• مقدمة
  • الفصل الأول: تعذيب المرأة في المنـزل وفي المجتمع
  • الإساءة في المجتمع
  • المنـزل: مكان يتأصل فيه الرعب
  • نساء يبعن ويشترين
  • الفصل الثاني: عدم ضمان الدولة حق المرأة في الحرية من التعذيب
  • عدم توفير الإنصاف القانوني
  • المعوقات الاجتماعية والثقافية للإنصاف
  • التحيز ضد المرأة من قبل الشرطة
  • التحيز ضد المرأة في المحاكم
  • الفصل الثالث: التعذيب قبل ممثلي الدولة والجماعات المسلحة
  • تعذيب النساء أبان النـزاعات المسلحة
  • الفصل الرابع: توصيات

مقدمة

عندما عادت، كانت تبكي. أخبرتنا أنها قد اغتصبت من قبل ثلاثة أو أربعة جنود. ظلت تبكي لفترة طويلة. وسألتنا عن سبب لجوئنا إلى الكذب بشأن هذا الأمر، إذ قالت أنها كانت تعلم بأننا قد تعرضنا لذلك من قبل“.

امرأة من سوفا ريكا، كوسوفو، 1999.

وضعوا قطعة من الإسفنج المبلل تحت عنقي، وألقوا بي فوق مقعد طويل مكهرب: صعقوني مراراً بالصدمات الكهربائية لعدة ساعات… وبعد ذلك، وضعوني على طاولة أخرى… وأحضروا هراوة. طلبوا مني أن “أركع”. وأدخلوا الهراوة ببطئ في شرجي. وفجأة، قاموا بدفعي وأجبروني على الجلوس على الهراوة. صرت أنزفثم أقبل واحد منهم وألقى بنفسه فوقي واغتصبني“. لم يقدم رجال الشرطة الأتراك الذين زعم أنهم قد قاموا بتعذيب زينب أفتشي في أواخر 1996، للمحاكمة.

عندما كانت الآنسة (ج)  في الخامسة عشرة من عمرها، باعها والدها زوجة إلى أحد الجيران مقابل مساعدته في سداد قيمة الرهن المستحق على مزرعة العائلة. كان زوجها يغتصبها ويضربها بشكل روتيني، ملحقاً بها إصابات  تتطلب نقلها إلى المستشفى. لجأت الآنسة (ج) مرتين إلى الشرطة، طلباً للحماية، بيد أنهم كانوا يبلغونها بأنهم غير قادرين على أن يفعلوا شيئاً، لأنهم لا يتدخلون في المشاكل الشخصية. وعندما أصبحت في العشرين من العمر، هربت بطفليها، غير أن والديها وزوجها عثروا عليها، وقامت أمها بجزرها بينما راح زوجها يضربها بعصا. وأخذ منها طفليها، اللذين لم ترهما منذ ذلك الحين. فرّت الآنسة (ج) إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتقدمت بطلب للجوء. وفي عام 2000، أبلغ قاض مختص بشؤون الهجرة محاميها  بأنه يعتزم إصدار أمر بترحيلها إلى بلدها، السلفادور.

امرأة في إحدى قرى بلد أوروبي مزقّته الحرب؛ امرأة كردية شابّة تحتجزها الشرطة التركية؛ أم لطفلين تتعرض للضرب بلا انقطاع في أمريكا اللاتينية فتسعى إلى البحث عن ملجأ لها في الولايات المتحدة الأمريكية. وليس ثمة من شيء يجمع هؤلاء النسوة الثلاث سوى جنسهن ومعاناتهن: فهن من بلدان مختلفة، وليس من شبه بين المجتمعات التي ينتمين إليها. أما الرجال الذين قاموا بالاعتداء عليهن فتختلف مشاربهم تماماً.

بيد أن ما يصل بين هذه الحالات الثلاث هو أن النساء الثلاث قد كن ضحايا للتعذيب. وكان على ثلاثتهن، جميعاً، ليس فحسب مكابدة الإساءة الجسدية العنيفة، وإنما أيضاً مرارة صمت السلطات الرسمية أو لا مبالاتها. وفي الحالات الثلاث، كافة، أفلت الرجال الذين ساموهن العذاب بجرائمهم من العقاب.

وفي الحالات الثلاث، جميعاً، تقاعست الدولة عن اتخاذ الخطوات الأساسية اللازمة لحماية المرأة من الإساءة الجسدية والجنسية. لذا، فإن مثل هذه الدولة شريكة في المسؤولية عن ما لحق بهؤلاء النسوة من معاناة، بغض النظر عما إذا كان الجاني جندياً أم شرطياً أم زوجاً فطر على العنف.

إن لتعذيب المرأة جذوراً تتأصل في ثقافة كونية تحرم المرأة من المساواة في الحقوق مع الرجل، وتضفي الشرعية على امتلاك جسد المرأة بالعنف، سواء من أجل التمتع الشخصي أم لخدمة أغراض سياسية. وفي مواجهة هذا، رفعت المنظمات النسائية وغيرها من نشطاء حقوق الإنسان في العقود الأخيرة راية النضال الشجاع لتحريم الانتهاكات ومكافحتها، وكسب المزيد من المساواة للمرأة مع الرجل.

وفي بلدان عديدة، حقق هذا النضال نجاحات كبرى؛ وعلى الصعيد الدولي، غيّر إلى غير رجعة صيغة الحوار الدائر بشأن حقوق الإنسان. بيد أنه، وعلى الرغم من كل ما حققته المرأة من نجاحات في مختلف أنحاء العالم في تأكيد حقوقها، فإن ما تحصل عليه في مختلف بقاع الأرض من أجر يظل أدنى مما يحصل عليه الرجل، وما تملكه أقل، وفرصها في التعليم والعمل والرعاية الصحيّة أكثر شحاً. وما انفك التمييز المتفشي ضد المرأة يحرمها من المساواة السياسية والاقتصادية التامة مع الرجل.

إن ما يمارس من عنف ضد المرأة يغذي هذا التمييز و يؤجج سعيره. فعندما تنتهك حرمة المرأة في الحجز، وعندما تغتصب قوات مسلحّة النساء باعتبارهن “غنائم حرب”، وعندما يروّعن في بيوتهن بفعل ما يرتكبه الرجال من عنف ضدهن، فإن هذا ليس سوى استعراضاً لعلاقات قوة لا تكافؤ فيها بين الرجل والمرأة، وتجليّاً  لعدم التكافؤ هذا على أرض الواقع.

ويفاقم من وطأة هذا العنف ما يقع من تمييز ضد المرأة على أساس الجنس أو الأصل العرقي أو الميل الجنسي أو الوضع الاجتماعي، أو الوضع الطبقي، كما أن هذا التمييز المركّب يحد أكثر فأكثر من خيارات المرأة، ويزيد من تعرضها للعنف، مما يزيد من صعوبة إنصافها أو حصولها على التعويض المناسب.

وبينما يكون مرتكبو الأفعال العنيفة هذه من المسؤولين الحكوميين، كرجال الشرطة أو حراس السجون أو الجنود، مثلاً، فإنهم في أحيان أخرى أعضاء في الجماعات المسلحة التي تقاتل الحكومة. بيد أن قسطاً كبيراً من العنف الذي تتعرض له النساء في حياتهن اليومية يرتكب على أيدي من يشاركوهن حياتهن من الرجال، سواء أكان هؤلاء من أفراد العائلة، أو أشخاصاً ينتمون إلى مجتمعاتهن المحليّة، أو من أصحاب العمل. وثمّة سلسلة متصلة من العنف تواجهها المرأة على أيدي الرجال الذين يقعن تحت سيطرتهم.

إن منظمة العفو الدولية قد وثّقت عدداً لا يحصى من الحالات لنساء تعرّضن للتعذيب أثناء احتجازهن. وفي تغطيتها للنـزاعات المسلّحة، سلطت المنظمة الضوء على الاستخدام المنظم للعنف الجنسي كسلاح من أسلحة الحرب. ومنذ عام 1997، بدأت في التحقيق في انتهاكات ارتكبها أفراد بصفتهم الشخصية. وتطبق المنظمة إطاراً لحقوق الإنسان بهدف مكافحة العنف ضد المرأة، وتصر على أن ثمة مسؤولية على الدول في حماية المرأة من العنف بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، سواء أكان مرتكبو هذه الانتهاكات من الموظفين الرسميين أو بتحريض منهم، أم من الأفراد الخاصين. ويستكشف هذا التقرير المواقع التي تشكل فيها الأفعال العنيفة ضد النساء ضرباً من ضروب التعذيب، سواء أكان ذلك في الحجز أم في البيت. وفي نطاق حملتها لوضع حد للتعذيب، تعتبر منظمة العفو الدولية الدول عرضة للمساءلة بشأن جميع عمليات التعذيب التي تقع ضد النساء، مهما كان السياق الذي ترتكب فيه، وبغض النظر عن الجاني.

التعذيب على يد الجهات غير التابعة للدولة والأفراد

لا تقصر المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان نطاق ولايتها القانونية على سلوك الدول، ورسم حدود ممارسة هذه الدول لسلطاتها، وإنما تتعدى ذلك إلى إلزام الدول بالعمل على منع حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان أيضاً. ومن واجب الدول، بموجب القانون الدولي، اتخاذ تدابير إيجابية لتحريم التعذيب ومنعه، والرد على ما يحدث من عمليات تعذيب، بغض النظر عن مكان وقوع التعذيب، وعن حقيقة إذا ما كان الجاني ممثلاً للدولة أو فرداً عادياً.

ويتطلب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من الدول “ضمان” الحرية من التعذيب وسوء المعاملة. وقد أقرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهي الهيئة الخبيرة التي ترصد تطبيق العهد الدولي، أنه “من واجب الدولة العضو أن توفّر الحماية لكل شخص عبر التدابير التشريعية، وخلافها من التدابير، بحسب الضرورة، ضد أي أفعال تحرّمها المادة 7 (التعذيب ضد النساء وإساءة المعاملة)، سواء أكان ذلك على يد أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية، أو خارج نطاق هذه الصفة، أو بصفتهم الشخصية…” (التشديد من عندنا).

اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب

المادة 1: “يعني تعبير “التعذيب” لأغراض هذه الاتفاقية أي فعل يتسبب في ألم أو معاناة جسمانيين أو نفسيين شديدين، لشخص ما، بقصد مسبق، بغية الحصول منه أو من شخص ثالث، على معلومات أو اعتراف، أو بقصد معاقبته على فعل قام به هو نفسه أو قام به شخص ثالث، أو يشتبه بأنه قد قام به، أو بغية ترهيبه أو إكراهه هو نفسه، أو ترهيب أو إكراه شخص ثالث، أو لأي سبب قائم على التمييز من أي نوع، عندما يوقع مثل هذا الألم أو المعاناة من قبل موظف عام، أو بتحريض منه أو بموافقته، أو من قبل شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يشمل ذلك ما ينجم، حصراً، من ألم أو معاناة تنطوي عليهما العقوبات القانونية، أو يمكن أن يترتبا على تطبيقها”.

ترسي اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة، القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة الأساس لمسؤولية الدولة عن أعمال التعذيب التي تحدث “بتحريض من موظف عام، أو بموافقته أو قبول ضمني منه”.

وقد أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن الدول ملزمة باتخاذ التدابير اللازمة لضمان عدم إخضاع الأفراد للتعذيب أو سوء المعاملة، بما في ذلك من قبل أفراد خاصين. وفي عام 1998، وجدت المحكمة أن المملكة المتحدة قد خرقت المادّة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تحرّم التعذيب وإساءة المعاملة، نظراً لأن قانونها المحلي لم يوفر الحماية الكافية لصبي في التاسعة من العمر قام زوج أمه بضربه مستخدماً عصى من الخيزران.

إن معاهدات حقوق الإنسان “أدوات حية” ترتقي وتتطور مع الزمن. وتتولى القرارات المتخذة من قبل الهيئات الحكومية الدولية التي تراقب مراعاة الدول للمعاهدات الدولية، ومثلها المحاكم الوطنية، على الدوام، صقل ما ينطوي عليه التعذيب من تفسيرات، وتطويرها. وبفضل الجهود التي بذلتها الحركة النسائية على نطاق العالم بأسره ثمة تفهم أوسع نطاقاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لحقيقة أن التعذيب إنما يشمل ما يقوم به الأفراد بصفتهم الخاصة من أفعال عنيفة في ظروف بعينها.

وعندما تتواطأ الدولة في أعمال العنف، أو تسكت عنها، أو تتقاعس عن اتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوثها؛ وعندما تتم ممارسة العنف بقصد مسبق وتسبب آلاماً أو معاناة شديدة، فإن هذا ضرب من ضروب التعذيب.

شدة الأذى

إن ما يلحقه أفراد خاصون من أذى شديد بالنساء يمكن أن يعادل في ما يسببه من ضرر ما يصيب المرأة من أذى نتيجة التعذيب على يد ممثلي الدولة. كما إن آثار الضرب الشديد المتكرر الذي تتعرض له المرأة في البيت مدمرة من الناحيتين الجسدية والنفسية على المدى البعيد. ويخلف الاغتصاب جروحاً لا تبرأ وآلاماً لا تنتهي للمرأة بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة. وتشمل النتائج الطبية لذلك، الاعتلال النفسي والجروح وعدم الرغبة في الحمل وفقدان القدرة على الإنجاب، وأمراضاً يمكن أن تهدد حياة المرأة التي تتعرض لهذه التجربة.

الإيذاء بنية مسبقة

إن ما يقع من انتهاكات في إطار العائلة أو المجتمع يرتكب بنية مسبقة. وفوق ذلك، فإن مثل هذه الانتهاكات كثيراً ما ترتكب لأسباب مماثلة للأسباب التي تقف وراء التعذيب في الحجز. فكثيراً ما يستخدم التعذيب ليس فحسب لانتزاع الاعترافات، وإنما لزرع الرعب المقيم في نفوس الضحايا أيضاً، وكسر إرادتهم، ومعاقبتهم، واستعراض الجناة لقوتهم أمامهم. ولا تختلف الغايات التي يسعى إليها من يمارسون التعذيب في إطار العائلة أو المجتمع عن ذلك في شيء، إذ ربما يسعى الجناة إلى ترهيب المرأة حتى تخضع لما يريدون، أو لمعاقبتها على ما يزعم من إلحاق للعار بأقاربها نتيجة لتمردها.

مسؤولية الدولة

إن مرتكبي العنف ضد النساء في البيت والمجتمع أفراد بصفتهم الخاصة، بيد أن هذا لا يعني بالضرورة أن الدولة ليست مسؤولة عن أفعالهم.

فبموجب القانون الدولي، تتحمل الدولة مسؤولية واضحة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها فاعلون غير حكوميين… من منظمات، أو أشخاص، يتصرفون خارج الإطار الرسمي للدولة وأجهزتها. وعلى المستوى الدولي، ثمة عدد من الطرق المحددة لمساءلة الدولة عن ما يرتكب من انتهاكات. فقد تعتبر مسؤولة عن ارتكاب انتهاك ما لحقوق الإنسان بسبب وجود صلة بينها وبين مرتكبيه من الفاعلين غير الحكوميين؛ أو بسبب تقاعسها عن القيام بخطوات معقولة للحيلولة دون وقوع الانتهاك أو لمعاقبته. وتصنف الطريقة التي تقاس بها مسؤولية الدولة عن الانتهاكات إلى فئات مختلفة متداخلة. إذ تشمل هذه التواطؤ؛ والقبول الضمني أو التغاضي؛ والامتناع عن ممارسة الدأب الواجب وتوفير الحماية المتكافئة لمنع وقوع هذه الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيهما من الأفراد العاديين. ففي هذه الظروف جميعاً، تكون الدولة قد سمحت للعنف ضد المرأة أن يتواصل، ولذلك فإن استخدام عبارة “عدم توفير الدولة للحماية” في هذا التقرير تشمل التواطؤ والقبول الضمني والتغاضي والامتناع عن ممارسة الدأب الواجب.

الدأب الواجب

يحدد مفهوم الدأب الواجب تخوم الجهد الذي ينبغي أن تتكفل الدولة بالقيام به للوفاء بمسؤوليتها في حماية الأفراد من انتهاكات حقوق الإنسان. وقد أورد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعنف ضد المرأة أنه “…يمكن اعتبار الدولة متواطئة عندما تمتنع بصورة منهجية عن تقديم الحماية من الفاعلين الخاصين الذين يجردون أي شخص من حقوقه/حقوقها الإنسانية”. ويشتمل الدأب الواجب على اتخاذ خطوات فعالة للحيلولة دون وقوع الانتهاكات، والتحقيق فيها عند وقوعها، ومقاضاة الجناة المزعومين، وتقديمهم للعدالة عبر إجراءات عادلة، وضمان إنصاف الضحايا بشكل مرضٍ، بما في ذلك التعويض عليهم والاقتصاص لهم. كما يعني أيضاً، ضمان تحقيق العدالة دون تمييز من أي نوع.

إن معيار الدأب الواجب قد صاغته وطبقته إحدى المحاكم الإقليمية لحقوق الإنسان. وهي محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان. إذ بينت المحكمة أنه: “يمكن لفعل غير قانوني ينتهك حقوق الإنسان، ولا يعتبر ابتداء ضمن المسؤولية المباشرة للدولة (كأن يرتكب، مثلا، من قبل شخص عادي، أو نتيجة لعدم إمكان تحديد الشخص المسؤول) أن يفضي إلى المسؤولية الدولية للدولة، لا بسبب الفعل نفسه، وإنما بسبب تقاعس الدولة عن القيام بالدأب الواجب لمنع حدوث الانتهاك، أو الرد عليه بحسب ما تدعو إليه الاتفاقية”.

وبينت المحكمة أن “على الدولة واجباً قانونياً بأن تتخذ خطوات معقولة لمنع حدوث انتهاكات حقوق الإنسان، وأن تستخدم الوسائل التي بين يديها للقيام بتحقيق جدي في الانتهاكات التي ترتكب ضمن حدود ولايتها القضائية، وتحديد المسؤولين عنها، وإنزال العقوبة المناسبة بهم، وضمان حصول الضحية على التعويض المناسب”. وأشارت المحكمة إلى أن حدوث انتهاك واحد لحقوق الإنسان أو عدم فاعلية التحقيق في إحدى القضايا، لا يشكلان أساساً كافياً لوصم الدولة بالامتناع عن القيام بالدأب الواجب. إن من الممكن تحديد إذا ما كانت الدولة متقاعسة عبر عدد من الأمور المختلفة. وتشمل هذه عدم اتخاذ التدابير الوقائية الكافية؛ ولا مبالاة الشرطة إزاء ما يقع من انتهاكات؛ وعدم التعامل مع الانتهاكات على أنها أفعال جنائية؛ والتمييز بين الجنسين في نظام المحاكم؛ والإجراءات القانونية التي تعرقل قيام محاكمة جنائية عادلة. ويجد العديد من النساء ضحايا العنف أن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، عليهن إدراك الإنصاف القانوني لأنفسهن والحصول على التعويض. ففي العادة، تظل العديد من الأفعال العنيفة ضد المرأة دون إنصاف نتيجة إفلات الجناة من العقاب، ولا مبالاة من بيدهم الحل والربط.

