• ظاهرة بعيدة عن الأنظار؟
  • سوء المعاملة القائمة على التمييز
  • آثار التعذيب على الأطفال
  • تعذيب الأطفال أثناء التوقيف
  • تعذيب الأطفال إبان النـزعات
  • تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم
  • الوفيات أثناء الحجز
  • الوضع الخاص للأطفال
  • المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في المؤسسات الأخرى
  • العقوبة البدنية
  • التعذيب كسلاح في الحرب
  • التعذيب على يد الشرطة
  • الأطفال والتعذيب -- حقوق الطفل
  • الأطفال اللاجئون والمهجرون داخلياً
  • احتجاز الأطفال مع الكبار
  • توصيات

ظاهرة بعيدة عن الأنظار؟

يقال أحياناً إن تعذيب الأطفال غير مرئي. ويمكن أن يعزى ذلك، جزئياً، إلى عدم اعتقاد سائد بأنه يمكن تعريض الأطفال للتعذيب، ونحن أيضاً نميل إلى رؤية التعذيب باعتباره من الفظائع التي يرتكبها أحد عملاء الدولة ضد سجين سياسي في زنزانة تحت الأرض. واحتمال تعرض الأطفال للتعذيب بسبب معتقداتهم السياسية الخاصة أقل من احتمال تعرض البالغين (مع أنه يمكن أن يتعرضوا للتعذيب بسبب المعتقدات السياسية لوالديهم)؛ وتعذيب الأطفال نادراً ما يكون رداً على تحد سياسي صريح. كما أن الأطفال أكثر عرضة لإساءة المعاملة في المنـزل، على أيدي والديهم أو أفراد عائلاتهم مما هم على أيدي الأفراد أو الجهات التابعة للدولة. فالعنف العائلي بطبيعته، يكاد يكون دائماً “بعيداً عن الأنظار” ويصعب التحقيق فيه والمعاقبة عليه.

وحتى تعذيب الأطفال على أيدي موظفي الدولة وتابعيهم لا تُكتب حوله تقارير بالقدر الواجب. لقد قامت منظمة العفو الدولية، وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، بتوثيق عدد كبير من الحالات المتعلقة بالأطفال. بيد أن الحالات التي خرجت إلى النور ما هي إلا بمثابة قليل من كثير. ونادراً ما يملك الأطفال وسائل كافية لحماية أنفسهم أو طلب الإنصاف. ومن غير المرجح أن يتمتعوا بالثقة والوضوح الكافيين للتمسك بمزاعمهم ضد الكبار وقوى عالم الكبار. ويلتزم العديد من الضحايا الصمت لأنهم تلقوا تهديدات بمزيد من العنف ضدهم أو ضد عائلاتهم إذا باحوا لأحد بما حدث لهم. وفي الحالات التي يبادر فيها الأطفال المحتجزون إلى إطلاق مزاعم حول إساءة معاملتهم، أو تقديم شكاوى بشأن أوضاعهم المريعة، فإن مزاعمهم وشكاواهم ربما لا تؤخذ على محمل الجد. وعلاوة على ذلك، فإنهم يُرغمون على توجيه شكاواهم إلى حراس السجن، الذين يمكن أن يكونوا، بالذات، مسؤولين عن إساءة المعاملة. كما أن الافتراضات بأن شهادة الأطفال غير جديرة بالثقة كثيراً ما تؤدي إلى عدم تصديق شكاواهم أو مطالبهم، وبالتالي تجاهلها. وربما لا يعرف الأطفال حقوقهم، وحتى إذا كانوا يعرفونها؛ فإن من غير المرجح أن يُسمح لهم بالاتصال بمحام أو بأي شخص لديه الاستعداد لإخراج القضية إلى العلن، فما بالك بإيصالها إلى المستوى الوطني أو الدولي.

ولعل أكثر أشكال تعذيب الدولة للأطفال شيوعاً هو ضرب الشباب المشتبه فيهم جنائياً في حجز الشرطة. ومع أن أوضاع الأحداث في الحجز خاضعة لمراقبة حثيثة من قبل عدد من المنظمات الوطنية والدولية غير الحكومية ولا سيما في أمريكا اللاتينية، فقد كان هناك القليل من التعبئة الشعبية الدولية دفاعاً عن الأطفال المحتجزين بسبب جرائم جنائية. ففي بعض البلدان ربما يُنظر إلى العنف ضد الأطفال بأنه إجراء موجه إلى “جانحين أحداث ينالون ما يستحقون”، وغالباً ما يكون هناك تأييد شعبي لعمليات “التطهير العرقي” التي يستخدم خلالها الموظفون المكلفون بتنفيذ القانون العنف والترهيب لتنظيف الشوارع من الأطفال الذين يُعتبرون مجرمين محتملين.

إن ضرب الأطفال والبالغين المحتجزين بسبب جرائم جنائية عملية شائعة في بعض البلدان إلى حد أن الضحايا أنفسهم لا يعتبرونها نوعاً من التعذيب أو سوء المعاملة، وإنما نتيجة طبيعية للاعتقال. وتوحي الردود البراغماتية للأطفال في جنوب أفريقيا، الذين شاركوا في سلسلة من ورش العمل حول مشروع قانون قضاء الأطفال، بأنهم يعتبرون احتمال وقوع سوء المعاملة في الحجز أمراً مفروغاً منه. وعندما سُئلوا عن كيفية تحسين إجراءات الشرطة في التعامل مع الأطفال في الحجز، قدموا اقتراحين، أولهما أنه يجب أن يُسمح للأطفال المحتجزين فوراً  بالحصول على الرعاية الطبية، وذلك لضمان ملاحظة الأدلة على وقوع إصابات أثناء الاعتقال رسمياً، وثانيهما أنه ينبغي معاقبة أفراد الشرطة إذا ارتكبوا اعتداءات. ومن الواضح أنه لم يخطر ببالهم أنه ينبغي منع الشرطة من ضرب الأطفال في الحجز أصلاً.

ينتمي الأحداث المشتبه فيهم جنائياً، في الأغلب، إلى القطاعات المهمَّشة في المجتمع، وغالباً ما يُسهم التمييز الذي يمارس ضد هذه الفئات في عدم التحرك ضد عمليات التعذيب وسوء المعاملة التي يتعرضون لها. ولهذه الأسباب مجتمعة، فإن التقارير المتعلقة بتعذيب الأطفال في سياق التحقيقات الجنائية هي بالتأكيد أقل مما يجب.

وربما يحدث النقص المنهجي في التقارير المتعلقة بالانتهاكات ضد الأطفال لأن العديد من هذه الحوادث تعتبر شؤوناً خاصة، وليست من قضايا حقوق الإنسان. وغالباً ما يُنظر إلى إساءة المعاملة الجسدية ضد الأطفال في مكان العمل، والتي يمكن أن تصل أحياناً إلى حد التعذيب وسوء المعاملة، على أن مسؤولية حلها تقع على عاتق الأب أو الوصي، وليست من مسؤوليات الدولة. وما زالت العقوبة البدنية للأطفال في المدارس مقبولة على نطاق واسع، بل يجري الدفاع عنها، أحياناً، باعتبارها وسيلة تعليمية على الرغم من أن العقوبة نفسها يمكن أن تصل إلى حد التعذيب أو سوء المعاملة. كما أن بعض أشكال سوء المعاملة، التي ربما تفضي إلى التعذيب، من قبيل عمل السُخرة، أو الاتجار غير المشروع، أو العمل في ظروف خطرة، توصف عادة، بأنها قضايا اجتماعية وليست من مشكلات حقوق الإنسان.

سوء المعاملة القائمة على التمييز

يفاقم التمييز أحياناً من وطأة تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم بسبب فقرهم، أو انتمائهم إلى أقليات عرقية أو دينية. ويغلب أن يكون مثل هؤلاء الضحايا أبعد عن أن يتلقوا الحماية والدعم من قبل السلطات. وقد شكلت الانتهاكات القائمة على التمييز العنصري أحد العوامل في عدد من حالات التعذيب التي قامت منظمة العفو الدولية بالتحقيق فيها.

ففي بلغاريا، على سبيل المثل، يبدو أن وحشية الشرطة مزمنة تجاه أفراد الأقلية الغجرية في البلاد، البالغ عددها 800,000 فرد. فقد أوردت لجنة هلسنكي البلغارية أن 60 بالمائة من السجناء الغجر زعموا أنهم قد تعرضوا للضرب أثناء القبض عليهم أو التحقيق معهم. والعديد من ضحايا المعاملة الوحشية هم من الأطفال.

ففي 29 أبريل/نيسان 2000، أصيب تسفيتالين بيروف،  وهو صبي غجري في السادسة عشرة، بحروق من الدرجة الثالثة في 15 بالمائة من جسمه أثناء اعتقاله في مركز شرطة فيدين. وادعى الصبي أنه جرى احتجازه مع أحد رجال الشرطة في مركز الشرطة، حيث قام هذا بضربه وركله حتى غاب عن الوعي. وكان الشيء التالي الذي يتذكره هو أنه أفاق من غيبوبته بسبب الألم الذي أحس به نتيجة لاشتعال النار في جسده.

وتقول الشرطة أن تسفيتالين بيروف هو الذي أشعل النار في نفسه. وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أنه كان بحوزته ولاعة أو ثقاب، وربما احتاج الأمر إلى أن يرش نفسه بالنفط، نظراً لما ذكر من صعوبة إطفاء النار وشدة الحروق، مما يرجح أن مادة شديدة الاشتعال قد استخدمت. ومن غير المحتمل أن يحتفظ المشتبه فيه بمثل هذه الأشياء في حوزته بعد الفحص الروتيني الذي يجري عادة لأي شخص مشتبه فيه يدخل إلى حجز الشرطة البلغارية. وفي كل الأحوال، فإن مسؤولية اتخاذ الخطوات الفعالة لضمان أن لا يقوم المعتقلون بإيذاء أنفسهم تظل من نصيب سلطة الاعتقال نفسها.

كثيراً ما واجه تسفيتالين، المصاب بالصرع والذي كان يعاني من صعوبات في التعلم، مشاكل مع الشرطة من قبل؛ وبحسب ما زعم، فقد أسيئت معاملته أكثر من مرة، وتذكر شقيقاته أنه كثيراً ما كان يعود إلى البيت من مركز الشرطة والدماء تغطي ملابسه. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1998، تقدمت إحدى المنظمات غير الحكومية المحلية بشكوى ضد تعرض تسفيتالين أكثر من مرة لسوء المعاملة المزعومة على أيدي رجال الشرطة.

في سويسرا، قام رجال الشرطة، بحسب ما زعم، بضرب طالب أنغولي في السابعة عشرة من عمره في نوفمبر/تشرين الثاني 1999، يدعى “ديدير”72، وبسبه بشتائم، تنطوي على عنصرية، إثر اعتقاله بتهمة الاشتراك في شجار وقع في أحد الشوارع. وفي مقابلات  أجرتها معه وسائل الإعلام المحلية، قال الصبي أنه وصديقين له شاهدا شجاراً بين رجل وامرأة في حي كاروج بجنيف،  فطلب أحد صديقيه من الرجل أن يتوقف عن ضرب المرأة، مما أدى إلى اشتباكهما. وبعد فترة قصيرة، قُبض على الشبان الثلاثة، بحسب رواية ديدير، من قبل وحدة شرطة أجبرتهم على الوقوف أمام حائط وكبلت أيديهم.

وقال ديدير أنه ألقي أرضاً وضرب بالهراوات قبل وضعه في مركبة للشرطة ونقله إلى مركز شرطة كاروج. وأضاف أنه ضرب مجدداً أثناء نقله، بالهراوات، وتعرض للشتيمة من قبل الشرطة، الذين وصفوه بأنه “زنجي قذر”. ويقول ديدير إنه أدخل إلى إحدى الزنازين في مركز مكبل اليدين، حيث تعرض للركل ولمزيد من الضرب بالهراوات قبل أن يفقد الوعي.

ووجهت إلى ديدير تهمة مقاومة الشرطة، وأخلي سبيله في يناير/كانون الثاني 2000. وكان في ذلك الحين قد تقدم بشكوى ضد الشرطة يتهمهم فيها بإنزال الأذى الجسدي به، وتعريضه للإهانات العنصرية. وفتح النائب العام تحقيقاً في الحادثة، وكلف الشرطة بإجرائه تحت إمرته.

وفي مارس/آذار، قامت الشرطة بتفتيش بيت أسرة ديدير أثناء غيابه في المدرسة. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، استدعي ديدير إلى مركز الشرطة. وعندما وصل إلى المركز، اعتقل ووجهت إليه تهمة تخويف الأطفال الأصغر منه سناً للاستيلاء على أمتعتهم. وبقي محتجزاً طيلة الليل قبل مثوله أمام قاض في محكمة الأحداث رفض قبول القضية ضد الصبي على الفور. وتعتقد عائلة ديدير أن الهدف من كلتا الحادثتين هو تخويف الصبي. وفي أبريل/نيسان، قرر النائب العام أنه ليس ثمة أساس يبرر استمرار التحقيق في شكوى ديدير، وأمر بإغلاق الملف. ولم يحدث أن قابلت الشرطة ديدير نفسه بشأن ما أثاره من مزاعم. وفي أغسطس/آب 2000، قضت إحدى المحاكم في جنيف، وإثر قيامه بالاستئناف ، بأن يقوم قاضي تحقيق بإجراء تحقيق شامل في مزاعمه، بما في ذلك استجواب ديدير وشهود آخرين على صلة بالموضوع. وكثيراً ما يحتجز الأطفال الذين يظلون في حجز الشرطة بعد المراحل الأولية للتحقيق في حجز الشرطة، ولشهر كامل أحياناً، إلى أن يمثلوا أمام القاضي. وهذه الأماكن ليست معدة لاستقبال الأطفال أو لأن تشغل لفترات طويلة. فالأوضاع في زنازين الشرطة سيئة غالباً، وتكاد تكون الشكوى من قلة الطعام والرعاية الصحية، والإضاءة والتهوية السيئتين، سمة عامة لمثل هذه الأماكن. والأطفال المعتقلون في زنازين الشرطة محرومون بصورة عامة من الترفيه أو قراءة الكتب أو التمارين الرياضية، وربما يضطرون إلى اقتسام الزنازين مع الكبار، والأطفال المحتجزون مع المعتقلين من البالغين أكثر تعرضاً في العادة لخطر الاعتداء الجنسي، أو الأشكال الأخرى من الاعتداءات الجسدية.

ففي جامايكا، يبين تقرير أصدره مرصد حقوق الإنسان في يوليو/تموز 1999 أنه من الشائع أن يحتجز الأطفال من سن 12 أو 13 عاماً لأشهر كاملة في أماكن حجز قذرة ومزدحمة لدى الشرطة. وكثيراً ما احتجز الأطفال في الزنازين نفسها التي يحتجز فيها بالغون متهمون بارتكاب جرائم خطيرة، مما يعرضهم لسطوة من يشاركونهم الزنزانة من الكبار، ولسوء المعاملة من قبل الشرسين من رجال الشرطة. وأورد بعض الأطفال ممن اعتقلوا في زنازين مع الكبار أنهم قد تعرضوا للضرب والاغتصاب والطعن بالسكاكين من قبل السجناء الأكبر سناً. وتحدث العديد من الأطفال عن التعرض لإساءات بدنية ونفسية متعمدة من قبل الشرطة. وذكرت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها لمرصد حقوق الإنسان أنها قد اغتصبت من قبل أحد رجال الشرطة أثناء مبيتها في حجز الشرطة. وتتميز محتجزات الشرطة في جامايكا بكونها مظلمة وكريهة الرائحة ومزدحمة، بينما يتعذر على الأطفال الذهاب إلى المراحيض إلا بصعوبة بالغة، ولا يحصلون على ما يكفيهم من الطعام أو التمارين الرياضية أو التعليم أو الرعاية الصحية. ويجري احتجاز بعض الأطفال لا لأنه هناك من يعتقد  بارتكابهم جناية ما، وإنما لأن ثمة من يرى أنهم”يحتاجون إلى الرعاية والحماية”73. وبعد أسبوع من صدور التقرير المذكور، أعلنت الحكومة أنها سوف تقوم بنقل جميع الأطفال من أماكن الحجز الخاصة بالشرطة، وأنها ستنتهي من بناء مركز جديد للحجز الاحتياطي للأحداث خلال 18 شهراً. بيد أن اعتقال الأطفال في زنازين الشرطة لفترات قصيرة مازال مستمراً؛ ففي أغسطس/آب، أُبلغ ممثلو منظمة العفو الدولية من قبل مدير خدمات الأطفال أنه مازال من الوارد أن يعتقل الأطفال لمدة أسبوع في محتجزات الشرطة، في انتظار إيجاد أماكن أخرى لاحتجازهم. غير أن العاملين الاجتماعيين يقومون بزيارات منتظمة، لا يعلن عنها أحياناً، للمحتجزات في كل دائرة، ويقومون برصد جميع الحالات التي يحتجز فيها الأحداث لدى الشرطة.

ومازال احتجاز الأطفال المعتقلين لدى الشرطة أمراً مألوفاً في أجزاء أخرى من حوض الكاريبي. ففي غيانا، احتجز صبي في التاسعة من العمر ما يقارب الشهرين في حجز بريكدام في عام 1999، إثر اتهامه بسرقة أحد الحيوانات. وأوردت إحدى الصحف المحلية أن نزلاء كباراً في المحتجز مارسوا معه اللواط بصورة متكررة. وكانت منظمة وطنية لحقوق الإنسان قد وثقت في وقت سابق لمزاعم بوقوع إساءات جنسية للأطفال من قبل سجناء بالغين في محتجز بريكدام.

إساءة معاملة أطفال الشوارع

يعيش ما يقدر بمائة مليون طفل ويعملون في شوارع العالم “حيث يتسولون أو يبيعون الفاكهة والسجائر والحلي الرخيصة، أو يمسحون الأحذية، ويلجأون في أحيان كثيرة إلى السرقة أو البغاء حتى يعيشوا. ولبعض هؤلاء روابط مع عائلاتهم، فيعودون إلى بيوتهم بين الحين والآخر، بينما انقطعت صلة العديد منهم بأهلهم بعد أن هجرهم هؤلاء أو نبذوهم أو تيتموا، أو بعد هروبهم من المنـزل بسبب الإساءة أو الفقر. وينام هؤلاء الأطفال في المتنـزهات العامة أو مداخل الأبنية أو تحت الجسور وفي البنايات المهجورة. ويغدو هؤلاء بصورة مطردة هدفاً للحلقات الدولية للاتجار بالأطفال ومادة للأدبيات والأشرطة الجنسية. ويدمن العديدون منهم على المخدرات، وفي أميركا الوسطى كثيراً ما يدمن الأطفال على مواد للشم من قبيل الغراء، رخيصة وسهلة المنال، ولكنها تسبب تلفاً للدماغ غير قابل للعلاج، إلى جانب مجموعة من الاختلالات الجسمانية الأخرى.

