراد في تلك الدول بالتقدم بشكاوى من التعذيب إلى “لجنة مناهضة التعذيب” التي أُنشئت بموجب الاتفاقية، وتعترف باختصاص تلك اللجنة بنظر شكاوى الأفراد. ولم تصدر سوى 44 دولة إعلانات بموجب المادة 21 تعترف فيها باختصاص اللجنة بنظر مزاعم دولة ضد أخرى. وسجلت سبع دول تحفظات بموجب المادة 28 تعفيها من الاعتراف باختصاص “لجنة مناهضة التعذيب” بإجراء تحقيقات سرية في مزاعم التعذيب الذي يُمارس على نحو منظم وفقاً للمادة 20 التي تحدد اختصاصات اللجنة. وسجلت كثير من الدول تحفظات أخرى.
وتقدم “اتفاقية الدول الأمريكية لمنع ومعاقبة التعذيب” تعريفاً أوسع من تعريف “اتفاقية مناهضة التعذيب” الصادرة عن الأمم المتحدة. فهي تُدخل في نطاق التعذيب “استعمال أساليب مع شخص ما بهدف سحق شخصية الضحية، أو تقليص قدراته الجسمانية أو العقلية، حتى لو كانت لا تسبب الألم الجسماني أو المعاناة العقلية.”
وتعرِّف معاهدات حقوق الإنسان التعذيب بتعبيرات عامة. أما تفسير التعريفات في الممارسة العملية، وكذلك ضمان تطبيقها بصورة منسجمة، فهي مهمة تقع على عاتق الهيئات الحكومية الدولية المتنوعة التي تراقب التزام الدول بالمعاهدات الدولية ذات الصلة. وتتخذ هذه الهيئات المختصة بالمراقبة، وكذلك المحاكم الوطنية، باستمرار، قرارات تحسن وتطور تفسير الممارسات التي تُعتبر تعذيباً ـ فمعاهدات حقوق الإنسان الدولية “أدوات حية” ترتقي وتتطور على مر الزمن.
ولأن منظمة العفو الدولية معنية أساساً بالتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الدول وجماعات المعارضة المسلحة، فإن هذا التقرير يركز على مثل هذه الانتهاكات. ولذلك يُستخدم تعبير “التعذيب” و”المعاملة السيئة” للإشارة إلى الألم أو العناء الذي يتم إلحاقه بشخص ما على أيدي موظفين رسميين، أو الأفعال المماثلة التي يرتكبها أفراد عاديون وتتحمل الدولة المسؤولية عنها من خلال الموافقة عليها، أو القبول بها، أو السكوت عنها. كما ينصرف تعبير التعذيب والمعاملة السيئة إلى الأفعال المماثلة التي يتم إلحاقها بشخص على أيدي أعضاء الجماعات السياسية المسلحة.
وفهم الممارسات والأفعال التي تُعتبر تعذيباً ليس ثابتاً طوال الوقت. فرغم أن الصورة الدارجة للتعذيب في مخيلة الناس هي صورة السجين السياسي في غرفة التحقيق، فإن التعذيب والمعاملة السيئة يلحقان بأناس أكثر تنوعاً بكثير مما هو متصور عموماً. فالتعذيب لا يُرتكب في مركز الشرطة أو زنزانة السجن فحسب. ولا يُرتكب في ثكنات الجيش أو معسكرات المتمردين وحدها. فصحيح أن التعذيب يُمارس في كل هذه الأماكن، لكنه يُمارس أيضاً في مراكز احتجاز الأحداث، ومخيمات اللاجئين، وفي الشوارع وفي بيوت الناس. وينبغي أن تعبر الاستراتيجيات الرامية للقضاء على التعذيب عن هذا الفهم المتطور للأطر المتنوعة التي يجري فيها ممارسة التعذيب.
مصر
“قلت إنني سأكتب وأوقع كل ما يطلبونه مني… ووقعت تلك الأوراق… ثم أخذوني إلى خارج المبنى وتركوني أذهب.”
أمل فاروق محمد
كانت المرة الأولى التي استجوب فيها ضباط من مباحث أمن الدولة أمل فاروق محمد وعذبوها في القاهرة في 26 إبريل/نيسان 1993. وورد أن الضباط أجبروها أن تخلع ثيابها، وقيدوا يديها وقدميها وعلقوها في عارضة، ثم ضربوها مراراً بخرطوم من المطاط وعصا، وعصبوا عينيها، وهددوا باغتصابها. وكانت في بعض الأحيان تسمع زوجها، أحمد محمد أحمد السيد الذي اعتُقل في وقت سابق من ذلك اليوم، وهو يصرخ في غرفة أخرى.
وبعد استجوابها لما يقرب من 24 ساعة وقَّعت أمل فاروق محمد إقراراً بأن ضباط مباحث أمن الدولة عثروا في منزل الزوجين على أسلحةٍ ومتفجرات. وأُطلق سراحها على الفور بعد أن وقعت الإقرار. وتردد أن محكمة عسكرية استندت إلى ذلك الإقرار، خلال محاكمة عُقدت في مايو/أيار 1993، في إدانة الزوج والحكم عليه بالسجن 25 عاماً.
وبعد إطلاق سراحها، قدمت أمل فاروق محمد بلاغاً إلى نيابة الدقي بالقاهرة بأنها تعرضت للتعذيب في فرع مباحث أمن الدولة بشارع جابر بن حيان. وحققت النيابة معها في البلاغ تحقيقاً مطولاً يوم 4 مايو/ أيار 1993، وانتهى تقرير للطب الشرعي صدر في 8 مايو/أيار 1993 إلى أن الإصابات في جسمها تتفق مع مزاعمها عن التعرض للتعذيب.
وفي سبتمبر/أيلول 1993، استدعت نيابة الدقي اثنين من ضباط مباحث أمن الدولة، حددتهما أمل فاروق محمد على أنهما من عذباها، وذلك للتحقيق معهما. ولم يلب الاثنان الاستدعاء وتجاهلا 56 استدعاء تالياً. وفي يناير/كانون الثاني 1996، استجاب ضابط للاستدعاءات، لكنه نفى المزاعم. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر نفت مباحث أمن الدولة احتجاز أية امرأة تُدعى أمل فاروق محمد في فرع مباحث أمن الدولة في شارع جابر بن حيان في الفترة بين 26 و28 إبريل/نيسان 1993.
وفي يوليو/تموز 1996 ألقى ضباط مباحث أمن الدولة القبض على أمل فاروق محمد من جديد، وأخذوها إلى فرع مباحث أمن الدولة في منطقة المرسى لمحاولة إجبارها على سحب شكواها. وتردد أنهم شرَّطوا جلد ذراعيها وظهرها وساقيها بسكين حاد، كما عصبوا عينيها، وعلقوها من السقف من ذراع واحدة ساعتين، واستعملوا معها الصدمات الكهربائية. وبعد عشرة أيام من التعذيب ألقاها ضباط “مباحث أمن الدولة” في الشارع مغشياً عليها. وباءت بالفشل محاولات أمل فاروق محمد اللاحقة لتقديم شكاوى.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1999 اتصلت محطة تلفزيونية بأمل فاروق محمد لترتيب مقابلة معها بخصوص المعاملة التي لقيتها في الحجز. وفي الليلة السابقة لموعد المقابلة اتصل بها ضباط من مباحث أمن الدولة هاتفياً ليسألوها عن سبب رغبتها في إجراء المقابلة. وفي وقت مبكر في الصباح التالي جاءوا إلى منزلها، ووضعوا أجهزة مراقبة وتنصت في الغرف وهددوها بالقبض عليها. وعندما وصل الطاقم التلفزيوني لم يكن باستطاعة أمل فاروق محمد إجراء المقابلة.
ولم تكن تجربة أمل فاروق محمد حالة مجرد حالة استثنائية عابرة، ففي مايو/أيار 1999 أعربت “لجنة مناهضة التعذيب” التابعة للأمم المتحدة عن قلقها من “المعاملة التي تلقاها المحتجزات على أيدي الشرطة و’مباحث أمن الدولة’، والتي تشمل في بعض الأحيان الاعتداءات الجنسية أو التهديد بها، من أجل الحصول على معلومات تتصل بأزواجهن أو غيرهم من أفراد أسرهن.”
الإفلات من العقاب ـ مشكلة عالمية
يمثل إفلات زبانية التعذيب من العقاب، أي عدم تقديم المسؤولين عن جريمة التعذيب إلى ساحة العدالة، مشكلةً متأصلةً في كثير من الدول. وكما يتبين من حالة أبنر لويما، فإن الأمر يتطلب عادةً التقاء مجموعة من الظروف غير العادية حتى يتم تقديم المشتبه في ممارسته التعذيب للمحاكمة على الوجه الأكمل. فإقرار العدالة قد يتوقف على مدى اهتمام الإعلام وغضب الرأي العام، ووجود أدلة لا تُدحض، وقدرة القضاء على متابعة التحقيقات بصورة مستقلة ووافية. غير أن ما يلاقيه كثيرون ممن يمرون بتجربة التعذيب بعد انتهاء التعذيب الفعلي ليس إقرار العدالة، بل المزيد من الانتهاكات والترهيب.
فالتعذيب يُعد من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب في سرية. إذ عادةً ما يجري في أماكن بمنأى عن أعين الناس، وتُبذل جهود كبيرة في كثير من الأحيان لإخفاء الأدلة الضرورية لنجاح محاكمة مرتكب التعذيب وإدانته. وكثيراً ما تتعثر التحقيقات، هذا إذا جرى التحقيق أصلاً، بسبب تقاعس جهات التحقيق أو عدم فعاليتها أو تواطؤها.
وحتى في الحالات التي تُتابع فيها الشكاوى من التعذيب، فإنه لا يُدان في نهاية الأمر سوى نسبة ضئيلة من الضباط الذين يقدمون للمحاكمة. فعلى سبيل المثال، تشير الأرقام الرسمية في تركيا إلى أن التحقيقات مع 577 مسؤولاً أمنياً اتُهموا بالتعذيب في الفترة بين عامي 1995 و1999 تمخضت عن عشر حالات إدانة فحسب. وخلصت “لجنة مناهضة التعذيب” التابعة للأمم المتحدة من دراسة الأوضاع في المكسيك، التي يتفشى فيها التعذيب، إلى أن الفترة بين يونيو/حزيران 1990 ومايو/ أيار 1996 لم تشهد سوى “حالتي إدانة فحسب استنادا إلى القانون الاتحادي لمنع التعذيب ومعاقبته، وخمس حالات إدانة بتهمة القتل الناتج عن التعذيب”.
والحقيقة الجلية التي لا مراء فيها هي أن معظم ضحايا التعذيب في شتى أنحاء العالم عادة ما يُحرمون من العدالة. ومثل هذا الغياب المزمن للمساءلة القانونية يهيئ الأجواء التي يمكن فيها لمن لديه استعداد لممارسة التعذيب أن يستمر في اللجوء لصنوف التعذيب والمعاملة السيئة مطمئناً إلى أنه لن يتعرض يوماً للاعتقال أو المحاكمة أو العقاب.
والإفلات من العقاب يوحي لزبانية التعذيب بأنهم سيفلتون بجرائمهم. أما تقديم الجناة إلى ساحة العدالة فيردعهم عن تكرار الجرم، بل ويوضح للآخرين أن التعذيب والمعاملة السيئة غير مقبولين. وعندما تلجأ المؤسسات المسؤولة عن حفظ القانون لانتهاكه بشكل دؤوب فيما يتعلق بأفرادها فإنها بذلك تقوض نظام العدالة الجنائية بأكمله. ومن ثم فإن محاربة الإفلات من العقاب تعني ضرب هذا الفساد، الراسخ في الأنظمة والأعراف، في الصميم.
وثمة ضرورة أخرى للقضاء على ظاهرة الإفلات من العقاب، وهي أنها تحرم الضحية من العدالة وتسلبه حقوقه للمرة الثانية. فالإفلات من العقاب يمكن اعتباره في حد ذاته انتهاكاً مضاعفاً لحقوق الإنسان، فهو يحرم الضحايا وأقاربهم من الحق في إقرار الحقيقة والاعتراف بها، والحق في إقرار العدالة، والحق في الإنصاف الفعال والتعويض. وهو يطيل أمد الأذى الأصلي الذي لحق بالضحية من خلال السعي لإنكار وقوعه، وفي هذا إهانة أخرى لكرامة الضحية وإنسانيته.