إن التركيز على تقاعس الدولة عن حماية الأشخاص من أذى الآخرين، وعلى إمكان اعتبارها شريكة في المسؤولية عن هذا الأذى، لا يعفي مرتكبي الإساءة الأصليين من المسؤولية. فلا مناص، في كل حالة، من محاكمة الجناة الأصليين محاكمة عادلة، ومعاقبتهم على جرائمهم.

ترى منظمة العفو الدولية أن العنف المنـزلي وعنف المجتمع ضد المرأة يشكلان ضرباً من ضروب التعذيب تعتبر الدولة مسؤولة عنه عندما يصلان في طبيعتهما وقسوتهما الحد الذي ينطوي عليه مفهوم التعذيب في المعايير الدولية وتتقاعس الدولة عن الوفاء بالتزاماتها بتوفير الحماية الفعالة

الفصل الأول: تعذيب المرأة في المنـزل وفي المجتمع

“سن تخلع لأن أحدهم قد اجتاحته سورة غضب؛ وساق تكسر نتيجة اعتداء حاقد؛ وحياة تهدر وسط صرخات رعب في سكون الليل. إنه لمشهد مألوف تماماً على مسرح العنف المنـزلي في كينيا، حيث تتزاحم الحكايات المأساوية، وتتزايد أعداد الضحايا من النساء المعدمات اللاتي فقدن أحد أطرافهن؛ أو الأطفال المشردين الذين تحيط بهم الجريمة من كل جانب؛ ومن كسيري القلوب الذين يبكون خجلاً. ما زلنا نعد الموتى؛ لأن كل يوم يمر يشهد وقوع ضحية مضرجة بدمائها تحت وطأة ضربة مميتة”. هذا ملخص لمقالة أكسبت كاتبها جائزة صحفية لها قيمتها.و قد تكسب الحكايات المتعلقة بما يرتكب من إساءات ضد النساء الإطراء والجوائز، بيد أن مكافحة مثل هذه الإساءات يستنـزف الوقت والموارد، ويحتاج إلى الإبداع والإرادة السياسية… وإلى التزام لا يتزحزح بحقوق المرأة.

إن من واجب الدولة ضمان أن لا يُخضع أحد للتهديد أو المعاملة السيئة، سواء أكان ذلك على يد عملاء الدولة الرسميين، أم على يد أفراد عاديين. بيد أنه ثمة دولاً في طول الأرض وعرضها قد انساقت إلى التواطئ مع هذه الإساءات، وتسترت عليها، وتغاضت عنها، وفسحت المجال لاستمرارها دون عراقيل.

وفي كل عام، يدمر العنف المنـزلي وعنف المجتمع حياة الملايين من النساء. والأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، اعترف في يونيو/حزيران 2000 أن العنف ضد المرأة قد أصبح محرماً في القانون، في كل مكان تقريباً، منذ انعقاد المؤتمر العالمي الرابع للمرأة، قبل ذلك بخمس سنوات، غير أن هذا الضرب من ضروب العنف قد تزايد في واقع الحال.

إن للعنف ضد المرأة جذوره العميقة في ما يمارس ضدها من تمييز؛ هو بدوره يعزز هذا التمييز. وعدم ضمان الدولة للمرأة فرصاً متكافئة مع الرجل في التعليم والمأوى والغذاء والعمل وإشغال المواقع الرسمية ليس سوى وجهاً آخر لمسؤولية الدولة عن ما يلحق بالمرأة من إساءات. واستمرار التمييز ضد المرأة يسهم في عدم إسهامهن بالقدر الكافي في صنع القرار. ولا بد من أن تسمع جميع المستويات الحكومية صوت المرأة لتتمكن النساء من الإسهام في السياسات المناهضة للإساءة،  ومن مكافحة التمييز.

إن النساء الفقيرات والمهمشات اجتماعياً يتعرضن أكثر من غيرهن للتعذيب وسوء المعاملة. وفي حالات عديدة، تضاعف السياسات والممارسات الاجتماعية العنصرية، وتلك القائمة على التمييز ضد الجنسين، من وطأة العنف الذي تتعرض له المرأة، وتعرضها أكثر فأكثر للمزيد من العنف. والأعراف الاجتماعية والثقافية التي تحرم المرأة من المساواة في الحقوق مع الرجل إنما تفاقم من انكشاف المرأة للإساءة الجسدية والجنسية والنفسية. والخيط الذي ينظم كل هذا إن هو إلا التمييز ضد المرأة، وحرمانها من حقوقها الإنسانية الأساسية، لا لشيء إلا لكونها امرأة

الإساءة في المجتمع

كثيراً ما تقع النساء اللواتي لا يمتثلن في أسلوب حياتهن لتوقعات مجتمعهن ضحايا لا للنبذ الاجتماعي فحسب، وإنما للمعاملة العنيفة أيضاً. وقد ذكر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بشؤون العنف ضد المرأة أن “الخيار المتاح أمام المرأة لممارسة النشاط الجنسي، في معظم المجتمعات، يقتصر على الزواج من رجل ينتمي إلى المجتمع نفسه؛ وكثيراً ما تتعرض المرأة التي تقدم على خيارات لا يقرها المجتمع للممارسات العنيفة والمعاملة المهينة، سواء أكان ذلك بإقامة علاقة جنسية مع رجل خارج نطاق الزواج، أو إقامة هذه العلاقة خارج نطاق الجماعة العرقية أو الدينية أو الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها، أو إقامة علاقة جنسية تختلف عما اعتاد عليه مجتمعها من علاقات جنسية غيرية”.

إن الصلة بين السيطرة على الحياة الجنسية للمرأة وبين ممارسة العنف ضدها تتعدى حدود معاقبة من يخالفن الأعراف المعتمدة. فملايين البنات قد تعرضن لما يترتب على تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية من معاناة وألام.

تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية

المقصود بتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية هو إزالة العضو التناسلي للمرأة جزئياً أو كلياً. ويشمل ذلك بتر البظر، وقص الشفرين الداخليين أو الخارجيين، أو خياطتهما معاً، بما يترك فتحة صغيرة للتبول وخروج دماء الطمث. وتؤدي العملية أحياناً للنـزف الشديد، والإصابة بالالتهابات والصدمة النفسية والألم. وكثيراً ما تخلف وراءها مشكلات تعتور الحياة الجنسية للمرأة وولادة الأطفال. وترتبط هذه العادة في العديد من البلدان بطقوس البلوغ. وتورد التقارير أنها سائدة في بلدان عديدة بينها بوركينا فاسو وتشاد وجيبوتي ومصر و إريتريا وغامبيا وإثيوبيا ومالي ونيجيريا و سيراليون والصومال وأجزاء من السودان، إضافة إلى بعض المجتمعات المحلية في جنوب آسيا. وبحسب مصادر منظمة الصحة العالمية، يفرض على مليوني فتاة معاناة هذه التجربة المروعة والمؤلمة كل عام. وقد مرت ما بين 100 و 140 مليون امرأة يعشن في أنحاء مختلفة من العالم بتجربة تنطوي على شكل من أشكال تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية.

إن هذه الممارسة تواجه المناهضة من قبل الجماعات النسائية في القارة الإفريقية ومناطق أخرى من العالم باعتبارها انتهاكاً للحق في السلامة البدنية. ويعتبر مناهضو تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية هذه الممارسة شكلاً له خصوصيته من أشكال العنف الهادف إلى السيطرة على وضع المرأة وحياتها الجنسية. وفي أغسطس/آب 2000، أكدت لجنة الأمم المتحدة الفرعية الخاصة بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها على أنه ينبغي على الحكومات تعبئة الرأي العام، “وخاصة عن طريق التعليم والإعلام والتدريب، من أجل تحقيق القضاء التام على مثل هذه الممارسات”.

إن جعل عملية تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية جرماً جنائياً قد خلف وراءه بعض المشاكل، حيث أدى إلى السرية في ممارستها، بما يعنيه ذلك من تصدي أشخاص تنقصهم المهارة لمهمة القيام بها، وردع النساء عن طلب العون الطبي مخافة أن يؤدي ذلك إلى اضطهادهن. ففي تنـزانيا، حيث أخضع ما يربو على 85 بالمائة من النساء في المناطق الريفية لتشويه أعضائهن التناسلية، صدر قانون في عام 1998 يدين تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية لمن هن دون الثامنة عشرة باعتباره جرماً جنائياً، بيد أنه لم يتخذ سوى القليل من الخطوات للحد من الممارسة على الصعيد العملي. ويذكر نشطاء حقوق الإنسان أنه يتم نقل البنات عبر الحدود إلى كينيا، حيث تتم عملية بتر الأعضاء التناسلية. وأورد أحد النشطاء التنـزانيين أن “ثمة زيادة مطردة في ممارسة هذه العادة على الرغم من الجهود المنسقة للحد منها… نظراً لما تلقاه هذه الممارسة من دعم الزعماء القبليين والشابات اللاتي يخشين رفض مجتمع الأسرة والأنداد لهن”. وتعتبر مجموعات عرقية عدة، لاسيما الماساي والتشاغا، تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية موروثاً كبير الأهمية وضرورياً لقبول أرواح الأجداد الشخص بعد موته. وتسعى إحدى جماعات حقوق الإنسان إلى ترويج تجربة في صفوف الماساي يحافظ بموجبها على الطقوس كاملة أثناء الاحتفالات، ولكن دون القيام فعلياً بعملية بتر الأعضاء التناسلية.

وفي مالي، حيث تخضع 80 بالمائة من البنات لعملية تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، بحسب ما ورد، تلقى النشطاء الذين يعملون من أجل وضع حد لهذه العادات تهديدات بالموت. فقد ذكرت فطومة ساير ما يلي: “تلقيت تهديدات بالموت، وجرت محاولات لحرق بيتي، وتعرضت لثلاث حوادث سير وصدم، وفي كل يوم، تبث محطة الراديو الإسلامية هنا في باماكو اللعنات الموجهة إلي”.

ويركز العديد من منظمي الحملات في أفريقيا اهتمامهم اليوم لا على إقناع الرجال بمساوئ  تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، وإنما على إقناع النساء المحترمات ممن يمارسن المهنة بالمخاطر الصحية والأذى اللذين يترتبان على هذه العادة. ومن أجل استكمال هذا الجهد، توفّر لممارسات المهنة وظائف لا تقل عنها شأناً من حيث المكانة الاجتماعية، وتدر عليهن دخلاً بديلاً. وقد أدى هذا الأسلوب في الإقناع إلى تقليص له شأنه بالنسبة لعدد ما يجري من عمليات في غينيا، حيث أفضت نضالات 14 عاماً  من قبل نشيطات الحركة النسائية إلى تخلي مئات النساء من الممارسات التقليديات للعمليات عن المهنة وتسليم سكاكينهن الخاصة بطقوس المهنة في أغسطس/آب 2000.

المنـزل: مكان يتأصل فيه الرعب

“إن المصدر الأكبر للعنف الذي يتهدد النساء، بلا استثناء، هم الرجال الذين يعرفنهم ، وليس “خطر الغرباء”، وغالباً ما يكون هؤلاء أفراد العائلة أو الأزواج … وما يثير الدهشة هو درجة الشبه التي تحيط بهذه المشكلة في مختلف أنحاء العالم”. هذا ما تخلص إليه دراسة حديثة أجريت على نطاق واسع. فالعنف المنـزلي ظاهرة عالمية بحق. وربما تتباين  الأرقام بين بلد وآخر، بيد أن المعاناة، وأسبابها، متشابهة في كل مكان.

العنف المنـزلي بصفته تعذيباً أو إساءة معاملة

كانت “ك”، وهي من جمهورية الكونغو الديموقراطية (زائير سابقاً)، متزوجة من ضابط في الجيش يعذبها بانتظام بضربها وركلها، وغالباً أمام أطفالهما. وكان يغتصبها بصورة متكررة، ناقلاً إليها أمراضاً تنتقل بالممارسة الجنسية. كما قام بتهديدها بصورة متكررة بأن يقتلها بإطلاق النار عليها. وفي إحدى اعتداءاته عليها أفقدها أحد أسنانها وخلع فكها، ولكمها في إحدى عينيها لكمة قوية استدعت استخدام القَطب لإغلاق الجرح، كما سبب لها مشكلات مستمرة في أنفها وعنقها ورأسها وعمودها الفقري وكفلها وقدمها. وقالت “ك”، التي سعت في النهاية إلى طلب اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إنه لم يكن هناك من طائل في اللجوء إلى الشرطة نظراً لما لزوجها من صلات مع الأسرة الحاكمة، ولأن “المرأة لا تساوي شيئاً في الكونغو”. ووصف قاض مسؤول عن شؤون الهجرة في الولايات المتحدة الإساءات التي لحقت بها بأنها “اعتداءات”، بيد أنه رفض طلباً لمنحها حق اللجوء، وأيدت محكمة الاستئناف الخاصة بشؤون الهجرة قراره.

كانت النظرة إلى العنف المنـزلي ضد المرأة في الماضي هي أنه شأن شخصي، وليس أمراً يتعلق بالحقوق السياسية والمدنية. أما اليوم، فقد اعترف المجتمع الدولي صراحة بأن العنف ضد المرأة قضية من قضايا حقوق الإنسان تُسأل عنها الدولة.

وبحسب الأرقام الصادرة عن البنك الدولي، فإن ما لا يقل عن 20 بالمائة من النساء في مختلف أنحاء العالم قد تعرضن للإساءة الجسدية أو الاعتداء الجنسي. وتقول التقارير الرسمية في الولايات المتحدة أن كل 15 ثانية تمر تشهد تعرض امرأة للضرب المبرح، وأن 700,000 امرأة تتعرض للاغتصاب كل عام. وفي الهند، بينت الدراسات أن ما يربو على 40 بالمائة من النساء المتزوجات قد ذكرن أنهن يتعرضن للركل أو الصفع أو الإساءة الجنسية لأسباب من قبيل عدم رضى أزواجهن عن طهوهن أو تنظيفهن للمنـزل، أو الغيرة، وغير ذلك من دواعٍ. وقتل ما لا يقل عن 60 امرأة نتيجة للعنف المنـزلي في كينيا في 1998-1999، بينما ورد أن 35 بالمائة من النساء في مصر يتعرضن للضرب من قبل أزواجهن. إن البيت، بالنسبة لملايين النساء، ليس المأوى الذي يجدن المأمن فيه، وإنما مكان يسوده الرعب.

إن العنف المنـزلي انتهاك لحق المرأة في السلامة الجسدية. ومن غير المستبعد أن يتواصل لسنين، وأن يتفاقم مع الزمن. ويمكن أن يتسبب في مشكلات صحية خطيرة طويلة الأجل، تتجاوز الإصابة المباشرة؛ ومن الواضح أن آثاره الجسدية والنفسية ذات طبيعة تراكمية يحتمل أن تدوم حتى بعد أن يتوقف العنف نفسه. والعنف المنـزلي يخلق الرهبة والشعور بالإهانة والمذلة. ويدمر احترام الإنسان لذاته.

ويتخذ العنف المنـزلي أشكالاً عديدة. فقد استرعى العنف المرتبط بالمهور الاهتمام في الآونة الأخيرة، ويعود الفضل في ذلك بصورة كبيرة إلى جهود التجمعات النسائية في آسيا. فمع أنه من غير المعلوم كم هو عدد النساء الهنديات اللاتي يتعرضن للضرب أو الحرق أو للإساءة الجسدية بالعلاقة مع شروط المهر، غير أن تصريح الحكومة الهندية بأن 6,929 حالة وفاة قد وقعت بالعلاقة مع المهور في عام 1998 إنما يعطي فكرة ما عن حجم المشكلة.

إن نساء ينتمين إلى كل الطبقات الاجتماعية والأجناس والديانات والفئات العمرية يتعرضن للعنف على أيدي الرجال الذين يشاركونهن حياتهن. بيد أن بعض فئات النساء أشد تعرضاً للعنف المنـزلي بصورة خاصة … وتشمل هؤلاء العاملات في المنازل، ومن يزوّجن رغماً عن إرادتهن. ومن لم تتخذ الدولة تدابير لمنع هذه الأفعال ومقاضاة مرتكبيها ومعاقبتهم، فإن مثل هذا العنف يمكن أن يرقى لدرجة التعذيب.

إن العاملات في المنازل، اللاتي تحمل العديد منهن جنسيات أجنبية، كثيراً ما يتعرضن لسوء المعاملة من قبل مخدوميهن. والنساء اللواتي يدخلن البلد الذي يعملن فيه بصورة غير قانونية، ومثلهن من جرى تهريبهن أو تجريدهن من أوراقهن الثبوتية، أشد تعرضا للإساءة، ومن غير المحتمل أن يحصلن على تعويض قانوني.

ففي المملكة العربية السعودية، تعزل العاملات في المنازل، اللاتي يأتي معظمهن من جنوب وجنوب شرقي آسيا، عن باقي المجتمع بصورة صارمة على وجه العموم ويصادر مخدوميهم جوازات سفرهن، في العادة، ويحتجزوهن في البيوت التي يعملن فيها. وقد ينقلن إلى خدمة رب عمل جديد دون موافقتهن. ولا تنطبق عليهن الحماية التي تتوفر لغيرهن من العاملين بموجب قوانين العمل السعودية. ولا يستطعن مغادرة البيت لطلب النجدة، إذ لا يسمح للنساء في السعودية الخروج إلى الأماكن العامة إلا بصحبة محرم… أي أحد الأقرباء من الذكور ممن لا يحل للمرأة الزواج منهم.

وصلت نصيرة، وهي امرأة إندونيسية شابة، إلى المملكة العربية السعودية عام 1993 لتسلم وظيفتها كعاملة منـزلية. وقد أبلغت منظمة العفو الدولية بأنها تعرضت للإساءة الجنسية من قبل مخدومها، وبأنها اتهمت زوراً بقتله، ثم تعرضت للتعذيب وللإساءة الجنسية من قبل رجال الشرطة إبان اعتقالها لمدة سنتين بمعزل عن العالم الخارجي. ولم يقم المسؤولون في سفارة بلادها بزيارتها ولو لمرّة واحدة. ولم يكن في محاكمتها ما يشير إلى أنها تخضع للقانون لدرجة أنها لم تعرف أنه قد صدر حكم بحقها، وليس لديها فكرة حتى الآن عن “الجرم” الذي سجنت بسببه لمدة خمس سنوات.

إن إساءة معاملة العاملات في المنازل لا تقتصر على أي جزء في العالم، إذ يعيش العديد من العاملات في المنازل في الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة من لا يتمتعن بوضع قانوني منهن، في ظروف العمل القسري، وتصادر أوراقهن الثبوتية، ويتعرضن لتشكيلة من الإساءات. وفي المملكة المتحدة، تم توثيق ما يربو على 2,000 حالة من حالات الإساءة للعاملات في المنازل، بما في ذلك الاعتداء الجسدي والإساءة الجنسية، ما بين 1987 و 1998. وكانت معظم النسوة من الرعايا الأجانب اللاتي لم تسمح لهن أوضاعهن بموجب قوانين الهجرة بتغيير مواقع عملهن. إذ كان تغيير مخدوميهن يعني أن يصبحن “مهاجرات غير قانونيات”.