ويتعرض الأطفال الذين يضطرون إلى العيش في الشوارع أكثر من غيرهم للقبض عليهم ولسوء المعاملة. ويعتمد بقاء العديد منهم على التسول أو الجرائم الصغيرة أو البغاء، وهي أنشطة تلفت أنظار الشرطة إليهم بصورة منتظمة. ويعتقل بعضهم وتساء معاملتهم لاشيء إلا لأنهم فريسة سهلة، بينما يلقى القبض على آخرين بموجب قوانين تجعل من الفقر والتشرد والتسول أفعالا إجرامية. ويقع أطفال الشوارع في كثير من الأحيان ضحايا لحملات “التطهير الاجتماعي”، حيث يدفع أصحاب المصالح التجارية المحليين أجوراً لمن يطارد هؤلاء الأطفال لإبعادهم أو حتى قتلهم. ويغدو العديد منهم ضحايا للتعذيب وإساءة المعاملة، وحتى القتل أحياناً، على يد الشرطة وغيرها من السلطات. وقد وثقت منظمة العفو الدولية لحوادث عنف ضد أطفال الشوارع في العديد من البلدان، بما في ذلك بنغلاديش والبرازيل وكولومبيا وغواتيمالا والهند وكينيا ونيبال وأوغندا. وما هو مشترك بين هذه الاعتداءات ما يتمتع به مرتكبو الانتهاكات من حصانة شبه كاملة ضد العقاب.

وتتعرض المشردات من الفتيات في الشوارع للمضايقة بصورة خاصة وللإساءة الجنسية من قبل الشرطة. ففي فبراير/شباط 1999، على سبيل المثل، أيقظ أحد أفراد الشرطة الوطنية الغواتيمالية، الذي كان يرتدي بزته الرسمية، بالركلات، طفلين في الخامسة عشرة من العمر من أطفال الشوارع، وهما لورينا كارمن هيرنا كارانز، ونيري ماتيو هيرنا نديز،كانا نائمين في أحد المتنـزهات العامة في مدينة غواتيمالا. وألقى الشرطي بالفتاة والصبي أرضاً، ثم طلب منهما خلع ملابسهما، وقام بالاعتداء جنسياً على لورينا لمدة 20 دقيقة. وتعرف الاثنان على رجل الشرطة وتقدما بشكوى رسمية ضده بمساعدة من منظمة غير حكومية محلية تدعى كاسا أليانزا.وبعد التحقيق في القضية، خلص مكتب الشكاوي الغواتيمالي لحقوق الإنسان إلى أن الحقوق الإنسانية للطفلين قد انتهكت من قبل رجل الشرطة. بيد أنه، وحتى سبتمبر/أيلول 2000 ، لم يكن رجل الشرطة قد أخضع لأي تحقيق جنائي.

وعلى الرغم من أن الانتهاكات ضد أطفال الشوارع في أميركا اللاتينية قد وثقت بصورة أكثر شمولاً من غيرها من قبل منظمة العفو الدولية والمنظمات الأخرى، إلا أن ملايين الأطفال في آسيا وأفريقيا وأوروبا قد وقعوا ضحايا للتعذيب وسوء المعاملة وغيرها من ضروب الانتهاكات.

ففي بنغلاديش عدد هائل من أطفال الشوارع الذين يتزايدون بصورة مطردة، وخاصة في العاصمة، داكا. وبحسب بعض التقديرات، يتجاوز عدد أطفال الشوارع في داكا وحدها 50,000 طفل. ويحصل هؤلاء على عيشهم الشحيح من القيام بأعمال غريبة، من قبيل حياكة السجاد والمنسوجات، أو الخدمة في البيوت، أو البغاء، ويلتقط المئات منهم الورق أو القطع البلاستيكية من أكوام النفايات لبيعها. ويتعرض أطفال الشوارع بانتظام لملاحقة رجال الشرطة، الذين ينتزعون منهم الرشاوى ويضربونهم ويذلونهم ويضايقونهم. وقد تلقت منظمة العفو الدولية العديد من التقارير التي تزعم أن الأطفال من الجنسين يتعرضون للإساءة الجنسية في حجز الشرطة. ويحتجز السجناء من الأطفال المحكومين عادة في عنابر مع السجناء البالغين، ومن المعروف أن هؤلاء الأطفال كثيراً ما اغتصبوا من قبل النـزلاء الآخرين أو حراس السجن. فقد اغتصب محمد شوكت، وهو طفل شوارع في الثالثة عشرة من العمر، من قبل شرطيين في يوليو/تموز 1993، وفي اليوم التالي، أدخل محمد إلى مستشفى كلية الطب وهو مصاب بنـزيف في الشرج، وبإصابات أخرى. وأكد مساعد مسجل المستشفى أن الجروح التي كان محمد يعاني منها كانت متطابقة مع ما يتسبب عن الاغتصاب من جروح. ونشرت صحيفتان تصدران باللغة البنغالية الخبر، ونشرتا اسمي الشرطيين، اللذين جرى وقفهما عن العمل، مع أنه لم توجه إليهما أي تهمة قط، على ما يبدو. واختفى محمد من المستشفى، ولم يعد من الممكن تحديد مكان إقامته، ويحتمل أنه لجأ إلى الهرب خوفاً من الانتقام، أو نتيجة تهديد الشرطة له.

ويصارع نحو 50,000 من أطفال الشوارع، هم من أشد الفئات فقراً من أجل البقاء في بلدات ومدن كينيا، وخاصة العاصمة نيروبي. إذ يتعرض أطفال الشوارع لمضايقة الشرطة وإساءاتها، وكثيراً ما يتعرضون للضرب والابتزاز والإساءة الجنسية، وفي بعض الأحيان ، تقوم الشرطة بالقبض عليهم وإيداعهم في الحجز بلا سبب، أو بسبب التشرد، الذي يشكل جرماً جنائياً. وتهدد الفتيات في أحيان كثيرة بالاعتقال، ويجبرن على إرضاء شهوات الشرطة مقابل إطلاق سراحهن. وفي هذا السياق، قالت إحدى فتيات الشوارع: ” عندما تمسك بك الشرطة، يطلبون منك نقوداً أو ممارسة الجنس معهم، وإلا فإنهم يأخذونك إلى مركز الشرطة” 74. وما إن يلقى بهن في محتجزات الشرطة حتى يواجهن ظروفاً تبعث على الاشمئزاز. فكثيراً ما يحتجزن في مكان لا مرحاض فيه أو فراش، ولا طعام كاف أو شراب، ومن الوارد تماماً أن يتعرضن للمضايقة أو سوء المعاملة أو التعذيب. ثم يواجهن بفرض غرامات عليهن أو أحكام بالسجن في أحد سجون كينيا المكتظة والقذرة، ويتعرضن للمعاملة الوحشية في كثير من الأحيان. وكثيراً ما يحتجز الأطفال مع السجناء البالغين، ويجري الاعتداء عليهم من قبل النـزلاء الآخرين، ومن قبل أفراد الشرطة وحراس السجن. ففي ممباسا، ألقت الشرطة القبض على العشرات من أطفال الشوارع بسب نومهم في الشوارع، وفرضت عليهم غرامات باهظة أو حكمت عليهم بالسجن لمدة شهر بتهمة التسبب في الإزعاج. ويجري اعتقال هؤلاء الأطفال وتعريضهم لخطر التعذيب وسوء المعاملة في الحجز لا لأنهم قد ارتكبوا جريمة ما، وإنما لأنهم، وببساطة، لا يملكون مكاناً آخر يذهبون إليه. وقد رفع طفل شوارع سابق، أعياه الاعتقال المتكرر، قضية أمام المحكمة العليا ضد ثلاثة من كبار الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون. ففي سبتمبر/أيلول 2000، قدم طفل الشوارع السابق دعوى ضد مفوض الشرطة والمدعي العام ومحكمة القاضي المقيم، يطعن فيها بأن النوم في الشارع ليس جريمة، ويطالب بالبدء بإجراءات للمراجعة القضائية ضد الرجال الثلاثة. وأذنت المحكمة بالبدء بإجراء مراجعة قضائية في هذا الصدد.

آثار التعذيب على الأطفال

ومن الاعتبارات الخاصة الأخرى التي تحدد الفرق بين البالغين والأطفال ما يتعلق بعتبة الألم والمعاناة. ومن الشائع الاعتقاد أن الضعف الخاص الذي يتسم به الأطفال يجعلهم أكثر عرضة للآثار الجسدية والنفسية للتعذيب. إن عتبة الألم عند الأطفال الصغار، بشكل خاص، أدنى منها عند البالغين، ويحتمل أن يكون لإساءة المعاملة الجسدية أو العقلية أثر أعمق بكثير على جسم الطفل وعقله منه على البالغ. فالحبس الانفرادي لفترة طويلة، مثلاً، يمكن أن يُعتبر نوعاً من سوء المعاملة في حالة الكبار، بيد أنه بالنسبة للأطفال الصغار يمثل تجربة رهيبة تصل إلى حد التعذيب. وقد قال المقرر الخاص المعني بالتعذيب إن ظروف الاعتقال غير الملائمة يمكن أن تشكل نوعاً من التعذيب بالنسبة لبعض الأطفال بسبب ضعفهم الخاص. وسن الطفل، كذلك، ذو أهمية؛ فالطفل الذي يبلغ الخامسة من عمره يحتمل أن يتملكه الرعب جراء الضرب أكثر مما يحدث مع ابن السابعة عشرة. وعلى العكس من ذلك، فإن طفلاً صغيراً جداً ربما يجد تجارب معينة -- مثل احتجازه رهينة مع أمه -- أقل ترويعاً من طفل أكبر سناً يفهم دوافع الجناة. وثمة عامل آخر هو الجنس: فالفتيات اللواتي يخشين الاغتصاب أو إساءة المعاملة الجنسية بناءً على معرفتهن بالأمر، يحتمل أن يقاسين أكثر من غيرهن، سواء وقعت إساءة المعاملة أم لم تقع.

ربما يكون صحيحاً أن الأطفال يشفون بصورة أسرع من البالغين من الإصابات السطحية، إلا أنهم يعانون بصورة أشد من الصدمات النفسية التي يمكن أن توقف أنماط نموهم الطبيعي أو تمزقها، أو تسبب ضعفاً دائماً أو إعاقة دائمة، وخاصة إذا لم تتوفر لهم العناية الطبيعية الملائمة. وفضلاً عن الألم الجسدي، من المعروف أن الآثار النفسية وطويلة الأجل للتعذيب وغيره من أشكال العنف على الأطفال بأنه يصعب قياسها؛ كما أن أعراض الاضطرابات الناجمة عن الصدمة والتي تظهر على الأطفال، أكثر تنوعاً من تلك التي تصيب البالغين. ومع أن إجراء تحليل تفصيلي هنا يُعتبر خارج نطاق هذا التقرير؛ فإنه يمكن إبداء ملاحظات عامة حول أنواع الآثار النفسية التي يمكن أن يعاني منها الأطفال الذين يتعرضون للتعذيب. وتستند هذه الملاحظات، إلى حد كبير، إلى العمل مع الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة في ظروف النـزاع، أو بسبب الانتماء السياسي لأفراد عائلاتهم.

إن حجم الصدمة وآثارها ترتبط، بالضرورة، بسن الطفل ونضجه، فضلاً عن نوع التعذيب أو إساءة المعاملة التي تعرض لها؛ وتتدخل فيها عوامل أخرى، منها شخصية الطفل وقوة الدعم الذي تقدمه العائلة والمجتمع. وثمة مجموعة من الأعراض التي تؤثر، إلى حد ما، على معظم الأطفال من ضحايا الاضطرابات الناجمة عن الصدمة؛ ومن هذه الأعراض اضطرابات النوم والكوابيس وصعوبة التركيز والخوف من الموت أو الأذى. إن حدة التعذيب أو سوء المعاملة ومداهما يعتبران مفتاح تقرير العواقب الطويلة الأجل؛ فالتعرض للتعذيب أو سوء المعاملة مدة طويلة أو بصورة متكررة يُرجح أن يؤدي إلى تغيرات دائمة في الشخصية.

ويُعتبر سن الطفولة ونضجه من العوامل المهمة التي يجدر النظر إليها بصورة منفصلة؛ فردود الأفعال الجسدية والعاطفية لطفل في الرابعة من عمره، تختلف عن ردود أفعال مراهق أكبر سناً. كما أن منجزات النمو في كل فئة ذات أعمار معينة في مجال المعرفة والعواطف الاجتماعية تؤثر، جميعها، في رد فعل الطفل تجاه التعذيب وسوء المعاملة. ومع أن الاستجابات الفردية متنوعة باستمرار، فإن ثمة مجموعة موحدة من ردود الأفعال لكل مرحلة من مراحل الطفولة.

أثار التعذيب على الأطفال الصغار

كثيراً ما يصبح الأطفال الصغار فزعين للغاية على أثر محنة مريرة، ويكون رد فعلهم قوي تجاه كل ما يذكرهم بتلك المحنة. وربما يصابون بالنكوص في أنماط الحديث والسلوك. ونظراً لأن نظرتهم إلى العالم ذاتية إلى حد كبير، فإنهم يميلون إلى الاعتقاد بأن كل ما يحدث مرتبط بهم بشكل أو بآخر؛ فإذا تعرضوا هم أو أفراد عائلاتهم للتعذيب، فإنهم غالباً ما يعتقدون أن السبب هو كونهم سيئين، أو أنهم مسؤولون عن ذلك بطريقة ما. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى شعور غامر بالذنب أو الإحباط لا يستطيع الطفل معرفة كنهه أو تبديده. والأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و 12 سنة يستطيعون أن يفهموا معنى التجارب المريرة التي مروا بها، وأن يتذكروا الأحداث بطريقة منطقية. فغالباً ما يكون رد فعلهم تجاه الصدمة من خلال إعادة تمثيل الحادثة وتخيّل النتائج المختلفة، وخصوصاً تلك التي استطاعوا فيها منع حدوث المأساة. وربما يتخيلون أنهم حذّروا عائلاتهم وجيرانهم من أن الجنود كانوا على وشك الإغارة على القرية، وأن الجميع تمكنوا من الفرار، أو أن والديهم لم يكونوا في المنـزل عندما جاءت الشرطة لاقتيادهم. وإذا كان الأطفال أنفسهم قد أُصيبوا بأذى، فإنه يستبد بهم هاجس الخوف ويميلون بالتالي إلى الانسحاب. والأطفال في هذا السن يتقبلون نهائية الموت، ويتوقفون عن توقع عودة الموتى، ولذا فإنهم يشعرون بحزن أعمق على والديهم مما يشعر به إخوانهم وأخواتهم الأصغر سناً. وسرعان ما يتبنون قيم الجماعة لأوضاعهم الاجتماعية، بحيث يمكن أن يعمد الأطفال إلى الاقتناع داخلياً بأن القتل هو الطريقة الطبيعية لحل النـزاعات. أما الأطفال من جميع الأعمار، الذين كانوا ضحايا للتعذيب أو العمليات الوحشية التعسفية، أو شهوداً عليها، فغالباً ما يجدون صعوبة في بناء الثقة بالآخرين، الأمر الذي يمكن أن يؤثر سلبياً على قدرتهم على إقامة علاقات اجتماعية وثيقة.

آثار التعذيب على المراهقين

إن للمراهقين، الذين يشكلون النسبة المئوية الأكبر بين الأطفال من ضحايا التعذيب وإساءة المعاملة، مجموعة استجابات أكثر تعقيداً، ويمكن أن يتسموا بالضعف إزاء التجارب المريرة. فمعظمهم يمر، أصلاً، بتغيرات عاطفية ونفسية عميقة، وربما يكونون منفصلين عن عائلاتهم، أو في طريقهم إلى الانفصال. ويتوقع من العديد منهم أن يتصرفوا كبالغين، وأن يملكوا القدرات المعرفية على فهم ما حدث لهم أو لمجتمهم، ولكنهم لا يتمتعون، بعد، بالنضج الكافي لمواكبته. وإن المراهقين الذين يعانون من التعذيب في ظروف النـزاع، حيث يشهد العديد منهم انهيار مجتمعهم وطريقة حياتهم برمتها، ربما يشعرون أنهم لم يفعلوا ما يكفي لحماية أنفسهم وعائلاتهم وأصدقائهم، وربما يستبد بهم اليأس والشعور بالذنب والإحباط. إن أحد أهداف التعذيب هو حمل الضحية على الشعور بالعجز وفقدان الحول والقوة؛ وليس هناك هدف أسهل من مراهق لا يقبض بقوة على زمام ثقته بنفسه.

دور العائلة

يعتمد الأطفال، جسدياً وعاطفياً، على والديهم والراعين لهم من الكبار، وهم لذلك معرضون تماماً للتعذيب أو إساءة المعاملة. إن الأثر الذي يحدث للطفل الذي يشاهد عملية اعتقال والدته أو والده أو تعذيبهما أو قتلهما، أو يختفي والده أو أحد أشقائه دون أن يبين له أثر، يمكن أن يشكل ضرباً من التعذيب النفسي يدوم مدى الحياة. إن دور العائلة حاسم في تقرير مدى الأذى الذي يحصل. فالأطفال الذين تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة ربما يعانون من آثار أشد قسوة إذا رأوا والديهم يتعرضون إلى معاملة مماثلة، وذلك لأن الوالدين فشلوا في حمايتهم من جهة، ولأن ذلك يؤكد أكثر على أن العالم انقلب رأساً على عقب فجأة. وعلاوة على ذلك، فإن الوالدين الذين يعانون، هم أنفسهم، من معاملة قاسية، ربما لا يملكون المخزون العاطفي الضروري لإدراك أعراض الصدمة أو الكرب التي ألمّت بأطفالهم، أو تخفيفها. ففي ذكرياته الشهيرة حول “الحرب القذرة في الأرجنتين”، يقول جاكوبو تيمرمان: “من بين الحالات المأساوية التي شهدتُها في السجون السرية، لا شيء يمكن أن يُقارن بحالات العائلات التي كان يُعذب أفرادها معاً في كثير من الأحيان، وبشكل منفصل ولكن على مرأى من بعضهم بعضا أحياناً أخرى، أو في زنزانات مختلفة، لكن كلا منهم يعلم أن الآخر يتعرض الآن للتعذيب. إن عالمهم الفعلي برمته ينهار عند ركلة على الأعضاء التناسلية للأب أو صفعة على وجه الأم، أو شتيمة قذرة للأخت، أو انتهاك جنسي للابنة. فجأة ينهار إطار كامل من القيم قائم على الحب العائلي والإخلاص والقدرة على التضحية المتبادلة.”