وقد نجحت الجهود التي بذلها المجتمع الدولي في الماضي في كشف النقاب عن التعذيب وتعزيز الحماية القانونية منه. فقد حددت “اتفاقية مناهضة التعذيب” الصادرة عن الأمم المتحدة التزام الدول بالتحقيق في الوقائع، وإحالة المسؤولين عن جرائم التعذيب للعدالة ومعاقبتهم، وتقديم تعويض للضحايا، وكلها إجراءات ضرورية للنضال من أجل وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب. وبات هذا الالتزام مقبولاً بصورة مطردة كقاعدة من قواعد القانون الدولي المتعارف عليها، والقائمة بغض النظر عما إذا كانت أي دولة من الدول قد صدقت على “اتفاقية مناهضة التعذيب” أم لا.
غير أن هذه القاعدة لا تُحترم إلا في حالات استثنائية. ووجودها على الورق لا يقدم أي قدر يُذكر من السلوى للألوف المؤلفة من الناس الذين تعرضوا للتعذيب وأفلت معذبوهم من العقاب منذ إقرار الاتفاقية. ومن ثم يتعين أن يركز النضال ضد التعذيب اليوم على تحويل هذا المبدأ إلى حقيقة ملموسة.
الهند
اعتُقل أنغمال وغوروفياه في يوليو/تموز 1998 للاشتباه في قيامهما بإخفاء مسروقات. وقد وصلت الشرطة إلى منزل الزوجين في مقاطعة مادوراي بولاية تاميل نادو في الساعات الأولى من الصباح ووجدت أنغمال وحدها. واقتيدت إلى مركز الشرطة المحلي ثم إلى مركز شرطة أورمتشيكولام حيث أُجبرت على قضاء الليلة ويداها مقيدتان خلف ظهرها. واعتُقل غوروفياه في الصباح. ونفى الزوجان أي علم لهما بتلقي مسروقات.
وبدأ استجوابهما في 28 يوليو،تموز. وقيد ضباط الشرطة أيدي الزوجين خلف ظهريهما وأجبروهما على الوقوف ووجهاهما للجدار وضربوهما على ظهريهما ومؤخرتيهما بعصي طويلة من الخيزران.
ثم نُقل الزوجان إلى مركز آخر للشرطة حيث أُمرا بخلع ملابسهما، واقتيدا إلى الخارج مكبلين وضُربا إلى أن فقد غوروفياه الوعي.
وأُعيد الزوجان إلى الداخل حيث عُلقا من سقف المبنى وضُربا. وحينما أُنزلت أنغمال أُلقيت على الأرض وكانت لا تزال عارية. وقيل لغوروفياه إن أنغمال “سيعُبث بها” أمامه إذا لم يكشف عن مكان إخفاء المجوهرات المسروقة. وضُربت أنغمال على ثدييها ورُكلت في أعضائها التناسلية. وحينما أُنزل غوروفياه أُجبر الزوجان على محاكاة عملية الجماع أمام عدد من ضباط الشرطة.
واقتيد غوروفياه إلى مركز آخر للشرطة حيث ضربه ضباط الشرطة وذروا مسحوق الفلفل الأحمر في عينيه وثقبوا أظافر أصابع يديه وقدميه ولسانه بالإبر.
وفي 2 أغسطس/آب 1998 اقتيد الزوجان إلى نائب قائد الشرطة الذي صُدم لحالتهما فأمر بنقلهما فوراً إلى مصحة خاصة. وتوفي غوروفياه متأثراً بجروحه في وقت لاحق من ذلك المساء. ونُقلت أنغمال في اليوم التالي إلى مستشفى حكومي حيث ظلت هناك أسبوعين.
وبعد انقضاء أكثر من عامين على اعتقالها ما زالت أنغمال تعاني نفسياً وجسمانياً من جراء ما حدث لها أثناء احتجازها.
وما زالت أنغمال تتابع قضيتها في المحاكم ساعية لتقديم الضباط المسؤولين عن موت زوجها إلى القضاء. وما زالت هناك عدة التماسات في انتظار البت فيها أمام المحكمة العليا لولاية تاميل نادو، بما في ذلك طلب بنقل التحقيق في القضية من أيدي الشرطة المحلية إلى “قسم الجريمة” في “إدارة التحقيقات الجنائية”. كما تقدمت أنغمال بشكوى إلى “لجنة حقوق الإنسان بالولاية” إلا إن اللجنة لم ترد حتى الآن.
ومن ناحية أخرى، بُذلت عدة محاولات لإسكات أنغمال ومنعها من إثارة قضيتها علناً. ففي أغسطس/آب 1998، عُرض عليها مبلغ 400 ألف روبية (تسعة آلاف دولار أمريكي) إذا وافقت على ألا تتحدث أمام قاضي التحقيق التنفيذي الذي كان يتولى التحقيق في وفاة زوجها. إلا إنها رفضت العرض وقدمت إفادة كاملة. وفي يناير/كانون الثاني 1999 دُفع لها مبلغ 200 ألف روبية (4600 دولار أمريكي) من حكومة ولاية تاميل نادو تعويضاً عن وفاة غوروفياه.
الإفلات من العقاب
“قال إنني إذا أخبرت أحداً بما حدث لي فإنه سيقتلني ويقتل كل أفراد أسرتي.”
من شهادة أبنر لويما في محاكمة الضابط جوستين فولب.
في مايو/أيار 1999 أدلى أبنر لويما، وهو مهاجر من هايتي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، بشهادته أمام محكمة اتحادية جزئية في نيويورك، ووصف ما تعرض له من تعذيب في مركز للشرطة في بروكلين. وكان ضباط من إدارة شرطة نيويورك قد ألقوا القبض عليه في أغسطس/آب 1997 في أعقاب مشاجرة خارج ملهى ليلي. وفي مركز الشرطة اقتيد مكبل اليدين إلى المراحيض حيث تعرض للضرب باللكمات، وطُرح أرضاً، وثُبت في هذا الوضع حتى زج الضابط جوستين فولب عصا مكنسة مكسورة في شرجه. وبينما كان يصيح من الألم دس الضابط فولب العصا في فمه. وأُصيب أبنر لويما بجروح داخلية شديدة بما في ذلك تهتك في القولون وتمزق في المثانة، واستدعت حالته البقاء لمدة شهرين في المستشفى.
وليست حالة أبنر لويما سوى واحدةٍ من الحالات الكثيرة لوحشية الشرطة في الولايات المتحدة الأمريكية التي وثقتها منظمة العفو الدولية في الأعوام الأخيرة. وهي نموذج مألوف، فالضحية أسود، واعتُقل عقب حادث طفيف، ولاقى معاملة ترجع فيما يبدو لدوافع عنصرية.
إلا إن لهذه الحالة جانباً يميزها عن معظم الحالات الأخرى وهو أن الضباط المسؤولين قُدموا إلى ساحة العدالة في نهاية الأمر. فمن النادر أن تتمخض الشكاوى من وحشية رجال الشرطة في إدارة شرطة نيويورك عن إدانة جنائية، وقد بدا أول الأمر أن شكوى أبنر ضد ضباط الشرطة الذين عذبوه محكوم عليها بالمصير نفسه. حيث نفى الضباط التهم مدعين أن إصابات أبنر ترجع لممارسته الجنس مع رجل آخر. ونسجوا ثوباً من الأكاذيب ليستروا به ضلوعهم في الجريمة. وكما هو الحال في كثير من قضايا التعذيب، لم يكن هناك شهود مباشرون سوى ضباط شرطة آخرين. وفي شتى أنحاء العالم يمثل رفض الضباط الإدلاء بشهادة ضد زملاء لهم عقبةً هائلةً أمام تقديم المسؤولين عن الانتهاكات للعدالة.
ولكن منتصف عام 1999 شهد انفراجاً من النادر أن يتحقق مثله، وكان من شأنه أن يفتح ثغرةً في جدار الإفلات من العقاب. فقد تقدم عدد من الضباط الذين كانوا في مركز الشرطة ليلة الواقعة واحداً تلو الآخر للشهادة ضد المتهمين. ولم يكن لهؤلاء الضباط أن يخرجوا عن “ميثاق الصمت”، الذي كثيراً ما يمكن ضباط الشرطة من تجنب المحاسبة، إلا تحت ضغطٍ من المحققين الاتحاديين ومحققي الإدارة.
وبعد قليل من إدلاء الضباط بشهاداتهم، ومنها روايات شهود عيان للحادث قالوا إنهم شاهدوا الضابط فولب يلوح بعصا مكنسة ملوثة بالبراز متباهيا بفعلته، غيَّر فولب أقواله معترفاً بجرمه. وفي ديسمبر/كانون الأول 1999، حُكم عليه بالسجن 30 عاماً. كما أُدين ثلاثة ضباط آخرين، في مارس/آذار 2000، بتهمة التآمر للتستر على الحادث، واتُهم ثلاثة آخرون بالإدلاء بأقوال كاذبة.
ويشير نشطاءٌ يسعون لإقرار العدل لأبنر لويما إلى عنصرٍ آخر كان له دور حاسم في إدانة الضباط، وهو وجود دليلٍ موثَّق على الإصابات الجسيمة التي لحقت به. فقد ساعد الدليل الطبي على تأكيد مزاعمه عن تعرضه للتعذيب ودحض التفسيرات التي قدمها الدفاع.
وثمة عامل ثالث لولاه لما كان من الممكن أن يُقدم الذين عذبوا لويما إلى ساحة العدالة مطلقاً، وهو ما أثارته القضية من غضب وتعبئة للرأي العام. فقد انضم ألوف من السكان المحليين لمناهضي العنصرية وغيرهم من دعاة حقوق الإنسان في سلسلة من المظاهرات للاحتجاج على وحشية الشرطة. وعلى غير العادة انتقد رئيس بلدية نيويورك رودولف جولياني الاعتداء “الذي يستوجب التنديد” على لويما داعياً “لتوقيع أقصى العقوبات” على من تثبت مسؤوليتهم عنه، وهو صاحب الحملة المتشددة لمكافحة الجريمة التي انتقدها مناضلو حقوق الإنسان، على اعتبار أنها شجَّعت الشرطة على معاملة المحتجزين معاملة سيئة.
“آمل أن يمثل الحكم الصادر اليوم رسالة واضحة تفيد أنه لا أحد فوق القانون”.
أبنر لويما في جلسة النطق بالحكم على جوستين فولب في ديسمبر/كانون الأول 1999
استخدام النظام الدولي لمناهضة التعذيب
هناك مجموعة من وسائل الانتصاف الدولية التي يمكن أن يستخدمها ضحايا التعذيب، ولا سيما مَنْ حُرموا من إمكانية إقرار العدالة في بلدانهم. وقد أنشأت الأمم المتحدة مجموعة جديرة بالإعجاب من الآليات لمراقبة الخطوات التي تتخذها الحكومات لمكافحة التعذيب وللنظر، في بعض الحالات، في الشكاوى الفردية. وأصدرت محكمتان إقليميتان، هما “المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان” و”المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان”، أحكاماً ملزمة قانونياً في قضايا فردية تتصل بالتعذيب وغيره من الانتهاكات للمعاهدات الإقليمية لحقوق الإنسان التي أُنشئت المحكمتان بموجبها. وقد أسهمت الدعاوى المقامة أمام المحكمتين في حفز التحرك على المستوى الوطني.
|
آليات الأمم المتحدة للتحرك لمناهضة التعذيب |
ومن الأمثلة على استخدام الآليات الدولية لمكافحة التعذيب وكذلك على الجهود التي تُبذل للتحايل عليها حالة أحمد سلموني. فقد ألقى خمسة من ضباط الشرطة القبض على أحمد سلموني، الذي يحمل الجنسيتين الهولندية والمغربية، في نوفمبر/تشرين الثاني 1991 في بوبينيي (سين سان ديني) بفرنسا. وبينما كان محتجزاً لديهم تعرض على نحو متكرر للضرب باللكمات وللركل والضرب بهراوة ومضرب بيسبول، وأُجبر على أداء تمارين بدنية. كما زعم أنه تعرض لإيذاء جنسي. وعلى الرغم من أن القبض على أحمد سلموني تم في عام 1991، لم ينظر أي قاض في أمر الضباط الخمسة حتى عام 1997. وفي مارس/آذار 1999 بدأت إجراءات قضائية ضد فرنسا أمام “المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان” في ستراسبورغ. إلا إنه في فبراير/ شباط 1999، أي قبل ستة أسابيع فقط من بدء نظر الدعوى في ستراسبورغ، مثل الضباط أمام محكمة في فرساي، الأمر الذي سمح للحكومة الفرنسية بالزعم أن سبل الإنصاف الوطنية لم تستنفد، وأنه إذا أصدرت المحكمة الأوروبية حكماً بشأن تعذيب أحمد سلموني، فإنها تكون قد انتهكت مبدأ افتراض البراءة. وقد رفضت “المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان” حجج الحكومة الفرنسية وخلصت، في يوليو/تموز 2000، إلى أن فرنسا انتهكت المادة 3 من “الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان” التي تحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وقررت المحكمة أنه من الواضح أن أحمد سلموني قد “تعرض لاعتداءات متكررة ومتواصلة خلال استجوابه على مدى عدة أيام”. وقالت المحكمة إن العنف البدني والذهني الذي تعرض له “سبّب ألماً ومعاناة شديدين وكان خطيراً وقاسياً بشكل خاص.”