التعذيب وإساءة المعاملة في الزيجات القسرية

تعاني النساء والفتيات في بعض البلدان من التعذيب وسوء المعاملة بعد إجبارهن على الزواج، من قبل الوالدين في العادة. إن الزواج القسري هو بحد ذاته انتهاك لحقوق الإنسان، ويخلق سياقاً تتم فيه المعاشرة الجنسية دون رضى، كما يولد العنف الجسدي.

يشكل الزواج القسري انتهاكاً لشرط القبول الحر والتام من قبل الطرفين الذي ينطوي عليه حق الزواج. وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: “لا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضاً كاملاً لا إكراه فيه”. كما أن الزواج القسري يشكل انتهاكاً لحقوق أخرى من حقوق المرأة، بما في ذلك حقها في التحرر من التمييز، وفي الحرية والأمن الشخصيين، وفي التحرر من الممارسات الشبيهة بالعبودية.

إن زواج الفتيات الصغيرات اللاتي لسن في وضع يؤهلن للموافقة القائمة على المعرفة على العلاقات الجنسية، يشكل انتهاكاً لاتفاقية حقوق الطفل، التي تنادي بحق الطفل في الحرية من الإساءة الجنسية: فمثل هذه الزيجات المبكرة تخضع الفتيات الصغيرات، اللاتي لم يكن قد بلغن سن الحلم أحياناً، وغير الناضجات بصورة عامّة، لعلاقات جنسية غير قائمة على التراضي ترقى إلى مرتبة الإساءة الجنسية للطفل.

وتتم الزيجات القسرية -- أي الزيجات التي تتم دون موافقة أحد الشريكين أو كليهما -- بحسب ثقافات وتقاليد متباينة. وفي العادة، فإن الطرف الذي لا يسأل عن موافقته أو يتم تجاهل عدم قبوله هو المرأة. وفي العديد من بقاع العالم، يتفاوض الوالدان بشأن الزواج مع والدي الزوج الموعود، متجاهلين رغبات ابنتهم.

ففي أجزاء كبيرة من باكستان، يتفاوض والدا العروسين الموعودين حول “صفقة” الزواج، التي تشتمل على دفع “ثمن الزوجة”. وتتشابه هذه الممارسة مع العبودية من وجوه عدة. فقد يجبر الرجل الباكستاني على زواج من ترتيب الآخرين، غير أنه يستطيع الزواج ثانية من امرأة على هواه، كما يستطيع بسهولة طلاق من أجبر على الزواج منها. وإذا ما حاولت الشابة مقاومة قرار أبويها، فغالباً ما تتعرض للإساءة الجسدية. وعلى سبيل المثل، تزوجت حميراء خوكار، وهي من أوكارا بإقليم البنجاب، رجلاً اختارته بنفسها بدلاً من الرجل الذي اختاره لها أبوها. فما كان إلا أن أغلقت عليها أبواب بيت أهلها، وعندما حاولت الفرار للالتحاق بزوجها، جرت مطاردتها واختطفت من مطار كراتشي أثناء محاولة الزوجين مغادرة باكستان. وهُددت غير مرة بأنها ستقتل، وربما تكون مدينة بحياتها لتدخل ناشطات الحركة النسائية المحلية في الوقت المناسب. وذكر زوجها أن أقارب زوجته قاموا في مطار كراتشي “بنـزع خمار زوجتي وجرها من شعرها في قاعة المطار، وبضربنا جميعاً. وشهد المصيبة التي نزلت بنا عدد كبير من الناس، غير أن الجميع أصيبوا بالفزع، ولم يجرؤ أحد على مساعدتنا”.

وتتعرض الشابات اللاتي تعود أصولهن إلى جنوب أسيا ويولدن في بلد غربي، ويترعرعن فيه، ويحملن جنسيته إلى جانب جنسية البلد الأصلي، للاختطاف من قبل أفراد عائلاتهن ويزوجن قسراً في بلدهن الأصلي  إلى رجال لا يعرفنهم ولا يوافقن على الزواج منهم. وتتحدث التقارير الإعلامية عن حدوث ما يقارب 1,000 حالة من مثل هذه الحالات بين النساء البريطانيات من أصل آسيوي كل عام. والنمط السائد في هذه الحالات هو استدراج الفتاة أو إجبارها على السفر إلى جنوب آسيا بحجة رؤية قريب مريض أو قضاء الإجازة. ولدى وصولها، يصادر جواز سفرها عادة، وتسجن في بيت أهلها إلى أن يحين موعد الزواج.

التعذيب وإساءة المعاملة باسم “الشرف”

نعمل، نحن النساء، طوال اليوم في الحقول، تلسعنا حرارة الشمس الحارقة، ونعرق ونشقى ونرتجف طوال النهار، لا ندري من ذا الذي سيلقي نظرة علينا. ونظل رهن الاتهام والإدانة بأن توصم  الواحدة منا بأنها “كاري” (حرفياً امرأة سوداء، مشتبه بأن لها علاقات جنسية غير شرعية) وتذبح“. -- شهادة لصبية باكستانية.

ثمة فتيات ونساء من جميع الأعمار يتعرضن للاعتداءات بدافع الشرف في بلدان من جميع أقاليم العالم بعد أن يتهمن بأنهن قد جلبن العار لعائلاتهن ومجتمعهن نتيجة سلوكهن. ويمكن أن يتراوح ذلك بين تجاذب الحديث مع ابن الجيران وبين إقامة علاقة جنسية خارج نطاق الزواج. كما يمكن أن ينطوي على فعل أقدم عليه رجل ضد رغباتهن. فمجرد التصور بأن المرأة قد خالفت الشرعة المعتمدة للسلوك الجنسي يثلم الشرف. ونظام الشرف لا يسامح: فمن وقع عليهن الشك لا يمنحن الفرصة للدفاع عن أنفسهن؛ وليس لدى أفراد العائلة من بديل يقبله المجتمع سوى إزالة ما لطخ شرفهم من عار، أي ممارسة الاعتداء على المرأة.

إن معاملة المرأة على أنها سلعة… يملكها الذكور من الأقارب… يسهم في هذا الشكل من أشكال العنف ضد المرأة. فحقوق الملكية تتعرض للخطر إبان تسوية النـزاعات التي تتعلق بنقل ملكيتهن، وعندما تصبح عفة المرأة موضع شك. وفي جرائم الشرف، ينظر إلى المرأة الضحية على أنها الطرف المذنب، وإلى الرجل الذي “كان يملكها” على أنه الضحية التي عانت خسارة شرفها. وبالنتيجة، فهو الشخص المحزون الذي ينصب عليه عطف المجتمع وحدبه.

ترد التقارير المتعلقة بـ”جرائم الشرف”، بما فيها من تعذيب وقتل، من أقطار عدة، لا سيما العراق والأردن وتركيا. وبينما يكون الجناة عادة على قناعة بأنهم محقون في ما فعلوا، فإن المباركة الاجتماعية لهذه الأفعال تشهد انحساراً بطيئا في الأردن، وربما يعود ذلك إلى تأثير الانتقادات العلنية والصريحة التي توجهها العائلة المالكة إلى مثل هذه الجرائم.

نساء يبعن ويشترين

نادراً ما يقع انتهاك حق المرأة في الحرية من التعذيب بمعزل عن انتهاكات أخرى. فانتهاك حق المرأة في المساواة مع الرجل، الذي كثيراً ما يتفاقم بفعل التمييز على أساس الجنس، والأصل العرقي أو الطبقي، يسهل وقوع انتهاكات أخرى. وينطوي الفقر وعدم المساواة في التعليم والرعاية الصحية على حرمان الأشخاص من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية الأساسية، كما أنهما يحدان من فرص المرأة في التعويض عليها عن ما يلحق بها من أذى. ونادراً ما تلقى الإنصاف أو المساندة النساء اللواتي يشترين ويبعن -- سواء من يهرّبن للاتجار بهن أو من يسترققن للعمل- إذا ما سعين للانتصاف، لا بل كثيراً ما يعرضهن ذلك لمزيد من العقوبات، إذا ما تجرّأن على الكلام.

تعذيب النساء اللواتي يتّجر بهن وإساءة معاملتهن

تعرضت لانهيار عصبي. أردت الفرار من هذا المكان وطلبت من أحد الزبائن أن يساعدني. وتبين أنه واحد منهم، فانهال علي أصحاب المحل بالضرب. لم يكن لدي مكان أهرب إليه… كانت النوافذ محمية بالقضبان وكان الحرس في المكان ليلاً ونهاراً -- فالنتينا، وهي طبيبة نفسية وعاملة اجتماعية أوكرانية في السابعة والعشرين من العمر وصلت إلى إسرائيل في أغسطس/آب 1998. كانت تعتقد أنها ذاهبة إلى إسرائيل ممثلة لإحدى الشركات، وأخذت منها نقودها وجواز سفرها وتذكرة العودة، ثم نقلت إلى إحدى الشقق، حيث احتجزت لمدة شهرين وأجبرت على العمل كمومس.

كانت الأوضاع رهيبة. إحدى الفتيات أجبرت على العمل في القبو لثمانية أشهر. كان المكان شديد الرطوبة، وأصيبت نتيجة لذلك بالتدرّن الرئوي. وعانت معظم الفتيات من أمراض مختلفة… بعضها تناسلية وبعضها يتصل بأعضائهن التناسلية. لا أتمنى لأعدائي أن يمروا بما مررنا به.

تمكنت فالنتينا في النهاية من الفرار، بيد أنه ألقي القبض عليها في مارس/آذار لأنها لم تكن تملك وثائق ثبوتية أو تأشيرة دخول. وكانت خائفة من أن تدلي بشهادتها بشأن الرجل الذي باعها إلى أصحاب المبغى لأنه كان يعرف مكان عائلتها في أوكرانيا. وعندما قابلتها منظمة العفو الدولية، لم تكن فالنتينا تعرف إلى متى ستواصل السلطات الإسرائيلية احتجازها، أو متى سيسمح لها بالعودة إلى وطنها.

إن الاتجار بالبشر يشكل ثالث أكبر مصدر للربح في عالم الجريمة المنظمة على الصعيد الدولي، بعد المخدرات والسلاح، إذ تقدّر حصيلته السنوية بمليارات الدولارات. وتعتقد الأمم المتحدة أن عدد الأشخاص الذين يتم تهريبهم كل عام للاتجار بهم يصل إلى 4 ملايين شخص. ولم تلتفت معظم الحكومات إلى هذا الأمر إلا مؤخراً، وفي معظم الأحيان لدواع تتعلق بالقانون والنظام أكثر منه لدواع تتعلق بحقوق الإنسان.

إن حجم هذه المشكلة هائل. ويورد تقرير أصدرته وزارة الخارجية في الولايات المتحدة عام 2000 أنه يجري تهريب ما بين 45,000 و 50,000 امرأة وطفل إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً. وأدت حملة شنت للقضاء على التهريب في الصين إلى إنقاذ ما يربو على 10,000 امرأة وطفل، بحسب ما ذكر، خلال الشهر الأول من الحملة. وقال المسؤولون إنه كان يفترض بيع النساء للعمل كمومسات في الجنوب أو لتزويجهن قسراً إلى الفلاحين.

ويجري توريط النساء في هذه الأنشطة باستخدام ادعاءات كاذبة، وإكراههن ونقلهن وبيعهن وإخضاعهن لألوان مختلفة من الاستغلال. ويبن أشكال الاستغلال هذه العمل القسري، بما في ذلك العمل القسري في المنازل، والاستغلال الجنسي، لا سيما السياحة الجنسية والزيجات القسرية. ويتم تضليل البعض بشأن طبيعة العمل الذي سيقمن به، بينما تقدم للبعض الآخر أنصاف حقائق يجبرن بعدها على ممارسة العمل، في حين يُبلّغ البعض بطبيعة العمل، ولكن دون الإشارة إلى الظروف المحيطة به، وسط غياب البدائل الاقتصادية الأخرى.

إن النساء المهرّبات يخضعن لمجموعة واسعة من انتهاكات حقوق الإنسان يرقى العديد منها إلى مستوى التعذيب أو إساءة المعاملة. إذ تتعرض النساء اللواتي يُتّجر بهن لغايات الاستغلال الجنسي في كثير من الأحيان للإساءة الجنسية والاغتصاب لكسر مقاومتهن النفسية والعاطفية، وبهدف إجبارهن على العمل كعاهرات. كما تضرب العديدات منهن ويغتصبن لمعاقبتهن على محاولتهن الهرب أو لرفضهن معاشرة الزبائن. وعلى الرغم من مخاطر التقاط فيروس عجز المناعة المكتسبة (الإيدز) أو الإصابة بالمرض، فإن النساء يلقين العقاب لرفضهن ممارسة الجنس دون استعمال وسائل للوقاية.

وبالإضافة إلى العنف الجسدي، تتعرض النساء المهربات لإساءات أخرى، لا سيما الاحتجاز غير القانوني ومصادرة وثائقهن الثبوتية، وحتى الاسترقاق. ويفاقم من آثار هذه الإساءات ما تلقاه النساء اللاتي يتّجر بهن من معاملة على أيدي الموظفين الحكوميين، الذين يعاملوهن على أنهن مجرمات لا ضحايا.

إن الاتجار بالنساء محرم بموجب العديد من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاتفاقية الملحقة باتفاقية القضاء على الرق وتجارة الرقيق والمؤسسات والممارسات الشبيهة بالعبودية. وتنص اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على أن: “تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة، بما فيها وضع التشريعات اللازمة، للقضاء على جميع أشكال الاتجار بالمرأة، واستغلال  المرأة في الدعارة”. وتشتمل اتفاقية جديدة بشأن الجريمة المنظمة في الأوضاع الانتقالية، تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، على بروتوكول لمنع الاتجار بالأشخاص، وخاصة النساء والأطفال، والقضاء عليه ومعاقبة الضالعين فيه.

تعذيب النساء المسترقات لسداد الدين وإساءة معاملتهن
يعيش ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم في حالة استرقاق لضمان سداد دينهم، حيث يعمل هؤلاء بلا أجر لسداد ديونهم لمالكي العقار أو أصحاب العمل. وتقع عائلات بأكملها في أغلال الاسترقاق نتيجة حاجتها إلى الحصول على قرض بسبب المرض أو ضعف المحصول أو لتغطية التزامات عائلية مكلفة، كالزواج مثلاً. وتجبر العائلات المسترقة على العيش في مكان العمل، ورب العائلة هو الوحيد الذي يتقاضى أجراً على عمله، ولا يغطي هذا الأجر النفقات المعيشية للعائلة، مما يضطرها إلى تحمل المزيد من الديون. ولا يعرف معظم العمال المسترقّين القراءة والكتابة أو الحساب، لذا فليس بإمكانهم إثبات أنهم قد سددوا ديونهم أضعافاً مضاعفة في بعض الأحيان، بعملهم وعمل زوجاتهم وأطفالهم. وفي بعض الحالات، يباع العمال المسترقّون ويشترون … بينما يباع قسم من العائلة إلى “مشتر”ٍ غير صاحب الدين، دونما أدنى اعتبار لما يربط أفراد العائلة من أواصر. إن الاسترقاق بسبب الدين قد غدا اليوم ممارسة شبيهة بالعبودية.
يظل العمال المسترقّون رهن قيودهم بواسطة الاحتجاز غير القانوني والإساءة والتهديد من قبل “مالكيهم” بعد انتهاء العمل، ويقيدون بالسلاسل أحياناً، لمنعهم من الهرب، أو لمعاقبتهم.
ويستدعي ملاك الأراضي أو مديرو أعمالهم النساء والفتيات بشكل روتيني لإجبارهن على ممارسة الجنس معهم. وفي هذا السياق، أبلغت امرأة باكستانية مسترقة منظمة العفو الدولية ما يلي: “كنا نغتصب نحن النساء على طريقة العصابات. ماذا كان بوسعنا أن نفعل عندما كانوا يدعوننا إلى الخروج إليهم؟ لم يتوانوا في بعض الأحيان عن الاعتداء علينا أمام أزواجنا وأطفالنا. ولم يلقوا بالاً إلى ما يلحق بنا من عار… وكانوا يغتصبون بعض البنات أيضاً… وبعضهن لم يكن قد تجاوز سن العاشرة أو الحادية عشرة… وحملت العديدات منا نتيجة لعمليات الاغتصاب هذه… وما كان باستطاعة أزواجنا فعل شيء، إذ كانوا يلقون في الحجز أو يبعدون  إذا تحدّوا الأوامر”.

الفصل الثاني: عدم ضمان الدولة حق المرأة في الحرية من التعذيب

تعرّضت رودي أدالي ألفورادو بييا منذ لحظة زواجها من ضابط في الجيش الغواتيمالي وهي في سن السادسة عشرة للإساءة الشديدة، وذهبت كل جهودها لطلب المساعدة سدى. إذ تعرضت للاغتصاب من قبل زوجها مراراً وتكراراً، ولمحاولة إجهاضها أثناء حملها لطفلها الثاني بركلها في عمودها الفقري، ولكسر في فكها، ولمحاولة لقطع يديها، وركل أعضائها التناسلية، واستخدام رأسها في كسر النوافذ. وكان زوجها ينشر الرعب في جسدها بالتفاخر بقدرته على قتل المدنيين الأبرياء والإفلات من العقاب. ومع أن العديد من اعتداءاته عليها كانت تتم تحت سمع الناس وبصرهم، غير أن الشرطة لم تجد سبيلاً لمساعدتها. وبعد أن تقدمت بشكوى، تجاهل زوجها ثلاث استدعاءات للمثول أمام القاضي دون مساءلة من أحد.

إن تجربة رودي ألفورادو بييا تظهر بعضاً من الطرق العديدة لتقاعس الدول عن تحمل مسؤولياتها في حماية المرأة. وإن ما يرتكب من أفعال عنيفة ضد المرأة يجب أن يغدو محرماً في القانون باعتباره جرماً جنائياً. بيد أن هذا وحده غير كاف لضمان تحررها من التعذيب وسوء المعاملة.

إن إعلان الأمم المتحدة الخاص بالقضاء على العنف ضد المرأة (انظر الإطار) ومؤتمر الأمم المتحدة الرابع لعام 1995 في بكين، قد وضعا الخطوات التي ينبغي على الحكومات اتخاذها للقضاء على العنف ضد المرأة. وتشمل هذه إعادة النظر في التشريعات الوطنية لضمان فعاليتها من حيث القضاء على العنف ضد المرأة والتشديد على مقاضاة الجناة، وتوفير السبل لوصول المرأة إلى الآليات القضائية طلباً للإنصاف، وتعزيز السياسات المناهضة للعنف ضد المرأة، لا سيما لدى الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين وأفراد الشرطة والعاملين في سلك القضاء، وفي المجالين الطبي والاجتماعي. إن وضع مثل هذه الخطوات موضع التنفيذ إنما يشكل أحد المؤشرات لقياس مدى رغبة دولة ما في حماية المرأة من التعذيب، وقدرتها على ذلك.

وكما لاحظ مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالعنف ضد المرأة، فإن “معيار الدأب الواجب لا يقتصر على التشريع أو التجريم”، وإنما يشمل كذلك مجموعة كاملة من الوسائل من ضمنها تدريب موظفي الدولة، والتعليم، “وكشف النقاب عن العنف المنـزلي”، وخلافها من التدابير.