الأعراف الثقافية

إن الأعراف الثقافية تشكل كذلك تصور الطفل لما يمثل التعذيب أو إساءة المعاملة. فالأطفال الذين ينشأون في بيئة يكون العنف فيها أمراً مألوفاً، يمكن أن يكونوا أفضل تسليحاً لمواجهة الإساءة الجسدية من البالغين الذين لم يواجهوها في حياتهم. إلا أن هؤلاء الأطفال أنفسهم، الذين يستطيعون التعامل مع صفعة أو لكمة برباطة جأش، يحتمل ألا يكونوا قد جرّبوا الوحدة في حياتهم، ويحتمل أن يجدوا في العزلة أمراً يستحيل تحمله -- حتى لو كانوا قد أغلقوا على أنفسهم زنزانتهم لليلة واحدة. وإن ما يشكل معاملة مهينة أمر يتعلق بالأعراف؛ فالفتاة التي تنتمي إلى تقاليد محافظة يحتمل أن تجد في كشف جزء من جسدها نوعاً من الإذلال؛ وربما يشعر بعض الأطفال أن العقوبات المهينة أو التي تحط من كرامتهم أسوأ من الألم الجسدي.

الأنشطة السياسية

يحظى بعض الأطفال بدعم نشط من المجتمع خارج عائلاتهم. وفي العديد من البلدان يعرف الأطفال الذين يمارسون أنشطة سياسية أنهم يخاطرون بالتعرض للضرب المبرح أو ما هو أسوأ إذا وقعوا في قبضة قوات الأمن. وربما يكونوا قد ناقشوا احتمال تعرضهم للتعذيب في حالة اعتقالهم أو القبض عليهم، أو حتى أعدوا أنفسهم عقلياً لهذه المخاطرة. فالصبية الفلسطينيون الذين نشطوا في إلقاء الحجارة وفي مظاهرات الشوارع إبان الانتفاضة يلقون، أحياناً، دعماً وإطراء كبيرين من المجتمع نتيجة لذلك. وفي بعض الحالات يمكن أن يساعدهم ذلك على تحويل التجربة إلى مبعث للفخر والاعتزاز، الأمر الذي يساعدهم على التغلب على الألم.

كتبت باميلا رينولدز،  من نشيطات جنوب أفريقيا، حول أكثر السنوات قمعاً في مرحلة النضال ضد نظام الفصل العنصري، تقول: “تفشت المعاناة بين الشباب على نطاق واسع، وشاع بين الملتزمين رسمياً بالنشاط السياسي موقف محدد فيما يتعلق بالألم. فساد الاعتقاد بأن المرء يقاسي في سبيل القضية؛ وأنه ينبغي توقع الألم والمعاناة مسبقاً عند الانخراط في العمل السياسي؛ وأن أولئك الذين مروا بأي شكل من أشكال التكيّف السياسي يجب أن يعدوا أنفسهم لمواجهة الآلام البالغة؛ وأن ثمة افتراضاً بأن الآخرين عانوا أكثر منك؛ وأن الألم ليس موضوعاً للنقاش، ما لم تكن هناك ضرورة فعلية للرعاية الجسدية أو النفسية.”  وفي الوقت الذي لا تقلل فيه من خطورة الصدمة التي عانى منها العديد من الأطفال، فإنها تؤكد على أنه لا يمكن التقليل من أهمية دوافع النشطاء السياسيين والتزامهم، والدعم الذي يستطيعون أن يعوِّلوا عليه، أو قوة عمليات المعالجة المحلية.

إن الشفاء النفسي من صدمة حادثة ما يمكن أن يكون أسهل على أولئك القادرين على إيجاد معنى لتلك الحادثة، وفهمها في سياق إحساسهم بأنفسهم وبما حولهم. فربما تكون الآلام والمعاناة النفسية هي ذاتها التي يقاسيها الأطفال، إلا أن الطفل الذي تعرض للتعذيب بسبب عقيدة سياسية أو دينية، يمكن، على الأقل، أن يجد أساساً يبني عليه فهمه لما حدث. أما الطفل الذي يتعرض للتعذيب عشوائياً أو بدلاً من شخص آخر، فمن المرجح ألا يجد طريقة مشابهة لجعل تجربته طبيعية. إن الفرق الرئيسي يكمن في أن أولئك الذين تعرضوا للتعذيب بسبب أمر اختاروه بأنفسهم -- التزام سياسي أو ديني مثلاً -- قادرون على الشعور بأنهم عُذبوا بسبب تأييدهم لقضية عادلة، ومن غير المرجح أن ينتابهم الشعور بالذنب الذي ينتاب العديد من ضحايا التعذيب.

الإقصاء الاجتماعي

ربما يفهم الأطفال الذين يعيشون في الشوارع ويعملون فيها أنهم معرضون للخطر إذا وقعوا في أيدي أفراد الشرطة أو عملاء الأمن المحليين، ولكن ينقصهم دعم الشبكات القوية للمجتمع والعائلة. إن التقاط الشرطة لهم من الشوارع وضربهم بوحشية ربما يؤكدان خوفهم من أن يكونوا من خارج المجتمع ولا ينتمون إليه ولا يُتوقع منهم الالتزام بآماله. وعقب مثل هذا الهجوم يحتمل أن يجري إطلاق أو تسريع حركة لولبية يؤدي فيها المزيد من التغريب إلى المزيد من السلوك المعادي للمجتمع.

تعذيب الأطفال أثناء التوقيف

الحياة في بانتشيتو صعبة. فمن ضروب العقاب، كان هناك الضرب على باطن القدمين أو على الكفين، أو توجيه الركلات إلى البطن. كان الأولاد يجردون من ملابسهم ويعلقون في وضع مقلوب في باحة المركز، ويضربون بالعصي، أو كانوا يجبرونك على الوقوف على يديك بالاستناد إلى الحائط. وكان عليك أن تظل ساكناً على هذه الحال ما شاءوا ذلك، وإذا سقطت يبادرون إلى ضربك. كانوا يقومون بتعليقك من أحد الأعمدة. أو في المدخل. علقوني لثلاث ساعات، وكان جميع الحراس الذين يمرون بي يضربونني. وإذا فعل أحدهم شيئاً ولم يكتشف الفاعل، كانوا يضربون جميع من هم في العنبر بالعصي،،.

- نزيل سابق في مركز بانتشيتو لوبيز لتوقيف الأحداث في براغواي.

مراكز اعتقال الأحداث

يعاني نظام اعتقال الأحداث في أقطار عديدة من حالة أزمة .. وهو نظام يقوم على المعاملة الوحشية، التي كثيراً ما تترافق مع بنية تحتية سيئة وغياب مستعص للإرادة السياسية في تغيير الحال، أو حتى الاعتراف بوجود المشكلة في بعض الأحيان. وربما يحتجز الأطفال الذين ينتظرون تقديمهم للمحاكمة لأشهر بكاملها في محتجزات الشرطة، وفي كثير من الأحيان في زنازين مع الكبار، نظراً لعد توفر مرفق لاعتقال الأحداث. وكذلك الأمر، فإن من ينقلون إلى مراكز اعتقال الأحداث بانتظار تقديمهم للمحاكمة، أو لقضاء مدة الحكم الصادر ضدهم، ليسوا أفضل حالاً بعض الأحيان. فكثيراً ما يحتجز من ينتظرون المحاكمة من الأطفال مع من صدرت ضدهم أحكام بالسجن، ونادراً ما يجري فصل النـزلاء على أساس سنهم أو مدى خطورة التهم الموجهة إليهم، الأمر الذي يتوجب اتخاذه للحد من احتمالات تعرض الأطفال للإساءة أو التأثير عليهم من قبل الآخرين.

وفي معظم البلدان، يحتل اعتقال الأطفال مرتبة متدنية في سلم الأولويات للقضاء الجنائي، ولذا فإن الموارد المالية المخصصة لتحسين الأوضاع، والدعم الحكومي في هذا الصدد يميلان لأن يكونا محدودين. فهناك مشكلات في التوظيف، حيث يسود نقص شديد في أعداد الموظفين، ويغلب تدني مستوى التدريب وانخفاض الأجور على مؤسسات الأحداث في معظم أنحاء العالم. ونادراً ما يتلقى الموظفون التدريب في مجال علم نفس الطفل أو موضوعات الرعاية المتخصصة ذات العلاقة بالطفل، وينظر العديد من الأشخاص إلى الوظائف في مرافق الأحداث على أنها أدنى مستوى مع العمل مع الكبار. ويشكل الازدحام الشديد مشكلة أخرى واسعة الانتشار، حيث يستقبل العديد من مرافق الأحداث بصورة ثابتة عدداً من النـزلاء يصل إلى ثلاثة أضعاف طاقة استيعابها المعلنة. ويمكن أن يتولى حراس يعوزهم التدريب أو الموارد الكافيين مسؤولية حفظ النظام بين العشرات من الأحداث، حيث يميل هؤلاء إلى استخدام القوة لحفظ النظام.

وكثيراً ما يحتجز الأطفال في ظروف تشكّل تهديداً خطيراً لصحتهم وسلامتهم. فكثيراً ما تخصص لمراكز اعتقال الأحداث مرافق كانت تستخدم كمرافق للكبار، سيئة التدفئة والإضاءة والتهوية، ويفتقر العديد منها للمرافق التعليمية والترفيهية. وكثيراً ما تتسم هذه المرافق بتدني أوضاعها الصحية، مما يعرض النـزلاء للإصابة بالأمراض، وللمشكلات الصحية الأخرى، التي يمكن أن يؤدي الاكتظاظ الشديد إلى تفاقمها. ونادراً ما تتوفر في المؤسسات التي تتعهد الأطفال الخدمات الطبية المناسبة أو ما يكفي من الموظفين والمؤن. وفي بعض الحالات، يؤدي نقص الغذاء إلى حالات من سوء التغذية، وفي حالات قصوى إلى الموت جوعاً. ويعتمد العديد من الأطفال المعتقلين على ما يجلبه لهم أفراد عائلتهم من وجبات، بينما يضطر آخرون إلى أن يدفعوا للسلطات أو يرشوها للحصول على ما يكفيهم من الطعام.

أما ما يقدم للفتيات المحتجزات فكثيراً ما يكون عشوائياً وغير منظم. ونظراً لأن احتمالات احتكاك البنات بالقوانين أقل بكثير من الأولاد، فإنه نادراً ما تأخذ حاجاتهن الخاصة بعين الاعتبار. وتحاجج السلطات في العديد من البلدان بأن عدد من يخرقن القوانين من الفتيات الصغيرات قليل نسبياً، ولا يستدعي تخصيص مرافق للرعاية مكرسة للجانحات. ونتيجة لذلك، فإنه يغلب في حالة البنات أن يحتجزن في أماكن بعيدة عن عائلاتهن، وأن يوضعن مع الأولاد أو الكبار، مما يعرضهن لخطر الإساءة الجنسية، وحتى الاغتصاب.

” في أمريكا اللاتينية، لا نعرف عدد الأطفال والفتيان الموجودين في السجون، أو سبب وجودهم فيها، أو الأوضاع التي يعيشون فيها حيث هم موجودون” (إميليو غارسيا مانديز، مستشار اليونيسف الإقليمي لحقوق الإنسان).

وفي بعض الحالات، أجبرت الضغوط الدولية، التي كثيراً ما استمرت لعدة سنوات، بعض الحكومات على البدء بتطبيق بعض التدابير الإيجابية. ولكن الإصلاحات كثيراً ما تتسم بكونها تجميلية وناقصة، وفي المحصلة غير فعالة في غياب الإرادة السياسية للقيام بعملية إعادة نظر شاملة في مناخ العنف الذي اتخذ شكلاً راسخاً، وفي البنية التحتية التي تدعمها، على حد سواء.

إصلاحية ” بانتشيتو لوبيز “: مركز” بانتشيتو لوبيز” لتوقيف الأحداث في أسانسيون هو عنوان لسوء المعاملة والأوضاع المزرية. وقد وضعت لجنة الدول الأميركية لحقوق الإنسان، إثر زيارة لمراكز الاعتقال في براغواي في يوليو/تموز 1999، الأوضاع في البلاد بالقول : ” إن الأوضاع البائسة التي يواجهها المعتقلون في براغواي أمر معروف للجميع… بيد أن لجنة الدول الأميركية لحقوق الإنسان لا يسعها إلا أن تذكر أن أشد المشاكل خطورة بين ما تلمسه من مشاكل تقبع في بانتشيتو لوبيز،، .

إن حكومة براغواي طالما وعدت بإغلاق بانتيشيو لوبيز. ففي أكتوبر/تشرين الأول 1999، أكد نائب وزير العدل لمندوبي منظمة العفو الدولية بأن نقل النـزلاء إلى مركز جديد لاعتقال الأحداث، بني لهذه الغاية، كان أمراً  ”وشيكاً”. وتلقت لجنة الدول الأميركية تأكيدات مماثلة، وأُبلغت بصورة مباشرة بأنه سيتم نقل موقع بانتشيتو بحلول نهاية 1999. بيد أن المرفق لم يكن قد أغلق بعد في سبتمبر/أيلول 2000.

إن إساءة المعاملة، التي تصل أحياناً إلى مستوى التعذيب، أمر مزمن في بانتشيتو لوبيز. ففي 25 فبراير/تشرين الثاني 2000، على سبيل المثل، ترك حراس السجن، بحسب ما ذكر، فرانسيسكو كاربايو فيغويريدو، وهو في الخامسة عشرة من العمر، معلقاً في وضع مقلوب ومربوطاً بأحد الأعمدة لساعات عديدة تحت شمس الصباح الباكر. وقال شهود عيان رأوه فيما بعد إن ظهره كان مجرحاً مليئاً بالجروح، وإن علامات التوتر الشديد والقلق كانت ظاهرة عليه. وفي اليوم نفسه، علق نزيل آخر من في السابعة عشرة من عمره، هو روبين داريو ألكاراز، من معصميه، وتعرض للركل من قبل الحراس الذين كانوا يلبسون أحذية بمقدمات فولاذية.

وعلى مر السنين، توالت المزاعم بصورة ثابتة بشأن العقوبات البدنية التي ترقى إلى مستوى التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بما في ذلك تعريض الأولاد للركل والضرب والتعليق في وضع مقلوب، وإدخال رؤوسهم في أكياس بلاستيكية، وضربهم على ظهورهم بالشواكيش أو حرق أيديهم وأقدامهم. وأورد بعضهم أنهم قد حرموا من الطعام أو الشراب أو الخروج إلى المرحاض، لعدة أيام أحياناً. ويبدو أن هناك معدلات عالية للوحشية العشوائية على يد حراس السجن: فإذا ما نادى أحد حراس السجن على اسمك، “فإنه يبحث عنك حتى يعاقبك”، يقول أحد الأولاد، الذي يضيف: “وعليك انتظار الأسوأ إذا لم تذهب إليه. فتذهب إليه، رافعاً يديك، وتدعهم يضربونك”77. وقد أوردت إحدى صحف براغواي أنه جرى تهديد بعض الأولاد من قبل الحراس، فلم يرد هؤلاء أن يتقدموا بشهاداتهم في إحدى القضايا القليلة المتعلقة بسوء المعاملة التي كان يجري التحقيق بشأنها.

إن الأوضاع التي يتم احتجاز الأولاد فيها ترقى إلى مرتبة المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. فقد تحول مرفق بانتشيتو لوبيز في أسنسيون إلى مركز للاعتقال بعد أن كان منـزلاً خاصاً، وهو مكتظ بصورة تبعث على الأسى. “يضم بانتشيتو لوبيز حالياً 270 نزيلاً يشغلون مساحة تكفي في أقصى الحالات لثمانين”. هذا ما قاله مدير المرفق، ميليتون بيتار، في فبراير/شباط 2000. “إن الازدحام رهيب، وهذا واقع لا يمكن إنكاره”.

إن الأغلبية الساحقة من النـزلاء لم تجر محاكمتهم أو إدانتهم بأي جريمة80. ويقضي العديد منهم شهوراً وحتى سنوات ينتظرون محاكمتهم، في زنازين قذرة شديدة الاكتظاظ، لا يتبعها سوى عدد قليل من المراحيض والحمامات. ويمكن أن تصل درجات الحرارة لأيام بأكملها في هذه الزنازين إلى 40 درجة مئوية (100 فهرنهايت). وفي بعض المهاجع، يضطر النـزلاء إلى أن يناموا بمعدل ثلاثة أشخاص لكل فراش. وأشار أحد الصحفيين الذين زاروا المرفق أن المساحة التي كان يشغلها كل طفل تعادل “المساحة التي تغطيها الصحيفة”. وليس ثمة فصل بين النـزلاء على أساس أعمارهم أو الجرائم التي ارتكبوها: فيتكدس في مكان واحد الأولاد العدوانيون، والجبناء، والشرسون الذين تكرر ارتكابهم للجرائم، ومروجو المخدرات المحكومون، ومن يشتبه في قيامهم بالسرقة من أحد المخازن.

أحد النـزلاء السابقين ذكر أن “العديد من الأولاد يتعاطون المخدرات”، مضيفاً أنه من الصعوبة بمكان أن يوضع المرء في الحجز، حيث الوجوه نفسها طيلة الوقت. وفي بعض الأحيان ليس من المهم إذا كنت ستعيش أم ستموت. والأمر أكثر صعوبة في البداية. يبيعك الحراس الماريوانا، ويعقد العديدون معهم الصفقات . . . ويمكن كذلك أن يزودوك بالأقراص والمشروبات الكحولية”.