وقد أنكر الضباط الخمسة أمام محكمة فرساي تهم استخدام العنف والاعتداء الجنسي على أحمد سلموني ورجل آخر هو عبد المجيد ماضي، وقالوا إن من المحتمل أن يكون الرجلان قد أصابا نفسيهما أو ربما أنهما أكثرا من مشاهدة الأفلام. إلا إن محكمة فرساي أدانت الضباط الخمسة وحكمت عليهم بالسجن لفترات تتراوح بين عامين وأربعة أعوام. واستأنفوا جميعاً الحكم على الفور. وصدر حكم الاستئناف في سرعة غير معهودة وخفض بشدة الحكم “النموذجي” الصادر ضد أحد الضباط بالسجن أربع سنوات إلى السجن 18 شهراً من بينها 15 شهراً مع إيقاف التنفيذ. كما خُفِضت الأحكام الصادرة ضد الضباط الأربعة الآخرين إلى عقوبات بالسجن ما بين 10 و15 شهراً مع إيقاف التنفيذ. بل إن ممثلة النيابة الملحقة بمحكمة الاستئناف طالبت على نحو مثير للجدل “برد شرف” الضباط وإعلان براءتهم من تهمة الاعتداء الجنسي، وبأنه يتعين، إذا ما استمرت إدانتهم بارتكاب أعمال عنف، أن يحصلوا على عفو. وقد أيّدت المحكمة إدانة الضباط بتهمة ارتكاب العنف ولكنها استبعدت الإدانة بتهمة الاعتداء الجنسي.
|
تطورات جديدة في معايير مناهضة التعذيب
ويسير التقدم ببطء في العمل على إقرار الصكوك الثلاثة المقترحة بسبب معارضة بعض الدول. ولا تزال عناصر مهمة في البروتوكول الاختياري على وجه الخصوص محل نزاع. ويتعين على “لجنة حقوق الإنسان” أن تتحرك سريعاً لاعتماد الصكوك الثلاثة في أقوى صيغة ممكنة. |
تعذيب الأطفال
|
علاج ضحايا التعذيب
“…لا ينجو كل مَنْ يعذبونه من الموت حتى يروي ما تعرض له. ومع ذلك فهناك من نجوا بالفعل. وبالنسبة لكثير منا فإن النجاة أسوأ بكثير من التعذيب نفسه. فما من جانب من جوانب حياتنا إلا وتأثر بتلك التجربة المريرة. نحن ندرك أننا لم نكن وحدنا ضحايا هذه الجريمة، بل أن أسرنا وطوائفنا ومجتمعاتنا ضحايا أيضاً.
“فالناجون يواجهون كل يوم ويلات الخوف واليأس وعدم الثقة، ولكن ثمة أملاً يلوح أمامهم أيضاً. وهذا الأمل هو ما يمدنا بالقوة على التصدي للتعذيب أينما وُجد.”
“ائتلاف إلغاء التعذيب ومساندة الضحايا”، مايو/أيار 2000
أدى تفشي استخدام التعذيب في السبعينات في دول أمريكا الجنوبية، حيث كانت منظمات العاملين الصحيين مكتملة النمو والوعي السياسي، إلى إنشاء مجموعات محلية تعمل على توفير الرعاية الطبية والنفسية للضحايا. وكثيراً ما انطوى تقديم هذا النوع من المساعدة العملية على مخاطر شخصية للقائمين بها ، نظراً للظروف القمعية التي كان يتعين على الكثيرين العمل فيها. وفي الوقت نفسه، كان ألوف من اللاجئين الذين تعرضوا للأذى النفسي يصلون إلى أمريكا الشمالية وأوروبا. واستجاب العاملون بالمهن الصحية من طوائف المنفيين، بالاشتراك مع الأطباء المحليين، للمتطلبات الواضحة للاجئين. وأعطى عمل المجموعات الطبية التابعة لمنظمة العفو الدولية، التي بدأت أولاها العمل في الدانمرك عام 1974، دفعة إضافية لهذه المبادرات. وخلال بضعة أعوام كان هناك ما يربو على 4000 طبيب في 34 بلداً منضوين في إطار المجموعات الطبية لمنظمة العفو الدولية.
وشهد ربع القرن الأخير توسعاً كبيراً في هذا العمل، وهناك حاليا زهاء 200 مجموعة علاجية تعمل في شتى البلدان لتوفير رعاية متخصصة لضحايا التعذيب. وقد قامت هذه المجموعات بقدر كبير من العمل البحثي في الآثار البدنية والنفسية للتعذيب.
“وضعنا نماذج مختلفة لإعادة التأهيل تُستخدم في كثير من المراكز والبرامج في شتى أنحاء العالم… وهناك نقطة على قدر من الأهمية تتعلق بالمفاهيم، وهي أننا لا نعتبر ضحايا التعذيب مرضى بل أناساً ذوي استجابة طبيعية لحدث غير طبيعي.”
إنجي كيمب جينيفكه الأمين العام “للمجلس الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب”، 1999
ولا يقتصر الدعم الذي تقدمه هذه المجموعات لضحايا التعذيب على الرعاية وإعادة التأهيل بالنسبة للإصابات الجسمانية. فهي تضم أشخاصاً متمرسين في كثير من المجالات من ممرضين، وأطباء، وأخصائيي علاج طبيعي، وأطباء نفسيين وكثيرين غيرهم. وتسمح مراكز العلاج للناجين من التعذيب بالتعبير عن شكاواهم وغضبهم في مناخ يعلمون أنهم سيكونون آمنين فيه وأن ما تعرضوا له سيلقى احتراماً وتصديقاً.
فعلى سبيل المثال، حضر رجل عراقي إلى “المؤسسة الطبية لضحايا التعذيب” في لندن بالمملكة المتحدة، شاكياً من آلام في رأسه وظهره. وكثيراً ما كان يتمنى لو يستطيع أن يقدم على الانتحار، وخاصة في أيام الثلاثاء. فلم تكن أيام الثلاثاء محتملة بالنسبة له. وخلال علاجه كشف عن أن ابنه وشقيقه أُعدما يوم الثلاثاء، وأنه أُجبر على مشاهدة ذلك. وحينما طلب تقبيل جثة ابنه تعرض للضرب بوحشية. وكان من بين وسائل العلاج التي خضع لها قضاء يوم الثلاثاء وحده في غرفة يفكر في ابنه محاولاً تذكّر ملامحه وذكرياتهما معاً. وكانت تلك خطوة مهمة في سعيه لإدراك أن شعوره بالذنب والعجز في غير محله، وأنه لم يكن بمقدوره عمل شيء لإنقاذه ابنه، وأنه يستطيع الآن أن يطوي ذكرى ابنه. والعلاج بالنسبة للمعالج والضحية على السواء هو رحلة، إذ ينبغي أن يكون إبداعياً بقدر سعة حيلة زبانية التعذيب في ابتكار أساليب ممارسة القسوة.
“في الداخل شعرت أنه لا يوجد شيء أعيش من أجله. كنت على شفا الاستسلام. فبعد كل ما قاسيته استبد بي الاكتئاب الشديد… وكان العاملون في المؤسسة الطبية هم الذين أقنعوني بالمقاومة. جعلوني أدرك أنه إن لم أفعل ذلك فسيكون من عذبوني قد فازوا بمرادهم.”
أحد الناجين من التعذيب في كينيا
ظروف الاحتجاز القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
عندما يُسأل السجناء عن أكثر مشاكلهم حدةً يجيبون عموماً بأنها اكتظاظ الزنازين، ونقص الغذاء والرعاية الطبية، وعدم كفاية المراحيض، والعنف، والعقاب التعسفي، والحرمان من الاتصال بالأسرة. وفي كل الحالات تقريباً التي تكون فيها ظروف السجن متدنية إلى حد تُعد معه من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، تشمل هذه الظروف مجموعة من تلك العناصر تمارس فعلها مجتمعة.
“هذا المكان أسوأ من حظيرة الخنازير. خزانات المياه في حالة بالغة السوء إلى حد تتفشى معه الأمراض بمعدل مفزع، بل وتؤثر على المجتمع المحلي الذي يعيش قرب السجن. والحبس الانفرادي يُستعمل دون تمييز. يكون المرء محظوظاً إن خرج من هنا حياً، فالظروف هنا تمثل وحدها خطراً كبيراً على الصحة العقلية والجسمانية للسجناء بغض النظر عن التعذيب الذي يلحقه بهم ضباط السجن ممن لم ينالوا أي قسط من التدريب على الإطلاق.”
كان هذا مقتطفاً من رسالة بعث بها إلى منظمة العفو الدولية السجناء في سجن روجيه في جو بيسوا بولاية بار بالبرازيل في إبريل/نيسان 1998، بعد أن مُنع مندوبون من المنظمة من دخول السجن والتحدث إلى السجناء. وهي تصف ظروفاً ومعاملة مطابقة للأوضاع التي تعمل منظمة العفو الدولية على لفت الأنظار إليها ـ بيئة غير صحية لمعيشة الإنسان، ونقص الرعاية الطبية والتطبيق التعسفي للعقاب. والحياة في مثل هذه السجون غير صحية، وحاطة بالكرامة، وخطيرة. وكثيراً ما تكون النتيجة احتجاجات، وحالات هروب جماعي، ومواجهات عنيفة.
وتتفشى صنوف التعذيب والمعاملة السيئة والإهمال المتعمد بين جدران السجون في كثير من البلدان. وقد يجتمع الثلاثة فتتحول عقوبة السجن بالنسبة لبعض السجناء إلى عقوبة بالإعدام.
|
تفيد دراسة لمنظمة العفو الدولية بورود أنباء عن وجود ظروف الاحتجاز التي تُعتبر معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة في 90 دولة وانتشارها على نطاق واسع في أكثر من 50 دولة. |
وتتعلل بعض الحكومات بنقص الموارد كسبب لعدم قدرتها على تحسين الظروف في السجون وغيرها من أماكن الاحتجاز. إلا إنه متى توفرت الإرادة السياسية فبإمكان أي حكومة تحسين الظروف في مجالات مهمة. فبعض التحسينات، مثل السماح بزيارات الأسر، والسماح بالوصول إلى مواد القراءة أو بقضاء فترات أطول خارج الزنازين لا تكلف شيئاً تقريباً. وتمثل تحسينات أخرى مثل، إجراء إصلاحات في نظام العدالة الجنائية جزءاً من سلامة أسلوب الحكم، ووسيلة في الوقت نفسه لمعالجة مشكلة الاكتظاظ المزمنة.
ففي الولايات المتحدة، التي تتمتع بأقوى اقتصاد في العالم، تعاني بعض المنشآت العقابية من النقص الشديد في التمويل، واكتظاظ الزنازين، ونقص العاملين، الأمر الذي يخلق ظروفاً خطيرة وغير إنسانية. وفي كثير من تلك المنشآت بات العنف راسخاً. وفي بعض الحالات يتقاعس الحراس عن منع النزلاء من الاعتداء على بعضهم البعض. وفي حالات أخرى يكون الحراس هم من يمارسون الانتهاكات، فيضربون ضحاياهم أو يعتدون عليهم جنسياً. وفي السنوات الأخيرة أثارت عدة سجون من نوع جديد، أقيمت بتكاليف كبيرة، مجموعة مختلفة من بواعث القلق. ففي تلك المنشآت التي يُطلق عليها “السجون ذات الحراسة القصوى” يخضع السجناء للعزلة الشديدة والحرمان من التمتع باستخدام الحواس. فهم يقضون في العادة ما بين 22 و24 ساعة في اليوم محبوسين في زنازين صغيرة انفرادية، يأكلون فيها وينامون ويقضون حاجتهم. وفي عام 1995، قالت “اللجنة المعنية بحقوق الإنسان” التابعة للأمم المتحدة، وهي هيئة من الخبراء ترصد تنفيذ “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” من جانب الدول الأطراف، إن الظروف في بعض “سجون الحراسة القصوى” الأمريكية “لا تتفق” مع ما أحكام المادة 10 من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”. وتقضي هذه المادة بأن “يُعامل جميع الأشخاص المحرومين من حرياتهم معاملة إنسانية مع احترام الكرامة المتأصلة في الإنسان.”