وقد حاجج المدافعون عن العنف ضد المرأة، بمن فيهم بعض الحكومات أحياناً، بأنه يجب احترام  العادات والتقاليد التي تؤدي إلى الإساءة إلى المرأة بصفتها تعابـير أصيلة عن ثقافة الأمة أو المجتمع لا يجوز النظر إليها من زاوية حقوق الإنسان. ومثل هذه الآراء لا تعترف بأن مثل هذه الممارسات الثقافية إنما تشكل في بعض الأحيان السياق الذي تتم فيه انتهاكات حقوق الإنسان، والتبرير الذي يتم اللجوء إليه لتمريرها، على حد سواء، مخفية ورائها غياب الإرادة اللازمة لاتخاذ خطوات إيجابية لوضع حد للممارسات القائمة على التمييز.

إن منظمة العفو الدولية ترحب بالتنوع الثري للثقافات، وتعتقد أن عالمية حقوق الإنسان تغتني من هذا التنوع، وهي بعيدة كل البعد عن التنكر له. فإسهامات الثقافات المختلفة تثري عملية فهم حقوق الإنسان، وتعطيها صيغتها ولغتها المحليتين. وبينما تعترف منظمة العفو الدولية بأهمية التنوع الثقافي، فإنها تتصدى بثبات للدفاع عن عالمية جميع حقوق الإنسان، لا سيما الحقين الأساسيين في الحياة، وفي الحرية من التعذيب وسوء المعاملة. ومن واجب الدولة ضمان الحماية الكاملة لهذه الحقوق، حيث ينبغي عليها تطويع التقاليد عند الضرورة من خلال التعليم والقانون. وكما أشار المقرر الخاص المعني بشؤون العنف ضد المرأة، فإن “على الدولة واجب أكيد في مواجهة الممارسات الثقافية السائدة في المجتمع، التي تؤدي إلى العنف ضد المرأة، والتي تحط من قدر المرأة وتذلها، بما يؤدي إلى حرمانها من التمتع بحقوقها. إن المعايير الدولية تتطلب وجود سياسة حكومية منسقة للقضاء على هذه الممارسات، حتى عندما يحاجج المنافحون عنها بأنها متجذرة في المعتقدات والطقوس الدينية”.

إعلان الأمم المتحدة للقضاء على العنف ضد المرأة
مقتطفات من المادة 4:
ينبغي على الدول إدانة العنف ضد المرأة وعدم التذرع بأي عادة أو تقليد أو اعتبار ديني لتجنب الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالقضاء عليه. وينبغي على الدول أن تنتهج بجميع السبل المناسبة، ودون تأخير، سياسة تهدف إلى القضاء على العنف ضد المرأة، ومن أجل هذه الغاية، ينبغي عليها القيام بما يلي:
(أ) النظر، إذا لم تكن قد قامت بذلك من قبل، في المصادقة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، أو الانضمام إليها، أو سحب تحفظاتها على الاتفاقية؛
(ب) الامتناع عن المشاركة في العنف الموجّه ضد المرأة؛لامتناع عن المشاركة في العنف الموجّه ضد المرأة؛
(ج)  ممارسة الدأب الواجب لمنع الأفعال العنيفة ضد المرأة، والتحقيق فيها، ومعاقبتها بموجب التشريع الوطني، سواء ارتكبت هذه الأفعال من قبل الدولة أو من قبل أشخاص خاصين؛
(د)  النص على أحكام عقابية ومدنية وعمالية وإدارية في التشريع الوطني لمعاقبة ما يرتكب ضد النساء اللواتي يتعرضن للعنف من إساءات، والتعويض لهن؛ وتوفير سبل التقاضي للنساء اللواتي يتعرضن للعنف، وبحسب ما يقضي به التشريع الوطني، ضمان حصولهن على التعويض العادل والفعال عن ما لحق بهن من أذى؛ وينبغي على الدول كذلك إبلاغ المرأة بالحقوق الواجبة لها عند سعيها إلى الإنصاف عن طريق هذه السبل؛
(هـ) النظر في إمكان وضع خطط عمل وطنية لتعزيز حماية المرأة من أي ضرب من ضروب العنف، أو تضمين خطط العمل القائمة بنوداً خاصة بهذا الغرض، مع الأخذ بعين الاعتبار، بحسب ما هو ملائم، ما يمكن أن تقوم به المنظمات غير الحكومية من تعاون، وخاصة المعنية منها بموضوع العنف ضد المرأة؛

عدم توفير الإنصاف القانوني

لم تقم الحكومات في أنحاء مختلفة من العالم بواجبها في ضمان الإنصاف القانوني لمن تعرضن للإساءة من النساء. ويشمل التمييز بين الجنسين في هذا المجال الإبقاء المثابر على قوانين لا تفي بما يكفل التصدي للإساءات، والخلل المؤسسي من جانب عملية القضاء الجنائي، بشقيها الشرطي والقضائي. وكثيراً ما يعزز كل من هذه النواقص غيره من النواقص الأخرى.
ولا تعامل إساءات عديدة على أنها جرائم جنائية. والقوانين التي تحكم جريمة الاغتصاب غير كافية في العديد من البلدان. وليس في معظم البلدان قانون ضد الاغتصاب في إطار الزوجية: حيث تشير النتائج الأولية لدراسة مسحية قامت بها المنظمة النسائية غير الحكومية “التغيير”  إلى أن عدد الدول التي سنت تشريعاً ضد الاغتصاب في إطار الزوجية على صعيد العالم بأسره لا يزيد عن 27 دولة. ولم يوسم الاغتصاب في إطار الزواج على أنه جريمة محددة بموجب القانون الجنائي في الاتحاد الأوروبي إلا في خمسة بلدان من 15 بلداً، وهي ألمانيا وفنلندا وأيرلندا والبرتغال والمملكة المتحدة. ولا يعتبر الزواج القسري جرماً في العديد من البلدان، ولا يتم تجريم الاتجار بالأشخاص في معظم الأحيان إلا من زاوية القانون والنظام، أو لاعتبارات الهجرة غير القانونية، وليس نتيجة الرغبة في حماية حقوق الضحايا.

إن امتناع حكومة ما عن تحريم الأفعال العنيفة ضد المرأة أو توفير الحماية القانونية الكافية لها في مواجهة هذه الأفعال يشكل ضرباً من ضروب عجز الدولة عن الحماية. وتشكل أفعال العنف الموجه إلى المرأة ضرباً من ضروب التعذيب عندما تتسم في طبيعتها وقسوتها بما ينطوي عليه مفهوم التعذيب، وبعد أن تمتنع الدولة عن تقديم الحماية الفعالة.

عدم إنصاف النساء اللواتي يتّجر بهن
تواجه النساء اللواتي يتّجر بهن صعوبة غير عادية في سعيهن للتعويض عن ما يلم بهن نظراً لأنهن يعاملن في أجزاء كثيرة من العالم على أنهن مجرمات لا ضحايا. ويشمل الاتجار  تجنيد بني البشر ونقلهم وشراءهم أو بيعهم، باستخدام العنف أو الاختطاف أو القوة أو الاحتيال أو الخداع أو الإجبار أو الدَين أو الاسترقاق، لغايات الاستغلال.
ففي ديسمبر/كانون الثاني 1998، ألقي القبض على 53 امرأة آسيوية في تورونتو جنباً إلى جنب مع وكلاء وقوادين قاموا بإحضارهن إلى البلاد بصورة غير قانونية وإجبارهن على الدعارة لسداد الديون التي ترتبت عليهن نتيجة نقلهن إلى كندا. ووجهت إلى النساء تهم تتصل بالدعارة وأخرى بموجب قانون الهجرة. ولم توجه إلى من تولوا عملية جلبهن تهمة ممارسة التعذيب أو الاسترقاق الجنسي، وإنما تهمة الاحتجاز القسري الأقل تجريماً. “وتردد الموظفون المكلفون بتنفيذ القانون في أن يدمغوا العملية على أنها استرقاق جنسي نظراً لوجود “عقود” صودرت بموجبها الوثائق الثبوتية للنساء، وقيدت حركتهن، وأجبرن على سداد دينهن عن طريق المشاركة في 400-500 فعل جنسي. ولأن النساء كن قد وافقن على الهجرة للعمل في تجارة الجنس، فإن الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون توصلوا إلى الاستنتاج بأنهن “كن يعلمن تمام العلم ما كن سائرات إليه” “.
لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان علقت على معاملة النساء اللاتي يتّجر بهن في إسرائيل قائلة إنها “تأسف لعدم توفير الحماية للنساء اللاتي يجلبن إلى إسرائيل لغايات الدعارة، واللواتي يجلب العديد منهن نتيجة التضليل أو الإجبار، باعتبارهن ضحايا لعمليات الاتجار، ولإمكان تعرضهن لعقوبة الإبعاد بسبب وجودهن غير القانوني في إسرائيل.فمثل هذا النهج في التعامل مع هذه المشكلة يمنع هاتيك النسوة بقوة من طلب الإنصاف المترتب على انتهاك حقوقهن بموجب المادة 8 من العهد ( الدولي الذي يحرّم العبودية). وتوصي اللجنة ببذل جهود جدية لتعقّب المتاجرين بالنساء ومعاقبتهم، ووضع برامج لإعادة تأهيل الضحايا وضمان تمكينهن من إيجاد السبل الكفيلة باقتصاص القانون لهن من الجناة”. وفي يوليو/تموز 2000، أقر البرلمان الإسرائيلي تشريعاً أصبح بموجبه شراء البشر وبيعهم لغايات الدعارة جريمة جنائية يحاسب عليها القانون.
وأكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بشؤون العنف ضد المرأة أن:السياسات المناهضة للهجرة تساعد المتّجرين وتشد من عضدهم. …وتصب سياسات الاستبعاد غير المرنة، والتي تطبق عن طريق فرض عقوبات قاسية ذات طبيعة جزائية ضد مخالفيها، الحَب في طاحون المتّجرين … كما أن احتمالات نمو اقتصادات الاتجار بالبشر، التي تقوم على مزيج من العرض والطلب والممارسات غير القانونية، تكون أقل في ظل الظروف التي تتيح الفرصة للمهاجرين غير القانونيين لكي يجدوا عملاً.
عدم إنصاف النساء اللاتي يغتصبن
يجيز القانون المتعلق بالأدلة في قضايا الاغتصاب في الهند “للرجل الذي يحاكم بتهمة الاغتصاب أو الشروع في انتهاك العرض أن يبين أن من يحاكم بسببها عديمة الخلق على وجه العموم”. ومن جانب آخر، لا تؤخذ بعين الاعتبار صفات الشخص المتهم. ويجعل هذا البند في القانون من إنصاف النساء العاملات في البغاء اللواتي يغتصبن أمراً شبه مستحيل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن القانون الهندي لا يلزم الشرطة بتحويل المرأة التي تزعم بأنها قد اغتصبت إلى الفحص الطبي فوراً، مما يؤدي إلى فقدان الأدلة الطبية في كثير من الأحيان.
وثمة عراقيل قانونية محددة في باكستان تحول دون الإبلاغ عن الإساءات الجنسية. فقد صيغ القانون المتعلق بالاغتصاب بحيث يؤدي عدم قدرة الضحايا من النساء على إقامة الدليل في أن الأمر لم يتم برضاهن إلى أن يتهمن هن أنفسهن بالزنا. ويشكل الزنا جرماً يعاقب عليها بالرجم حتى الموت أو بالجلد على مرأى من الناس. وقد نظمت المجموعات النسائية حملات تهدف إلى إجراء تعديلات على القانون تمكّن ضحايا الاغتصاب من الإبلاغ عن الجريمة دون المخاطرة بأنفسهن، ولكن دون طائل. وفي هذه الظروف، تعتبر منظمة العفو الدولية الحكومة متواطئة في تعذيب المرأة.
القيود التي تعرقل إنصاف الضحايا
يمكن أن تؤدي القيود المفروضة على حركة المرأة ومبادراتها وحقوقها القانونية إلى المزيد من العراقيل التي تسد سبل العدالة أمام ضحايا العنف من النساء.
فالنساء اللواتي يلجأن إلى الشرطة في المملكة العربية السعودية طلباً للمساعدة يتعرضن لخطر الاعتقال بدعوى وجودهن في مكان عام دون محرم كالأخ أو العم، ويعدن في العادة إلى الأوضاع نفسها التي يسعين إلى الفرار منها، هرباً من الإساءة. وفي باكستان، نادراً ما تكون المرأة في وضع يمكنها من معرفة العالم من حولها خارج نطاق قطعة الأرض التي تعيش مر عائلتها فوقها، ونادراً ما تستطيع الحصول على النقود، بينما تثير رؤية أحدهم لها وهي تمشي خارج قريتها، أو تركب إحدى الحافلات، الشكوك من حولها فوراً.
وفي بعض الأقطار، لا تستطيع المرأة دخول المحكمة بنفسها.. إذ من المفترض أن أقاربها من الذكور يمثلون مصالحها. فعلى سبيل المثل، يعتبر ظهور المرأة في المحكمة للمطالبة بحقوقها في المملكة العربية السعودية مدعاة للخجل وعاراً.
الاستجابات القانونية غير المناسبة
سنت الحكومات في بعض الحالات تشريعات ضد الانتهاكات أدت في الحقيقة إلى مزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان. وبحسب التقارير، فإن حكومة سوازيلاند كانت في مايو/أيار 2000 بصدد وضع اللمسات الأخيرة على تشريع لخصي مرتكبي الاغتصاب المحكومين كيميائياً استجابة لزيادة بمعدل 10 بالمائة في حوادث الاغتصاب في العام السابق. بيد أن التشريع المقترح لا يخاطر فحسب بانتهاك تحريم العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة فحسب، وإنما يعامل الاغتصاب على أنه أمر يتعلق فحسب بالثواب أو العقاب الجنسي. غير أن الاغتصاب في جوهره “يتعلق بطريقة في فرض السيطرة من قبل شخص على شخص آخر. فقد لجأ بعض الرجال العاجزين جنسياً إلى استعمال زجاجات البيرة في ارتكاب الاغتصاب”.
وبالمثل، وسعت حكومة باكستان في مارس/آذار 1997 من نطاق تطبيق عقوبة الإعدام لتشمل الاغتصاب الجماعي؛ وكانت عقوبتها في السابق السجن 25 عاماً. وسنت الحكومة الهندية هي أيضاً تشريعاً يفرض عقوبة الإعدام على مرتكبي  الاغتصاب، في رد “شعبي” على الجرم. وتعتبر منظمة العفو الدولية  عقوبة الإعدام نفسها انتهاكاً لحقوق الإنسان. ناهيك عن أن معدلات  الاغتصاب لم تنخفض في أي من البلدان التي فرضت فيها عقوبة الإعدام على مرتكبي الاغتصاب الجماعي. ففي الفليبين، لا يقل عدد من ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم من مرتكبي الاغتصاب عن نصف من صدرت أحكام بالإعدام بحقهم في البلاد، البالغ عددهم 1,500 شخصاً، ومع ذلك فإن التقارير الصادرة بشأن حوادث الاغتصاب ظلت في ازدياد مستمر. إن منظمة العفو الدولية تناهض بثبات العقوبات التي تنتهك هي نفسها حقوق الإنسان، من قبيل العقوبة البدنية القضائية وعقوبة الإعدام.

المعوقات الاجتماعية والثقافية للإنصاف

يمكن أن لا يكون بمقدور المرأة الحصول على الإنصاف عن ما لحق بها من إساءات لأسباب مختلفة. ويعود كثير من هذه الأسباب إلى حرمان المرأة من حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إن التبعية الاقتصادية وعدم كفاية ما يوفر للمرأة من أسباب الرفاه الاجتماعي في أجزاء عديدة من العالم تضطر النساء إلى تحمل الإساءة المستمرة. وكثيراً ما لا يكون لدى المرأة التي تتعرض للإساءة مكان تذهب إليه، ولا مال تنفقه على نفسها وعلى أطفالها، ولا أموال تنفقها على الاستشارات القانونية طلباً للإنصاف. وفي أغلب الأحيان، لا تتوفر للمرأة التي يساء إليها المشورة القانونية ويتكالب الحرمان الاجتماعي والاقتصادي مع الجهل بالحقوق المدنية ونظام القضاء الجنائي في بقاء المرأة جاهلة بالبدائل المتاحة لها. وقد تخشى المرأة، وذلك أمر مبرر تماماً،  التعرض للمزيد من الإذلال على يد الشرطة، والمخاطرة بأن تعود لتلقى المزيد من الإساءات. وربما تشعر كذلك بالخوف على سلامتها أو سلامة أطفالها، أو من أن تفقد حقها في رعايتهم. فبحسب المسح البريطاني للجريمة، على سبيل المثال، لم تقدم معظم النساء على رفع شكوى بما تعرضن له من عنف منـزلي إلا بعد معاناتهن الإساءات العنيفة 35-40 مرة.

وقد أخذت المنظمات غير الحكومية في أنحاء مختلفة من العالم على عاتقها العديد من واجبات الدولة في توفير الدعم والإنصاف لضحايا الإساءات من النساء، حيث يوفرن لهن المأوى والمساندة القانونية والدعم المالي المؤقت. بيد أن هذه المنظمات تشكو من قلة الموارد. ففي فرنسا، تدعم الحكومة، على سبيل المثل، خطين ساخنين اثنين فقط في طول البلاد وعرضها، أحدهما موجه لخدمة ضحايا العنف المنـزلي، بينما يخدم الآخر ضحايا الاغتصاب.

وتشكو الملاجئ المخصصة لمن يتعرضن للإساءة، سواء منها تلك الممولة من قبل الحكومات أو من تتعهدها المنظمات غير الحكومية، من ضعف التمويل في كل مكان تقريباً، أو من قلة العدد بالقياس إلى أعداد النساء المحتاجات إليها. ففي المملكة العربية السعودية، تسيطر الحكومة على الهيئات النسائية تماماً، ولا وجود للملاجئ المخصصة للنساء. ولا تستطيع النساء في باكستان دخول ملاجئ النساء إلا بأمر من القاضي، ويسود في هذه الملاجئ نظام أشبه بالاعتقال.

وفي بعض البلدان، أدى عدم وجود ملاجئ  إلى سجن النساء لا لشيء إلا لحمايتهن، بينما يظل من أساءوا إليهن طلقاء. ففي الأردن، يبقى العديد من السجينات في السجن بعد انقضاء مدة حكمهن لعدم شعورهن بالأمان إذا ما عدن إلى عائلاتهن. وذكر مدير مركز إصلاح وإعادة تأهيل النساء في يوليو/تموز 2000 أن 35 من أصل 214 من النـزيلات كن محتجزات في ذلك الحين وراء القضبان “لحمايتهن خوفاً من ما يمكن أن تفعله بهن عائلاتهن … وتقضي بعضهن فترات غير محددة في السجن، ولم تصدر بحق بعضهن أي إدانة بجرم، أما البعض الآخر فقد أنهين مدة حكمهن، ولكننا لا نستطيع إطلاق سراحهن لأننا نخشى على سلامتهن”.