في 11 فبراير/شباط 2000، أشعل نزلاء الزنزانة 8، على ما يبدو، النار في مهجعهم احتجاجاً على سيل لا يتوقف من سوء المعاملة، وبخاصة ضد الضرب المبرح الذي تعرض له نزلاء الزنزانة على يد اثنين من الحراس في الليلة السابقة82. ويقول الناجون من الحريق إن الحراس رفضوا فتح أبواب الزنزانة لإتاحة الفرصة لأكثر من 30 من النـزلاء أن ينجوا من ألسنة اللهب إلى حين وصول التعزيزات. ولقي اثنان من الأولاد حتفهم في الحريق، كما لحق بهم خمسة آخرون ماتوا ببطء على امتداد الأيام القليلة التي تلت. وتأخرت وفاة الولد الثامن ضحية الحريق بضعة أشهر في المستشفى. وأصيب أكثر من 20 من الأولاد بحروق من الدرجة الثالثة، تركت العديد منهم مشوهين مدى الحياة.

إثر اندلاع حريق ثان بعد ذلك بأسبوع، نقل نحو 25 حدثاً إلى سجن إمبوسكادا، وهو سجن للكبار، عرف عنه رطوبة أجوائه وانتشار الطفيليات فيه، وسوء الإضاءة والتهوية، إلى جانب عدم توفر المراحيض المغلقة فيه. ولا يسمح لنـزلاء السجن الخروج للترفيه عن أنفسهم إلا لمدة 30-60 دقيقة في اليوم، وليس فيه أي خدمات طبية أو تعليمية أو اجتماعية. وقد شكا عدد من الأولاد من التعرض للضرب المبرح ولضروب أخرى من سوء المعاملة، بينما وضع 13 منهم على الأقل في زنازين انفرادية بمعزل عن العالم الخارجي في جناح الكبار، على ما يبدو.

في مايو/أيار، افتتح أخيراً “مركز التعليم المتكامل في إيتاوغو”، على مسافة نحو 25 كيلومتراً من أسنسيون، وهو مركز بني خصيصاً لاعتقال الأحداث فيه، على مساحة تسعة هكتارات من الأرض، وألحقت به حدائق للخضار خاصة به، وصف دراسي وملاعب لكرة القدم والكرة الطائرة، ومرافق ترفيهية أخرى. ومع ذلك، فلا تزيد طاقة الاستيعاب للمرفق الجديد عن 160-180 نزيلاً، أي أنه لا يكاد ويكفي لاستيعاب نزلاء بانشيتو لوبيز من الأحداث، وإغلاقه كما وعدت الحكومة لوقت طويل. وبحلول نهاية سبتمبر/أيلول، لم يكن قد نقل إلى المركز سوى نحو 120 صبياً، ممن اعتبرتهم السلطات، على الأغلب، “الأولاد الطيبين”. إن المباني الجديدة لا تكفي بحد ذاتها لحل مشكلة ثقافة عميقة الجذور من العنف في تلافيف نظام التوقيف الخاص بالأحداث. فمن الواضح، أن الأولاد مازالوا يرسلون إلى بانتشيتو لوبيز كتدبير تأديبي، بينما يشاع أن أحد أشكال العقوبة على إساءة السلوك في بانتشيتو لوبيز هي النقل إلى سجن إمبوسكادا. وفي غضون ذلك، ما زال نحو 150 من النـزلاء باقين في مبنى بانتشيتو لوبيز في أسنسيون، حيث أدى فقدان الزنازين التي احترقت إلى تفاقم مشكلة الاكتظاظ. ولم ترد أي تقارير عن أن ثمة انفراج لسوء المعاملة المزمن.

يواجه النـزلاء الصغار في مراكز اعتقال الأحداث في طول البرازيل وعرضها، أوضاعاً مماثلة تبعث على الرهبة والجزع. فالتعذيب وإساءة المعاملة والأوضاع القاسية واللاإنسانية والمهينة، بما في ذلك وجود مستويات غير عادية من الاكتظاظ، تسود على نطاق واسع. وتعاني المرافق من النقص المزمن في الموظفين، الذين يشكون من نقص الأجور، وهم دوماً متحفزون لاستخدام العنف للسيطرة على عشرات الأولاد الذين يكلفون بالإشراف عليهم. أما العقوبات فتفرض بصورة تعسفية، وبحسب أمزجة الحراس (الذين يدعون المراقبين)، وكثيراً ما يكون هدفها الإذلال. وقد لقي العديد من الأولاد حتفهم في أعقاب تعرضهم للضرب على يد المراقبين. والعقوبات الجماعية شائعة، فإذا ما خرق أحد الأولاد القاعدة، شمل العقاب العديد من زملائه. وفي ولاية ساوباولو، تدهورت الأوضاع من سيء إلى أسوأ. فقد انهار نظام توقيف الأحداث في الولاية، الذي تشرف عليه “مؤسسة رفاه القاصرين”، ووصل إلى حد الأزمة في أكتوبر/تشرين الأول 1999 بعد أن أشعلت سنوات من الوحشية والازدحام فتيل سلسلة من أعمال الشغب التي اتسمت بالعنف. ويعترف حتى الحراس أن العنف ضد النزلاء هو اللغة السائدة في مراكز الاعتقال التابعة للمؤسسة.

ففي أواسط عام 1999، احتجز 1,648 نزيلاً في مرفق المهاجرين (إميغرانتيس) التابع لمؤسسة رفاه القاصرين، والذي بني ليستوعب 360 نزيلاً فقط. وكان الأولاد، الذين عانى العديد منهم من الأمراض الجلدية والتنفسية، ينامون في سرير واحد لكل ثلاثة منهم، أما من يفيضون عن استيعاب غرف النوم فكانوا ينامون في الممرات جلوساً، وحتى في الحمامات القذرة. وكان من المنتظر أن يتولى 10-15 من المراقبين الإشراف على الموقوفين، بمعدل 350 موقوفاً، حيث يحافظون على النظام بضرب الأطفال بالهراوات والقضبان المعدنية. ويصف النـزلاء طريقة “ريبيك” في التعذيب -- وهو تعبير عامي في مرفق المهاجرين (رانتيس) أسلوباً بالجلد الانتقامي -- حيث يجبر النـزلاء على المشي في الساحة المكشوفة بملابسهم الداخلية، ورؤوسهم بين ركبهم، ويجلدون بصورة متكررة على ظهورهم.

ليلة 11 سبتمبر/أيلول، تمرد الأولاد في أحد أجنحة إميغرانتيس وأشعلوا النار في أحد أجزاء الجناح، وأخذوا بعض المراقبين رهائن. وأظهرت التقارير الإخبارية التلفزيونية عشرات الأولاد يركضون عبر ساحة السجن يلاحقهم المراقبون وهم يلوحون بعصيهم، ويرتدي بعضهم خوذ مكافحة الشغب. وأظهرت الأشرطة المصورة المراقبين وهم يمرون على الأجساد المنكمشة لأولاد مجردين من ملابسهم، يركلونهم ويلكمونهم ويضربونهم بالعصي. وتمكن نحو 650 صبياً من الفرار. وكان تمرد آخر وقع في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1999، أكثر وحشية. حيث استولى مراهقون متمردون مسلحون بالهراوات والطوب على مجمع إميغرانتيس، وأخذوا البعض رهائن وحرقوا الفرشات وقاموا بتعذيب زملاء لهم من المحتجزين، مما أدى إلى قتل أربعة منهم بوحشية أصابت بالصدمة حتى أولئك الذين أمضوا سنوات عديدة في العمل في هذا المجال. وجرح أثناء التمرد 58 آخرون، بينهم 29 من موظفي مؤسسة رفاه القاصرين. وفر عشرات الأولاد، ولحق الدمار الشامل بجمع إميغرانتيس. وتعرض نحو 16 من المراقبين الذين أخذوا رهائن للضرب.

في أعقاب أعمال الشغب، بدأت السلطات بنقل النـزلاء الفتيان إلى مرافق مخصصة لمعاقبة الكبار أكثر أمناً. ففي 24 نوفمبر/تشرين الثاني، على سبيل المثل، نقل 405 أولاد من قبل فرق مكافحة الشغب التابعة للشرطة العسكرية إلى سجن سانتو أندرو العام. ويزعم العديد من المعتقلين أنهم “لقنوا قواعد البيت” حال وصوله بإجبارهم على الركض أمام صف من المراقبين كانوا يضربونهم بالقضبان الحديدية والعصي. وأجبروا كذلك على الجلوس على الأرض وهم نصف عراة يتلقون الركلات والضربات على رؤوسهم. وأظهرت الفحوص الطبية التي أجريت لخمسة وتسعين من الأولاد بعد يومين من نقلهم أن 16 منهم فقط لم تظهر عليهم آثار الضرب.

اندلع تمرد آخر في وحدة المراجعة العلاجية التابعة لمجمع تاتوابو، أكبر المرافق المتبقية في ساوباولو، في 19 فبراير/شباط 2000. وادعى النـزلاء أن الوحدة كانت بمثابة غرفة للتعذيب، كان يشار إليها بوصف “الـقبو”. ووجد المدعون العامون الذين جرى استدعاؤهم بعد التمرد أن الأولاد كانوا يرتدون السراويل فقط ويحتجزون كل أربعة أو خمسة منهم في زنزانة ضيقة لا تحتوي إلا على سرير إسمنتي واحد. ولم يكن يسمح للأولاد بمغادرة هذه الزنازين إلا لمدة 30 دقيقة في اليوم. وادعى الأولاد أن عمليات الضرب كانت بصورة رئيسية أثناء الليل على يد مجموعة من المراقبين اختيروا من الوحدات المختلفة للمجمع، وكان يشار إليهم بلقب الـ “نينياس”. وكان أفراد هذه المجموعة يرتدون اللباس الأسود الكامل، ويضعون الأقنعة على رؤوسهم ووجوههم.

وفي مايو/أيار 2000، غرق مجمع تاتوابو، الذي كان لا يزال يعاني من الازدحام الشديد ويضم في جنباته 1,200 من المراهقين، في لجة موجة جديدة من الشغب، وطلب إلى شرطة مكافحة الشغب أن تتولى زمام الأمور. وفر عدد من الأولاد أثناء الفوضى، وزعم أحد قادة الشرطة أن موظفي مؤسسة رفاه القاصرين هم الذين سهلوا لهم مغادرة المكان. واندلعت أعمال الشغب مرة أخرى في 11 يونيو/حزيران 2000، حيث ورد أنه جرى إلقاء مراقبة أنثى من على السطح من قبل النـزلاء، مما أدى إلى كسر ساقيها.

وقد رفضت حكومة ساوباولو الاعتراف بانتهاكات حقوق الإنسان التي تقف وراء أزمة مؤسسة رفاه القاصرين، وكان الحل الذي لجأت إليه هو البدء بتنفيذ برنامج لبناء المزيد من مرافق الاعتقال ذات الاحتياطات الأمنية المشددة، وهو حل لا يضع حداً للمشكلات القائمة، ولا يعالج المسائل الأساسية التي تشكل جوهر الأزمة. إن الأوضاع في ولاية ساوباولو سيئة للغاية، بيد أن الأوضاع في مراكز اعتقال الشبان في طول البرازيل وعرضها هي بالمثل أسوأ من أن تلبي المعايير التي وعد بها القانون الأساسي للأطفال والمراهقين للبلاد، الذي احتفل بالسنة العاشرة لإقراره في يونيو/حزيران 2000. ويعتبر القانون الأساسي المذكور أحد التشريعات التقدمية الرفيعة في مجال حماية الأطفال، ولكنه لن يقدم شيئاً يذكر لمعالجة أوضاع آلاف الأطفال الذين يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة على يد نظام قضاء الأحداث البرازيلي ما لم تتوفر الإرادة السياسية لتحويل ما يحتويه من أقوال إلى أفعال.

إن أوضاع المعتقلين في باكستان لا تقل بؤساً، وكثيراً ما تصل إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ويمكن أن يقضي الأطفال مدة تصل إلى ثلاثة اشهر في حجز الشرطة قبل أن يمثلوا أمام قاض للمرة الأولى. وما إن توجه إليهم تهمة ما، حتى يقضوا في الحجز، كما جرت العادة، شهوراً أخرى، وحتى سنوات، في انتظار صدور الحكم في قضاياهم. ففي فبراير/شباط 1998، بلغ عدد السجناء الأحداث في إقليم البنجاب وحده نحو 2,700 سجين، لا يزيد عدد من أدينوا بجرم منهم عن 10 بالمائة. وتكون أوضاع من يقضون فترات طويلة في انتظار محاكمتهم مروعة للغاية، لأن الأغلبية الساحقة منهم يتلقون أحكاماً بالبراءة من المحاكم في النهاية.. حيث تبلغ معدلات الحكم بإدانة على الأطفال 13-17 بالمائة. ومع أن سجون المدن الرئيسية في باكستان تضم عنابر يتم فيها فصل الأحداث عن الكبار، بيد أن الأطفال يسجنون مع الكبار في العديد من السجون الصغيرة في البلاد، ويضطر العديد منهم إلى الاعتماد على أهاليهم في الحصول على الطعام. وكثيراً ما يتعرض الأطفال للإساءة الجنسية من قبل النزلاء الكبار وحراس السجن، الذين اتهموا أيضا بتزويدهم بالعقاقير المحرمة قانوناً. أما العناية الطبية فلا تكاد توجد، وذكرت لجنة حقوق الإنسان في باكستان في عام 1996 أنه كثيراً ما يستخدم الحرمان من العناية الطبية كشكل من أشكال العقاب.

إن الأوضاع القاسية واللاإنسانية والمهينة في مراكز اعتقال الأحداث ليست حكراً على البلدان النامية؛ فالعديد من الحالات التي وثقتها منظمة العفو الدولية مؤخراً، بما في ذلك حالات تتسم بالاستخدام المفرط للقوة وللقيود، وردت من الولايات المتحدة الأميركية، وثمة حالات أخرى في أوروبا الغربية، بما في ذلك المملكة المتحدة. ففي مارس/آذار 1999، أدان رئيس مفتشي السجون في المملكة المتحدة المعاملة والظروف السائدة في أكبر مؤسسة ومركز اعتقال للمدانين الصغار في البلاد، التي تضم نحو 900 نزيل، بالقول إنها “لا يمكن القبول بها في بلد متحضر”. وقال أيضا إن “قلب المؤسسة متعفن”. وتبين للمفتشين أن السجناء الصغار في مؤسسة فيلثام كانوا يقضون نحو 22 ساعة يومياً في “زنازين باردة ورطبة وقذرة”. ولم تتوفر البطانيات للعديد منهم، وما كان لديهم من ملابس شخصية “كان مزرياً يثير الشفقة”، أما الشراشف فلم تعرف الغسيل. ولم يتح لبعض السجناء مجال لممارسة التمارين الرياضية، أو فرصة لاستنشاق الهواء النقي84. ومع أن تفتيشاً أجري في أواخر 1999 كان يوحي بأن ثمة إصلاحات تقع، إلا أن نائب محافظ السجن استقال من منصبه في أغسطس/آب 2000 احتجاجاً على الأوضاع، واصفاً النظام المتبع في السجن بأنه “ديكنـزي”.

في الولايات المتحدة الأميركية، يحتجز الأطفال في ظروف قاسية في مرافق تتسم بالاكتظاظ، حيث يحرمون أيضاً من الرعاية الصحية النفسية المناسبة، ومن التعليم وبرامج إعادة التأهيل. وقد تعرض بعضهم للعنف الوحشي والعقوبات القاسية، بما في ذلك تكبيلهم بالأصفاد ورشهم بالمواد الكيميائية والصعق بواسطة أجهزة كهربائية. ويستخدم السجن الانفرادي بمعزل عن العالم الخارجي على نطاق واسع كعقوبة في مرافق الأحداث في الولايات المتحدة الأميركية، مما يشكل انتهاكاً للمعايير الدولية. وفي مارس/آذار 2000، سعت وزارة العدل في الولايات المتحدة إلى استصدار أمر طارئ من المحكمة بوقف إساءة معاملة الأطفال في مركز جينا لقضاء الأحداث في لويزيانا. إذ كان الأطفال المحتجزون في المركز يتعرضون بصورة روتينية للقوة المفرطة والعزل لفترات طويلة، ويحرمون من الأحذية والبطانيات والعناية الطبية، كما كان يساء استخدام المواد الكيميائية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1999، استخدمت قنبلة لغاز السيزيون، من تلك المخصصة للاستعمال في الهواء الطلق، داخل مهجع يضم 46 طفلاً. وهرب الأطفال إلى الخارج، حيث أجبروا على الاستلقاء ووجوههم نحو الأرض الإسمنتية، بينما كان بعضهم في ملابسهم الداخلية. ورشت وجوه عدد منهم بتوابل حارقة أثناء ذلك، بحسب ما زعم. وأوردت المذكرة التي قدمت لدعم الإنذار القضائي المتعلق بالحادثة أن “أفراد الشرطة المسؤولين عن إيقاع العقوبات في جينا قد قاموا بفرك وجوه النزلاء بالأرضية الإسمنتية، وجردوهم من ملابسهم، ودفعوا الشبان بقوة لترتطم أجسادهم بالأبواب والجدران والأرضية، وأجبروا الأحداث العراة على القرفصاء ومؤخراتهم في الهواء الطلق أثناء التفتيش، وثمة أدلة على أن رجال الشرطة قد حرضوا النـزلاء فعلياً على ممارسة العنف ضد بعضهم بعضاً”.

وكان الأحداث ممن يعانون من الإعاقة العقلية يوضعون في الحبس الانفرادي، كتدبير عقابي، وعوقب آخرون بسبب محاولتهم الانتحار. وأمر قاض اتحادي بنقل عدة أولاد على الفور من المركز إثر تعرضهم للقسوة الشديدة، بمن فيهم حدث في الخامسة عشرة كان يحاول الانتحار بشكل متكرر.

وفي ديسمبر/كانون الأول 1999، أقدم حاكم ميريلاند على وقف العمل بمعسكرات للأحداث بعد ورود مزاعم بوقوع حوادث إساءة معاملة خطيرة للأطفال المحتجزين فيها. فقد ورد أن الحراس كانوا يستخدمون الإهانات اللفظية والقوة والقيود، بما فيها أصفاد تكبيل الساقين، وغيرها من ضروب الترهيب. وذكرت صحيفة البالتيمورصن، التي قضى مراسلها خمسة أشهر في أحد معسكرات الأحداث للاعتقال أنه: “لأمر روتيني أن يشق الحراس شفة صبي في الخامسة عشرة، أو أن يتركوا الأنوف تنـزف، أو أن ينهالوا على الأولاد بالضرب فيسقطونهم أرضاً لينقضوا من ثم عليهم بكامل قوتهم لسبب تافه أو بلا سبب”.