وقد تكون العزلة لفترات طويلة ذات أثر بالغ الضرر بالإنسان. فعلى سبيل المثال، قالت سجينة سابقة احتُجزت بمعزل عن العالم الخارجي لفترة طويلة في كوريا الجنوبية (جمهورية كوريا) لمنظمة العفو الدولية بعد الإفراج عنها عام 1997: “في السنة الثالثة لسجني لم أعد أستطيع تذكر أسماء أصدقاء مقربين وأفراد من أسرتي والكلمات الدارجة التي تُستخدم في الحديث اليومي. وكنت أعاني من صعوبة في الكلام أثناء ساعات الزيارة. حاولت أن أقرأ بصوت مرتفع وأن أغني لمدة ساعة يومياً، لكن سرعان ما كان صوتي يُبح…”
وتتضمن “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء” الصادرة عن الأمم المتحدة قواعد تفصيلية لمعاملة السجناء والمحتجزين. وهناك أيضاً معايير دولية تنظم معاملة فئات بعينها مثل الأطفال. ولا يُعد كل انتهاك لهذه القواعد بالضرورة معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة. وفي الحالات التي تعمل منظمة العفو الدولية على لفت الأنظار إليها، حيث تتقاعس الدولة عن القيام بمسؤوليتها تجاه ضمان الحرية من التعذيب والمعاملة السيئة، تكون الانتهاكات لتلك القواعد إما متعددة وإما جسيمة على نحو خاص.
ولا يسلم أي نظام للعدالة الجنائية من التعرض للضغوط السياسية أو الاقتصادية أو لضروب التحيز. فعلى سبيل المثال، من شأن إلقاء المسؤولية عن مشاكل المجتمع على عاتق المشتبه فيهم جنائياً والمجرمين المدانين أن يزيد لا مبالاة الرأي العام تجاه محنتهم في السجن. لكن حق الإنسان في ألا يتعرض للتعذيب أو المعاملة السيئة لا ينتهي عند باب السجن. فأي انتقاص من الحقوق الإنسانية الأساسية لبعض الأشخاص يقوض حقوق سائر أفراد المجتمع.
|
لاوس
“أنا مريض للغاية… لا أستطيع أن آكل شيئا. لا أستطيع النوم. فأنا أتأوه من الألم طوال الوقت.
وفي مارس/آذار عام 1998، وصلت رسالة من أحد السجينين إلى منظمة العفو الدولية، وكانت بتاريخ يناير/كانون الثاني 1998 وجاء فيها: “…السلطات الاستبدادية تستخدم أساليب الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي بما فيها حظر زيارات الأسر والحرمان الكامل من أي رعاية طبية… هذا الوضع عموماً هو السبب في وصولنا الآن إلى الحالة المرضية المزدوجة وتدهور حالتنا… وفي يوم 11 يناير (كانون الثاني) 1998 جاء رئيس ‘السجن 7′ بنفسه ليعاين حالتنا الصحية المتدهورة، ومن ثم فهو يعلم بحقيقة تدهور حالتنا… ثم سألنا عن مخصصاتنا من الغذاء، لأننا لم نتلق طوال الأشهر الثلاثة أو الأربعة الماضية سوى كميات قليلة من الأرز من نوعية رديئة، ولم يعد أي منا قادراً على تحمل هذا الحرمان الذي لا ينتهي.”
وبعد ذلك بأقل من شهر توفي ثونغسوك سايسانغخي، وهو صديق وزميل في السجن لفينغ ساكشيتافونغ ولاتسامي خامفوي. وكان يعاني هو أيضاً من الذبحة ومشاكل الكليتين. |
حماية الفارين من التعذيب
التعذيب ظاهرة عالمية وهناك القليل من الدول التي لم يسع فيها الناجون من التعذيب لطلب اللجوء. وتشير بعض التقديرات إلى أن ما بين 20 و30 في المئة من لاجئي العالم، البالغ عددهم 15 مليوناً، هم من ضحايا التعذيب (33).
والملاحظ أن اللاجئين، الذين فروا من بلادهم خشية التعذيب، لهم الحق من الناحية النظرية في التمتع بالحماية الدولية، وينبغي منحهم حق اللجوء، وحمايتهم بذلك من إعادتهم إلى معذبيهم. أما في الواقع العملي فإن ذلك لا يتحقق في كثير من الأحيان.
فعلى سبيل المثال، طلبت موثوثامبي فانيثا، وهي شابة من سريلانكا، اللجوء في فرنسا. ورُفض طلبها ورُحلت إلى سريلانكا في أكتوبر/تشرين الأول عام 1998. وألقت الشرطة السريلانكية القبض عليها لدى وصولها، وأطلق سراحها، ثم اعتُقلت من جديد بعد فترة قصيرة. وزارتها أمها في مركز شرطة كوتاهينا في كولومبو، وقالت موثوثامبي فانيثا إنها تعرضت للضرب بأنابيب حديدية وأن ساقيها متورمتان بسبب حرمانها من الذهاب للمرحاض. وقالت إنه بعد أن زارها محام صفعها رجال الشرطة على وجهها وضربوها في كل أنحاء جسمها. وأنذروها أنها ستُعلق في وضع مقلوب وتُعذب بصورة مستمرة إن هي أقدمت على الشكوى.
ووفقاً للقانون الدولي الخاص باللاجئين فقد كان من الواجب توفير الحماية لموثوثامبي فانيثا وعدم إعادتها إلى سريلانكا.إذ تقضي اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 (اتفاقية اللاجئين) والبروتوكول الملحق بها لعام 1967، بأنه لا يجوز إعادة أي شخص بصورة قسرية إلى بلد قد يكون عرضة فيه لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتوفر “اتفاقية اللاجئين” الحماية للأشخاص الذين لديهم “مخاوف من الاضطهاد تستند على أسس قوية” بما في ذلك التعرض للاضطهاد على أيدي جهات من غير الموظفين الرسميين. وبطبيعة الحال، فإن التعذيب والمعاملة السيئة يقعان مباشرة داخل نطاق ما يُعتبر اضطهاداً.
وتوفر معاهدات حقوق الإنسان الدولية الأخرى الحماية للأشخاص من إعادتهم إلى أماكن قد يتعرضون فيها للخطر. إذ تحظر “اتفاقية مناهضة التعذيب” على وجه التحديد طرد أي شخص، أو إعادته، أو تسليمه إلى “دولة أخرى إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون عرضةً لخطر التعذيب”. وبخلاف “اتفاقية اللاجئين” التي تستثني بعض الأشخاص من الحماية كلاجئين بسبب أنشطتهم السابقة (مثل ارتكاب جرائم خطيرة)، فإن “اتفاقية مناهضة التعذيب” تنص على أنه لا يجوز إعادة أي شخص أياً كان إلى بلد يكون فيه عرضةً للتعذيب.
وحين يتمكن شخص من الهرب من بلاده ويتقدم بطلب الحصول على اللجوء في دولةٍ ما فإن هذه الدولة هي التي تتخذ قرار منح وضع اللاجئ. لكن استعداد الحكومات لمنح حق اللجوء تراجع بشدة في الأعوام الأخيرة. وتكرس كثير من الحكومات طاقاتها لإبعاد اللاجئين عن حدودها أو تعاملهم بقسوة على أمل إثناءالآخرين عن طلب اللجوء. بل إن بعض الدول التي درجت على استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، أصبحت تردهم الآن على أعقابهم بسبب تقاعس المجتمع الدولي عن المشاركة في تحمل المسؤولية عن حماية اللاجئين ودفع تكاليفها. وتميل كثير من الدول بشكلٍ مطرد إلى تفسير “اتفاقية اللاجئين” تفسيراً ضيقاً. والنتيجة هي إعادة الفارين من التعذيب إلى من يذيقونهم ويلات الاضطهاد.
وقد تقدم بعض طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم بالتماسات إلى “لجنة مناهضة التعذيب “التابعة للأمم المتحدة، وهي لجنة من الخبراء ترصد مدى التزام الدول بأحكام “اتفاقية مناهضة التعذيب”. فعلى سبيل المثال طلبت بولين موزونزو باكو كيسوكي، وهي عضو في حزب معارض في زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية الآن)، اللجوء في السويد. وقالت إنها فرت من سجن في زائير حيث احتُجزت مدة تزيد على العام، واغتُصبت أكثر من عشر مرات، وتعرضت باستمرار للضرب بسياط مصنوعة من إطارات السيارات وبالعصي، وأُحرقت بلفافات التبغ المشتعلة. ورفضت السلطات السويدية طلبها لوجود تناقضات وعدم اتساق في روايتها، وقالت إن الظروف في زائير تحسنت بقدر يسمح بإعادتها. وخلصت” لجنة مناهضة التعذيب”، في عام 1996، إلى أنها ما زالت معرضة لخطر التعذيب في حال إعادتها، وأنه يجب على السويد ألا تعيدها. ولاحظت اللجنة أن “الدقة التامة أمر نادر عند ضحايا التعذيب” (34) وبعد نضال نشيط من جانب المنظمات غير الحكومية وافقت السلطات السويدية على السماح لها بالبقاء في السويد.
وتستطيع “لجنة مناهضة التعذيب” توفير الحماية لعدد صغير من الأفراد الذين تُرفض طلبات اللجوء التي يتقدمون بها، لكن هذا لا يمكن أن يكون بديلاً عن وجود إجراءاتٍ عادلةٍ ووافيةٍ على المستوى الوطني لمعالجة طلبات اللجوء. وفي الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 1990 وسبتمبر/أيلول 1999، أدلت اللجنة برأيها في 34 حالة (35)، ولكن هناك ما يربو على المليون من طالبي اللجوء في شتى أنحاء العالم. كما أنه لا يمكن للجنة النظر إلا في الالتماسات المقدمة من أشخاص في دول أصدرت إعلاناً بموجب المادة 22 من الاتفاقية يسمح بتلقي ونظر شكاوى الأفراد. وحتى يوليو/تموز 2000، لم تكن سوى 41 دولة فقط قد أصدرت مثل هذا الإعلان.
وكثيراً ما يواجه اللاجئون الفارون من انتهاكات حقوق الإنسان المزيد من المخاطر خلال محاولتهم الهرب. فعلى سبيل المثال، فرت مجموعة مؤلفة من نحو 1100 من أبناء أقلية كارين العرقية في ميانمار إلى تايلاند عام 1997، بعد أن دمرت قوات الأمن البورمية منازلهم وهجَّرت قسراً عدداً من أفراد طائفتهم إلى أماكن أخرى في البلاد. وأمرتهم السلطات التايلاندية بالعودة إلى ميانمار وقام جنود تايلانديون بجر الناس من ملاجئهم وركلوهم وضربوهم بأعقاب البنادق. وخلال حالة الذعر التي سادت بين اللاجئين قُتل رضيع عمره ثلاثة أيام بعد أن سقط على الأرض ودق عنقه.
وحتى عندما يصل اللاجئون إلى دولة “آمنة” فإن هذا لا يعني بالضرورة أنهم أصبحوا في مأمنٍ تماماً. فالدول تتنصل من التزاماتها بحماية اللاجئين، وتنتهك بصورة مطردة الحقوق الإنسانية لطالبي اللجوء، في مسعى للضغط عليهم حتى يتخلوا عن طلب اللجوء ولمنع آخرين من سلوك نفس السبيل. وفي كثير من البلدان يتم احتجاز طالبي اللجوء لأجلٍ غير مسمى لأسباب تخرج عن تلك التي تسمح بها المعايير الدولية، التي تنص على وجوب تجنب الاحتجاز في الأحوال العادية. وفي كثير من الأحيان يُحتجز طالبو اللجوء في ظروف تُعتبر من ضروب المعاملة السيئة، إذ يُحتجزون في زنازين غير صحية ومكتظة. ويجري تقييدهم وحبسهم مع السجناء الجنائيين ويتعرضون لاعتداءات بدنية وجنسية. وتتزايد حالات الإضراب عن الطعام احتجاجاً على ظروف الاحتجاز القاسية، وكذلك حالات الانتحار.