إن العنف المنـزلي لا يلحق الضرر بالأجساد فحسب، وإنما يمكن أن يزعزع أو يحطم احترام المرأة لنفسها وإرادتها في أن تقاوم الإساءة وأن تنشد إنصافها. ومازالت تبعية المرأة للرجل أمراً مقبولاً على نطاق واسع في جميع الثقافات، حتى من قبل النساء أنفسهن، وأمراً أجازه “النظام الطبيعي” أو الدين أو التقاليد. فقد أظهرت دراسة بشأن العنف الجنسي في الأحياء الجنوبية المزدحمة من مدينة جوهانسبيرغ بجنوب أفريقيا أن الفتيات والنساء، وخاصة الفقيرات منهن، يتقبلن العنف الجنسي والتمييز بدرجة تبعث على الدهشة. وأعرب أكثر من نصف من جرت مقابلتهن عن اعتقادهن بأن المرأة مسؤولة جزئياُ عن ما يلحق بها من إساءة جنسية، وأن 12 بالمائة من الشابات لا يعتقدن بأن من حقهن مقاومة الإساءة.

إن النساء غالباً ما يتحملن الإساءة بصمت باعتبارها قدراً لا مفر منه… وفي واقع الحال، فإن النساء كثيراً ما يشعرن بأنهن مسؤولات عن ما يلحق بهن من أذى. وفي ثقافات عديدة، لا يعرف بشخص المرأة اجتماعياً إلا بالعلاقة مع أبيها أو زوجها. ويتطلب ترك فتاة العائلة بسبب الإساءة شجاعة غير عادية، وقد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والمضايقة فوق ما تحملته المرأة من إساءة. وعلى النساء تحمل العواقب السلبية لما ينجم عن الطلاق أو فشل العلاقة من تحطم للأسرة.

ويفترض بصور تقليدية أن المرأة المتزوجة قد أعطت موافقتها المطلقة على ممارسة الجنس مع زوجها، وأنه ليس من حقها رفض ذلك. وبالمثل، فإنه كثيراً ما يفترض أن العاملات في صناعة الجنس قد تخلين كلياً عن حقهن في رفض أن يجامعهن شخص ما، وتعتبر مقاومتهن لممارسة الجنس معهن قسراً أمراً غير مبرر. فقد واجهت النساء النيباليات اللواتي جرى الاتجار بهن وتهريبهن للعمل في المباغي الهندية لنبذ مجتمعاتهن بعد إنقاذهن من قبل المنظمات غير الحكومية ومساعدتهن على العودة، إذ رأت مجتمعاتهن فيهن نساء منحلات، لا ضحايا لتجارة لا ترحم.

إن عدم ضمان الدولة للمرأة التمتع بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية يضع المزيد من العراقيل في الطريق إلى إنصافها عن ما ينـزل بها من أفعال عنيفة، ويسهل استمرار تعذيبها وإساءة معاملتها

التحيز ضد المرأة من قبل الشرطة

تتطلب المعايير الدولية التحقيق الفوري والمحايد والفعال في شكاوى وتقارير العنف ضد المرأة. بيد أن الواقع كثيراً ما يكون غير ذلك للأسف. ففي أجزاء عديدة من العالم، تتقاعس الشرطة بشكل روتيني عن التحقيق في الشكاوى المقدمة من النساء ضد الانتهاكات، وتتعامل مع العنف في إطار العائلة، لا على أنه قضية جنائية أو هم من هموم حقوق الإنسان، وإنما باعتباره شأناً من الشؤون المنـزلية لا يسألون عنه. أما بالنسبة للنساء اللواتي ينتمين إلى الأقليات العرقية أو الدينية فإن الشرطة أكثر تردداً في التدخل، إما لأسباب مدّعاة من قبيل “الحساسيات الثقافية”، أو بسبب التحامل العرقي.

إن الحكومات نادراً  ما تتصدى للتمييز بين الجنسين من قبل الشرطة، على الرغم من التزاماتها الدولية بالقضاء عليه. فنادراً  ما تحقق السلطات في مزاعم التمييز، أو تتخذ التدابير التأديبية المناسبة بحق رجال الشرطة الذين يمارسون التمييز ضد الضحايا من النساء، أو تدرب جميع أفراد الشرطة على كيفية التعامل مع مزاعم العنف ضد المرأة. والحكومات التي تجند النساء للعمل في سلك الشرطة قليلة العدد، على الرغم من أهمية هذه المسألة في العديد من المجتمعات، نظراً لما تجده ضحايا العنف من النساء من حرج في إبلاغ رجال الشرطة بتفاصيل الانتهاكات الجسدية التي يتعرضن لها.

إن امتناع الدولة عن التحقيق في مزاعم العنف المرتكب ضد المرأة يشكل عجزاً للدولة عن توفير الحماية. وتشكل الأفعال العنيفة ضد المرأة ضرباً من ضروب التعذيب عندما تتصف في طبيعتها وقسوتها بما ينطوي عليه مفهوم التعذيب، وبعد أن تكون الدولة قد امتنعت عن تقديم الحماية الفعالة.

إن الشرطة كثيراً ما تشارك مرتكبي العنف ضد المرأة نظرتهم وتقوم بحماية الجناة بوعي أو من غير وعي. وكثيراً ما تعيد النساء اللاتي يتعرضن للإساءة إلى منازلهن خاليات الوفاض بدلاً من تسجيل شكاواهن. وفي بعض الأحيان تنصحهن باللجوء إلى الوساطة والمصالحة دون إدراك منها أن النساء اللاتي يراجعن الشرطة يكن عادة قد استنـزفن كل التنازلات الممكنة، وتحملن كل ما باستطاعتهن تحمله. وقد لجأت الشرطة في العديد من الحوادث إلى إذلال الضحايا، مضيفة بذلك معاناة جديدة إلى معاناتهن، بدلاً من رفع الأذى عنهن.

وقد ذكرت دراسة بشأن العنف المنـزلي في تايلند أن النساء اللواتي يتعرضن للضرب المبرح لا يجدن العون في المجتمع ويواجهن بالإهمال من قبل نظام القضاء الجنائي، مما يجعل إنصافهن أمراً نادر الحدوث. ومن عادة الشرطة أن تنصح النساء بالتصالح مع شركائهن بعد تعرضهن للأذى. وإذا ما أصرت المرأة على المقاضاة فإن عليها بشكل عام أن تقدم الرشوة للشرطة لمتابعة القضية. وقد بينت الدراسة أن قضايا الاغتصاب والعنف المنـزلي لا تعتبر من قبل الشرطة والقضاء من الأمور المهمة.

وفي الهند، كثيراً ما تمارس الشرطة الضغوط على النساء من ضحايا العنف المنـزلي للتوصل إلى تسوية مع الجناة. وحتى عندما تتشبث المرأة بموقفها، فإن الشرطة تتردد في تسجيل الشكاوى الجنائية. وكثيراً ما تتعرض المرأة ضحية الاغتصاب للسخرية إذا ما سعت إلى تقديم شكوى.
وتتردد النساء اللواتي يتعرضن للإساءة في طلب مساعدة الشرطة لأسباب متباينة. فبحسب المسح الجنائي البريطاني الصادر في المملكة المتحدة، لا تلجأ معظم النساء إلى تقديم شكوى بشأن العنف المنـزلي إلا بعد تكرار الاعتداءات عليهن، وتخفي معظم النساء اللواتي يتعرضن للإساءة إصاباتهن خشية زيادة حنق مرتكب الإساءة نتيجة شعوره بالخجل أو اعتقاده بأنه على خطأ في ما فعل. وتشير المعلومات الإحصائية الكندية إلى أن ما يربو على 75 بالمائة من النساء اللاتي يتعرضن لاعتداءات خطيرة من قبل أزواجهن لم يتقدمن بشكوى بشأنها إلى الشرطة.
وفي بعض الأحيان تمتنع المرأة عن طلب المساعدة من الشرطة لمعرفتها بأن ذلك عديم الجدوى. ووضحت امرأة سعودية المسألة بالقول: “كان زوجي رجلاً عنيفاً جداً. وتعرضت للضرب المبرح على يديه إلى حد الاضطرار  إلى دخول المستشفى خمس مرات…ومن المعروف تماماً في المملكة العربية السعودية أن الشرطة لا يمكن أن تقدم المساعدة؛ إذ كانوا سيعيدونني ببساطة إلى زوجي. وفي كل الأحوال، فإن زوجي يشغل منصباً رفيعاً ومن غير المحتمل أن الشرطة كانت ستتدخل”.
كثيراً ما لا تلقى النساء اللواتي يبلغن الشرطة في المملكة المتحدة بخشيتهن من أن يختطفن ويزوجن بالقوة آذاناً صاغية. وغالباً “ما يعود ذلك، على ما يبدو، إلى نزعات التمييز المتأصلة ضد المرأة والتحامل الثقافي، وبالتحديد بسبب الفرضية التي ترى في الزيجات القسرية “أمراً عائلياً” وممارسة لها جذورها في المعتقدات الدينية أو العادات الثقافية، ولا تستدعي بالتالي تدخلاً خارجياً. وفي إحدى الحالات،  أعادت شرطة المملكة المتحدة امرأة شابة إلى عائلتها على الرغم مما أبدته من مخاوف بأنه سيتم اختطافها، فما كان إلا أن قامت عائلتها بنقلها إلى الهند فعلاً وتزويجها رغماً عنها. وجرى تعقب آثارها في نهاية الأمر وإعادتها إلى المملكة المتحدة

التحيز ضد المرأة في المحاكم
عدم مقاضاة مرتكبي الإساءات ومعاقبتهم

اغتصبت بهانواري ديفي، العاملة في التنمية القروية وإحدى الناشطات من أجل القضاء على زواج الأطفال في الهند، في 22 سبتمبر/أيلول 1992 في قرية بهاتيري، بإقليم راجاسثان، من قبل خمسة رجال ينتمون إلى الطبقة الاجتماعية العليا. ورفضت الشرطة منذ البداية تسجيل أقوال بهانواري ديفي، كما تم رفض طلبها إجراء كشف طبي عليها. وإثر احتجاجات عديدة، أجرت الحكومة تحقيقاً في الحادثة ذكر أنها أخضعت خلاله لاستنطاق مضن ومسيء. وتبين من التحقيق أن مزاعمها صحيحة ودونت لائحة اتهام بحق الرجال الخمسة. وبدأت محكمة دنيا النظر في القضية في نوفمبر/تشرين الثاني 1994. ووجدت المحكمة في حكمها الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 1995، أن تأخر المدعية في تسجيل شكواها لدى الشرطة وفي حصولها على تقرير بكشف طبي يشير إلى أنها قد افتعلت الحكاية. ولاحظت المحكمة أن الحادثة لا يمكن أن تكون قد وقعت نظراً لأن من ينتمون إلى الطبقة العليا من الرجال لا يمكن أن يغتصبوا امرأة تنتمي إلى الطبقة الدنيا. وبرأت المحكمة الرجال الخمسة من تهمة الاغتصاب الجماعي، إلا أنها أدانتهم بجرائم صغرى. وطوال فترة المحاكمة، تعرضت بهانواري للضغوط كي تسحب شكواها من قبل أعضاء في المجتمع المحلي وعدد من السياسيين.

إن القضاة جزء من المجتمع الذي يعيشون فيه، يعكسون قيمه الثقافية وقواعده الأخلاقية وأوجه التحامل فيه. والتسامي فوق التمييز هو أحد متطلبات القاضي، بيد أن التمييز ضد المرأة وغياب الفهم للعنف ضد المرأة باعتباره شأناً من شؤون حقوق الإنسان كثيراً ما يفضيان إلى التحيز في طريقة إجراء المحاكمات، وفي القرارات والأحكام.

ففي إيطاليا، نقضت المحكمة العليا (محكمة التمييز) في فبراير/شباط 1999 حكماً أصدرته محكمة الاستئناف يدين مدرباً لسواقة المركبات باغتصاب تلميذته البالغة من العمر 18 عاماً. وعلقت المحكمة العليا في حكمها بعد أن لاحظت بأن الضحية كانت ترتدي سروالاً من الجينـز عند وقوع الاعتداء عليها قائلة إنه: “من المعروف للجميع…أن من غير الممكن نزع السروال الجينـز حتى بصورة جزئية دون تعاون فعال من قبل الشخص الذي يرتديه…ويغدو أمراً مستحيلاً إذا كانت الضحية تقاوم بكل قوتها”. وقررت المحكمة أن هذا يشير إلى أنها كانت موافقة على ممارسة الجنس، وخلصت إلى أن الاغتصاب لم يتم إثباته، وحولت القضية إلى محكمة استئناف أخرى لإعادة المحاكمة.

وفي يونيو/تموز 1997، قررت المحكمة العليا المكسيكية أن الاغتصاب الزوجي ليس اغتصاباً، وإنما “ممارسة غير لائقة للحق”. بيد أن القرار جرى نقضه لاحقاً من قبل الكونغرس.

وأوردت اللجنة الوطنية لشؤون المرأة في الهند في تقريرها السنوي للفترة 1995-96 بشأن العراقيل التي تواجهها النساء في قضايا الاغتصاب ما يلي:لا يصل العديد من حالات الاغتصاب إلى المحاكم لإجراء محاكمات بشأنها، نظراً لما تنطوي عليه من عار وشرف جزئياً، وبسبب الصعوبة والتعقيد الذي تتسم به قوانين المرافعات المعمول بها. وقد لوحظ أيضاً أن الشرطة تتخذ موقفاً غير مبال على وجه العموم إزاء تسجيل الشكاوى المتعلقة بالاغتصاب. وحتى بالنسبة للحالات التي تصل المحاكم…لم تكن محاكمنا حساسة إزاء ما تمر به ضحايا الاغتصاب من آلام نفسية، سواء أثناء عملية ارتكاب الجرم أو إبان المحاكمة. كما أن المحاكم لا تهتم بما ينجم عن الاغتصاب من عزلة اجتماعية وآثار سلبية تلازم من تغتصب طيلة حياتها…”

ونادراً ما تقدم النساء اللواتي يتعرضن للاغتصاب أو المضايقة الجنسية في الفليبين الشكاوى إلى السلطات. فتقديم الشكوى إلى الشرطة ومتابعتها حتى وصولها إلى المحكمة أمر في غاية الصعوبة. وتغلب على التغطية الإعلامية لمثل هذه الحوادث في العادة الإثارة والتدخل في الخصوصيات الشخصية، بينما يستمر نظر المحاكم في القضايا المقدمة إليها عدة سنوات. وقد ورد أن قضاة قد ردوا قضايا بينها ما هو مقدم ضد رجال الشرطة، بالاستناد، جزئياً،  إلى قناعتهم بأن لدى المرأة المشتكية تجربة جنسية.

ويفاقم من الآثار السلبية للتحيز ضد المرأة لدى المسؤولين عن تسيير العدالة وجود مشكلات في الإطار القانوني  الذي يحكم أموراً من قبيل تقنين الاغتصاب والاعتداءات الجنسية، وتعريف القبول، وطبيعة الأدلة المطلوبة والقواعد التي تحكم مناقشة الضحايا واستجوابهن في المحكمة. وكثيراً ما تفضي هذه العوامل إلى شعور الضحايا بالحرمان والتنكر  لإنسانيتهن، وتؤدي إلى تدني معدلات الإدانة لجرائم العنف ضد المرأة في شتى أنحاء العالم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدد القضاة من النساء في أنحاء العالم المختلفة اللواتي يمكن أن ينظرن في قضايا الإساءة إلى المرأة قليل.

وتسمح القوانين في أجزاء كثيرة من العالم بمناقشة تاريخ الحياة الجنسية للنساء ضحايا الاغتصاب في المحكمة، مما يؤدي إلى شعورهن بالمهانة والكآبة، كما تسمح لمحاميي الدفاع بتصوير الضحية على أنها “منحلة”. وظل بإمكان المتهمين بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي من غير الممثلين قانونياً أثناء المحاكمة توجيه الأسئلة إلى ضحاياهم واستنطاقهن دون قيود، أو بالقليل منها، حتى إدخال التعديلات على قانون المملكة المتحدة في يوليو/تموز 2000، مما كان يجبرهن على أن يعشن تجربتهن المريرة مجدداً أمام الناس.

ويمكن أن يؤدي خوف النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب في نيجيريا من أن يتعرضن هن أنفسهن للعقاب إلى عدم السعي إلى طلب العدالة وامتناعهن عن تقديم الشكاوى. وتشمل العقوبات التي يمكن أن تفرض عليهن الجلد في العلن. فقد حكم على باريا إبراهيم ماغازو، وهي في السابعة عشرة، بالجلد 180 جلدة بعصا من الخيزران في زامفارا بشمال نيجيريا في أوائل سبتمبر/أيلول 2000 . ولم يكن لديها تمثيل قانوني أثناء المحاكمة، كما أنها لم تستطع تقديم شهود يثبتون ادعاءها بأن ثلاثة رجال قد رفضوا أنفسهم عليها، وأنها قد حملت من أحدهم. وحكم عليها بمائة جلدة لأقامتها علاقة جنسية خارج نطاق الزواج، و80 غيرها لتوجيه اتهامات للرجال الثلاثة، قضت المحكمة بأنه لا أساس لها. ولم ينفذ الحكم بعد نظراً لوجوب مرور 40 يوماً على الأقل على ولادتها لطفلها قبل تنفيذه. وفي سبتمبر/أيلول 2000 ، نفذ حكم بجلد عائشة دوشي وزوجها هارونا 80 جلدة لكل منهما في ولاية زامفارا أيضاً بسبب اتهامهما أحد الزعماء القرويين بممارسة الجنس مع ابنتهما كذباً، بحسب ما زعم. وقد نصحت الحكومة الاتحادية النيجيرية المواطنين الذين تنتهك حقوقهم الدستورية في محاكم الولايات بالسعي إلى طلب الإنصاف القانوني من قبل المحاكم ذات المراتب الأعلى، بما في لك المحكمة العليا. بيد أن الأحكام كثيراً ما تنفذ بعد صدور الإدانة مباشرة، بينما تتعذر على معظم المحكومين سبل الاستئناف. ومن غير  الواضح حتى الآن إذا ما كانت الحكومة الاتحادية قد اتخذت أي تدابير عملية لحماية مثل هؤلاء الأفراد من العقوبة البدنية القاسية؛ كما أنه لم يعرف عنها أنها قد قامت بأي مداخلات لدى المحاكم، على سبيل المثل، لمنع تطبيق مثل هذه العقوبات.

وفي العديد من البلدان، تواجه النساء اللواتي ينشدن العدالة عقبات اقتصادية. فعدم توفر المال، والحرمان من التعليم يتظافران ضد من يسعين إلى الحصول على الإنصاف القانوني عن ما لحق بهن من إساءات. ولا وجود لبرامج التوعية بالحقوق أو المساعدة القانونية حيث الحاجة ماسة إليها. وفي بعض الأقطار، يسود الفساد بين القضاة، بينما يتمتع الرجال بأوضاع تتيح لهم تقديم الإغراءات المالية أكثر من النساء لتحقيق النتائج المرجوة.

وبينما يغلب اللين على موقف القضاة إزاء الاساءات التي يرتكبها الرجال ضد النساء، فقد اعتبر العديد منهم ما تعانيه المرأة من عنف منـزلي قاسٍ أمراً غير ذي بال في تقديرهم لمسؤولية المرأة عن ما ترتكب من جرائم. ففي مايو/أيار1995، حكم على إندارافاني باميلا رامجاتان بالإعدام في ترينيداد وتوباكو لقتلها زوجها عام 1991. وعلى الرغم من أن الادعاء العام قدم خلال المحاكمة عدداً من الأدلة على ما عانته من إساءة وعنف خلال سني زواجها العرفي، بما في ذلك الضرب والتهديد بالقتل والاغتصاب، غير أنها أدينت بتهمة القتل العمد، التي تستوجب الحكم بالإعدام. وفي عام 1999، خففت إحدى محاكم  الاستئناف الإدانة بالقتل العمد إلى القتل غير العمد، وحكمت عليها بالسجن 13 عاماً بالاستناد إلى تقرير الطبيب النفسي الذي أظهر أنها كانت تعاني من أعراض الإصابة “بالاعتلال النسائي الناجم عن الضرب المبرح”.