وفي داكوتا الجنوبية، رفعت دعوى قانونية فريدة من نوعها في 24 فبراير/شباط 2000 بالنيابة عن الأطفال المحتجزين في مدرسة تدريب الولاية في بلانكينتون. وزعمت الدعوى، في ما زعمت، أنه كان يجري تعريض الأطفال لإجراءات تقييد من أربع نقاط، حيث كانوا يجبرون على الاستلقاء على ظهورهم، وأذرعهم وسيقانهم منفرجة، فوق سرير إسمنتي في زنزانة انفرادية. ثم كانوا يقيدون من المعصم والكاحل بالكلبشات والأصفاد إلى حلقات مثبتة في الإسمنت. وكان الأطفال يتركون في هذا الوضع، بحسب ما ذكر، لساعات متتالية، بما في ذلك ليال بطولها، بينما كانت الفتيات اللاتي يحتجزن في هذا الوضع يجردن من ملابسهن من قبل موظفين ذكور، كانوا في بعض الأحيان يستخدمون المقصات لقص ملابسهن. وزعم كذلك أنه كان يجري وضع الأطفال في الحبس الانفرادي بصورة روتينية، لمدة 23 ساعة في اليوم، ولأشهر متتالية أحياناً. وتثير هذه المسألة بواعث قلق خاصة نظراً لما ورد من أن عدداً من الأطفال في بلانكينتون قد عانوا من أمراض عقلية. وفي يوليو/تموز 1999، توفيت نزيلة في الرابعة عشرة من عمرها بسبب الإجهاد إثر إجبارها على القيام بتمرين للركض.

تعذيب الأطفال إبان النـزعات

النـزاع المسلح

الحرب واقع يومي بالنسبة لملايين الأطفال. وبعضهم لم يعرف حياة أخرى، فقد نشأوا في خضم الحروب الأهلية أو عمليات التمرد التي تستخدم أسلوب حرب العصابات، أو في ظل احتلال طويل لجيش أجنبي. وبالنسبة لآخرين، ينقلب العالم، فجأة، رأساً على عقب عندما يجرفهم الغزو أو التهجير الداخلي إلى قارعة الطريق كلاجئين أو مهجرين داخلياً، وكثيراً ما ينفصلون عن عائلاتهم. وتُخاض نـزاعات اليوم داخل الدول نفسها، وليس بين الدول، حيث توضع بيوت الأطفال ومدارسهم ومجتمعاتهم على خط النار. ويمكن أن يشكل الأطفال هدفاً مباشراً للتعذيب وسوء المعاملة في مثل هذه النـزاعات، حيث تصبح الأهداف، لا كسب الأراضي، وإنما إخضاع جماعة معينة أو إبادتها. وكثيراً ما ترتبط هذه النـزاعات الداخلية بتفكيك بنى الدولة، مما يخلق حالة من الفوضى تتوقف فيها جميع الآليات الموجودة لحماية حقوق الأطفال عن العمل.

لكن حتى في أتون الحرب،يعتبر الحظر الدولي للتعذيب سارياً. فالقانون الإنساني الدولي، المعروف باسم قوانين الحرب، يوفر حماية عامة لجميع المدنيين، بمن فيهم الأطفال المدنيون، وحماية خاصة للأطفال كأشخاص مستضعفين. كما أن الأطفال المشاركين في الأعمال الحربية يتمتعون بالحماية. فاتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان للعام 1977 الملحقان بها، هي المعاهدات الرئيسية التي تنظم قوانين الحرب. فبموجب اتفاقيات جنيف يعتبر التعذيب إبان النـزاعات الدولية المسلحة “خرقاً خطيراً” لقوانين الحرب -- أي جريمة حرب. ومبدأ الحماية الخاصة للأطفال منصوص عليه بوضوح في المادة 77 من البروتوكول الأول، المتعلق بالنـزاعات الدولية المسلحة، حيث يقول إن “الأطفال يجب أن يكونوا بوضع احترام خاص وأن تتم حمايتهم من أي شكل من أشكال الاعتداء غير اللائق”. وتقضي المادة 4 من البروتوكول الثاني، التي تنطبق على النـزاعات الداخلية، بضرورة اتخاذ تدابير خاصة لحماية الأطفال. ويتضمن كلا البروتوكولين أيضاً أحكاماً بشأن الأطفال المشاركين في النـزاع، تقضي، مثلاً، بمنح المقاتلين الأسرى الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة الحماية نفسها التي تُمنح للأطفال المدنيين، وتحدد السن الدنيا لتنفيذ عقوبة الإعدام بثمانية عشر عاماً. كما أن التعذيب محظور بموجب المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع، وهي المادة التي تنطبق على الحكومات وجماعات المعارضة المسلحة في النـزاعات الداخلية المسلحة. ويعتبر التعذيب الذي ينتهك المادة 3 المشتركة جريمة حرب بموجب قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي تم اعتماده في العام 1998، ولكنه لم يدخل حيز التنفيذ بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2000.

غالباً ما يكون الأطفال المصابون في النـزاعات المسلحة متفرجين أبرياء، بيد أن بعضهم يُستهدف عمداً من قبل قوات الأمن وجماعات المعارضة المسلحة التي تقوم بذلك إما كعمليات انتقامية، أو لإثارة السخط في صفوف بعضهم بعضاً. ويُستهدف بعضهم، ولا سيما الفتيات دون غيرهن، بأفعال الإساءة الجنسية. وكثيراً ما يٌعتقل الشباب من دون تهمة بسبب الافتراض بأنهم متورطون في جماعات المعارضة المسلحة أو متعاطفون معها. ويتعرض العديد من الأطفال للقتل أو التعذيب لمجرد كونهم يعيشون في “منطقة العدو”، أو بسبب الانتماء السياسي أو الديني أو العرقي لعائلاتهم.

ففي أفغانستان، كان للحرب الأهلية التي دامت عقدين من الزمن أثراً وحشياً على سائر أجيال الأطفال في البلاد. وتعرض الآلاف منهم لعمليات التعذيب والقتل المتعمد والتعسفي على أيدي مختلف جماعات المعارضة السياسية. وقُتل عدد أكبر أو شُوِّهوا جراء ملايين الألغام الأرضية المزروعة في أرجاء البلاد. وقُتل عشرات الألوف أو بُترت أطرافهم في قصف بلا تمييز لمنازلهم أو مدارسهم أو ملاعبهم.

واختُطفت الفتيات في أفغانستان على أيدي القادة المتحاربين المحليين، إما لأغراضهم الجنسية الخاصة، أو لبيعهن لأغراض البغاء. وقد تعرضت البنات -- وبعض الأولاد -- للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي. ففي مارس/آذار 1994، اغتُصبت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها عدة مرات في منـزلها في مقاطعة شيل سوتون التابعة لكابول، بعد أن دخل حراس مسلحون المنـزل وقتلوا والدها لأنه سمح لها بالذهاب إلى المدرسة: “قتلوا والدي أمام ناظري. كان صاحب دكان. كانت الساعة التاسعة ليلاً. جاءوا إلى بيتنا وقالوا له إن لديهم أوامر بقتله لأنه سمح لي بالذهاب إلى المدرسة. وكان “المجاهدون” قد منعوني من الذهاب إلى المدرسة، لكنهم لم يكتفوا بذلك، فجاءوا بعد ذلك وقتلوا أبي، ولا أستطيع أن اصف ما فعلوه بي بعد مقتل والدي . . .”

ووردت أنباء عن اقتراف مذابح وعمليات تعذيب على نطاق واسع على أيدي “طالبان”. فقد كان هناك أطفال بين زهاء 70 مدنياً قتلوا على أيدي حراس طالبان في العام 1997 في قرية قزلاباد قرب مزار الشريف. وذكر بعض الناجين أن طفلاً في الثامنة من عمره قُطعت رأسه، وأن ولدين في الثانية عشرة من عمرهما تقريباً قد احتُجزا وكُسرت أذرعتهما وأيديهما بالحجارة. وعندما شنت طالبان حملة لقمع النشطاء السياسيين المعارضين سلمياً لاستمرار الحرب، احتُجز مئات الأطفال كرهائن بدلاً من آبائهم الذين فروا من وجه الاعتقال. وكان بينهم تسعة أولاد احتُجزوا كرهائن في كابول وأجزاء أخرى من البلاد في العام 1998. وقضى هؤلاء الأطفال عدة أشهر في الحجز، حيث تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة بحسب ما ورد.

وكان للصدمة التي نجمت عن الوحشية التي مروا بها والعنف الذي أحاط بهم وعن الخوف والمصاعب، أثر عميق على أطفال أفغانستان. ففي العام 1997، نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) دراسة واسعة النطاق حول آثار النـزاعات على الأطفال. وأظهرت الدراسة أن حوالي 72 بالمئة من الأطفال الذين جرت مقابلتهم شهدوا أعمال عنف. ورأى ثلثاهم جثث أشخاص أو أعضاء بشرية، بينما رأى نصفهم أشخاصاً يُقتلون خلال الهجمات بالصواريخ أو المدفعية. ومن المقلق أن 90 من العينة لديهم اعتقاد بأنهم سيموتون خلال النـزاع.

وتعذيب الأطفال في سيراليون يُعتبر من أشد أمثلة العنف والرعب ضد الأطفال فظاعة، التي وثقتها منظمة العفو الدولية. فعلى مدى سنوات الحرب الأهلية التسع، عانى الأطفال على نحو غير مسبوق. فقد تعرض الآلاف منهم للقتل أو التشويه أو الاغتصاب أو الاختطاف خلال حملات منظمة من الفظائع على أيدي قوات الجبهة المتحدة الثورية والمجلس الثوري للقوات المسلحة. وتعرضت للاغتصاب آلاف الفتيات والنساء اللواتي كن قد اختطفن من قبل الجماعات السياسية المسلحة، وأُرغمن على الخضوع للاسترقاق الجنسي. وفي يناير/كانون الثاني 1999، عقب الهجوم الذي شنته على العاصمة فريتاون قوات الجبهة المتحدة الثورية والمجلس الثوري للقوات المسلحة، اختُطف زهاء 4000 طفل، معظمهم من البنات، وقُتل عدة آلاف من الأشخاص، بينهم أطفال أو شُـوّهوا. كما اختُطف آلاف الأطفال، ذكوراً وإناثاً، وأُرغموا على القتال، بينما أصبح مئات الآلاف لاجئين أو مهجرين داخل بلدهم، وكانوا منفصلين عن عائلاتهم في كثير من الأحيان.

وتمثل أحد أكثر جوانب النـزاع قسوة ووحشية في استخدام أسلوب بتر أذرع المدنيين أو أيديهم أو أقدامهم، وكان بينهم أطفال، بل حتى رضّع. ففي مايو (أيار) 2000  أخبرت طفلة في الثامنة من عمرها، بُترت يدها اليمنى في الإقليم الشمالي في العام 1998، ممثل منظمة العفو الدولية بما يلي: “جاء المتمردون إلى كبالا. وعندما وصلوا إلى بيتنا، أمرونا بالخروج منه. قالوا لنا إنهم سيقتلوننا جميعاً، وأمر أحدهم زميله بأن يذهب ويحضر بلطة. ألقوا بي أرضاً، ثم بتروا يدي. نادوا على والدتي وبتروا يدها كذلك. وبتروا أيدي تسعة أشخاص آخرين. وأخبرنا المتمردون أن نذهب إلى الرئيس تيجان كباح، وطلبوا المزيد من الأيدي لقطعها. أما الآخرون فقد قُتلوا جميعاً. لا أعرف كم عددهم . . .  أنا الآن أعيش مع أمي هنا في هذا المخيم، وأذهب إلى المدرسة، لكن يدي لا تزال تؤلمني.”

تم توقيع اتفاق سلام بين الحكومة وقوات الجبهة المتحدة الثورية في يوليو (تموز) 1999، أدت في البداية إلى تقليص وتيرة الانتهاكات. وقد منح الاتفاق عفواً شاملاً عن الجرائم التي ارتُكبت في الفترة بين العام 1991، وهو عام بدء النـزاع، ويوليو (تموز) 1999 -- بما في ذلك اغتصاب عشرات الآلاف من الفتيات والنساء، والتشويه المتعمد لآلاف الرجال والنساء والأطفال، وعدد لا يحصى من الانتهاكات الفادحة الأخرى لحقوق الإنسان. ومع ذلك، فقد عاد نمط الاغتصاب وعمليات التشويه والقتل من دون عقاب إلى الظهور بعد بضعة أشهر.

وازدادت الأوضاع السياسية والأمنية تدهوراً في مطلع مايو (أيار) 2000، عندما أُسر نحو 500 من جنود الأمم المتحدة لحفظ السلام على أيدي قوات المتمردين. وأدى استئناف الأعمال الحربية إلى زيادة الانتهاكات ضد المدنيين، بمن فيهم الأطفال. وفي أغسطس/آب 2000، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً بإنشاء محكمة خاصة مستقلة لسيراليون لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وغيرها من انتهاكات القانون الدولي، بالإضافة إلى الجرائم بموجب القانون السيراليوني.

تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم

“أطلقوا النار على والدي أمام ناظري. وكان صاحب دكان. وكانت الساعة التاسعة ليلاً. وأتوا إلى منـزلنا وأبلغوه بأن لديهم أوامر بقتله لأنه سمح لي بالذهاب إلى المدرسة. وقد سبق للمجاهدين أن منعوني من الذهاب إلى المدرسة، لكن هذا لم يكن كافياً. ثم جاءوا وقتلوا والدي. ولا أستطيع أن أصف ما فعلوه بي بعد قتل والدي.”

إن مجرد كون الأطفال يتعرضون للتعذيب يجب أن يكون  أمراً مروعاً يحدث في النفس صدمة رهيبة. فاعتمادهم على الكبار وضعفهم ينبغي أن يكونا سبباً لمنحهم الحصانة من الفظائع التي يقترفها الكبار ضد بعضهم بعضاً. ومع ذلك، فإن العنف ضد الأطفال ظاهرة متفشية. ويتعرض الأطفال للتعذيب لأنهم يجدون أنفسهم أسرى الحروب وغيرها من النـزاعات، بسبب نضالهم السياسي أو أعمالهم الإجرامية المزعومة، أو لأنهم مهمشون اجتماعياً. ويمكن تعذيب الأطفال كجزء من عقاب جماعي أو لمجرد كونهم أعضاء في طائفة معينة. وقد يتعرض الأطفال الذين ينتمون إلى جماعات عرقية معينة للتعذيب نتيجة تطبيق الشرطة للقانون بشكل قائم على التمييز. ويمكن اعتقال الأطفال النشطين في مجموعات الطلبة أو حركات المعارضة وإساءة معاملتهم بسبب أنشطة مثل المشاركة في المظاهرات أو توزيع المنشورات أومحاولة تنظيم أنفسهم في مدارسهم وأماكن عملهم. وأحياناً يعاني الأطفال من التعذيب لأنهم أكثر أفراد مجتمعهم ضعفاً -- وتؤذيهم السلطات لإجبار الوالد أو أحد أفراد العائلة على تزويدها بمعلومات أو تسليم نفسه لكن في أغلب الأحيان، يتم تعذيب الأطفال للأسباب ذاتها التي يتعرض الكبار للتعذيب من أجلها؛ فيُتهمون بمخالفة القانون، أويكونون في “الجانب الخطأ” من النـزاع، أو ينتمون إلى مجموعة عرقية أو دينية يحتمل أن تعاني من التمييز.

ورغم أن التحقيقات التي تجريها منظمة العفو الدولية تركز أساساً على انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الدول والانتهاكات التي تقترفها جماعات المعارضة المسلحة، إلا أن كثيراً من الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال يرتكبها أفراد بصفتهم الشخصية -- غالباً في المنـزل، حيث يتم “إخفاؤها”، وبالتالي يصعب التحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها.

النـزاع المسلح

الحرب واقع يومي بالنسبة لملايين الأطفال. وبعضهم لم يعرف حياة أخرى قط. وفي حين أن الأطفال الذين يصابون بجروح في النـزاعات المسلحة غالباً ما يكونون أبرياء لم يشاركوا فيها، إلا أن بعضهم يُستهدف من جانب قوات الأمن وجماعات المعارضة المسلحة على سبيل الانتقام أو لإثارة السخط في مجتمعات بعضها البعض. ويتم اختيار بعضهم دون سواهم، وبخاصة الفتيات لإيذائهن جنسياً. وغالباً ما يُقبض على الشبان من دون تهمة، على افتراض أنهم يشاركون في الجماعات المعارضة المسلحة أو يتعاطفون معها. ويتعرض العديد من الأطفال للتعذيب أو القتل لمجرد أنهم يعيشون في “منطقة معادية”، أو بسبب السياسة أو الدين أو الأصل العرقي لعائلتهم.

وقد أجبرت النـزاعات المسلحة ملايين الأطفال في مختلف أنحاء العالم على الفرار من منازلهم بحثاً عن ملجأ. وينفصل العديد منهم عن عائلاتهم خلال طريق الفرار. ففي أفريقيا وحدها، أجبرت النـزاعات أكثر من 20 مليون شخص على ترك منازلهم.

والوضع في سيراليون من أخطر الأوضاع التي شهدت أعمال الإرهاب والعنف التي تُرتكب في النـزاعات المسلحة. فطوال تسع سنوات من الحرب الأهلية، تعرض الأطفال لمعاناة مفرطة وعلى نطاق غير مسبوق. فقُتل الآلاف أو تعرضوا للتشويه والاغتصاب والاختطاف خلال أعمال عنف تتسم بالفظاعة شنتها أساساً قوات المتمردين. وتعرضت آلاف الفتيات والنساء اللواتي اختطفتهن قوات المتمردين للاغتصاب واستخدمن كحظايا للاستمتاع الجنسي.