ومادام التعذيب متفشياً في شتى أنحاء العالم، فسوق يستمر المزيد من الرجال والنساء والأطفال في السعي للجوء هربا منه. ومن ثم، فإن المساعي الرامية لتوفير الحماية لهؤلاء النازحين تُعتبر جزء لا يتجزأ من النضال ضد التعذيب.
|
النمسا
تُوفي ماركوس أوموفوما، وهو مواطن نيجيري جرى ترحيله قسراً من النمسا، بعد أن فقد وعيه على متن طائرة في 1 مايو/أيار 1999. |
مكافحة التعذيب: خطة عمل
“تثير منظمة العفو الدولية ضجة كبيرة بشأنكم. لن نمسسكم بسوء.” تلقى خمسة معتقلين سياسيين هذا التأكيد غير المألوف من ضباط أمن أتراك بعد أيام من قيام منظمة العفو الدولية بحشد أنصارها في شتى أنحاء العالم من أجل إرسال مناشدات “تحرك عاجل” إلى السلطات التركية لكي لا تؤذيهم. وعلى خلاف ما حدث لكثير من السجناء الآخرين الذين احتُجزوا في ظروف مماثلة في تركيا، لم يتعرض هؤلاء الخمسة، الذين اعتُقلوا في مارس/آذار 2000، للتعذيب أثناء احتجازهم لدى قوات الشرطة والدرك.
ويندر أن يعلم من يقومون بتحرك لمناهضة التعذيب أن جهودهم قد أثَّرت تأثيراً مباشراً. فعادةً ما يحدث التغيير ببطء وبالتدريج، وكثيراً ما يأتي نتيجة لجهود مجموعات وهيئات متنوعة ذات جمهور متنوع. وعمل منظمة العفو الدولية هو في العادة مجرد جزء صغير من جهد أوسع كثيراً. ومع ذلك، فقد شهدت بعض البلدان تراجعاً في ممارسة صنوف التعذيب والمعاملة السيئة، بشكلٍ مؤقتٍ على الأقل، إثر دعايات ونداءات وجهتها منظمة العفو الدولية. وفي بلدان أخرى، نفذت السلطات توصيات منظمة العفو الدولية مثل تحسين التحقيقات الرسمية في مزاعم التعذيب أو إدراج تعليم حقوق الإنسان في برامج تدريب الشرطة.
وفي بعض البلدان، أدت أنشطة منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان إلى إدخال تغييرات في القانون، مثل تعريف التعذيب كجريمة، فضلاً عن إصلاحات قضائية وإدارية. وعلى سبيل المثال فقد أُخذت بعين الاعتبار انتقادات بعض المنظمات الدولية خارج البرتغال، وذلك عند إنشاء إدارة التفتيش العامة بوزارة الداخلية البرتغالية في عامي 1996 و1997، وكذلك عندما وضعت السلطات البرتغالية لوائح جديدة تنظم ظروف الاحتجاز في المنشآت التابعة للشرطة. وأُنشئت لجان وطنية لحقوق الإنسان وهيئات للتحقيق في الشكاوى في عدد من البلدان استجابة لضغوط المنظمات غير الحكومية. وكثيراً ما يكون بوسع هذه المؤسسات أن تتحرك بصدد حالات تعذيب فردية وأن تتصدى لقضايا أوسع.
ومن الممكن أن يساعد نشاط منظمة العفو الدولية على حفز التحرك المحلي. ومن ذلك، على سبيل المثال، ما حدث بعد أن نشرت منظمة العفو الدولية تقريرها المعنون: “التعذيب في روسيا، جحيم من صنع الإنسان” في عام 1997،(29) حيث شكّلت عدة منظمات محلية غير حكومية ائتلافاً ضد التعذيب، وفي وقت لاحق من ذلك العام ألغى الرئيس الروسي مرسوماً يجيز الاحتجاز بمعزلٍ عن العالم الخارجي لفترة تصل إلى شهر. وفي كينيا عملت منظمة العفو الدولية مع عدد من المنظمات المحلية غير الحكومية التي ينصب اهتمامها على حالات التعذيب. وأسفر العمل المتواصل في أوساط الأطباء عن إنشاء لجنة دائمة لحقوق الإنسان داخل نقابة الأطباء الكينية، وهي لجنة تركِّز على حالات التعذيب. وبذلت منظمة العفو الدولية جهوداً للتوعية مع الحكومات المانحة بخصوص مدى تفشي التعذيب والمعاملة السيئة، حيث مارست تلك الحكومات ضغوطاً على الحكومة الكينية من أجل تنفيذ تحسينات، كما قامت بتمويل المنظمات غير الحكومية المحلية التي تعمل في مجال مكافحة التعذيب. ونتيجة للنضال على المستويين الوطني والدولي، صدّقت الحكومة الكينية على “اتفاقية مناهضة التعذيب” في عام 1997.
وينصب القسط الأكبر من عمل النشطاء المناهضين للتعذيب على مساعدة الأفراد. ويتطلب هذا أحياناً محاولة حماية الأشخاص المحتجزين من التعذيب. كما يعني أحياناً التحرك من أجل إيقاف التعذيب متى بدأ. وفي أحيان أخرى يشمل مساعدة ضحايا التعذيب في الحصول على الإنصاف من خلال إعادة تأهيلهم أو مساعدتهم قانونياً في العمل على تقديم مرتكبي التعذيب لساحة العدالة.
ففي بوليفيا، مثلاً، زار وفد من منظمة العفو الدولية سجينين احتُجزا في زنازين انفرادية مخصصة للعقاب داخل سجن شونشوكورو المشدد الحراسة في لاباز في يونيو/حزيران 2000. وكان السجينان قد تعرضا للضرب المبرح على أيدي الحراس في موقع قريب من مكتب مدير السجن، وكانا يخشيان على حياتهما، إذ كان سجينان آخران قد قُتلا الليلة السابقة. وأصدرت منظمة العفو الدولية نداءاً للتحرك العاجل من أجل الرجلين اللذين روعهما الخوف، وخلال ساعات كانت المناشدات من شتى أنحاء العالم تنهال على السلطات. وقام موظفون بسفارة البرازيل بزيارة السجينين (أحد الرجلين برازيلي الجنسية) وعُقِد مؤتمر صحفي لتوجيه الأنظار إلى صور التعذيب والمعاملة السيئة داخل السجن. وفي نهاية يوليو/تموز 2000، كان الرجلان لا يزالان في الحبس الانفرادي بيد أن السلطات أصبحت تدرك تماماً مسؤوليتها عن سلامتهما وتركز الانتباه الدولي على القضية.
وفي بوروندي، حيث يتعرض المحتجزون للتعذيب في العادة، اتُهم جان ميناني بالاشتراك في قتل ضابط جيش. وتمثل الدليل الوحيد ضده في اعترافه وأقوال شاهدة، وقد انتُزع الاعتراف والشهادة كلاهما تحت وطأة التعذيب. وساعدت منظمة العفو الدولية جان ميناني من خلال تقديم صور فوتوغرافية وأدلة أخرى على التعذيب للمحكمة التي نظرت القضية بعد ذلك بثلاث سنوات. وفي المحكمة، تراجعت الشاهدة عن أقوالها قائلة إنها شهادة زور اضطرت لتقديمها خوفاً. وبُرئت ساحة جان ميناني في نهاية الأمر لأن المحكمة قضت بعدم الاعتداد بالأدلة الموجهة ضده. وهو يسعى حالياً للحصول على تعويض عما تعرض له من الاحتجاز غير القانوني والتعذيب.
وقد اكتسب عمل المنظمات غير الحكومية ضد التعذيب زخماً كبيراً خلال العقود الأخيرة. وظهر إلى حيز الوجود كثير من منظمات حقوق الإنسان المحلية والوطنية التي تدين ممارسة التعذيب وتعمل على حماية الضحايا. واستكمالاً لجهودها، تكونت منظمات غير حكومية دولية جديدة تتناول التعذيب من جوانب مختلفة. وشكلت ست منظمات غير حكومية دولية “ائتلاف المنظمات غير الحكومية الدولية المناهضة للتعذيب”(30)، وهي تعمل معاً من أجل تعميم التصديق على “اتفاقية مناهضة التعذيب” ورفع الوعي من خلال تنظيم أنشطة حول “اليوم العالمي لدعم ضحايا التعذيب” الذي أقرته الأمم المتحدة، وهو يوم 26 يونيو/حزيران من كل عام.
كما ظهرت روح نضالية جديدة وشعور بوحدة الهدف بين المنظمات غير الحكومية المناهضة للتعذيب، وذلك على إثر مؤتمر دولي عقدته منظمة العفو الدولية في ستوكهولم عام 1996. وقد كان المؤتمر بمثابة مرحلة جديدة في النضال ضد التعذيب تتمثل في إدراك أنه ما دامت الحكومات لم تقم بواجبها في وقف التعذيب، فقد حان الوقت لكي تأخذ المنظمات غير الحكومية زمام المبادرة. وكانت إحدى توصيات المؤتمر أن تقوم المنظمات غير الحكومية الوطنية في كل بلد بوضع خطط شاملة من أجل القضاء على التعذيب، تشمل الإصلاح القانوني والمؤسسي وتوفير التدريب للعاملين في مجال تطبيق العدالة. كما دعا المؤتمر إلى سن تشريعات وطنية شاملة تحظر التعذيب، وتشمل ضمانات ضد التعذيب أثناء الاحتجاز، وتوفر الحق في الحصول على الإنصاف للضحايا وذويهم.
|
إيران
أُلقي القبض على أكبر محمدي في طهران في يوليو/تموز 1999 خلال مصادمات بين الطلاب وقوات الأمن. وقد احتُجز في البداية بمعزل عن العالم الخارجي في توحيد تحت ولاية وزارة المخابرات قبل ترحيله إلى سجن إيفين في مارس/آذار 2000. |
بناء الاستراتيجية
لقد بات واضحاً أنه يتعين خوض المعركة ضد التعذيب على المستويات المحلية والوطنية والدولية. فالتدخل الدولي قد يدعم المبادرات المحلية ويعززها، إلا إنه لا يمكن أن يحل محلها. وعندما تتقاعس الحكومات عن تلبية مقتضيات التزامها بالقضاء على التعذيب لا بد أن يأخذ دعاة حقوق الإنسان وغيرهم زمام المبادرة.
وتسعى منظمة العفو الدولية، كجزء لا يتجزأ من عملها اليومي، إلى حماية الضحايا الأفراد من التعذيب والضغط من أجل إحداث تغييراتٍ أعمق وأبعد أمداً . وخلال هذه الحملة الدولية لمناهضة للتعذيب، سيضاعف أعضاء منظمة العفو الدولية وأنصارها جهودهم ويقيمون تحالفاتٍ جديدة لتعزيز النضال من أجل استئصال شأفة التعذيب. وسوف ينضم أعضاء منظمة العفو الدولية جميع بقاع الأرض، بدعم من الأمانة الدولية للمنظمة، إلى المنظمات غير الحكومية المحلية في العمل على وضع استراتيجيات وطنية لمكافحة التعذيب. ويتمثل الهدف في إقامة روابط مع جماعات حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات المستعدة للمشاركة مثل الجماعات الدينية والنقابات والمجموعات النسائية والروابط المهنية. فجميع هذه المنظمات لديها قدرات وخبرات مكملة. وستكون هذه المنظمات معاً ومع منظمة العفو الدولية في وضع جيد يسمح لها بالتعرف على المشكلات المحددة المتصلة بالتعذيب في بلدانها أو مجتمعاتها المحلية، وتقدير أفضل السبل وأكثرها فعالية لممارسة الضغوط من أجل تحقيق تغيير إيجابي، وبالتالي وضع استراتيجية جماعية للتحرك.
ولن تكون هناك استراتيجية واحدة قابلة للتطبيق في كل حالة. ويمكن للاستراتيجيات الوطنية أن تشمل عناصر متنوعة، مثل النضال من أجل الإصلاح القانوني والمؤسسي، وحث الحكومات على التصديق على معاهدات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية، ورفع الوعي بين صفوف الجمهور العام، وتعليم حقوق الإنسان، وقيام المنظمات الشريكة بالتحرك في حالات فردية (والجدير بالذكر أنه لا يجوز لمجموعات منظمة العفو الدولية عامةً القيام بتحركاتٍ تتعلق بحالات فردية في بلدانها).