وفي نوفمبر 1999، حكم على عاملة منـزلية سريلانكية في دبي بالسجن مدة شهرين لتمزيقها نسخة من القراَن احتجاجاً على ما تعرضت إليه من إساءة جنسية من قبل مخدومها واثنين من أبنائه طيلة ستة أشهر. وأوردت في المحكمة ما ألحق بها من إساءة وقالت أنها لم تجد طريقة للفرار. ورد مسؤلو المحكمة على ذلك بتقديم النصح إلى العائلات التي تستخدم خادمات غير مسلمات بحفظ نسخ القراَن الكريم بعيداً عن متناول الخادمات. ولم ترد أي تقارير بشأن التحقيق في مزاعم الاغتصاب، ناهيك عن مقاضاة الجناة.

إن امتناع الدولة عن مقاضاة المسؤولين عن العنف ضد المرأة يمثل عجزاً للدولة عن توفير الحماية. وتشكل الأفعال العنيفة المرتكبة ضد المرأة ضرباً من ضروب التعذيب عندما تكون في طبيعتها وقسوتها مما ينطوي عليه مفهوم التعذيب، وبعد أن تكون الدولة قد امتنعت عن تقديم الحماية الفعالة.

الفصل الثالث: التعذيب قبل ممثلي الدولة والجماعات المسلحة

تعرضت النساء للتعذيب من قبل الشرطة وأفراد الجيش وغيرهم من الموظفين الرسميين في بلدان مختلفة على نطاق العالم بأسره. كما أفصحت نساء من جميع الأعمار والجماعات العرقية والطبقات والمذاهب للعنف الجسدي والجنسي في الحجز أو على أيدي جماعات سياسية مسلحة.

ويستخدم التعذيب كأداة للقمع السياسي ولعزل النساء اللواتي يتحدين النظام السائد ومعاقبتهن، سواء أكان هذا التحدي خالياً من العنف أو عن طريق العمل المسلح. بيد أن القسط الأكبر من النساء ضحايا التعذيب على أيدي ممثلي الدولة هن من المشتبه بارتكابهن جرائم جنائية. وفي كثير من البلدان، يشكل الضرب المبرح وغيره من ضروب الإساءة الجسدية والنفسية للمشتبه بأنهن قد ارتكبن جرائم جنائية اللواتي يلقى عليهن القبض، أو النساء المهمشات اللاتي يقعن في قبضة القانون؛ ممارسة نمطية. وفي معظم البلدان، تشكل الخلفية العرقية أو الدينية للمرأة، أو فقرها، عاملاً إضافياً يفاقم من احتمالات تعرضها للتعذيب أو سوء المعاملة.

تعذيب النساء في الحجز

أجرت منظمة العفو الدولية تحقيقات لا حصر لها في حوادث تعذيب النساء أو معاملتهن معاملة قاسية أثناء احتجازهن من قبل رجال الشرطة وحراس السجون والجنود وغيرهم من الموظفين الرسميين. وقد أخضعت النساء المحتجزات لشتى الأساليب الرهيبة في إنزال الألم التي ابتكرها الجلاوزة. فقد تعرضن للضرب وللصعق بالصدمات الكهربائية ولعمليات إعدام وهمية وتهديد بالموت، وإلى الحرمان من النوم والراحة. كما جرى تعليقهن في الهواء وضربهن على باطن أقدامهن وخنقهن وغمرهن بالمياه.

وفي بلدان عديدة، تشكل ممارسة العنف الجنسي من قبل الوكلاء الحكوميين أسلوباً شائعاً من أساليب التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية للمرأة. وتشمل مثل هذه الممارسات الاغتصاب وغيره من ضروب الإساءة الجنسية، وفحوصات العذرية، واستخدام العبارات والتحرشات الجنسية المسيئة.

ويشكل تعذيب النساء وإساءة معاملتهن في الحجز واقعاً يومياً. ففي الفترة من يناير/كانون الثاني حتى سبتمبر/أيلول 2000 وحدها، وثقت منظمة العفو الدولية حالات كهذه في عدد من البلدان بينها بنغلاديش والصين وجمهورية الكونغو الديموقراطية والإكوادور ومصر وفرنسا والهند وإسرائيل وكينيا ولبنان ونيبال وباكستان والفليبين وروسيا والمملكة العربية السعودية وأسبانيا وسري لانكا والسودان وطاجيكستان والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يشمل التعذيب وسوء المعاملة للنساء المسجونات الضرب؛ والاغتصاب وغيره من ضروب الإساءة الجنسية؛ والاستخدام القاسي واللاإنساني والمهين للقيود مع النـزيلات، بمن فين الحوامل والمريضات مرضاَ شديداً؛ وعدم توفير العلاج الطبي الكافي؛ والعزل في  وحدات تسودها الأوضاع المزرية؛ والعمل الشاق والعقابي. وتتحدث المزاعم المتعلقة بالإساءة الجنسية للنساء السجينات في الولايات المتحدة بصورة شبه دائمة عن تورط موظفي السجون من الذكور، الذين يسمح لهم، وخلافاً للمعايير الدولية، بدخول الزنازين الخاصة بالنساء في العديد من الولايات القضائية.

وفي الصين، جرى اعتقال العديد من النساء، وخاصة بين العاملات المهاجرات، ووجهت إليهن تهمة ممارسة الدعارة وتعرضن للاغتصاب والإساءة الجنسية. وتملك الشرطة سلطة فرض غرامة على الاشتباه بالدعارة بصورة فورية، وقد تحتجز المومسات المزعومات وزبائنهن بموجب أحكام الاعتقال الإداري لمدة تصل إلى سنتين. وثمة تقارير عديدة عن اعتقال الشرطة للنساء وإساءة معاملتهن بهدف انتزاع قوائم بأسماء “زبائنهن” لابتزازهم. وقد أصبحت مثل هذه الممارسات واسعة الانتشار إلى حد أنه تم الكشف عنها في السنوات الأخيرة باعتبارها مصدر دخل رئيسي لعدد من مراكز الشرطة في مناطق مختلفة. كما لاقى العديد من المومسات والزبائن المزعومين حتفهم أثناء الحجز نتيجة للتعذيب أو سوء المعاملة. وأقدم آخرون على الانتحار بعد إطلاق سراحهم بفترة قصيرة، لاعتقادهم أن حياتهم قد دمرت بسبب الآثار السلبية التي ترتبت على هذه المزاعم، والشعور بالمهانة الذي رافق ما لحق من بهم من إساءات.

وتتعرض النساء في حجز الشرطة في الفليبين للتعذيب وإساءة المعاملة، بما في ذلك الاغتصاب والإساءة الجنسية والتهديد والصفع واللكم والركل. وتتعرض المهمشات اجتماعياً، وخاصة المومسات وفتيات الشوارع (اللاتي يفر معظمهن من المنـزل للخلاص من الاساءات العائلية)، ومتعاطي المخدرات والمعدمين، لمخاطر الإساءة أكثر من غيرهم. وفي العديد من الحالات، تستخدم الشرطة قانون مكافحة التشرد، وهو تشريع يميز ضد الفقراء والنساء بصورة خاصة، لابتزاز النقود والإساءة الجنسية إلى النساء. وتحدث الإساءة الجنسية والمضايقة، بما فيها الاغتصاب، في السجون أيضاً.

ففي تركيا، يشكل تعذيب السجينات ممارسة واسعة الانتشار. وتشمل أساليب التعذيب التي يتكرر ذكرها لمنظمة العفو الدولية الصعق بالصدمات الكهربائية والضرب الموجه إلى الثديين والأعضاء التناسلية والتجريد من الملابس والإساءة الجنسية، لاسيما الاغتصاب والتهديد بالاغتصاب.

ولا يقتصر تعذيب النساء على مراكز الشرطة والسجون والثكنات العسكرية وغيرها من المباني الرسمية التابعة للوكالات الأمنية. إذ تتعرض النساء للتعذيب من قبل ممثلي الدولة في مراكز اعتقال غير رسمية أو سرية، وفي بيوت الضحايا أنفسهن، أو في الشارع. وعلى سبيل المثل، تتعرض النساء اللواتي يعتقلن في كينشاسا بجمهورية الكونغو الديموقراطية للتعذيب بصورة روتينية، وخاصة للاغتصاب. ففي عام 1999 ، نقلت جينين بوشيه موايوما من قبل ضابط في الجيش وعدد من الجنود إلى أحد الفنادق في حي كينتامبو في كينشاسا، حيث قاموا باستجوابها واغتصابها.

وتستخدم العديد من البلدان أساليب عقاب مع النساء تشكل ضرباً من ضروب التعذيب أو المعاملة  القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ففي المملكة العربية السعودية، على سبيل المثل، يمكن أن يكون الجلد هو الأسلوب الذي يتبع في معاقبة “الجرائم الأخلاقية”، التي يحتمل أن تتهم بها النساء اكثر من الرجال. وفي إحدى الولايات المتحدة الأمريكية، جرت معاقبة السجينات باحتجازهن في قفص أو “مقطورة اعتقال” لا تزيد مساحتها عن 8×4 أقدام (2.4×1.2 متراً) عدة ساعات في درجات حرارة تزيد على 100 درجة فهرنهايت (38 مئوية). وبحسب أقوال سجينة سابقة، كانت السجينات يجبرن على الوقوف في القفص ويحرمن من الذهاب إلى الحمام، مما كان يضطرهن إلى التبول أو التغوط في القفص أحياناً. وكن يغسلن بخرطوم المياه ويجري “رشهن بالماء” كل 90 دقيقة. وبحسب شهادة السجينة المذكورة، كانت السجينات المحكومات بالأشغال الشاقة يكلفن بأعمال مضنية وقاسية تغلب عليها صفة العقوبة، وكثيراً ما كن يدخلن القفص بسبب عجزهن عن تحمل عبء العمل. وقد أنكر المسؤولون في تكساس أن هذه المعاملة لا إنسانية، بيد انهم أكدوا أن “أي مدانة ترفض القيام بالواجبات الموكلة بها سوف توضع في  مقطورة الاعتقال لمدة مساوية لمدة العمل المكلفة به”.

وتحتاج النساء اللاتي تعرضن للعنف في الحجز إلى نضال طويل وشاق في مسعاهن للحصول على العدالة. إذ تجد السجينات الإناث في العادة صعوبة غير عادية في وقف السلوك غير القانوني ضدهن في السجن أو تقديم أحد الجناة للعدالة. وقد تكون لدى الضحية أسبابها الوجيهة في أن تخشى من التعرض للاضطهاد مجدداً إذا ما تقدمت بشكوى، أو من أن لا يأخذ المحققون بأقوالها عندما ينكرها الحرس.

ولا تخضع بعض الشكاوى من الإساءة حتى للتحقيق. ويترتب على عدم تحقيق المسؤولين في مزاعم التعذيب ليس فحسب إفلات مرتكبي التعذيب من العقاب، وإنما الإسهام في كثير من الأحيان في عدم عدالة المحاكمات، وفي صدور أحكام غير عادلة بالسجن عندما تستخدم الأقوال التي تنتزع تحت التعذيب كأدلة في المحكمة.

وإذا ما حدث وأجريت التحقيقات، فإن الشكاوى المقدمة ضد التعذيب أو سوء المعاملة أثناء الحجز نادراً ما تفضي إلى اتخاذ إجراءات تأديبية بحق الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون، أو إلى إدانتهم، حتى بالنسبة للحالات التي يبدو فيها أن ثمة أدلة شبه قاطعة بأن جناية قد وقعت. إن غياب الإرادة السياسية في مقاضاة الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين الذين يشتبه في أنهم قد اغتصبوا نساء أثناء وجودهن في الحجز لديهم أو أساءوا إليهن جنسياً يخلق ظاهرة الإفلات من العقاب، مسهماً بذلك في مزيد من انتهاكات حقوق الإنسان ضد المرأة.

العنف الجنسي ضد النساء في الحجز
·         يرقى اغتصاب النساء المعتقلات من قبل موظفي السجون أو الموظفين الأمنيين أو العسكريين الرسميين إلى مرتبة التعذيب على الدوام. ويجوز أن تشكل الأشكال الأخرى من العنف الجنسي التي يقترفها الموظفون المكلفون بتنفيذ القوانين إما ضرباً من ضروب التعذيب أو معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة.
·         لا يمكن اعتبار العنف الجنسي الذي يقترفه موظف رسمي أمني أو عسكري أو شرطي ضد امرأة معتقلة فعلاً “شخصياً” أو خاصاً. وقد ساند عدد من القرارات الدولية والإقليمية الحجة القائلة بأن الاغتصاب وغيره من أشكال الإساءة الجنسية التي يقترفها مثل هؤلاء المسؤولين ترقى على الدوام إلى مرتبة التعذيب ، حتى إذا اقترفت داخل منـزل الضحية .
·         بحسب المعايير الدولية، يجوز أن يشكل العنف الجنسي الذي يقترفه نزلاء ضد نزلاء آخرين في السجن ضرباً من ضروب التعذيب أو إساءة المعاملة أيضاً. وسلطات السجون مسؤولة عن حماية النـزلاء، وإذا ما فشلت في الامتثال لقواعد من قبيل الفصل بين النساء والرجال، فيمكن أن يرقى ذلك إلى مرتبة القبول الضمني بالعنف الجنسي.
·         تشكل ممارسات من قبيل السماح للموظفين الذكور بتفتيش السجينات النساء، والسماح للموظفين الذكور بالتجول في المناطق التي يمكن أن تشاهد فيها النساء في الزنازين أثناء تغيير ملابسهن أو اغتسالهن أو أثناء استحمامهن، معاملة لا إنسانية ومهينة.

تعذيب النساء أبان النـزاعات المسلحة

تبين لمنظمة العفو الدولية ورود تقارير عن وقوع عمليات تعذيب للنساء، لا سيما الاغتصاب، إبان جميع النـزاعات المسلحة التي حققت فيها في العامين 1999 و 2000. وثمة تاريخ طويل من تعذيب الجنود لمن وقعت بين أيديهم من النساء … تاريخ من الإخضاع والرعب والانتقام. إذ لا تقتصر طبيعة النـزاعات المسلحة على قيام رجال بخوض المعارك على ارض القتال، كما أنها ليست ممارسات تدميرية محايدة إزاء الجنسين. فالأدلة التي جمعتها منظمات حقوق الإنسان، والمحاكم الدولية والوطنية، تشير إلى أنه ثمة استهداف النساء بسبب جنسهن، وإلى أن أشكال الانتهاكات التي يتعرضن لها تميل إلى أن تكون موجهة إليهن بصفتهن إناثاً.

وكثيراً ما يتم استهداف النساء بالعنف حصراً  إبان النـزاعات المسلحة بسبب دورهن كمعلمات أو كرموز لمجتمعهن. فقد تعرضت للتعذيب بسبب الانتماء إلى جماعات عرقية أو قومية أو دينية بعينها نساء التوتسي في مجازر الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 ، والنساء المسلمات والصربيات والكرواتيات، والنساء من أصل ألباني، في يوغسلافيا السابقة.

وتنطوي معظم الانتهاكات التي ترتكب ضد النساء في النـزاعات المسلحة على استخدام العنف الجنسي. وكثيراً ما يشكل العنف الجنسي مقدمة طقسية بشعة لعمليات القتل. ففي شرقي جمهورية الكونغو الديموقراطية، عثر على العديد من النساء اللاتي قتلن إبان الجولة الأخيرة من النـزاع (1999-2000) وهن عاريات تماماً، بحسب ما ذكر، وعلى أجسادهن آثار الاغتصاب.

وفي غواتيمالا، سبقت المجازر التي ارتكبت ضد القرويين الذين ينتمون إلى قبائل المايا أثناء الحرب الأهلية في عقدي السبعينيات والثمانينيات عمليات اغتصاب للنساء والفتيات. ففي ديسمبر/كانون الأول 1982 ، على سبيل المثل، دخل الجنود  الغواتيماليون قرية دوس إيريس في لاليبرتاد بدائرة بيتين الشمالية. وعندما خرجوا منها، بعد ثلاثة أيام، كان ما يربو على 350 شخصاً -من الرجال والنساء والأطفال- قد لاقوا حتفهم، بحسب التقديرات.  وكانت النساء والفتيات قد تعرضهن للاغتصاب الجماعي قبل أن يذبحن. وقد أدت التهديدات بالقتل وعمليات الترهيب لأقارب الضحايا وأعضاء فرق التحقيق الجنائي إلى عرقلة التحقيق في وقائع هذه المجزرة. وحتى اليوم، أي بعد مرور 18 عاماً على المجزرة، لم يقدَّم أي شخص للعدالة، على الرغم من كل ما قدمه شهود عيان من تقارير مفصلة.

في الجزائر، اختطفت منذ عام 1993 مئات النساء وتعرضن للتعذيب من قبل جماعات مسلحة تصف نفسها بأنها “جماعات إسلامية”. فقد تعرضت النساء، وخاصة في المناطق الريفية، للاختطاف من بيوتهن على أيدي جماعات مسلحة ووضعن في الأسر، واغتصبن وأخضعن لأشكال أخرى من التعذيب، كالضرب والحرق بالسجائر والتهديد بالقتل. ولاقت العديد منهن حتفهن في ما بعد، بينما أصيبت بعضهن بإعاقات دائمة. واغتصبت بعضهن من قبل أكثر من عضو واحد من أعضاء الجماعة المسلحة.

اتسمت حوادث الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي ضد الفتيات والنساء من قبل القوات المتمردة في سيراليون خلال السنوات التسع من النـزاع الداخلي المسلح بالمنهجية وسعة الانتشار. وقد لقيت عمليات تقطيع الأطراف (وخاصة البتر المتعمد) التي ارتكبت إبان النـزاع اهتماماً دولياً كبيراً، بيد أن العنف الجنسي كان أوسع انتشاراً. فقد تعرضت آلاف الفتيات والنساء اللواتي اختطفن من قبل القوات المتمردة جميعهن تقريباً للاغتصاب وأجبرن على الاسترقاق الجنسي. واستهدف العنف الجنسي النساء من جميع الأعمار، بمن فيهن البنات الصغيرات. فقد أطلق سراح فتاة صغيرة في الحادية عشرة من عمرها بعد سبعة أشهر من اختطافها من فريتاون عندما هاجمت القوات المتمردة العاصمة في يناير/كانون الثاني 1999 . ووصفت الفتاة كيف جُرت من بيتها لتنضم إليها فيما بعد عشرات الفتيات مع انتقال قوات التمرد من بيت إلى بيت. وكانت الفتيات اللواتي لا يتم اختيارهن ليكن “زوجات” لقادة المتمردين يغتصبن بصورة متكررة من قبل عدد لا يحصى من مقاتلي قوات التمرد.