وثمة وجه آخر رهيب للحرب الأهلية الدائرة في سيراليون وهو تجنيد أعداد كبيرة من الفتيان والفتيات، الذين لا تتجاوز أعمار بعضهم خمس سنوات، كجنود أطفال من جانب كلا الطرفين. ومعظم الأطفال الذين يخدمون في قوات المتمردين اختُطفوا من منازلهم وأُجبروا على المشاركة  في القتال وارتكاب أعمال القتل والتشويه والاغتصاب، غالباً تحت تأثير المخدرات أو الكحول أو لمجرد الخوف. بيد أن مشكلة الجنود الأطفال لا تقتصر بأي حال من الأحوال على سيراليون أو أفريقيا وحدها. إذ يقاتل أكثر من 300 ألف طفل تقل أعمارهم عن 18 عاماً في النـزاعات المسلحة الدائرة في أكثر من 30 دولة في مختلف أرجاء العالم. وفي المملكة المتحدة، هناك أكثر من 9000 شخص ممن تقل أعمارهم عن 18 يخدمون في القوات المسلحة. ويتعرض الأطفال بشكل خاص لممارسات الترهيب والتخويف وسوء المعاملة، سواء من جانب رؤسائهم أو زملائهم. وفي أغسطس/آب 1997، أُجبرت فتاة عمرها 17 عاماً في المملكة المتحدة على ممارسة الجنس، وتعرضت للاغتصاب من جانب مدرب سكران أثناء مشاركتها في مناورات عسكرية.

التعذيب على يدي الشرطة

جُرحوا ساقي بالشفرات ومسحوا الجروح بالكوكايين. وبعد ذلك شعرت بأنني كبير. ورأيت الآخرين كالدجاج والجرذان وأردت قتلهم.”

وغالباً ما يتعرض الأطفال المتهمون بارتكاب عمل إجرامي -- أو المعتقلون بتلك الحجة -- للتعذيب وسوء المعاملة. ويتحمل رجال الشرطة مسؤولية معظم حالات التعذيب الموثقة؛ ومن الأشكال الشائعة لتعذيب الأطفال التي تشهد زيادة سريعة تعرُّض المتهمين بارتكاب جرائم والمهمشين اجتماعياً للضرب في حجز الشرطة. وقد تكون الاعتداءات بالضرب شديدة، لا بل مميتة. وجرى ضرب الأطفال بالقبضات والعصي وأرجل الكراسي وأعقاب البنادق والسياط والأنابيب الحديدية والحبال الكهربائية. كما تعرض الأطفال المحتجزون من جانب الشرطة للتحريق بالسجائر أو الكهرباء؛ وإلى درجات حرارة وبرودة شديدة؛ وحرموا من الطعام أو الشراب أو النوم؛ أو أُجبروا على الوقوف أو الجلوس أو التدلي ساعات طويلة في أوضاع مؤلمة. ويتعرض كل من الفتيان والفتيات للاغتصاب والأذى الجنسي. وإن مجرد التهديد بالاغتصاب قد يسبب صدمة نفسية شديدة تصل إلى حد التعذيب.

وفي دول مختلفة من العالم يعاني الأطفال بشكل روتيني من التعذيب أو سوء المعاملة في الحجز. ففي تركيا، ورد أن فتيان وفتيات لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً قد جُردوا من ملابسهم واعتدي عليهم جنسياً وهُددوا بالاغتصاب. وفي باكستان، غالباً ما يتعرض الأطفال، الذين تعتقلهم الشرطة، للأذى الجنسي والضرب والتعليق رأساً على عقب وتقييد الأرجل بالقيود الحديدية والجلد بأحزمة مطاطية. وغالباً ما تؤدي هذه الانتهاكات إلى عواقب وخيمة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1998، توفي فلاديمير بوبوف البالغ من العمر 17 عاماً، بعد أن أمضى يومين في الحجز بمدينة إكاترينغبرغ في منطقة سفردلوفسك بروسيا. وزعمت الشرطة أن فلاديمير قفز من نافذة الدور الثالث في قسم الشرطة طواعية. لكن تشريح للجثة سجل وجود إصابات عديدة في جسده، تقول عائلته إنها لا يمكن أن تنجم عن السقطة المزعومة. وفُتح تحقيق جنائي، لكنه أُقفل فيما بعد بسبب “عدم توافر الأدلة”.

وتشتد أحياناً حدة تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم بفعل التمييز الممارس ضدهم لأنهم فقراء أو ينتمون إلى أقليات عرقية أو دينية. ويتعرض أطفال الشوارع بشكل خاص للاعتقال التعسفي وسوء المعاملة. ويقدر أن 100 مليون طفل يعيشون ويعملون في الشوارع، أو يعيشون على التسول أو ارتكاب الجرائم الصغيرة أو البغاء. وهي أنشطة تلفت بصورة منتظمة انتباه الشرطة إليهم.

وكانت الانتهاكات العنصرية أحد العناصر في عدد من حالات التعذيب وسوء المعاملة التي حققت فيها منظمة العفو الدولية. وقال طالب أنجولي عمره 17 عاماً، يعرف باسم “ديديير” المستعار لحمايته من الانتقام، إنه تعرض للضر ب حتى فقد وعيه على أيدي رجال شرطة سويسريين، وللانتهاكات العنصرية بعد احتجازه للاشتباه في مشاركته في مشاجرة في الشارع. وقدم ديديير شكوى ضد الشرطة، ولكن رغم أن النائب العام في جنيف فتح تحقيقاً أولياً، إلا أنه أمر فيما بعد بإغلاقه دون استجواب ديديير حول مزاعمه. فقدم ديديير استئنافاً، وفي أغسطس/آب قضت محكمة في جنيف بوجوب قيام قاضي تحقيق بإجراء تحقيق كامل.

الانتهاكات في مراكز الاعتقال وغيرها من المؤسسات

غالباً ما يُعتقل الأطفال في ظروف تمثل خطراً على صحتهم وسلامتهم. وغالباً ما تقام مراكز احتجاز الأحداث في مرافق للكبار قديمة ومهجورة، تكون سيئة التدفئة والإضاءة والتهوية؛ ويفتقر العديد منها للمرافق التعليمية أو الترفيهية. وغالباً ما تكون أماكن الاحتجاز غير صحية وتعاني من الاكتظاظ، مما يترك النـزلاء فريسة للمرض وغيره من المشاكل الصحية. ونادراً ما تتضمن مؤسسات احتجاز الأطفال مرافق طبية مناسبة، أو موظفين أو مؤن. وفي بعض الحالات، يؤدي النقص في الطعام إلى سوء التغذية وفي أسوأ الحالات إلى الموت جوعاً. ويعتمد العديد من المعتقلين الأطفال على أفراد العائلة كي يجلبوا لهم وجبات الطعام، بينما يضطر آخرون إلى دفع أموال أو رشاوى إلى السلطات لمجرد الحصول على طعام كاف ومستساغ.

وغالباً ما كان الأطفال المحتجزون في سجون الكبار هدفاً للأذى الجنسي والجسدي من جانب النـزلاء الكبار، وهم أكثر عرضة لخطر الانتحار. وإقراراً بذلك، تشير المعايير الدولية صراحة إلى وجوب فصل الأطفال المعتقلين عن النـزلاء الكبار، ولكن في دول عديدة لا يزال الأطفال يحتجزون مع الكبار.

لقد ذهبت حكومة ملاوي إلى أبعد مما ذهبت إليه دول أخرى عديدة لضمان إيواء الأطفال في أماكن منفصلة عن الكبار. لكن ورد أن بعض موظفي السجون الفاسدين في سجن زومبا، وهو الأكبر في البلاد، قبلوا رشاوى لتهريب النـزلاء الأطفال إلى زنازين الكبار. وورد أن بعض الأطفال يُجندون في عصابات البغاء أو يجبرون على تقديم خدمات جنسية إلى النـزلاء الكبار مقابل الطعام أو البطانيات أو الملابس الدافئة.

ويُعرف كل من معتقل بانشيتو لوبيز للأحداث في أسونسيون في براغواي ومجمع إميجرانتس للأحداث في ساوباولو بالبرازيل، بأنهما مضرب مثل في سوء المعاملة والأوضاع المزرية. وكان كلاهما مسرحاً لأعمال شغب عنيفة قام بها النـزلاء احتجاجاً على الاكتظاظ والظروف القاسية. وتوفي ثمانية فتيان بعد أن أشعل النـزلاء في سجن بانشيتو لوبيز النار في زنزانتهم في 11 فبراير/شباط 2000، عقب اعتداء حراس السجن في الليلة السابقة بالضرب المبرح على بعض نزلاء الزنزانة. وفي مجمع إميجرانتس، يتقاسم 1648 نزيلاً مساحة مصممة لـ 360 نزيلاً فقط، ويتعرضون إلى عقوبات تعسفية ومهينة على أيدي حراس السجن. وأدت هذه الأوضاع المريعة إلى اندلاع أعمال شغب عنيفة للغاية في أكتوبر/تشرين الأول 1999، أقدم أثناءها المراهقون المشاغبون على احتجاز الرهائن وإحراق المرتبات وإصابة زملائهم المعتقلين بجروح.

لم أكن أدري حقاً أين والديّ، وكنت خائفاً جداً لأنني لم أعرف إلى متى سأبقى هنا … رأيت أطفالاً يتعرضون للضرب من جانب مدرس يستخدم العصي، وكانوا يبكون… كما رأيت المدرس يلوي أصابع الأطفال إلى الخلف وكانوا يصرخون…”

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، سجلت منظمة العفو الدولية العديد من الحالات التي تتسم بالظروف القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وفي نهاية العام 1998، كانت 40 ولاية تحتجز ما لا يقل عن 3700 طفل في سجون الكبار من دون فصلهم عن النـزلاء الكبار. وفي مارس/آذار 2000، سعت وزارة العدل الأمريكية إلى استصدار أمر طارئ من المحكمة لوقف إساءة معاملة الأطفال في مركز جينا لقضاء الأحداث في لويزيانا. ولاحظت مذكرة تؤيد أمر المنع أن “الموظفين المسؤولين عن إنزال العقاب في جينا كانوا يفركون أوجه النـزلاء بالأرضيات الأسمنتية، ويجردونهم من ملابسهم ويخبطون الشبان بشدة في الأبواب والجدران والأرضيات، ويجبرون الأحداث على جلوس القرفصاء وهم عراة؛ بينما يجرون عمليات التفتيش … وهناك أدلة تبين أن موظفي السجن شجعوا زملاءهم بالفعل على ممارسة العنف”.

ولكن ليس الأطفال المحتجزون في مؤسسات الاعتقال العقابي هم وحدهم الذين يعانون من الأوضاع القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. فدور الأيتام وغيرها من المؤسسات التي تديرها الولايات تعاني من العديد من المشاكل ذاتها التي تعصف بمرافق قضاء الأحداث، ومن بينها نقص الأموال، والتدريب السيئ للموظفين والرواتب المتدنية التي يقبضونها، فضلاً عن النقص العام في الموارد. وغالباً ما يكون الأطفال الذين يُوضعون في رعاية الولاية أيتاماً أو مشردين أو مقعدين.

ظاهرة الإفلات من العقاب

أحد القواسم المشتركة التي تجمع بين الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب. في أي ظروف كانت -- هو إفلات الذين عذبوهم أو أساءوا معاملتهم من العقاب بصورة تامة تقريباً. ويعرف الجناة أنهم من الممكن أن يفلتوا من العقاب على تعذيب الأطفال، لأن الأطفال -- بصرف النظر عن الجماعة الاجتماعية التي ينتمون إليها -- نادراً ما يملكون الوسائل الكافية لحماية أنفسهم أو طلب إنصافهم. وربما يكون الطفل الذي تعرض للأذى أو التعذيب مذهولاً وخائفاً، وقد لا يمتلك العديد منهم الثقة اللازمة لتوجيه تهمة ضد شخص راشد، وبخاصة إذا كان يحظى كما يبدو بدعم من سلطة الدولة. ويلتزم العديد من الضحايا بالصمت لأنهم هُددوا بممارسة مزيد من العنف ضدهم أو ضد عائلاتهم إذا أخبروا أحداً بما حصل. وغالباً ما يتولى زملاء أو حتى شركاء المتهم التحقيق في مزاعم التعذيب الموجهة ضد رجال الشرطة. ويجبر عادة الأطفال المحتجزون في مراكز الاعتقال، والذين أُسيئت معاملتهم أو تعرضوا لأوضاع قاسية، على توجيه شكواهم إلى حراسهم، الذين قد يكونون هم أنفسهم المسؤولين عن الأوضاع أو الانتهاكات. وغالباً ما يتم اضطهاد الأطفال الذين يشتكون: ويتعرض بعضهم للضرب أو الحرمان من الطعام أو يجبرون على قضاء أيام أو أسابيع في الحبس الانفرادي. وغالباً ما تؤدي الافتراضات القائلة إن الأطفال ليسوا شهوداً موثوقاً بهم إلى عدم تصديق شكاواهم أو طلباتهم بالمساعدة أو تجاهلها.

بالنسبة للعقاب كان هناك الضرب على باطن القدم أو راحة اليد أو الركل في البطن. وكان الفتيان يجردون من ملابسهم ويعلقون رأساً على عقب في الباحة ويضربون بالعصي، أو يجبرون على الوقوف على أيديهم أمام الجدار. وكان عليك أن تظل في هذا الوضع طالما أرادوا ذلك، وإذا وقعت يضربونك ويعلقونك من عمود أو من مدخل الباب. وقد علقوني ثلاث ساعات، وكان كل الحراس المارين يضربونني. وإذا فعل أحدهم شيئاً ولم يكتشفوا من هو، يتعرض جميع الموجودين في القسم للضرب بالعصي.”

آثار التعذيب على الأطفال

بسبب ضعف الأطفال، فإنهم حساسون جداً تجاه الآثار الجسدية والنفسية للتعذيب. فشخصية الطفل ومهاراته الفكرية والاجتماعية لا تزال في مرحلة النمو، ويمكن لمحنة مؤلمة أن تغير ذلك النمو في مرحلة أساسية. وكلما حدث ذلك في فترة أبكر، كلما ازداد احتمال حدوث انعكاسات دائمة وغير متوقعة. وما يحدث في الطفولة يحدد الشخصية والقدرات المستقبلية للشخص الراشد، ومدى اعتماده على الآخرين. ومدى قدرته على إعانة الآخرين. فالأطفال الصغار الذين يعيشون في الحرب قد تنطبع في أذهانهم فكرة أن القتل هو الطريقة العادية لتسوية النـزاعات. وقد يشعر المراهقون، الذين يشهدون تدمير مجتمعهم أو كامل طريقة حياتهم، بأنهم لم يفعلوا ما في وسعهم لحماية أنفسهم أو عائلاتهم أو أصدقائهم، وتستبد بهم مشاعر اليأس والذنب والاكتئاب. وغالباً ما يجد الأطفال من جميع الأعمار، الذين وقعوا ضحايا التعذيب أو الوحشية أو كانوا شهوداً عليهما، صعوبة في وضع ثقتهم بالآخرين، مما قد يؤثر على قدرتهم على إقامة علاقات اجتماعية وثيقة

التعذيب ممنوع منعاً باتاً بموجب المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ويجب منعه صراحة أيضاً في القانون المحلي لكل دولة.

وتحظى اتفاقية حقوق الطفل بأكبر عدد من المصادقات بين جميع معاهدات حقوق الإنسان. فقد صدقت عليها جميع دول العالم باستثناء الصومال، التي لا يوجد فيها حكومة من الناحية الفعلية، والولايات المتحدة الأمريكية.

المادة 19

1. تلتزم الدول الأطراف باتخاذ جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية والإهمال أو المعاملة المنطوية على الإهمال، وإساءة المعاملة أو الاستغلال، بما فيه الاستغلال الجنسي، وهو في رعاية الوالد (الوالدين)، أو الوصي القانوني (الأوصياء القانونيين) عليه، أو أي شخص آخر يتعهد الطفل برعايته.

المادة 37

تضمن الدول الأطراف أنه :

(أ) لا يجوز تعريض أي طفل للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة…

(د) يحق لكل طفل محروم من حريته أن يحصل دون إبطاء على مساعدة قانونية وغيرها من أنواع المساعدة المناسبة…

المادة 39

تتخذ الدول الأطراف كافة الإجراءات المناسبة لتحقيق الشفاء الجسدي والنفسي والاندماج الاجتماعي للضحية الطفل من أي شكل من أشكال الإهمال أو الاستغلال أو الإساءة، أو التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ؛ أو النـزاعات المسلحة. ويجب أن يتم هذا الشفاء والاندماج في بيئة تقوي الصحة واحترام الذات وكرامة الطفل.

وفي أكثر من نصف دول العالم، ما زال الناس يتعرضون للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2000، أطلقت منظمة العفو الدولية حملتها الدولية تحت عنوان “ساهموا في القضاء على التعذيب”، للتصدي لهذه الحقيقة، واتخاذ إجراءات عملية للقضاء عليها. أما الوثيقة التي تحمل عنوان “فضائح في الخفاء: عار في طي الكتمان -- تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم.”، فهي تقرير يسلط الضوء على الجوانب المروعة للتعذيب اليوم -- أي استخدامه لإلحاق الأذى بالأطفال وتخويفهم.

الوفيات أثناء الحجز

أظهر تقرير أعده مرصد حقوق الإنسان في عام 1999 أن الأطفال الذين يعتقلون في باكستان بصورة روتينية يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك الإساءة الجنسية، والتعرض للضرب والتعليق في وضع مقلوب، والضرب بشريط مطاطي أو بخف مصمم خصيصاً لهذه الغاية، وللتكبيل بأصفاد الساقين الحديدية69، ويمكن أن تؤدي مثل هذه الانتهاكات إلى الموت. ففي مايو/أيار 1998 ألقت الشرطة القبض على غلام جيلانين، وهو صبي في الثالثة عشرة من العمر، في بلدة مانسيهر الشمالية. واشتبهت الشرطة بأن غلام، الذي كان قد عمل لمدة ثلاث سنوات قاطع تذاكر لأحد الحافلات الصغيرة، قد قام بسرقة النقود من أحد الدكاكين. ونقل غلام إلى مركز الشرطة، وفي وقت لاحق من ذلك اليوم أبلغ أحد رجال الشرطة عائلته بأنه قد شنق نفسه في الزنزانة التي كان محتجزاً فيها، بيد أن صبياً كان يشاركه الزنزانة أورد رواية مختلفة، قائلاً إن غلام قد توفي نتيجة الضرب على أيدي الشرطة. وأكد تشريح الجثة أن غلام قد توفي نتيجة إصابات في الرأس. ودفعت أعمال الشغب التي تلت جنازة الصبي سلطات الإقليم إلى إلقاء القبض على رئيس الشرطة في مركز شرطة مانسيهرا، والأمر بإجراء تحقيق قضائي في وفاة الصبي 70. ولم تصدر نتائج التحقيق في الحادثة بعد. بيد أن هذه الحالة ليست سوى الاستثناء، ففي الغالب الأعم تمضي انتهاكات الشرطة ضد الموقفين الأطفال دون ذكر أو عقاب.