ففي بيرو مثلاً، بدأ تجمع من 61 جماعة لحقوق الإنسان، يُسمى “هيئة التنسيق الوطنية لحقوق الإنسان”، حملة على الصعيد الوطني ضد التعذيب في أواسط عام 1999. وكان العنف السياسي في بيرو قد انحسر كثيراً خلال الفترة السابقة، إلا إن صنوف التعذيب والمعاملة الوحشية للسجناء الجنائيين والسياسيين على أيدي الشرطة ظلت متفشية. وقد ضمت “هيئة التنسيق” منظمات لديها أنصار متنوعين وجداول عمل مختلفة، مثل الجماعات النسائية التي تركز على العنف الأسري وجماعات حقوق الإنسان الأخرى (ومن بينها فرع منظمة العفو الدولية ببيرو). وقد بدأت هذه الجماعات حملة للتعليم العام حول شعار “لا يحق لأحد أن يسيء معاملة أحد ـ لا الزوج ولا المعلم ولا الشرطة”، . وخلال الحملة، تستخدم جماعات حقوق الإنسان المحلية وغيرها من الجماعات مزيجاً من أساليب الحوار والاستمالة للحصول على تعهدات من الشرطة ورؤساء البلديات بوقف تعذيب السجناء وإساءة معاملتهم. كما تُوجه مناشدات إلى قادة الشرطة ورؤساء البلديات في شتى أنحاء بيرو لكي يعلنوا مناطقهم “مناطق خالية من التعذيب والمعاملة السيئة”.
وستتواصل علاقات العمل، التي ترسخت خلال الكفاح ضد التعذيب، بعد انتهاء حملة منظمة العفو الدولية المكثفة على النطاق العالمي لمناهضة التعذيب. كما أن الاستراتيجيات التي وضعت لمكافحة التعذيب في كل بلد على حدة سوف تعزز عمل منظمة العفو الدولية لسنوات قادمة.
تعذيب النساء
شهد القرن الأخير خطوات إيجابية بشأن النضال من أجل الحقوق الإنسانية للمرأة. ومع ذلك، فما زال النساء يُعاملن كمواطناتٍ من الدرجة الثانية نتيجة للتمييز المتفشي في كل مكان. فعلى الرغم من كل المكاسب التي تحققت في العقود الأخيرة فما زال النساء أقل تمثيلاً إلى حد بعيد في الحياة السياسية، وما زلن يتحملن العبء المزدوج المتمثل في العمل ورعاية الأطفال، ويملكن ويكسبن أقل من الرجال، ويُحرمن من تكافؤ الفرص في التعليم، والتوظيف، والرعاية الصحية.
وكثيراً ما يتخذ التمييز ضد النساء أشكالاً عنيفة. فالنساء يتعرضن للاغتصاب على أيدي القوات المسلحة باعتبارهن “غنائم حرب”. كما يتعرضن لتشويه أعضائهن التناسلية باسم التقاليد والعادات، ويُجلدن أو يُقتلن باسم الشرف، ويُروعن من خلال أشكال العنف الأسرى.
وسواء لحق هذا العنف بالنساء في الحجز أو في المجتمع المحلي أو في البيت فهو وثيق الصلة في كل الحالات بوضع التبعية الذي تعيشه النساء في المجتمع. فالعنف ضد المرأة كما أوضحت المواثيق الدولية(19) هو مظهرٌ لعلاقات القوة غير المتكافئة بين النساء و الرجال، وأداة في الوقت نفسه لاستمرار إخضاعهن.
وفي بعض الأحيان يتعرض النساء للانتهاكات على أيدي مسؤولين رسميين. فالاغتصاب مثلاً أداة شائعة للتعذيب في حجز الشرطة أو الجيش. لكن جانباً كبيراً من العنف الذي يواجهه النساء في الحياة اليومية يقع على أيدي رجال معروفين لهن مثل أصحاب العمل أو أفراد الأسرة أو الجيران. وبالإضافة إلى ذلك، فقد يمثل كثير من أشكال العنف ضد النساء في البيت وفي المجتمع المحلي ضرباً من ضروب التعذيب أو المعاملة السيئة. وفي هذه الأحوال كثيراً ما يكون الأذى الذي يلحق بالنساء هو نفس الأذى الذي يلحق بمن يتعرضن للتعذيب في الحجز أو يكون مماثلاً له. وقد يكون الغرض منه مماثلاً أيضاً. وقد لا يكون مرتكبو الانتهاكات مسؤولين رسميين، لكن تقاعس الدولة عن القيام بأي تحرك عامل رئيسي يسمح باستمرار العنف ضد النساء. غير أن الحكومات مسؤولة عن حماية النساء وضمان حقهن في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أياً كان السياق الذي تقع فيه هذه الانتهاكات .
العنف ضد النساء بموجب القانون
التمييز ضد المرأة منصوص عليه في قوانين كثير من الدول. وفي بعض الحالات يتعرض من يخالفن القوانين القائمة على التمييز والتي تقيد حرية النساء في التنقل والتعبير وتكوين الجمعيات لعقوباتٍ تُعتبر من ضروب التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
ففي أواسط يونيو/حزيران 1999، مثلاً، اعتُقل 24 طالباً أثناء قيامهم برحلة خلوية في جامعتهم بالسودان. وأدانتهم محكمة النظام العام “بارتكاب أفعال مخلة بالآداب أو منافية للأخلاق” وانتهاك القواعد الصارمة للزي النسائي، لأن الطالبات ضمن المجموعة كن يرتدين قمصاناً وسراويل وقمصاناً على شكل حرف “تي”، ولأن الطلبة والطالبات كانوا متماسكي الأيدي خلال أداء رقصة تقليدية. وحُكم عليهم بما يصل إلى 40 جلدة لكل منهم بالإضافة إلى دفع غرامة.
وفي أفغانستان ما زالت النساء ملزماتٍ بأن يقرن في بيوتهن بموجب مراسيم “حركة طالبان” التي تحظر عليهن السعي للعمل أو التعليم أو مغادرة البيت بدون رفقة محرم. ويتعرض النساء اللاتي يتحدين هذه المراسيم للمعاملة السيئة بشكل دؤوب. ويُقْدم أفراد من “وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بحكومة طالبان على ضرب النساء في الشوارع بعصي طويلة من الجلد عقاباً على أفعال مثل إظهار الكاحل أو الخروج دون محرم أو الضحك بصوت مرتفع. (كما أن تعرض النساء للتعذيب والمعاملة السيئة لانتهاك أعراف اجتماعية تقيِّد سلوك النساء في بلدان أخرى لا ينص فيها القانون على مثل هذه العقوبات.)
وفي عدة بلدان قد تُطبق العقوبات البدنية، التي تُفرض بموجب أحكامٍ قضائية وتُعتبر ضرباً من التعذيب، على النساء المدانات بالزنا. وفي بعض هذه البلدان تتم الإدانة على أساس قواعد خاصة بالأدلة وإجراءات تتسم بالتمييز.
العنف ضد النساء في الحجز
يشيع في كثير من البلدان استخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي كوسيلة للتعذيب الذي يلحقه مسؤولون رسميون بالنساء. وقد يُستخدم الاغتصاب أو التهديد به لعدة أسباب مثل انتزاع اعترافات أو الترهيب أو الإذلال أو العقاب. وينطوي الاغتصاب دوماً على تعمد إلحاق أذى نفسي شديد بالضحية إلى جانب الأذى البدني. واغتصاب النساء على أيدي مسؤولي السجن أو المسؤولين الأمنيين أو العسكريين هو ضربٌ من التعذيب في كل الأحوال.
وللاغتصاب عواقب مدمرة لحياة المرأة. ففي المجتمعات التي يُعد فيها الزواج الوسيلة الوحيدة لضمان حصول النساء على الموارد الاقتصادية وقبول المجتمع لهن قد يواجه النساء، اللاتي يُعتبرن غير لائقات للزواج نتيجة تعرضهن للاغتصاب، صعوبة اقتصادية شديدة وعزلة اجتماعية. وبالإضافة لخطر الإصابة بالأمراض التي تنتقل عن طريق الجنس بما فيها مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) أو الفيروس المسبب له، فإنه يتعين على كثير من النساء أيضاً مواجهة مشكلة الحمل الناتج عن الاغتصاب. وقد تكون فرصة النساء أقل من الرجال في الوصول إلى الموارد اللازمة لمتابعة دعوى قضائية. وقد تمتنع كثيرات عن خوض هذا السبيل خشية من وصمة العار التي يمكن أن تلحق بهن في المجتمع أو لعدم الثقة في استعداد السلطات للتحقيق في الشكاوى.
فعلى سبيل المثال، احتُجزت الشابتان الكرديتان ن. ك. س. (حُجب اسمها الكامل)، وهي طالبة بالمدرسة الثانوية تبلغ من العمر 16 عاماً، وفاطمة دنيز بولاتاس، وهي طالبة عمرها 19 عاماً، عدة أيام في فرع مكافحة الإرهاب التابع لشرطة الإسكندرونة في تركيا، في مارس/آذار 1999، حيث اتُهمتا بالانتماء إلى جماعة معارضة مسلحة. واحتُجزت المرأتان عاريتين معصوبتي العينين، وحُرمتا من النوم والطعام واستعمال المرحاض. وخلال استجوابهما هددت الشرطة باغتصاب آبائهما ما لم تعترفا. وتعرضت ن. ك. س. للضرب على رأسها وأعضائها التناسلية وردفيها وثدييها، وأُجبرت على التقلب عارية في المياه، ثم عُلقت وأُطلق عليها الماء البارد المضغوط. وتعرضت فاطمة دنيز بولاتاس للكم في وجهها مما أدى إلى كسر إحدى أسنانها. ثم أُجبرت على الانحناء واغتُصبت من فتحة الشرج بجسم وصفته بأنه “طويل ومتعرج”. وفحص خمسة أطباء المرأتين في أوقات مختلفة، لكن لم يبلغ أي منهم عن وجود علامات على تعرضهما للتعذيب. وبدلاً من ذلك تعرضتا “لاختبارات العذرية” (فحص غشاء البكارة) المهينة. وعلى الرغم من أنهما قدمتا شكوى فقد قرر المدعي العام للإسكندرونة عدم تقديم ضباط الشرطة للمحاكمة. وبعد استئناف ذلك القرار، بدأت في أوائل عام 2000 محاكمة أربعة من ضباط الشرطة بتهمة بالتعذيب. ومن النادر في تركيا أن يجري التحقيق في الشكاوى من التعرض للاغتصاب على أيدي الشرطة، أما من يُدانون من الضباط بمثل هذه الجرائم فهم قلةٌ قليلةٌ لا تكاد تُذكر. والقانون التركي من العوامل التي تؤدي إلى تفاقم مشكلة الإفلات من العقاب التي تحيط بالاغتصاب، فهو لا يعرِّف الانتهاكات الجنسية على أنها جريمة في قانون العقوبات، كما يعرِّف الاغتصاب تعريفاً ضيقاً (ولوج القضيب في الفرج)، ومن ثم لا يوفر الحماية للضحايا في الحالات الأخرى مثل حالة فاطمة دنيز بولاتاس.
وفي كثير من أنحاء العالم تؤدي التهديدات وخوف الضحية من التعرض للانتقام إلى تعزيز إفلات مرتكبي جريمة الاغتصاب من العقاب. ففي مارس/آذار 1999، مثلاً، كانت رجاء بيغوم وابنتها غولشام بانو ضمن مجموعة من خمس نسوة اعتقلهن الجنود الهنود في ولاية جمو وكشمير بالهند. وعلى الرغم من ورود أنباء تفيد أن النسوة الخمس جميعاً تعرضن للاغتصاب المتكرر، لم تجرؤ أي منهن، باستثناء غولشام بانو وأمها، على تقديم شكوى من الجنود إلى الشرطة عقب الإفراج عنهن. ونشرت الصحافة أنباء القضية مما أثار احتجاجات عامة. وعلى مدى الشهور التالية تعرضت الأسرة مراراً لتهديدات ومضايقات من جانب أفراد من نفس كتيبة الجيش التي زعمت المرأتان أن أفرادها هم من عذبوهما. وفي مايو/أيار 1999، احتُجزت غولشام بانو ووالداها. وأُفرج عنهما شريطة سحب شكوى الاغتصاب فيما تردد. وورد أن “لجنة حقوق الإنسان” بالولاية تبنت القضية.