كانت هناك حاجة في سيراليون لدى جميع ضحايا الاغتصاب من النساء تقريباً إلى المعاملة الطبية نتيجة ما لحق بهن من إصابات بدنية من جراء  المحن التي تعرضن لها. وأبلغت امرأة في التاسعة والعشرين من عمرها ممثلي منظمة العفو الدولية بعد شهر من هربها في مايو/أيار 2000 من بلدة ماكييني في الإقليم الشمالي ما يلي:كنت أرضع طفلي، غير أن خمسة من متمردي قوات الجبهة المتحدة الثورية قاموا باغتصابي. وما زلت أنزف. وأصيبت معظم ضحايا الاغتصاب بأمراض تنتقل عن طريق الممارسة الجنسية، ويشتبه بأن العديد قد التقطن فيروس عجز المناعة المكتسبة (الإيدز) أو أصبن بالمرض. ولا يعلم أحد عدد حالات الحمل أو الولادة التي ترتبت على النـزاع.

ترتكب أعمال التعذيب إبان النـزاعات المسلحة في سياق يتسم بانهيار دور الشرطة والنظام القضائي. ويؤدي ذلك إلى غياب القيود الطبيعية على الأفعال العنيفة الموجهة إلى المرأة. كما تضطر الظروف الصعبة والحرمان النساء إلى “الخضوع” للعلاقات الجنسية غير القائمة على التراضي. وتؤدي النـزاعات المسلحة، وما ينجم عنها من تهجير، إلى زيادة في جميع أشكال العنف، بما فيها العنف المنـزلي ضد المرأة.

إن العنف ضد المرأة ليس مجرد عارض من أعراض الحرب: فهو سلاح من أسلحة الحرب قد يستخدم لأغراض من قبيل نشر الرعب؛ وزعزعة المجتمع؛ وكسر مقاومته؛ ومكافأة الجنود؛ وانتزاع المعلومات. فقد استخدم العنف ضد  المرأة، ولا سيما التعذيب، كأسلوب من أساليب التطهير العرقي، وكعنصر من عناصر الإبادة الجماعية. وثمة أدلة في جميع الحالات التي قامت منظمة العفو الدولية بالتقصي بشأنها أن العسكريين قد استخدموا العنف ضد المرأة لتحقيق عدد من هذه الأغراض.

وكثيراً ما لا تتمكن النساء اللواتي يتعرض للتعذيب أثناء النـزاعات من الحصول على المعالجة الطبية والإنصاف القانوني. فقد بينت التحقيقات التي أجريت في مناطق تشمل يوغسلافيا السابقة وشمال أوغندا وشرقي الكونغو والهند أن معظم الضحايا لا يعترفن بأنهن قد اغتصبن خشية وصمهن بالعار من قبل مجتمعاتهن أو رفض أزواجهن لهن. وتشير الدلائل أن لهذه المخاوف ما يبررها: إذ لم تستطع العديد من النساء اللاتي اغتصبن إيجاد شريك يتزوجنه، بينما هجرت من كن متزوجات منهن من قبل أزواجهن في كثير من الأحيان.

حالات “الاختفاء”
فقدت العديد من النساء في المناطق التي مزقتها الحرب أقرباءهن، أما بسبب الانفصال والضياع أو نتيجة لمقتلهم، أو “اختفائهم” .. أي بمعنى وضعهم في الحجز السري وإخفاء السلطات مصيرهم وأماكن وجودهم. ولا تستطيع النساء اكتشاف ما حدث لأفراد عائلاتهن، أو أين يمكن أن يكونوا، أو حتى إذا ما كانوا أحياء أم أمواتاً. وقد يستمر البحث عن الحقيقة لسنوات؛ وفي بعض الحالات، لا يفضي هذا البحث إلى شيء. وتواجه العديد من النساء مصاعب مالية إذا ما “اختفى” معيلهن الرئيسي، وكثيراً ما لا يكن قادرات على التصرف بالممتلكات لإعالة الأسرة، أو الزواج من جديد، نظراً لعد وضوح أوضاعهن.
ويعتبر أقرباء الشخص “المختفي” ومن يعيلهم ضحايا لجرم “الإخفاء” أيضاً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وفي أغلبية الحالات، يكون هؤلاء الأقرباء والمعالون أمهات أو زوجات أو بنات للشخص “المختفي”. وقد أقرت الهيئات والمحاكم الدولية لحقوق الإنسان بأن ما يمر به أقرباء الأشخاص “المختفين” من كرب وآلام نفسية يشكل بحد ذاته انتهاكاً للمنع المفروض على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة، القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة”.

تعذيب النساء اللواتي ينشدن الهرب من النـزاعات

ليس ثمة طريقة آمنة للفرار من مناطق الحرب بالنسبة للعديد من النساء والفتيات. فكثيراً  ما تتعرض من يحاولن الهرب بالقوارب منهن للهجمات من قبل القراصنة. بينما يهاجم قطاع الطرق وقوات الأمن وحرس الحدود والمهربون ولاجئون آخرون من يسافرن على الطرق البرية. وغالباً ما يضطر اللاجئون إلى الاستعانة بالمهربين باعتبارهم الوسيلة الوحيدة لاجتياز الحدود والنجاة. وكثيراً ما تتعرض النساء في مثل هذه الحالات للإساءة من قبل المهربين أنفسهم، الذين يعرضون عليهن مساعدتهن على الهرب مقابل الجنس.

ويمكن أن تواجه النساء المهجرات داخلياً واللاجئات اللواتي يعشن في المخيمات الإساءة الجنسية والبدنية. إذ يميل حراس المخيم واللاجئون الذكور إلى اعتبار النساء والفتيات غير المصحوبات برجال ملكية جنسية عامة. وقد تعامل من تعرضن للاغتصاب من قبل على أنهن قد فقدن عفتهن، ولذا يجري التعامل معهن على أنهن فريسة سهلة. وينبغي على مثل هؤلاء النساء كذلك معاناة الأضرار النفسية والجسمانية المترتبة على صدمة الاغتصاب دون مساعدة أو مشورة كافيتين. وكثيراً ما يتصاعد  العنف المنـزلي ضد المرأة في مخيمات اللاجئين. وفي العديد من المخيمات، تزيد الأوضاع المادية من احتمالات العنف ضد المرأة: حيث يغلب الازدحام على هذه المخيمات، ويسهم أسلوب تنظيمها وموقعها في تعريض النساء بصورة خاصة للاعتداءات من داخل المخيم وخارجه، على حد سواء. وقد يؤدي التمييز ضد المرأة في توزيع السلع والخدمات إلى الإساءة الجنسية للاجئات اللاتي تجعلهن المصاعب أكثر عرضة للاستغلال.

أما من ينتقلن إلى بلدان أخرى ويتقدمن بطلبات للجوء فيواجهن صعوبات مستمرة في مسعاهن للحصول على الأمان. إذ تطبق العديد من الحكومات، التواقة إلى التهرب من مسئوليتها في تقديم الحماية للاجئين، قيوداً تزداد تشدداً باطراد في تحديد الأشخاص الذين ينطبق عليهم وضع اللاجئ. ويمتنع عدد من البلدان عن منح وضع اللاجئ إلى الأشخاص الذين يواجهون الاضطهاد على أيدي جماعات المعارضة المسلحة، بينما تعطي قلة من البلدان حق اللجوء للحالات التي امتنعت الدولة فيها عن تقديم الحماية من التعذيب من قبل أفراد خاصين.

طالبات اللجوء
·         يظل تعريف اللاجئ في القانون الدولي للاجئين (اتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين والبروتوكول الملحق بها  لعام 1967 ) ساري المفعول في الحالات التي تهجر فيها جماعة بأكملها، ويكون أعضاؤها خلالها عرضة لانتهاك حقوقهم الإنسانية بسبب من خصيصة مشتركة تجمعهم.
·         الحماية الدولية واجبة لمن لا تتوفر لدى الدولة الرغبة في حمايتهم من الاساءات، أو القدرة عليها، بما في ذلك الإساءات التي تقترفها جماعات مسلحة أو أفراد خاصون.
·         يشكل العنف الجنسي وغيره من الاساءات القائمة على التمييز بين الجنسين ضرباً من ضروب الاضطهاد بحسب المعنى الوارد في اتفاقية 1951. ولا يجوز إعادة أحد إلى بلد يمكن أن يواجه، أو تواجه، فيه التعذيب أو الاضطهاد.

وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب

تعتبر ظاهرة الإفلات من العقاب عن ما يرتكب من عنف ضد المرأة مشكلة في جميع الظروف. بيد أن نشدان العدالة من قبل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من النساء أمر في غاية الصعوبة في مناطق النـزاع المسلح. فثمة أسباب يعزز كل منها الآخر، وتفضي في المحصلة إلى قيام شبكة للإفلات من العقاب يصعب تفكيكها. وتشمل هذه الأسباب مناخ اللامبالاة الطاغي إزاء أشكال عديدة من العنف الجنسي؛ والقبول الضمني بأن الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على أنها جزء لا يتجزأ من الحرب لا يمكن اجتنابه؛ وما يتعرض له من يكشفون النقاب عن الانتهاكات من تهديدات وأعمال  انتقامية؛ ووجود تشريعات وطنية خاصة تمنع مقاضاة مرتكبي الجرائم إبان الحرب؛ وقوانين العفو التي تشكل جزءاً من “صفقات” صنع السلام. ويضاف إلى هذا عدم رغبة الحكومات في الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي ، وبصورة خاصة الولاية العالمية. فبحسب هذا المبدأ، يمكن لأي دولة، بل ينبغي عليها، أن تقدم للعدالة من تفترض مسؤوليتهم عن التعذيب والجرائم ضد  الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية، بغض النظر عن تابعية الضحية. كما أن جميع الدول ملزمة بالتعاون في تعقب الأشخاص المتورطين في هذه الجرائم، والقبض عليهم وتسليمهم ومعاقبتهم.

إن الاعتقاد بأن تعذيب النساء أمر لا يمكن تجنبه في الحرب قد تم التصدي له من قبل المنظمات النسائية في أنحاء مختلفة من العالم. وقد اكتسب هذا التحدي عزماً جديداً إثر ما اتبع من إجراءات في المحكمتين الجنائيتين الدوليتين ليوغسلافيا السابقة ورواندا (محكمتا يوغسلافيا ورواندا) في عامي 1993 و 1995 . فعلى سبيل المثل، أصدرت المحكمة الخاصة بيوغسلافيا لوائح اتهام بحق ثمانية رجال، زعم أن عدداً منهم قاموا بصورة متكررة باغتصاب امرأتين بوسنيتين مسلمتين احتجزتا واغتصبتا بشكل منظم لمدة تزيد على ستة أشهر. وهذه أول محاكمة تجريها محكمة يوغسلافيا يعامل فيها الاغتصاب والاسترقاق الجنسي على أنها جريمة ضد الإنسانية. وقد أصدرت محكمتا يوغسلافيا ورواندا كلاهما لوائح اتهام تجعل من العنف الجنسي والاغتصاب جزءاً لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية. وقد وجهت هذه التهم إلى المتهمين بارتكاب الأفعال أنفسهم، وكذلك إلى رؤسائهم. وفي قراراها الصادر في 2 سبتمبر/أيلول 1998، وجدت محكمة رواندا أن نساء عديدات من التوتسي ممن كن يبحثن عن ملجأ من المجازر قد تعرضن للاغتصاب بصورة منظمة من قبل الميليشيات المحلية المسلحة. وشددت المحكمة في قرار الحكم على أن الاغتصاب والعنف الجنسي يشكلان ضرباَ من ضروب إبادة الجنس إذا ما ارتكبا بقصد تدمير جماعة بعينها، وقالت إن العنف الجنسي قد شكل جزءاً “عضوياً” من عملية تدمير جماعة التوتسي الإثنية.

وقد اعتمد قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية منظوراً حساساً إزاء العلاقة بين الجنسين لضمان تيسير السبل لضحايا الجرائم الأشد جسامة من النساء بموجب القانون الدولي للوصول إلى العدالة، وضمان أن يكون للمرأة دور في المحكمة. وعلى الدول الآن المصادقة على قانون روما الأساسي وسن تشريعات تسمح لمحاكمها بممارسة الولاية العالمية بحق الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.

المرأة إبان النـزاعات المسلحة
·         الأفعال العنيفة ضد المرأة، بما فيها العنف الجنسي، محرمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الذي يحكم سلوك المتحاربين إبان الحروب (اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها) على حد سواء.
·         يشكل العديد من الأفعال العنيفة ضد النساء التي ترتكبها الأطراف المشاركة في نزاع ما (سواء أكان دولياً أم محلياً) ضرباً من ضروب التعذيب بموجب القانون الدولي العرفي. وتشمل هذه الاغتصاب والاغتصاب الجماعي، والاختطاف والاسترقاق الجنسي، والزواج القسري، والحمل القسري والأمومة القسرية، وتشويه الأعضاء التناسلية، والاعتداء الذي يخدش الحياء، وأشكالاً عديدة أخرى من العنف الجنسي.
·         غدا من المعترف به الآن أن الاغتصاب وغيره من أشكال ا لعنف الجنسي التي يقوم بها المقاتلون إبان النـزاعات المسلحة تشكل جرائم حرب.
·         تشمل جريمة الاغتصاب، بحسب ما نص عليها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الحالات التي تقدم فيها الضحية نفسها لغايات الجنس تفادياَ للأذى، أو من أجل الحصول على أساسيات الحياة، أو لأسباب أخرى أدت في محصلتها إلى تجريدها من القدرة على القبول.
·         يعتبر العنف الجنسي جريمة ضد الإنسانية عندما يرتكب على أساس منظم أو على نطاق واسع، أو كجزء من هجوم منظم واسع النطاق موجه ضد السكان المدنيين.
·         يشكل تعذيب النساء إبان النـزاعات المسلحة خرقاً فادحاً لاتفاقيات جنيف.
·         قد ينطوي تعذيب النساء على عنصر من عناصر الإبادة الجماعية، كما حددتها اتفاقية إبادة الجنس.
·         تخضع أفعال العنف ضد  المرأة  التي ترقى إلى مرتبة التعذيب أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو إبادة الجنس للولاية العالمية.

الفصل الرابع: توصيات

يلعب جنس الضحية دوراً حاسماً في تحديد أنماط التعذيب التي تتعرض لها المرأة وأساليبه وأسبابه ونتائجه. لذا ينبغي أن تستند أي خطة عمل لمكافحة التعذيب، حتى تكون فعالة، إلى منظور يأخذ بعين الاعتبار الموضوعات ذات الصلة بالعلاقة بين الجنسين.

إن تعذيب المرأة انتهاك أساسي لحقوق الإنسان أدانه المجتمع الدولي باعتباره اعتداء على الكرامة الإنسانية، يحظره القانون الدولي في جميع الظروف. وعلى الرغم من ذلك، فإنه ما زال يمارس بصورة يومية وفي مختلف بقاع الأرض. ومن الضروري اتخاذ خطوات فورية لمواجهة تعذيب المرأة والقضاء عليه.

إن منظمة العفو الدولية تدعو جميع الحكومات إلى وضع التوصيات التالية موضع التطبيق. وتدعو المنظمة المعنيين من أفراد ومنظمات إلى الانضمام إليها في حملتها من أجل ضمان ذلك. وقد استمدت هذه التوصيات من مجموعة متباينة من المصادر. فبعضها موجود في الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب واتفاقية الأمم ا لمتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. كما استمد بعضها من نماذج للممارسة الجيدة طبقتها بعض الحكومات. وينبثق معظمها عن تجارب المنظمات غير الحكومية التي تشكل بمجموعها الحركة النسائية العالمية، وتمثل الطليعة التي تكشف النقاب عن الأفعال العنيفة ضد المرأة باعتبارها انتهاكات لحقوق الإنسان، وتتصدى لها.

وتعتقد منظمة العفو الدولية أن الحكومات تتمتع بالقوة الكافية لتطبيق هذه التوصيات. فمعظمها لا يتطلب استثماراً ضخماً للموارد، وإنما يستدعي وجود إرادة سياسية وقناعة بأنه لا يمكن السماح لتعذيب المرأة بأن يستمر. كما تعتقد المنظمة بأن وضع هذه التدابير موضع التنفيذ يشكل مؤشراً إيجابياً على التزام حكومة ما بوضع حد لتعذيب المرأة، والعمل من أجل القضاء على العنف ضد المرأة على نطاق العالم بأسره.

بيد أن هذا التدابير لن تؤدي إلى القضاء على تعذيب المرأة مالم يتم التصدي للتمييز القائم على جنس المرأة. وفي هذا الصدد، تعتقد منظمة العفو الدولية أن لكلٍ دوراً يمكن أن يقوم به… الحكومات والأحزاب السياسية والجماعات الدينية وجميع عناصر المجتمع المدني وأفراده. والكل مسؤول عن أن يلزم نفسه بالمساواة بين جميع البشر، بغض النظر عن انتمائهم إلى أي من الجنسين، أو أعمارهم أو وضعهم الاجتماعي أو عرقهم أو قوميتهم أو أصلهم الإثني أو ميولهم الجنسية.

1. أدينوا جميع الأفعال العنيفة ضد المرأة

  • ينبغي على الدول أن تدين بشكل واضح وعلناً جميع أفعال العنف ضد المرأة سواء ارتكبت من قبل الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين أو من قبل أفراد خاصين.

  • ينبغي على الدول وضع سياسات ونشر مواد تعزز من سلامة المرأة في المنـزل والمجتمع وأثناء الاعتقال، وتزيد من الوعي بالعنف ضد المرأة. وينبغي على الدول تعزيز  المساواة بين المرأة والرجل.

  • ينبغي على الدول تنظيم حملات للتثقيف القانوني بهدف تعريف الرجال والنساء بالحقوق القانونية للمرأة وتعليمهم بصورة خاصة في مجال العنف المنـزلي.

  • ينبغي على السلطات جمع بيانات إحصائية محدثة بشأن طغيان العنف ضد المرأة في العائلة والمجتمع، وتوفير هذه المعلومات للاطلاع العام، وتوزيعها على نطاق واسع.

2. حرموا العنف ضد المرأة ووفروا الحماية القانونية الكافية لها ضد هذه الأفعال

  • ينبغي على الدول فرض حظر قانوني على جميع أفعال العنف ضد ا المرأة، وتوفير الحماية القانونية ضدها، سواء ارتكبت من قبل موظفين حكوميين أو أفراد خاصين. وتشمل هذه الأفعال التي ترتكب في إطار ا لمجتمع وفي إطار العائلة، من قبيل الاغتصاب الزوجي.

  • ينبغي على الحكومات القيام بمراجعة دورية لقوانينها ومدوناتها وإجراءاتها، وتقييم هذه القوانين والمدونات والإجراءات وتنقيحها، بما في ذلك التعليمات المتعلقة بالهجرة، لضمان فاعليتها في القضاء على العنف ضد المرأة. وينبغي على الدول إلغاء الأحكام التي تسمح بممارسة العنف ضد المرأة أو تتهاون في أمره.

  • ينبغي على الحكومات أن تعترف بأن التمييز ضد المرأة، في القانون أو الممارسة، يشكل عاملاً أساسياً يسهم في تعذيب المرأة وإساءة معاملتها. وينبغي على الحكومات، في سبيل مكافحة التعذيب، أن تقوم، بصورة دورية، بمراجعة قوانينها ومدوناتها وتنقيحها لضمان عدم تمييزها ضد المرأة، وتعزيز فاعليتها في القضاء على العنف ضد المرأة. كما ينبغي عليها إلغاء الأحكام التي تسمح بممارسة العنف ضد المرأة أو تتهاون في أمره.