كما يتعرض النساء أيضاً لخطر التعذيب أو المعاملة السيئة في السجن. وفي كثير من البلدان لا تلقى احتياجات السجينات سوى الإهمال الجسيم. ومن ذلك مثلاً استخدام القيود دون ضرورة مع المريضات أو الحوامل مما يمثل خطراً بالغاً على صحتهن. وفي بعض البلدان لا توجد منشآت منفصلة للاحتجاز أو السجن خاصة بالنساء مما يزيد من خطر تعرضهن للاغتصاب والانتهاكات الجنسية من جانب النزلاء الآخرين. وقد يُعتبر عدم توفير منشآت احتجاز منفصلة خاصة بالنساء موافقة أو سكوتاً رسمياً عن التعذيب أو المعاملة السيئة. والسجينات اللاتي يشرف عليهن حراس من الذكور، بالمخالفة للمعايير الدولية، يكن عرضة على وجه الخصوص للخطر.
العنف ضد النساء في الصراعات المسلحة
يُمارس اغتصاب النساء على أيدي المقاتلين في الصراعات المسلحة منذ قرون. وما زال الاغتصاب الجماعي لنساء “العدو” سلاحاً مفضلاً في الحرب. وفي الصراعات الأخيرة في يوغوسلافيا السابقة وفي وسط إفريقيا وسيراليون وغيرها، كان الاغتصاب جزءاً من استراتيجية قاسية ومحسوبة لترويع مجتمعات محلية بأكملها وإجبار المدنيين على مغادرة ديارهم. وفي سيراليون ما زال الاغتصاب يُستخدم ضد المدنيين العزل كأسلوب من أساليب ممارسة الصراع المسلح.(20) وكما قال “مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالعنف ضد النساء” فإن “العنف الجنسي ضد النساء يُقصد به إظهار النصر على رجال المجموعة الأخرى الذين فشلوا في حماية نسائهم. إنه رسالة يُعنى بها إخصاء المجموعة المعادية وتجريدها من الرجولة. إنه معركة بين الرجال تُخاض فوق أجساد النساء.”(21)
ويمثل النساء أغلبية اللاجئين والنازحين داخلياً الذين انتزعهم الصراع من ديارهم. وهن معرضات بشدة للاغتصاب والانتهاكات الجنسية عند الحدود (على أيدي الحراس، مثلاً، الذين يطلبون ممارسة الجنس مقابل السماح لهن بالمرور الآمن) وفي مخيمات اللاجئين. وفي تيمور الغربية بإندونيسيا وردت أنباء عن وقوع حالات مورس فيها العنف الجنسي ضد اللاجئات اللاتي فررن من العنف في تيمور الشرقية المجاورة في سبتمبر/ أيلول 1999. وورد أن نساء من تيمور الشرقية أُخذن من مخيمات اللاجئين في تيمور الغربية ليلاً واغتُصبن على أيدي أعضاء ميليشيا موالية لإندونيسيا. وقال لاجئون في تيمور الغربية إن بعض النساء أُجبرن على العمل بالدعارة بينما احتُجزت أخريات في عبودية جنسية من جانب قادة ميليشيات أو ضباط من الجيش الإندونيسي.
وفي غواتيمالا كان الاغتصاب الجماعي للنساء من السكان الأصليين جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الحكومة لمكافحة التمرد خلال الحرب الأهلية. وكان من شأن ذلك أن يدفع “لجنة التوضيح التاريخي”، وهي لجنة رسمية أُنشئت في نهاية الحرب عام 1996 للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت خلال الصراع، إلى الدعوة إلى إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للضحايا، بما في ذلك تقديم الرعاية الصحية في المجتمعات المحلية للمساعدة في التغلب على الأثر الباقي للصدمات النفسية التي عاناها النساء اللاتي تعرضن للانتهاكات ومجتمعاتهن. وبعد انقضاء عدة سنوات لم تكن مثل هذه البرامج قد بدأت.
وقد عززت التطورات الأخيرة في مجال القانون الدولي الآليات القانونية لمكافحة أشكال التعذيب الخاصة بالنوع الجنسي في الصراعات المسلحة سواء ارتكبتها الحكومات أم الجماعات المسلحة. فهناك عدة أحكام أصدرتها المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا مثَّلت إسهاماً مهماً في العمل على وضع حد للإفلات من العقاب على جرائم العنف ضد النساء في الصراعات المسلحة. كما ساهم في ذلك أيضاً صدور “قانون روما” الخاص “بالمحكمة الجنائية الدولية” الذي يعطي المحكمة الولاية في نظر جرائم الحرب من اغتصاب، واستعباد جنسي، ودعارة قسرية، وحمل قسري، وتعقيم إجباري، وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي عندما يُرتكب في سياق صراع مسلح سواء أكان دولياً أم داخلياً. كما يقضي أيضاً بأن مثل هذا المسلك قد يمثل في ظروف محددة جريمة ضد الإنسانية سواء في زمن السلم أم في زمن الحرب.
العنف ضد النساء في المجتمع والبيت
النساء في شتى أنحاء المعمورة عرضة في جميع مراحل حياتهن لأشكال متنوعة من العنف. وهذا العنف، أياً كان الشكل الذي يتخذه، إما يلحق بالنساء لمجرد كونهن نساء وإما يؤثر عليهن أكثر من غيرهن. ومن الصعب تحديد نطاق العنف الذي يلحق بالمرأة في البيت وفي المجتمع المحلي إذ لا يُبلغ في كثير من الأحيان سوى عن جانب من الحالات وليس كلها.
وفي سن الرضاعة والطفولة تكون البنات عرضة لخطر الانتهاكات البدنية والجنسية والنفسية بأشكال مثل سوء التغذية الانتقائي والحرمان من المساواة في الحصول على الرعاية الطبية والعمل بالسخرة والانتهاكات الجنسية داخل الأسرة. وتفيد التقديرات أن زهاء مليوني امرأة وفتاة يتعرضن كل عام لتشويه الأعضاء التناسلية، وهو واحد من كثير من العادات التقليدية الضارة التي ترجع للتمييز على أساس النوع.
ويقع كثير من أكثر أشكال الانتهاكات القائمة على أساس النوع عنفاً داخل الأسرة. ففي الهند، تفيد الأنباء أن ما يربو على خمسة آلاف امرأة يُقتلن سنوياُ على أيدي أزواجهن أو أقارب أزواجهن. وتلاقي كثيرات منهن حتفهن حرقاً في “حوادث” حريق تقع إذا لم تُلب مطالب أزواجهن في الحصول على المهور قبل الزواج وبعده. وفي بنغلاديش تعرضت مئات النساء للإصابة بأشكال من العجز والتشويه في هجمات بالحامض لأسباب مثل رفض عروض الزواج أو عدم القدرة على الوفاء بمطالب المهور. وفي عدة بلدان يتعرض النساء للهجوم أو يُقتلن ويفلت الجناة من العقاب باسم “الحفاظ على شرف العائلة”، ويحدث ذلك مثلاً عندما يُزعم أن المرأة ارتكبت الزنا، أو أنها أحبت شخصاً لا توافق الأسرة عليه، أو أنها جلبت العار على الأسرة بالتعرض للاغتصاب. فعلى سبيل المثال تعرضت جميلة ماندوخل، وهي فتاة في السادسة عشرة من عمرها تعاني من التخلف العقلي، للاغتصاب في مارس/آذار 1999 في باكستان. وعند عودتها إلى مجتمعها المحلي في كورام إيجنسي قرر مجلس قبلي أنها دنست شرف القبيلة وكلَّف شخصاً بقتلها بالرصاص. ولم تتخذ الحكومة أي إجراء في هذا الصدد.
وفي كثير من الأحيان يكون العنف ضد النساء مدفوعاً بقوى اقتصادية واجتماعية تستغل عمل المرأة وجسدها. فهناك ألوف من النساء والفتيات من فئات تعاني حرماناً اقتصادياً يُرسلن إلى الخارج ليعملن خادمات في المنازل حيث يكن عرضة على وجه الخصوص لانتهاكات بدنية وجنسية على أيدي مستخدميهن. وتتعرض ألوف أخريات لمخاطر مماثلة عندما يتم تهريبهن لأغراض الدعارة والعبودية الجنسية.
وخطر العنف الجنسي القائم دائماً ـ سواء في الحجز أو في الصراعات المسلحة أو في المجتمع أو البيت ـ من العوامل الأساسية التي تمنع النساء من التمتع بحقوق الإنسان على قدم المساواة مع الرجال. وإذا كان اغتصاب النساء في الحجز يمر في كثير من الأحيان دون عقاب، فإن ذلك الإفلات من العقاب يمتد ليشمل الاغتصاب في البيت أو المجتمع المحلي.
وتؤدي مجموعة من العوامل إلى تفاقم الصعوبات التي تعترض تقديم مرتكبي جريمة الاغتصاب إلى ساحة العدالة. فبعض البلدان لا تجرِّم بعض أنواع العنف الجنسي (مثل اغتصاب الزوج للزوجة). وفي بلدان أخرى لا تسجل الشرطة الشكاوى أو لا تتابعها بحماس. كما يمكن للقوانين أو التوجهات التي تنطوي على تمييز داخل نظام العدالة الجنائية أن تمنع النساء من تقديم شكاوى. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي القواعد الخاصة بالأدلة والتي تنطوي على تمييز في باكستان إلى احتمال تقديم ضحية الاغتصاب نفسها للمحاكمة بتهمة الزنا أو الضلوع في ممارسات جنسية إذا أقدمت على تقديم شكوى ولم تستطع تقديم أربعة شهود من الذكور المسلمين للشهادة بأن الاتصال الجنسي لم يتم بموافقتها. والمحاكمات في جرائم الاغتصاب قد تعوقها قواعد الأدلة فيما يتعلق بإثبات أن المرأة لم توافق على الاتصال الجنسي، بالإضافة إلى الصعوبات التي تكتنف التدليل على وقوع الجريمة أصلاً. وقد تؤدي ممارسات المحاكم وإجراءاتها إلى تفاقم محنة الشاكية. كما أن العقوبات التي لا تتناسب مع خطورة الجريمة قد توحي بأن العنف ضد النساء يمكن أن يُرتكب دون أن تمتد يد العدالة إلى الجناة.
وفي بعض البلدان لا يجرِّم القانون انتهاكاتٍ من قبيل العنف الأسرى وأشكال أخرى من العنف ضد النساء. وحتى في الحالات التي يجرِّم فيها القانون مثل هذه الأفعال، فإن سلطات إنفاذ القانون والسلطات القضائية تتقاعس في كثير من الأحيان عن التحرك بالدأب الواجب لمنع وقوع مثل هذه الجرائم ومعاقبة مرتكبيها.
وقد حددت المعايير الدولية الخطوات التي يتعين على الحكومات اتخاذها لحماية النساء من العنف في البيت وفي المجتمع المحلي ولضمان حقهن في الحرية من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.(22) ومن هذه الخطوات وضع بنود قانونية وإدارية وغيرها من البنود العقابية المناسبة لتقديم مرتكبي جرائم العنف ضد النساء للمحاكمة ومعاقبتهم وتقديم التعويض والإنصاف الكافيين للضحايا وتطبيق إجراءات فعالة لمنع وقوع هذه الجرائم.
ويرجع الفضل في تعزيز هذه المعايير في السنوات الأخيرة إلى حد بعيد لجهود النشطاء المدافعين عن حقوق المرأة. غير أن القيام بهذا النشاط قد ينطوي على مخاطر كبيرة.
فعلى سبيل المثال، تلقت المحامية الباكستانية المعنية بحقوق الإنسان هينا جيلاني وأختها أسما جهانجير (23) تهديدات بالقتل لعملهما في مجال مكافحة العنف ضد المرأة. ونجت هينا جيلاني بأعجوبة من الإصابة عام 1999 عندما قُتلت في مكتبها موَكَّلة لديها تدعى سامية سروار كانت تسعى للطلاق بعد التعرض للعنف الأسرى لسنوات وكان قتلها بتحريض من أقاربها. ويُظهر مقتل سامية سروار مقدار الجهد الذي ما زال يتعين بذله لضمان حرية النساء من التعرض للتعذيب في جميع مجالات حياتهن.
وقف تجارة التعذيب
“رحل زبانية التعذيب لتوهم ولكن الهول ما زال باقياً. فهناك العمود الذي كان يُستخدم في الجَلد، والنافذة ذات القضبان المتصالبة التي كان يُربط إليها السجناء عراةً لعدة أيام ويُسكب عليهم الماء المثلج خلال الليل. ثم هناك الأسلاك الخاصة بمولد الكهرباء الصغير ـ وقد أراحنا المحققون من رؤية تلك الآلة ونقلوها إلى إسرائيل ـ والذي كان يجعل الضحايا يصرخون من الألم عندما تلمس الأقطاب الكهربية أصابعهم أو أعضائهم التناسلية. وكانت هناك القيود الحديدية التي أعطاني إياها سجين سابق بعد ظهر أمس.