  • ينبغي على الدول سن قوانين تحظر العبودية، والاسترقاق بسبب الدَين، وشراء البشر وبيعهم. وينبغي على الدول ضمان أن تعامل قوانينها الجنائية ونظامها القضائي الجنائي من يتجر بهن من النساء على أنهن ضحايا انتهاكات لحقوق الإنسان، وشاهدات محتملات، لا مجرمات.

  • ينبغي على الدول أن تصادق، بلا تحفظ، على جميع المعاهدات ذات العلاقة وأن تضعها موضع التطبيق، بما فيها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ واتفاقية مناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة، القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ واتفاقية حقوق الطفل؛ والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. وينبغي على الدول ضمان أن يعكس تشريعها الوطني هذه المعاهدات. كما ينبغي على الدول وضع الإعلان الخاص بالعنف ضد المرأة موضع التطبيق.

  • ينبغي على الدول المصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وينص البروتوكول الاختياري على جواز تقديم الشكاوى الفردية، وإجراء التحقيقات في الانتهاكات المنهجية للاتفاقية، بما يوفر الإنصاف الدولي للنساء اللواتي تعرضن لانتهاكات لحقوقهن الإنسانية.

  • ينبغي على الدول مراعاة شروط تقديم التقارير المتعلقة بالمعاهدات المختلفة لحقوق الإنسان، والتأكد من تضمين هذه التقارير معلومات بشأن وضع العلاقة بين الجنسين على وجه الخصوص، حيثما كان ذلك مواتياً.

  • ينبغي على الدول المصادقة على اتفاقيات منظمة العفو الدولية الخاصة بالعمال المهاجرين، ومراعاة أحكامها، بهدف الحد من العنف ضد النساء العاملات المهاجرات.

  • ينبغي على الحكومات ضمان أن لا تعاد أي امرأة أو فتاة بالقوة إلى بلد يمكن أن تتعرض فيه لخطر التعذيب، بما في ذلك إلى الدول العاجزة عن تقديم الحماية لها من التعذيب على يد فاعلين غير حكوميين. وينبغي، بصورة معتادة، تجنب اعتقال طالبي اللجوء. وعلى السلطات، في المواضع التي يكون فيها الاعتقال قانونياً، ضمان أن لا يعرض طالبوا اللجوء للمعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة.

3. حققوا في جميع مزاعم العنف ضد المرأة

  • ينبغي على الدول القيام بتحقيق فوري وشامل ومحايد في جميع البلاغات المتعلقة بالعنف ضد المرأة، سواء أكان مرتكبوها من الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين أم من الجماعات المسلحة أم من الأفراد الخاصين.

  • يجب إصدار مبادئ توجيهية واضحة إلى وكالات تنفيذ القوانين تنص على أنه لن يكون هناك تساهل في مسألة ردع النساء عن الإبلاغ عن أفعال العنف، وتصر على أن من واجب الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين التحقيق في أفعال العنف ضد المرأة، سواء ارتكبت في إطار العائلة أو المجتمع، أو أثناء الحجز وإبان النـزاعات المسلحة.

  • يجب على الدول ضمان أن لا تعرض النساء من ضحايا الانتهاكات للمزيد من الإساءة أثناء سعيهن لطلب الإنصاف، بسبب عدم حساسية القوانين إزاء اعتبارات العلاقة بين الجنسين، أو بسبب طرق تنفيذ القوانين، أو بسبب أي مداخلات أخرى من قبل موظفي الدولة.

  • يجب على الدول ضمان أن لا تمارس الوكالات المكلفة بتنفيذ القوانين التمييز ضد النساء اللواتي ينتمين إلى مجتمعات المهاجرين أو الأقليات اللواتي يقمن بالإبلاغ عن انتهاكات مزعومة.

  • ينبغي على الدول تحديد السلطات المخولة للشرطة للرد على العنف ضد المرأة في سياسة مكتوبة متسقه مع أحكام الاتفاقيات الدولية. وعلى الدول توفير التدريب إلى جميع أفراد الشرطة، المخضرمين منهم والمستجدين، لتمكينهم من التعامل بفاعليه مع مزاعم العنف ضد المرأة. و ينبغي تجنيد عدد كاف من الشرطيات.

  • يجب على الدول اعتماد أساليب في التحقيق لا تحط من قدر المرأة التي تتعرض للعنف، وتحد من التدخل في خصوصياتها، مع الحفاظ على مستويات مناسبة لجمع الأدلة.

  • ينبغي على الشرطة تحويل النساء اللواتي يزعمن أنهن قد تعرضن للاعتداء الجنسي إلى الكشف الطبي الفوري المختص والمخول قانونيا، و أن يتم ذلك من قبل طبيبه أنثى ما أمكن ذلك.

  • ينبغي على الدول تعيين ضباط تحقيق مختصين في مثل هذه الحالات في سلك الشرطة، وتقديم تدريب إضافي لهم بشان الموضوعات المتعلقة بالعنف ضد المرأة، وكذلك في مجال استخدام الأدلة الطبية وغيرها من الأدلة الجنائية.

4. قاضوا وعاقبوا

  • ينبغي على الدول أن تلغي فوراً الأحكام التي تميز على أساس الجنس ولا تسمح للمرأة بأن تقدم شهادتها في المحكمة أو تنتقص من وزن هذه الشهادة باعتبارها شهادة كاملة.

  • ينبغي على الدول إعداد دراسة بمعدلات الإدانة في الجرائم المقترفة ضد النساء، بهدف إجراء تقييم لمعرفة إذا ما كان النظام القانوني أو القضائي القائم يميز ضد ضحايا الانتهاكات من النساء .

  • ينبغي على الدول القيام بمراجعه شاملة للإطار القانوني الراهن المتعلق بجرائم العنف ضد المرأة لضمان فاعليته في تقديم مرتكبي أفعال العنف ضد المرأة إلى المحاكمة .

  • ينبغي على الدول توفير تدريب خاص لجميع القضاة والمحامين لتعزيز فهمهم للعنف ضد المرأة، وأسبابه ونتائجه.  وينبغي تعيين عدد كاف من القضاة الإناث .

  • ينبغي أن تحدد المحاكم في جميع مستوياتها مدعين عامين مختصين لتولي قضايا الإساءة الجنسية و الاغتصاب، وينبغي أن يتلقى هؤلاء تدريباً إضافياً في الموضوعات المتعلقة بالعنف القائم على الجنس.

5. وفروا التعويضات الكافية واضمنوا الإنصاف

  • ينبغي على الدول إنشاء وحدات أو إجراءات خاصة في المستشفيات للمساعدة في تحديد ضحايا العنف ضد النساء، وتوفير العناية الطبية والمشورة لهن.

  • ينبغي على الدول إنشاء آلية تحصل الناجيات من الضحايا بواسطتها على حماية الدولة، وعليها ضمان التطبيق الصارم للتدابير من قبيل أوامر الحماية.

  • ينبغي وضع دليل وطني بالوكالات الحكومية وغير الحكومية المتوفرة لضحايا العنف من النساء، كما ينبغي توزيع المعلومات على مراكز الشرطة ومحاكم القضاء، وكذلك على الجراحين والمستشفيات وغيرها من مرافق الرعاية الصحية في المناطق. وينبغي توفير المعلومات بشأن الخدمات المحلية التي يمكن أن تحول إليها النساء من ضحايا العنف وبلغات عدة لضمان تعريف النساء اللواتي ينتمين إلى جميع المجموعات المحلية بحقوقهن.

  • ينبغي تزويد النساء اللواتي تعرضن للعنف بالمعلومات المتعلقة بحقوقهن وبكيفية الحصول على التعويضات، بالإضافة إلى معلومات بشأن المشاركة في الإجراءات الجنائية.

  • ينبغي على الدول توفير الخدمات الطارئة لضحايا العنف من النساء. ويمكن أن تشمل هذه خدمات التدخل في الأزمات؛ ونقل الضحايا من بيوتهن إلى المراكز الصحية؛ والمأوى أو الملاجئ الآمنة؛ والعناية الطبية الفورية؛ وإجراءات التحويل إلى الجهات المختصة؛ والمشورة في الأزمات؛ والمعونة المالية؛ ورعاية الطفل؛ وخدمات بعينها خاصة بالنساء اللواتي تنتمين إلى الأقليات أو الجماعات المهاجرة.

  • ينبغي أن تتمتع ضحايا العنف ومن يعلنهم بحق الحصول على التعويض الفوري، بما في ذلك التعويض المالي والرعاية الطبية وإعادة التأهيل.

6. الحماية من التعذيب في الحجز

  • يجب على الدول الاعتراف على الملأ بأن الاغتصاب والإساءة الجنسية يشكلان على الدوام ضرباً من ضروب التعذيب أو إساءة المعاملة، وأنه لن يكون ثمة تساهل بشأنهما. وتشمل الإساءة الجنسية التهديدات وفحص العذرية والمعابثة باللمس والاستخدام بقصد مسبق للتفتيش الجسدي أو اللغة الجنسية الفاضحة للحط من الكرامة أو الإذلال.

  • ينبغي إبلاغ العسكريين وأفراد الشرطة وموظفي السجون بلا لبس بأنه سيتم تقديم أي شخص يرتكب مثل هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان للمحاكمة فوراً، وأنه سيواجه عقوبات تتناسب مع مدى خطورة جريمته إذا ما أدين.  (بيد أنه يجب أن يستثنى من مثل هذه العقوبات، في كل الأحوال، العقوبات الجسدية وعقوبة الإعدام).

  • يجب فصل المعتقلات والسجينات الإناث عن المعتقلين والسجناء الذكور، ولا يجوز أن يشتركن معهم في الحمامات أو دورات المياه (وبما يتفق مع القاعدة 8 (أ) من القواعد النموذجية الدنيا للأمم المتحدة لمعاملة السجناء). ويرقى عدم مراعاة مسؤولي السجون لقواعد من مثل الفصل بين النساء والرجال في السجن إلى مرتبة القبول الضمني بالعنف ضد المعتقلات من النساء.

  • بالاتساق مع القاعدة النموذجية الدنيا للأمم المتحدة رقم 53، ينبغي أن تحضر استجواب المعتقلات الإناث موظفات أمنيات إناث، وأن تتولى هؤلاء الموظفات حصراً مسؤولية التفتيش الجسدي للمعتقلات الإناث.  وينبغي أن لا يكون هناك أي احتكاك بين الحراس الذكور والسجينات الإناث دون حضور حارسة أنثى.

  • لا يجوز أبداً أن يستخدم حبس الأم مع طفلها معاً لتعذيب الأم أو طفلها، أو إساءة معاملة أي منهما، عن طريق إلحاق  المعاناة الجسدية أو النفسية بأي منهما. وإذا ما تم فصل الطفل عن أمه في السجن، ينبغي إشعار الأم فوراً بمكان الطفل وإطلاعها بصورة مستمرة على ذلك. وينبغي أن تتوفر لها فرصة معقولة للاتصال به.

  • يجب إجراء فحص طبي فوري لأي معتقلة أو سجينة أنثى تزعم أنها قد اغتصبت أو تعرضت لإساءة جنسية، ويفضل أن يتم ذلك من قبل طبيبة أنثى، أو بحضور موظفات إناث على الأقل.

  • ينبغي أن تتمتع ضحايا الاغتصاب والإساءة الجنسية وغيرهما من ضروب التعذيب أو إساءة المعاملة أثناء الحجز

  • بالحق في الإنصاف الكامل والعادل، بما في ذلك التعويض المالي والرعاية الطبية الكاملة.

  • ينبغي وضع حد للاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي. وعلى الحكومات ضمان أن يعرض جميع السجناء دون تأخير على سلطة قضائية مستقلة بعد احتجازهم. وينبغي أن يتاح للسجناء الاتصال بأقاربهم ومحامييهم وأطبائهم دون تأخير وبانتظام إثر ذلك.

  • ينبغي على الحكومات ضمان أن يحتجز السجناء في أماكن اعتقال معترف بها رسمياً فقط، وأن تتوفر لأقارب السجناء ولمحامييهم وللمحاكم على الفور معلومات دقيقة بشأن اعتقالهم وأماكن احتجازهم. وينبغي أن تتوفر حلول قضائية فعالة لتمكين أقارب السجين ومحاميه من أن يتعرفوا على الفور على مكان احتجازه، وعلى السلطة التي تحتجزه، لضمان سلامة السجين.

  • ينبغي إبلاغ جميع السجناء بشكل فوري بحقوقهم. وتشمل هذه، الحق في تقديم الشكاوى بشأن معاملتهم، والحق في أن يقرر قاض بلا تأخير مدى قانونية اعتقالهم. وينبغي على القضاة  التحقيق في أي دليل على التعذيب وأن يصدروا أمراً بالإفراج إذا تبين أن الاعتقال غير قانوني. كما ينبغي أن يكون محامي المتهم حاضراً أثناء عمليات الاستجواب. وعلى الحكومات ضمان أن تكون ظروف الاعتقال متسقة مع المعايير الدولية لمعاملة السجناء، وأن تأخذ بعين الاعتبار الحاجات الخاصة للمرأة. وينبغي أن تكون السلطات المسؤولة عن الاعتقال منفصلة عن تلك المسؤولة عن التحقيق. وينبغي أن تكون هناك زيارات تفتيشية منتظمة ومستقلة وغير معلنة أو مقيدة لجميع أماكن الاعتقال.

  • ينبغي على الحكومات ضمان عدم  اعتماد الأقوال والأدلة الأخرى التي يتم الحصول عليها عن طريق التعذيب في أي من إجراءات المحاكمة إلا ضد الشخص المتهم بممارسة التعذيب.

7. منع تعذيب النساء إبان النـزاعات المسلحة

  • ينبغي على الدول وضع برامج للتدريب الحساس إزاء العلاقة بين الجنسين في مجال قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي لجميع العاملين في الجيش والموظفين والمشاركين في عمليات حفظ السلام وفي المساعدات الإنسانية الإقليمية أو التي تتم تحت إشراف الأمم المتحدة. وعلى الدول تنظيم حملات للتوعية العامة بشأن تعذيب المرأة، بما فيها العنف الجنسي، باعتبارها أفعالاً محظورة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني على حد سواء. ويشكل العديد من هذه الأفعال ضرباً من ضروب التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة. ويمكن أن تشكل أيضاً جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وعنصراً من عناصر الإبادة الجماعية.

  • ينبغي على أطراف النـزاع، بما في ذلك جماعات المعارضة المسلحة، إصدار أوامر واضحة بأنه لن يكون هناك أي تساهل في أمر التعذيب، بما فيه الاغتصاب وغيره من أشكال الإساءة الجنسية، للنساء والفتيات، في أي ظرف من الظروف.

  • ينبغي على البلدان المانحة والوكالات الإنسانية والحكومات الوطنية تمويل برامج حساسة إزاء العلاقة بين الجنسين لمساعدة ضحايا العنف من النساء، وتبني مثل هذه البرامج.

  • ينبغي أن تتبنى جميع الوكالات المنخرطة في برامج إنسانية مدونات سلوك ومبادئ توجيهية تضمن بموجبها أن تكون المساعدات الإنسانية حساسة إزاء قضايا المرأة ولا تميز ضدها. وينبغي، بصورة خاصة، توفير الرعاية الصحية والإرشاد للنساء ضحايا العنف. كما ينبغي أن يكون للنساء دورهن في تخطيط برامج المساعدات وتنفيذها.

  • ينبغي على الدول المصادقة الفورية على قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وضمان اتساق تشريعها الوطني مع متطلبات المحكمة الجنائية الدولية.

  • ينبغي على الدول تطبيق مبدأ الولاية العالمية. وبموجب هذا المبدأ، تستطيع أي دولة، وينبغي عليها، أن تقدم للقضاء من تفترض مسؤوليتهم عن التعذيب، وعن جرائم ضد الإنسانية، وعن جرائم الحرب، وعن أعمال الإبادة الجماعية، بغض النظر عن مكان ارتكاب الجرائم، أو تابعية الشخص المسؤول أو تابعية الضحية. ومن واجب جميع الدول التعاون في اعتقال الأشخاص المتورطين في هذه الجرائم، والقبض عليهم وتسليمهم ومعاقبتهم.

  • ينبغي على الدول تطبيق منهج حساس إزاء قضايا المرأة في قراراتها المتعلقة بإجراءات اللجوء وحماية اللاجئين. وينبغي توفير الحماية العالمية لمن ترغب دولهم في حمايتهم من الإساءات، بما فيها الإساءات التي ترتكبها جماعات مسلحة وأفراد خاصون، أو لا تكون دولهم قادرة على ذلك.

8. المدافعون عن حقوق الإنسان

  • ينبغي على الدول الاعتراف بالإسهام القيم الذي يقوم به النشطاء والمحامون ومجموعات حقوق المرأة في رفع مستوى الوعي بحقوق المرأة ومكافحة الإساءات.

  • ينبغي على الدول ضمان ممارسة المدافعين عن حقوق الإنسان ومجموعات حقوق الإنسان أنشطتهم المشروعة دون مضايقة أو خوف على سلامتهم أو سلامة عائلاتهم. وينبغي على الدول توفير الحماية الكافية من قبل الشرطة للملاجئ العامة والخاصة للنساء، وكذلك للمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتعرضون للتهديدات والمضايقة، ومتابعة جميع هذه التهديدات بهدف معاقبة مطلقيها. وينبغي تقديم التمويل الكافي للهيئات الحكومية وغير الحكومية.

  • ينبغي على الدول التأكد من تضمين قانونها الوطني المبادئ المنصوص عليها في الإعلان الخاص بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً، الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1998، ووضع هذه المبادئ موضع التطبيق العملي.

9. الهيئات الحكومية الدولية

  • ينبغي على إجراءات الأمم المتحدة وآلياتها الهادفة إلى محاربة التعذيب، وخاصة لجنة مناهضة التعذيب، أن تعالج بصورة محددة  الانتهاكات المرتكبة ضد النساء، بما في ذلك تعذيب النساء على أيدي جناة خاصين.

  • ينبغي على الهيئات الحكومية الدولية التي تتصدى لموضوع التعذيب ضمان حساسية عملها تجاه قضايا المرأة. وينبغي أن تتزايد بصورة مطردة عدد الخبيرات من النساء اللواتي يشاركن في هذه الهيئات. كما ينبغي أن يتلقى جميع المشاركين في مثل هذا العمل تدريباً في الحساسية إزاء قضايا المرأة. وينبغي على جميع هيئات الأمم المتحدة والهيئات الحكومية الدولية الأخرى العاملة بشأن مكافحة التعذيب مراجعة أساليب عملها لتضمينها تحليلاً شاملاً بالعلاقة مع قضايا المرأة.

ينبغي على هيئات الأمم المتحدة والهيئات الحكومية الدولية الأخرى العاملة بشأن مكافحة التعذيب التعرف على البيانات التي تتخذ من العلاقة بين الجنسين أساساً لها وجمعها واستخدامها، واعتماد التحليل الجنسوي في المراقبة وإعداد التقارير

التعليقات مغلقة