“وقد كُتب بالحفر على القيود الفولاذية: ‘شركة بيرلس للقيود الحديدية، سبرينغفيلد، ماساتشوسيتس. صُنع في الولايات المتحدة الأمريكية.’ وتساءلت وأنا في أكثر سجون إسرائيل إثارة للخزي: هل كان مسؤولو الشركة هناك في سبرينغفيلد يعرفون ماذا يفعلون حين باعوا هذه الأصفاد.
“لقد استُخدمت على مدى سنوات في تقييد أذرع السجناء قبل استجوابهم. وكانت توضع في أيديهم ليل نهار وهم يتعرضون للركل.” (32).
الصحفي روبرت فيسك في وصف معتقل الخيام بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في مايو/أيار 2000.
تتسبب الحكومات والشركات، التي تتولى تدريب وتسليح زبانية التعذيب في شتى أنحاء العالم، في شقاءٍ إنسانيٍ لا يُوصف. وفي مختلف أنحاء العالم يكتنز المنتجون والبائعون الأرباح الطائلة التي يجنونها من التجارة في التعذيب، وفي الكثير الغالب من الحالات كان بإمكان هؤلاء التعويل على تواطؤ الحكومات.
ومعظم صادرات العالم من المواد العسكرية والأمنية تأتي من مجموعة منتقاة من الدول من بينها بلغاريا، والصين، وفرنسا، وألمانيا، وإسرائيل، ورومانيا، وروسيا الاتحادية، وجنوب إفريقيا، وأوكرانيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة. وتضم هذه القائمة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وتبدو بعض الأدوات التي يستخدمها زبانية التعذيب وكأنها ترجع للعصور الوسطى، مثل الأغلال، وقيود القدمين، والملازم الحديدية للضغط على الأصابع، والأصفاد، والسياط. إلا إن الأعوام الأخيرة شهدت توسعاً ملحوظاً في استخدام تكنولوجيا الصعق الكهربائي.
وكثيراً ما يفضل زبانية التعذيب في شتى أنحاء العالم استخدام الصعق الكهربائي في التعذيب، لاعتقادهم أنه لا يترك آثاراً دائمةً على أجساد الضحايا تدل على تعرضهم للتعذيب، وبذلك يقللون من سهولة الكشف عن الجريمة.
فعلى سبيل المثال، اعُقل روبرتو (ليس اسمه الحقيقي) على أيدي قوات أمن الدولة في زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) عام 1991. وبدأ معتقلوه بضربه بالعصين ولكن ضابطاً أمرهم بالكف عن ذلك قائلاً “سيترك ذلك ندوباً وسنتلقى شكاوى من منظمة العفو الدولية.” وأمر رجاله باستخدام العصي المسببة للصدمة الكهربائية بدلا من ذلك. ويروي روبرتو ما حدث له قائلاً:
“هذه المرة عذبوني من جديد بعصا الصعق الكهربائي بوضعه على مؤخر عنقي وعلى أعضائي التناسلية وكان الألم شديداً حتى أنني وأنا أتحدث الآن يصعب علي إبقاءَ رأسي ثابتاً لأن مؤخر عنقي يؤلمني كثيراً… هذا النوع من الأسلحة… وهؤلاء الذين يصنعونه للتعذيب، إنهم لا يجربونه على أجسادهم ولا يعرفون الألم الذي يسببه. إنهم يصنعونه ليعاني الآخرون لمجرد أن يتمكنوا هم من كسب المال.”
وبعد انقضاء قرابة عقدٍ على ذلك، وعلى الرغم من المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تحظر التعذيب، فما زالت أسلحة الصعق الكهربائي عالية الذبذبة وعالية الفولت تُستخدم في شتى أنحاء العالم. ومنذ عام 1990 وردت أنباء عن حالات التعذيب والمعاملة السيئة بالصعق الكهربائي في 58 دولة على الأقل، منها أنغولا، والجزائر، والهند، وإندونيسيا، والمكسيك، والفليبين، وروسيا، والسعودية، وسري لنكا، وتركيا، والولايات المتحدة الأمريكية، ويوغوسلافيا. واستُخدمت عصي الصعق الكهربائي التي تُمسك في اليد والمصممة خصيصاً للاستخدام مع البشر في ما يربو على 20 دولة.
وقد نشأت تكنولوجيا الصعق الكهربائي في بادئ الأمر في الولايات المتحدة في السبعينات، وما زال هذا البلد يواصل ريادته لهذه التجارة. وقد كشفت البحوث التي أجرتها منظمة العفو الدولية عن 78 شركة أمريكية تصنع أو تسوِّق أو تشتري أو تبيع أجهزة الصعق الكهربائي. وتأخذ هذه التكنولوجيا صوراً وأشكالاً كثيرة، مثل دروع الصعق الكهربائي، والعصي، ومسدسات الصدمة الكهربائي… بل ونبالاً تطلق سهاماً صغيرة ذات خُطَّاف متصلة بأسلاك تسمح بصعق الأشخاص من بعيد.
ومن أكثر التطورات التي تبعث على الأسى حزام الصعق الذي يرتديه الضحية لعدة ساعات متواصلة في بعض الأحيان. ويمكن تشغيل الحزام، الذي يطلق 50 ألف فولت لمدة ثماني ثوانٍ، بتحريك زر من مسافة تصل إلى 300 قدم. وتسبب الصدمة الشلل خلال الثواني الأولى، وألماً شديداً يزداد حدة خلال الثواني الثماني. وقد وصف ونديل هاريسون، الذي تعرض لصدمات أثناء محاكمته في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1996، ذلك الألم بأنه “ألم مبرح يشبه غرس إبرة طويلة عبر العمود الفقري وحتى قاع الجمجمة.” وبعد مرور عامين كان ما زال يعاني من كوابيس وعدم التمكن من النوم نتيجة لذلك. وتُستخدم أحزمة الصدمات على نطاق واسع كوسيلة للسيطرة على السجناء في الولايات المتحدة. وترى منظمة العفو الدولية أن المعاناة العقلية التي يسببها ارتداء الحزام والخوف المستمر من تشغيله هي في حد ذاتها ضرب من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. ولذلك تحديداً دعت منظمة العفو الدولية إلى حظر استخدام الحزام فوراً. وفي مايو/أيار 2000، أوصت “لجنة مناهضة التعذيب” الولايات المتحدة بأن “تلغي استخدام أحزمة الصعق الكهربي”.
ويتباين الأثر الفوري للتعذيب بالصعق الكهربائي من شخصٍ إلى آخر، ولكنه يشمل الألم الشديد، وفقد السيطرة على العضلات، والغثيان، والإصابة بتشنجات، والإغماء، والتبرز والتبول اللاإراديين. كما سُجلت أيضاً أعراض تيبس العضلات، وأضرار طويلة الأجل بالأسنان والشعر، فضلاً عن آثار عقلية مدمرة تؤدي في بعض الأحيان إلى الاكتئاب الحاد والعجز الجنسي.
وبطبيعة الحال، فإن سجلات حقوق الإنسان الخاصة ببعض الدول التي حصلت من قبل على مثل تلك الأجهزة ليس من شأنها إلا مضاعفة بواعث القلق لدى منظمة العفو الدولية. وقد خلص تحقيق في وثائق وزارة التجارة الأمريكية، نشرته مجلة “تايم” في أبريل/نيسان 1998، إلى أنه تمت الموافقة على إرسال “12 شحنة من مسدسات الصعق الكهربائي وعصي الصدمة الكهربائية… إلى السعودية على مدى العقد الماضي.” ويُذكر أن السعودية هي أحد البلدان التي سُجلت فيها حالات تعذيب بالصعق الكهربائي.
وإذا كانت تكنولوجيا الصعق الكهربائي قد بدأت في الولايات المتحدة، فقد أصبحت الآن صناعة عالمية. وتظهر بحوث منظمة العفو الدولية أن أكثر من 120 شركة تعمل في 22 بلداً قامت خلال العقد الماضي بتصنيع أسلحة للصعق الكهربائي، أو بيعها، أو الإعلان عنها، أو السعي لتوريدها.
وفي عام 1995، اعترف مدير شركة اسكتلندية تُدعى آي.سي.إل تكنيكال بلاستيكس ببيع عصي للصعق الكهربائي للصين عام 1990 قائلاً “أراد الصينيون أن ينسخوها”. وتنتج المصانع الصينية الآن كميات كبيرة من عصي الصعق الكهربائي، وتشير الأنباء الواردة إلى أن شركات صينية صدرت أسلحة للصعق الكهربائي إلى كمبوديا وإندونيسيا، وهما بلدان وثَّقت منظمة العفو الدولية حالات للتعذيب بالصعق الكهربائي فيهما. وكان من بين الذين عُذبوا بالصعق الكهربي بيوس لوستريلانانغ، وهو أحد النشطاء السياسيين في إندونيسيا. وفي فبراير/ شباط 1998، تحدث عن محنته قائلاً “عذبوني بالصعق الكهربائي على قدميّ ويديّ لمدة طويلة إلى حد اضطروا معه لتغيير البطاريات، وصرت ضعيفاً إلى الدرجة التي جعلتني أقول لهم ما يريدون.”
وعلى الرغم من المخاطر المتأصلة في انتشار هذه الأسلحة التي يمكن بسهولة تحويلها إلى أدوات للتعذيب، فلا يبدو أن هناك تنظيماً فعالاً يُذكر من جانب الحكومات لهذه التجارة أو لا وجود له أصلاً. وتناضل منظمة العفو الدولية لوقف إنتاج وتصدير واستعمال أسلحة الصدمات الكهربية على المستوى العالمي فوراً لحين إجراء تحقيقات طبية مستقلة في تأثيرها واستعمالها.
وتستلزم التجارة العالمية في المعدات العسكرية والأمنية ضوابط وطنية ودولية صارمة. ولا بد أن تكون هذه الضوابط واضحة، ومفصلة، ووافية، بما يكفل ألا تتمكن بعض الدول من تصدير معداتٍ إلى مشترين قد يستخدمونها في انتهاك حقوق الإنسان، أو أن تزودهم بالتدريب أو الأفراد.
ففي كينيا، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والهراوات والطلقات البلاستيكية ومدافع المياه لتفريق متظاهرين يطالبون بالديمقراطية بصورة سلمية. ففي يوليو/تموز 1997، على سبيل المثال، اقتحمت قوات الشرطة الكينية شبه العسكرية كاتدرائية أول سانتس الأنجليكانية في نيروبي. وفي البداية ألقى أفراد الشرطة عبوات الغاز المسيل للدموع ثم دخلوا ممتشقين الهراوات. وتُرك العشرات من المطالبين بالإصلاح بالوسائل السلمية الذين كانوا يحتمون في الداخل وهم ينزفون إثر إصابتهم بجروح بالغة. وحصلت منظمة العفو الدولية على بعض عبوات الغاز المسيل للدموع والطلقات البلاستيكية التي استُخدمت ضد المحتجين في المظاهرات السلمية في كينيا عام 1997. وتبين أن عبوات الغاز والطلقات صُنعت في المملكة المتحدة.
وفي أعقاب ذلك، هرع أعضاء منظمة العفو الدولية للتحرك ومارسوا ضغوطاً على حكومة المملكة المتحدة والشركات المعنية لوقف التجارة في المعدات التي تُستخدم في القمع. ونتيجة لذلك، أعلنت حكومة المملكة المتحدة أنها رفضت طلبات ترخيص لتصدير معدات للسيطرة على أعمال الشغب قيمتها 1.5 مليون جنيه إسترليني تشمل هراوات وغازات مسيلة للدموع للشرطة الكينية بسبب بواعث القلق الخاصة بحقوق الإنسان.
وفي يونيو/حزيران 1999، تعرض 2000 شخص كانوا يتظاهرون بصورة سلمية للدعوة للتغيير الديمقراطي في كينيا للهجوم من جانب رجال الشرطة الذين كانوا يمتطون الجياد، وبدأت الشرطة تنهال على المتظاهرين ضرباً بالعصي كما أطلقت عبوات الغاز المسيل للدموع على الحشد. ثم جاءت الشرطة في وقت لاحق بمدفع للمياه أطلق مزيجاً من المياه والغاز المسيل للدموع بصورة مباشرة على الحشود التي لم يكن أمامها منفذ للهرب. وكانت الشركة المنتجة للغاز المسيل للدموع هذه المرة شركة في فرنسا. فقد تمكنت السلطات الكينية من العثور علي مصادر بديلة للمعدات التي يمكن أن تستخدمها في انتهاك حقوق الإنسان.
التدوينات (RSS)