بالمثل، تستطيع الشرطة في كينيا استغلال أي طفل توجه إليه تهمة جنائية والإساءة إليه في أي جزء من البلاد، والإفلات من العقاب. ففي مايو/أيار 1997، ألقي القبض من قبل اثنين من أفراد الشرطة الإدارية في مقاطعة توركانا الشمالية النائية، على لومورودو أمودوي، وهو صبي في السابعة عشرة، إثر اتهام أحد الغرباء له بالقيام بسطو مسلح. وأخذ الصبي إلى مركز الشرطة في لوكيتشوكيو، حيث سمعه أحد الشهود وهو يبكي من الألم. وعثر على جثته بعد يومين في غرفة حفظ الموتى في لودوور، على مسافة 160 كيلو متراً من مكان اعتقاله. ولم يؤد تشريح للجثة قامت به الشرطة إلى تحديد سبب الوفاة، غير أن أهله أصروا على إعادة التشريح، وأظهر التشريح الثاني للجثة أن لوموردوو أمودوي قد توفي نتيجة للخنق ولجروح في الرأس. وأبلغ مفوض شرطة مقاطعة توركانا وفداً لمنظمة العفو الدولية زار كينيا في يونيو/حزيران 1997 أنه قد تم اعتقال أحد رجال الشرطة ووجهت إليه تهمة القتل. بيد أن هذا لم يكن محتجزاً، ولم يكن في سجل المحكمة أي إشارة إلى توجيه تهمة إليه. وتولى المدعي العام مهمة البدء بتحقيق في الحادثة في نوفمبر/تشرين الثاني، بيد أن عمله تعرض لكثير من التأخير. ولم يكن التحقيق قد استكمل في وقت كتابة هذا التقرير، بعد عامين ونصف من وفاة الصبي.

وأورد مقرر الأمم المتحدة الخاص بشؤون التعذيب في تقريره لعام 1999 أنه يقال إن التعذيب يمارس بصورة منظمة من قبل الدوائر الأمنية والشرطة في مصر. وتشمل أساليب التعذيب التي وردت تقارير بشأنها، تجريد الضحايا من ملابسهم، والضرب بالعصي والسياط، والركل بالأحذية، والصدمات الكهربائية، والتعليق من أحد الذراعين أو كليهما، وتعليق الضحية من رسغية مع إبقائه واقفاً عل طرفي قدمه، أو إجباره على الوقوف لساعات عديدة، وتغطيس الضحايا في الماء الحار أو البارد، وإجبارهم على الوقوف في العراء في الطقس البارد. ويتعرض الضحايا للتهديد والإهانة والإذلال، ويمكن أن تجرد الضحايا الإناث من ملابسهن وأن يتعرضن للإهانات الجنسية بالألفاظ أو باللمس، وللتهديد بالاغتصاب71 . وقد استمر تعذيب بعض الأشخاص حتى الموت. فقد ورد أنه القي القبض على تامر محسن علي، وهو في السابعة عشرة، في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1997 من قبل رجال شرطة تابعين لمركز شرطة المنصورة للتحقيق معه بشأن حادثة سرقة. وبقي في حجز الشرطة طيلة الأيام السبعة التي تلت ذلك ، حيث تعرض، بحسب ما ذكر، للضرب المبرح والجلد بالسياط، ولتوجيه صدمات كهربائية إلى أعضاءه التناسلية. وتوفي تامر في الحجز في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1997. وكان جسده مغطى بالكدمات، وتبين أنه مصاب بجرح في رأسه، ووجدت آثار دماء في أنفه.

وفي روسيا أيضاً، وردت حالات لأطفال يحتمل أن يكونوا قد عذبوا حتى الموت. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1998، على سبيل المثل، توفي فلاديمير بوروف في المستشفى، التي نقل إليها بعد قضاء يومين في الحجز لدى موظفين مكلفين بتنفيذ القوانين في مدنية ايكاترينبيرغ. وذكر أنه وصديق له قد قبض عليهما بسبب الشك في أنهما أقدما على السرقة. وبحسب رواية الصديق، فإن الشرطة قامت بتعذيبهما لإجبارهما على الاعتراف. وادعت سلطات الشرطة أن فلاديمير قد قفز عبر إحدى النوافذ طوعاً، وسقط من الطابق الثالث لمبنى الشرطة. وتبين من وثائق تشريح الجثة وجود إصابات عديدة في الجسم ، ادعت عائلته أنه من غير الممكن أن تكون قد نجمت عن السقطة المزعومة. وفتح تحقيق جنائي في الحادثة من قبل مكتب الادعاء العام الإقليمي في سفير دلوفسك، غير أنه أغلق لاحقاً، بزعم عدم توفر الأدلة.

وفي شتى أنحاء روسيا، يخضع الأطفال ممن هم في حجز الشرطة أو في الإصلاحيات للتعذيب وسوء المعاملة. وقد سهل امتناع السلطات، بصورة متكررة، عن التحقيق في مزاعم التعذيب بشكل مناسب، ناهيك عن توجيه الاتهام للمسؤولين عنها أو معاقبتهم -- سهل للشرطة وموظفي السجون فرصة الإفلات التام من العقاب.

وقد كانت أكثر أساليب التعذيب شيوعاً في روسيا الضرب، واستخدام الصدمات الكهربائية، و”الفيل”(سلونيك)، و”السنونو”(لاستوتشكا)،و”المغلف”(كونفيرت).ويقال إن أسلوب سلونيك في التعذيب هو المفضل عند الشرطة لانتزاع الاعترافات. حيث يوضع رأس المشتبه به داخل قناع للغاز، ويمنع دخول الأكسجين بصورة متقطعة إلى الرئتين حتى يشعر المشتبه به بالاختناق ويوافق على الاعتراف. ويستخدم الغاز المسيل للدموع في بعض الأحيان، حيث يجري ضغطه في اتجاه أنف وفم الشخص عبر أنبوب القناع. وورد أنه جرى تعليق بعض الضحايا إلى السقف من أذرعهم بعد أن توثق سوية خلف أظهرهم بواسطة الأصفاد.

أن سوء المعاملة من قبل الشرطة قد أصبح شائعاً إلى حد أنه غدا النتيجة الطبيعية للقبض على الأشخاص. فقد أبلغت إحدى النساء منظمة العفو الدولية أنه عندما ألقي القبض على ابنها، ديما، اشتباهاً في أنه قد سرق، وظلت تركض وراءه مسافة الطريق إلى مركز الشرطة، “لأنني،كما تعرف، كان لدي شعور بأنهم يمكن أن يفعلوا معه أي شيء”.

وبحسب ما قالته أمه، وهي ممرضة، ضرب الصبي على رأسه، وغرست الأصابع في بؤبؤي عينيه، ووجهت الركلات والضربات إلى مادون قفصه الصدري. وانتظرت الأم طوال الوقت في مركز الشرطة قبل أن تدرك الشرطة انهم قد ألقوا القبض على الشخص الخطأ وقرروا إخلاء سبيل ديما.”أقبل الشخص الذي ضرب ديما نحوه وربت على كتفه وقال: آسف، لقد ارتكبنا خطأً بسيطاً، عد إلى بيتك، ثم أصدروا شهادة لمدرسة الصبي يبلغونها فيها عن مكان تغيب ديما طيلة النهار”. وإلى ذلك أضاف الصبي: “ضربوني ضرباً مبرحاً.كان شخصاً واحداً يضربني بقبضتيه، ويركلني بقدميه…أخذ يضربني، وأنا لا أعرف سبباً لذلك “.

الوضع الخاص للأطفال

إن اتفاقية حقوق الطفل تمنع التعذيب ولكنها لا تعرِّفه. وثمة عدداً من المسائل المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة، مستمدة من الصكوك الأخرى التي تشير إلى أن التعريفات القانونية النموذجية لا تعبر تماماً عن الوضع الخاص للأطفال. فبموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، يُفهم أن لفعل التعذيب هدفا أو غرضاً محدداً، وشكلاً ما من أشكال التورط المباشر أو غير المباشر لموظفي الدولة. ويشمل منع التعذيب أولئك الذين يرتكبون التعذيب “بموافقة الدولة أو سكوتها عنه”، وفي هذا السياق يمكن تفسير تطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب تفسيراً عريضاً بحيث يمتد ليشمل الأفعال التي يرتكبها أفراد أو جهات خاصة والتي يتوقع من الدولة، بصورة معقولة، أن تمنعها عن طريق القوانين الفعالة والنافذة. كما أن مفهوم الموظف العام مفتوح للتفسير العريض ويمكن أن يشمل المعلمين والأطباء، بالإضافة إلى أفراد الشرطة وحراس السجون. ويبدو أن العنصر الحاسم يتمثل في أن  الدولة تقر بسلطة مرتكبي الانتهاكات، حتى لو لم يكونوا يتصرفون باسمها. وحتى مع الأخذ بأوسع تفسير ممكن للاتفاقية، فإنها تظل تدور في مجال عام وفي مجال البالغين. وقد تمت مناقشة تعريف “التعذيب” الذي تنص عليه الاتفاقية، مع أوضاع البالغين وكيفية معاملتهم. ولكنها لا تتناول النطاق الكامل لتجارب الأطفال، وخصوصاً فيما يتعلق باحتمال استثناء المجالات التي يرجح أن يتعرض فيها الأطفال لإساءة المعاملة، مثل المجالات الخاصة والعائلية.

العنف ضد الفتيات

لهذا الجانب من تعريف التعذيب الوارد في الاتفاقية أثر خاص على تمييز العنف ضد الفتيات، من حيث أن الفتيات أكثر عرضة للاعتداء أو إساءة المعاملة في المنـزل منهن في الحجز أو المدرسة أو مكان العمل. ومع أن للفتيات الحق في الحصول على الحماية من جميع أشكال العنف بموجب اتفاقية الطفل، فإن هذا النص الفضفاض لا يعالج حساسيتهن المزدوجة. فالفتيات يتعرضن، بشكل متزايد، لمخاطر إساءة المعاملة الجسدية والجنسية والنفسية في سن مبكرة. وتفضيل الولد يمكن أن يعرض حياة البنت للخطر، في حين أن الأعراف المقرة ثقافياً حول القيمة الاقتصادية والاجتماعية للأولاد كثيراً ما تعني أن البنات يعانين، بصورة مستمرة، من صنوف إساءة المعاملة القائمة على التمييز، بما في ذلك انعدام الرعاية الصحية، وعدم كفاية الطعام، وقلة فرص التعليم.

ويمكن كذلك، أن تتعرض الفتيات في المجال العام للاعتقال أو إساءة المعاملة لأسباب تتعلق بجنسها -- بسبب معارضتهن لقوانين الزي أو السلوك مثلاً -- وفي الحجز، يصبحن عرضة لخطر التعذيب الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، أو الإذلال الجنسي أو المضايقة الجنسية. إن المضايقة الجنسية للفتيات من أطفال الشوارع شائعة إلى حد لا يلاحظها معه أحد، وعندما يتعرضن للتعذيب أو سوء المعاملة، فإن ذلك يشمل إساءة المعاملة ذات الطبيعة الجنسية في معظم الأحيان. وهناك العديد من حالات التعذيب الجنسي وإساءة المعاملة الجنسية لا يتم الإبلاغ عنها أو المعاقبة عليها، لأن الفتيات يخجلن من إخبار أحد بما حدث لهن. والفتيات اللواتي يشاركن في حركات المعارضة السياسية يمكن أن يتعرضن للتعذيب أو سوء المعاملة لأنه يُنظر إليهن على أنهن يشكلن خطراً، بشكل خاص، بخروجهن على دورهن الاجتماعي المقبول. وحتى الفتيات اللواتي لا يشاركن في أنشطة سياسية يمكن أن يتعرضن للتعذيب من أجل الحصول على معلومات حول أفراد عائلاتهن الذكور، أو انتقاماً منهن على أفعال آبائهن أو أشقائهن. وفي النـزاعات المسلحة، يُعتبر اغتصاب النساء والفتيات، منذ زمن بعيد، تكتيكاً ذا فعالية خاصة لترهيب العدو وإهانته.

الانتهاكات على أيدي الأفراد أو الجهات الخاصة

ربما يتمثل التحدي للعمل المتعلق بحقوق الإنسان في مراجعة الإطار الذي ما فتئت جماعات حقوق الإنسان تنظر، تقليدياً، للتعذيب من خلاله؛ إذ أن المكان الأكثر خطراً على الطفل يمكن أن يكون منـزله، في حين أنه يجب أن يكون الأكثر أمناً له. ففيه يمكن أن يتعرض للضرب وإساءة المعاملة الجنسية والاختطاف، أو يتم إخضاعه للممارسات التقليدية الضارة أو العنف الذهني على أيدي أفراد عائلته أكثر من أي شخص آخر. كما أن الأطفال الذين يعيشون في البيوت “البديلة”، مثل دور الرعاية، والذين يتعرضون للضرب أو الاغتصاب بصورة منتظمة، أو البغايا الأطفال اللواتي يتعرضن للعنف الجنسي بصورة متكررة، لايقلون عرضة للخطر من الأطفال الموجودين في حجز الشرطة. ومع أن موضوع إساءة المعاملة في إطار العائلة هو خارج نطاق هذه الدراسة، فإنه مجال ينبغي استكشافه إذا أردنا أن نفهم المدى الكامل للعنف ضد الأطفال، وأن نناضل ضده.

العقوبة البدنية

إن العقوبة البدنية مجال معقد آخر، سواء من الناحية القانونية أو من حيث تطبيقها على الأطفال. ففي العديد من البلدان تجيز القوانين فرض العقوبة البدنية على الأطفال في المدرسة والأسرة؛ وذلك استناداً إلى الفكرة القائلة إن “التأديب المعقول” للأطفال أمر جائز. وفي العديد من البلدان، تُعتبر العقوبة البدنية للأطفال، في الحقيقة، الشكل الوحيد للعنف بين الأشخاص المسموح به قانونياً، مع أنه يتم تجريم مجرد الاعتداءات البسيطة على البالغين.

أما العقوبات البدنية القضائية فهي ضرب من التعذيب وغيره من ضروب العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ولذا فهي محظورة بموجب القانون الدولي. إن منظمة العفو الدولية تعارض مبدئياً العقوبة البدنية- سواء القضائية أو التأديبية -- للسجناء الأحداث والبالغين على حد سواء. كما أن العقوبة البدنية للأحداث ممنوعة تحديداً بموجب قواعد بكين، وقواعد الأمم المتحدة لحماية الأحداث المحرومين من حريتهم، واتفاقية حقوق الطفل، ومبادئ الرياض التوجيهية، وإن كانت بشكل أقل وضوحاً. وذكرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في قرار اعتمدته في أبريل (نيسان) 2000، أن “العقوبة البدنية، بما فيها العقوبة التي توقع على الأطفال يمكن أن تصل إلى حد العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو حتى التعذيب.” وفي بعض البلدان، وبالذات في نيجيريا والمملكة العربية السعودية وسنغافورة، يمكن أن يتعرض الأطفال المدانون بجرائم معينة للجلد أو الضرب بالخيزران. إلا أن المكان الرئيسي لممارسة العقوبة البدنية ضد الأطفال خارج العائلة هو المدرسة.

وذكر المقرر الخاص المعني بالتعذيب أن استخدام العقوبة البدنية لا يتسق مع منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وفي تقريره الأخير حول كينيا، دعا المقرر الخاص إلى إلغاء العقوبة البدنية في المدارس، وإلى “التزام الجدية في مقاضاة” موظفي المدارس بسبب الاعتداء على التلاميذ وضربهم في الحالات التي عانوا فيها من إصابات تراوحت بين “الجروح والرضوض والأضرار النفسية والإصابات البالغة، مثل كسر العظام، والنـزيف الداخلي، وخلع الأسنان …”

مع أن العقوبة البدنية في المدارس يمكن ألا تشكل دائماً ضرباً من التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فإن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقول بوضوح إن العقوبة البدنية في المدارس أمر لا يتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل، وتحث الدول، بانتظام، على منع هذه العقوبة، ليس في المدارس وغيرها من المؤسسات فحسب، وإنما أيضاً “في العائلة وفي المجتمع ككل”. ومع أن اتفاقية حقوق الطفل لا تمنع العقوبة البدنية صراحةً، فإنها تحث الدول الأطراف على حماية الأطفال من جميع أشكال العنف الجسدي أو العقلي، وعلى ضمان أن يتم فرض النظام المدرسي بطريقة تتوافق مع الكرامة الإنسانية للطفل وتتماشى مع الاتفاقية الحالية.

وتوصي لجنة حقوق الإنسان بأن يمتد حظر العقوبة البدنية ليشمل العائلة. فالعديد من الدول تجيز العقوبة البدنية أو “التأديب المعقول” في إطار العائلة، وهي ممارسة أدانتها اللجنة: “هناك عدد قليل من البلدان التي لديها قوانين واضحة بشأن هذه العقوبة. وقد حاولت بعض الدول التمييز بين إصلاح الأطفال والعنف المفرط. وفي الواقع، إن الخط الفاصل بين الاثنين خط اصطناعي، ومن السهل الانتقال من مرحلة إلى أخرى، كما أن المسألة مسألة مبدأ، فإذا كان لا يجوز ضرب شخص بالغ، فلماذا يجوز ضرب طفل؟” لقد دعت منظمة العفو الدولية إلى إلغاء العقوبة البدنية في المدارس.

المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في المؤسسات الأخرى

تتولى الدولة الوصاية على أعداد كبيرة من الأطفال في مؤسسات  غير عقابية للرعاية، بما في ذلك دور الأيتام ومراكز الرعاية البديلة. وكثيرا ما يكون للأطفال الموجودين في دور الأيتام أو بيوت الدولة والد واحد من الوالدين على الأقل ، بيد أنه جرى التخلي عنهم بسبب الفقر أو لأن أحد الوالدين مريض أو مسجون. ويتم إلحاق العديد من الأطفال بهذه المؤسسات إثر انتزاعهم من والد يسئ معاملتهم أو تنقصه الكفاءة . وفي البلدان التي تطبق سياسات تقيد النمو السكاني ، أو التي تسود فيها تقاليد ثقافية تعلي من شأن الأولاد، يغلب أن تتعرض البنات أكثر من الأولاد لهجر الأهل لهن. وفي بعض الحالات يهجر الأهل أطفالهم الذين يولدون بإعاقة عند ولادتهم ، وكثيراً ما يفترض أن الأطفال الأصحاء الذين يتخلى عنهم وأهلهم لأسباب مالية أو أسرية هم من “المعطوبين”. وتعاني دور الأيتام وغيرها من المؤسسات التي تشرف عليها الدولة من العديد من المشكلات الهيكلية نفسها التي تعاني منها مرافق قضاء الأحداث، بما في ذلك ضعف التمويل، وتدني مستوى تدريب الموظفين ومستوى أجورهم ، والعجز العام في الموارد. وتعطى المؤسسات التي تقدم الخدمات الاجتماعية عادة أولوية أدنى من تلك التي تعطى للسجون ومراكز الاعتقال، ويظل تمويلها غالباً أدنى من تمويل هذه. ومع ذلك، فإن أطفال دور الأيتام، مثلهم مثل الأطفال المحتجزين ، كثيراً ما يعرضون لأوضاع قاسية ولا إنسانية ومهينة، ويواجه العديد منهم مستويات مميتة من الإساءة والإهمال.

ففي مطلع عام 2000، لاقى طفلان حتفهما، بحسب ما ذكر، نتيجة للإهمال الشديد في نـزل دزوركوفو للأطفال المعوقين عقلياً في بلغاريا. وورد أن الطفلة غالباً، التي كانت في الرابعة من عمرها، كانت تعاني من حالة حادة من التهاب الرئة المزدوج قبل وفاتها بأسبوعين، ومع ذلك فإن إداريي الدار لم يحولوها إلى المستشفى. وورد أيضاً أن روزين نانيف، وهو صبي في الثالثة عشرة، توفي بسبب التهاب الرئة الشعبي. وفي عام 1997، كانت منظمة العفو الدولية قد كتبت إلى الرئيس ستويانوف للإعراب عن بواعث قلقها بشأن وفاة سبعة أطفال نتيجة سوء التغذية والهزال بينما كانوا في النـزل بين 31 يناير / كانون الثاني و 27 فبراير / شباط 1997 . وورد أن وزن انجلينا أتاناسوفا، التي توفيت في 25 فبراير/ شباط عن 9 أعوام، لم يكن يزد عن 7 كيلوغرامات، بينما ورد أن وزن دايانا ديتشكوفا، التي لحقت بها بعد يومين عن 18 عاماً، لم يكن يزيد عن 11 كيلو غراماً. وكان نحو 20 بالمائة من الأطفال في النـزل إما طريحي الفراش أو غير قادرين على الحركة، ولا تتوفر لهم حماية تذكر من البرد. ويشكل مثل هذا الإهمال غير العادي بصورة واضحة ضرباً من ضروب التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وبحسب ما أوردته لجنة هلسنكي البلغارية، فإن معدل قيمة ما يخصص لتزويد الأطفال بالطعام في دور الأطفال التي تشرف عليها الحكومة لا يزيد عن 45 ستوتينكي (0,45 مارك ألماني) للطفل الواحد في اليوم، وفي معظم الحالات، يظل تزويد الأطفال بالطعام في حدوده الدنيا، ورهناً بالمساعدات والمنح من الهيئات الخيرية. وبحسب ما ذكر، فإن تدني مستويات التزويد بالطعام والمواد التموينية الأخرى بصورة خطيرة يقع أكثر ما يقع في دور الأطفال المعزولة جغرافياً، أو حيث يتقاعس إداريو الدار عن بذل النشاط الكافي لجمع التبرعات من الخارج.

ويمكن أن يتعرض الأطفال في دور الأيتام التابعة للدولة أيضاً لأشكال من الاستغلال يمكن أن تشكل خطراً عليهم. ففي إحدى مثل هذه الحالات، أجرى أحد الأطباء النفسيين في بلغاريا في مايو/أيار 2000 تجربة على أحد عقاقير العلاج النفسي شملت 15 طفلاً في ميتم ماريا تيريزا في ستارا زاغورا. ونقل إثر التجربة ثلاثة أطفال إلى المستشفى لفترة قصيرة بعد تعاطي عقار ريسبوليبت، وهو عقار يستخدم للسيطرة على السلوك العدواني للمصابين بالفصام. وطلب من الأطفال الخمسة عشر، الذين لم يعرف عنهم أنهم مصابون بالفصام، أن يملأوا استمارة استبيان وضعها الطبيب النفسي، الذي كان يعد بحثاً، على ما يبدو، من أجل أحد الأساتذة في كلية الطب التابعة لجامعة ثريس. ومازال التحقيق في الحادثة جاريا. ويشتمل القانون الخاص بالعقاقير والصيدليات، الذي اعتمد في يناير/كانون الثاني 2000، على نص يسمح بإجراء التجارب على العقاقير باستخدام الأيتام إذا تم الحصول على أمر من المحكمة بذلك، مع أنه لا يبدو أن طلباً للحصول على أمر من المحكمة قد قدم في هذه الحالة.

في الصين، بينت دراسة أجريت عام 1986 أن ثمة أدلة على وجود نمط مؤذٍ من القسوة والإساءة والإهمال، أدى إلى معدلات للوفيات في مؤسسات الأطفال التي تديرها الدولة تصل إلى 90 بالمائة. ونفت الحكومة الصينية صحة ما جاء في الدراسة، غير أن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومة نفسها أظهرت أن فرص الأطفال الذين يوضعون في إحدى دور الأيتام في العيش في السنة الأولى لا تزيد عن 50 بالمائة، وهبطت النسبة في بعض الأقاليم إلى واحد من كل عشرة. وأظهرت روايات شهود عيان والسجلات الطبية لأحد أكثر دور الأيتام شهرة في الصين وأفضلها سمعة، وهو معهد شنغهاي لرفاه الأطفال، أنه كان يجري تجويع الأطفال وتعذيبهم والاعتداء عليهم جنسياً بشكل متعمد مما أدى إلى الموت غير الطبيعي لما يربو على 1000 طفل بكثير للفترة بين عامي 1986 و 1992 وحدها.

وورد أن العاملين في رعاية الطفولة كانوا ينتقون المواليد والأطفال غير المرغوب فيهم لتركهم يموتون نتيجة حرمانهم بصورة متعمدة من الطعام والشراب، في عملية تعرف بين العاملين باسم “الإنهاء بإجراءات موجزة” لمشكلات الأطفال الطبية المزعومة. ويوحي التقرير بأن هذه المزاعم تكتسب بعض المصداقية بسبب عدم استجابة الحكومة الصينية بالصورة المناسبة عندما أثارت القضية موجة احتجاج عالمية، وتغطيتها على ما ذكر من تحقيق داخلي مطول في المسألة.

وفي روسيا، وصل معدل هجر الأطفال وتركهم لرعاية الدولة إلى ما يربو على 100,000 طفل في العام. وفي تقرير أصدره مرصد حقوق الإنسان عام 1998 وثقت المنظمة لمستويات غير عادية من القسوة والإهمال في معاملة بعض هؤلاء الأطفال، الذين لمعظمهم واحد من الوالدين على الأقل على في الحياة. ويثير التقرير شعوراً مفزعاً. فهو يزعم أن عدداً كبيراً من الأطفال الذين يسلمون إلى مؤسسات الدولة يصنف ضمن المعوقين ويرسلون إلى غرف “للاضطجاع”، حيث يجري تغيير ملابسهم وإطعامهم بين الحين والآخر ، ولكنهم يتركون لشأنهم في ما عدا ذلك. ونتيجة لانعدام الاتصال مع البشر، وعدم وجود من يلاعبهم أو يلاطفهم، وغياب أي إثارة بصرية أو سمعية، فإن أي إعاقة يمكن أن تكون قد لحقت بهؤلاء الرضع منذ ولادتهم تتفاقم، بينما يغدو العديد ممن يجتازون طفولتهم المبكرة منهم غير قادرين على القيام بأي وظيفة أو التواصل مع الآخرين.
وإذا ما قدر لهم أن يعيشوا حتى سن الرابعة، يتم تقييمهم. فمن يجري تصنيفهم على أنهم يعانون من “الإعاقة” الشديدة، يحكم عليهم بقضاء حياتهم في “معازل نفسية -- عصبية”، حيث يحرمون كذلك من الإثارة والمعالجة الطبية. ويمكن أن يتم تقييدهم في أكياس من القماش أو يتركون مربوطين إلى الأسِرة أو إلى قطع أثاث أخرى، ونادراً ما يغتسلون أو يقدم لهم الغذاء المناسب. أما الأطفال الذين يصنفون على أنهم “طبيعيين”، فيتعرضون أيضاً للمعاملة الوحشية في دور الأيتام التابعة للدولة، بما في ذلك الضرب والإساءة الجنسية والحجز في غرف شديدة البرودة لأيام متتالية، أو كما حدث في إحدى الحالات، يلقون من أحد الشبابيك المرتفعة بعد وضعهم في صندوق خشبي صغير وإقفاله عليهم. ويشجع الأطفال الأكبر سناً على ضرب الأصغر منهم سناً وإخضاعهم وترهيبهم. وليس أمام الأطفال مجال للإنصاف أو الشكوى للاحتجاج على سوء المعاملة والإساءة على يد الموظفين والأطفال الأكبر سناً.

العقوبة البدنية

يمكن أن تفرض المحاكم في بعض البلدان عقوبات بدنية على الأطفال أكثرها شيوعاً عقوبة الجلد. وكثيراً ما تنفذ العقوبة أمام الملأ، وتسبب آلاماً مبرحة ومعاناة شديدة، وكذلك إصابات دائمة. فقد حكم على بعض الأطفال بآلاف الجلدات.

وفي نيجيريا، قد لا تستطيع الفتيات والنساء التي تعرضن للاغتصاب في الحصول على العدالة والانصاف، وقد يثنين عن الإبلاغ عن وقوع الاغتصاب خشية أن يتعرضن أنفسهن للعقاب. ويتضمن العقاب الجلد على الملأ. ففي أوائل سبتمبر/أيلول 2000، حُكم على بريئة إبراهيم، البالغة من العمر 17 عاماً، بالجلد 180 جلدة على الملأ في ولاية زمفرة شمالي نيجيريا. ولم يكن لديها محام، ولم تستطع تقديم شهود لإثبات صحة مزاعمها بأن ثلاثة رجال كانوا على علاقة جنسية معها، وأن أحدهما تسبب في حملها. وصدر الحكم عليها بالجلد 100 جلدة لإقامتها علاقة جنسية خارج إطار الزواج، و80 جلدة بسبب اتهاماتها للرجالة الثلاثة، والتي حكم بأنها اتهامات باطلة. ولن يتم تنفيذ الحكم إلا بعد مرور 40 يوماً، على الأقل، من ولادة الطفل المتوقعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2000. وفي فبراير/شباط 2000، حكم أيضاً في ولاية زمفرة  على زويرة علي، البالغة من العمر 16 عاماً، بالجلد 1000 جلدة. وورد أن عملية الجلد لم تنفذ لأن زويرة كانت تعاني من ضعف صحي. وقد حكم على الشاب الذي أدين معها، وهو ساني مأمون البالغ من العمر 18 عاماً، بالجلد بعد صدور الحكم بفترة قصيرة.

وتنصح الحكومة الاتحادية النيجيرية مواطنها الذين انتهكت حقوقهم الدستورية في محاكم الدولة أن يسعوا في الحصول على الإنصاف القانوني في محكمة أعلى، بما في ذلك المحكمة العليا. إلا أن الأحكام الصادرة غالباً ما تنفذ فور أحكام الإدانة، وأن معظم المدعى عليهم ليس لديهم الوسائل للطعن في الحكم.

وتلقت منظمة العفو الدولية تقارير بأن تلميذين قد تعرضا للجلد بعد إدانتهما بالاعتداء على معلم في المملكة العربية السعودية، وذلك في 25 مارس/ آذار 1996، وبعد شهر واحد فقط من سريان مفعول اتفاقية حقوق الطفل في البلاد. فقد حكم على ناصر الشيباني و محمد ماجد الشيباني ، وهما طالبان في مدرسة الثقيف الثانوية بالطائف، بالجلد 210 و 150 جلدة على التوالي، إضافة إلى السجن لمدة ثلاثة أشهر ، وشهرين. ونفذ جزء من عملية الجلد أمام الطلاب والمعلمين في المدرسة.

التعذيب كسلاح في الحرب

ربما تستخدم الجيوش والجماعات شبه العسكرية التعذيب وسوء المعاملة كأسلوب لترويع السكان المدنيين وإخضاعهم، وخصوصاً في المناطق التي يُحتمل أن تقدم دعماً كبيراً لقوات المعارضة. والأطفال، في مثل هذه الحالات، مستضعفون؛ وكثيراً ما يتم التقاطهم لأنهم يمثلون المستقبل الواقعي والنفسي للمجتمع. ففي الهند، ظلت عمليات الاغتصاب وإساءة المعاملة الجنسية للنساء والأطفال من قبل أفراد الشرطة وقوات الأمن في مناطق النـزاع المسلح تمثل وسيلة شائعة لإساءة معاملة السكان المدنيين وترويعهم. ومع أن السلطات اتخذت إجراءات ضد الجناة في عدد قليل من الحالات، فإن مناخ الإفلات من العقاب والصعوبات التي يواجهها الضحايا في طلب الإنصاف تُسهم في استمرار هذه الانتهاكات.

ففي 23 مايو (أيار) 1997، قام جنود من فوج راجبوت 16 في ولاية آسام في الهند بالإغارة على قرية في مقاطعة كامراب التابعة لولاية آسام، بغية اعتقال أشخاص يشتبه في أنهم أعضاء في جماعات المعارضة المسلحة. وأثناء قيامهم بعمليات التفتيش، أرغموا القرويين على التجمع في أحد الحقول. وورد أن عدداً من الجنود اغتصبوا سانثالي بودو، وعمرها 17 سنة ورانجيلا باسوماتاري، وعمرها 15 سنة على مرأى من جيرانهما المتجمعين. وفي اليوم التالي ورد أن جنوداً من الفوج نفسه عادوا إلى القرية، وتوجهوا إلى منـزل ديارام رافا واغتصبوا ابنتيه، رانومي باسوماتاري وعمرها 16 سنة، وثنغيغي باسوماتاري، وعمرها 17 سنة. وقد قام الجيش بمحاصرة المنطقة، ومُنع القرويون من الانتقال بحرية، ولذا، لم يكن بالإمكان إبلاغ الشرطة بتلك الحوادث لعدة أيام، ولم تتمكن الفتاتان من الوصول إلى طبيب لإجراء فحص طبي. وبعد أن قُدمت الشكوى، أخيراً، إلى مركز شرطة تاملبور، يبدو أنها قد أُهملت. وقد تابعت منظمة العفو الدولية مع الحكومة الهندية قضية عدم إجراء أي تحقيق، إلا أنها لم تتلق رداً حتى الآن.

وفي مانيبور، في يوليو (تموز) 1998، كان خمسة أولاد عائدين إلى منازلهم من رحلة صيد في النهر القريب من قرية أندرو في مقاطعة ثوبال، عندما أوقفهم جندي من معسكر أندرو للجيش، كان قد أوقف ثلاثة أولاد يرعون الماشية. وأمر الجندي، وهو من فوج راجبوت 17، الأولاد بالوقوف على بعد مسافة معينة ورؤوسهم بين أرجلهم، باستثناء بوبي، 6 سنوات، وجوي تشاندرا، 9 سنوات، وجوي كومار، 10 سنوات. وأمر هؤلاء الأولاد الثلاثة بالوقوف بعيدا عن الأنظار بين الأشجار، حيث أرغمهم على مص قضيبه مدة نصف ساعة. ثم قام الجندي بضرب الأولاد الأكبر سناً، ومنهم الإخوة الثلاثة جوتشاندرا. وقُدمت شكوى في مركز الشرطة المحلي، ورافقها حملة عامة واسعة النطاق قامت بها المنظمات النسائية والشبابية المحلية من أجل إجراء تحقيق في الحادثة. وقد فتح الجيش تحقيقاً في الحادثة، إلا أنه، في الوقت نفسه، مورست ضغوط على العديد من المشتكين لإجبارهم على سحب شكواهم. وفي أغسطس/آب 1998، أسقطت محكمة تحقيق عسكرية مزاعم الإساءة الجنسية، وأشار بيان صحفي حكومي إلى أن الجندي قام فقط ” بضرب ثلاثة من الأولاد الكبار ضربة خفيفة بغصن شجرة”. وقد شاهد خبير نفسي مستقل في المملكة المتحدة شريط فيديو لإفادات كل من بوبي، وجوي تشاندرا وجوي كومار حول الحادثة، ووجد أن شهاداتهم تبين “وقوع إساءة جنسية.”

وفي بعض الأحيان يجري القبض على بعض الشباب، ولا سيما الأولاد، من دون تهمة، للاشتباه في انتمائهم إلى الجماعات المسلحة أو تعاطفهم معها. ففي الجزائر، ورد أن آلاف المعتقلين، وبينهم أطفال، قدموا شكاوى من التعذيب وإساءة المعاملة منذ العام 1992، إلا أن منظمة العفو الدولية لا تعلم ما إذا كان قد أُجري أي تحقيق واف في أي من مزاعم التعذيب، أو اتخُذت أي تدابير وقائية، أو قُدم أي من أفراد قوات الأمن إلى العدالة بسبب تعذيبه المعتقلين. ففي 2 أغسطس/آب 1996، ورد أن حسن شريف، 17 سنة، وشقيقه حكيم، 18 سنة، اعتُقلا مدة 17 يوماً بمعزل عن العالم الخارجي في مفوضية شرطة باب الزوار في الجزائر، للاشتباه في أن لهما صلات بجماعة مسلحة. ويقال إنهما تعرضا للصعق بالصدمات الكهربائية “والشيفون” -- وهو أسلوب تعذيب شائع في الجزائر -- حيث تُصب كميات كبيرة من المياه القذرة الممزوجة بالمواد الكيماوية في حلق المعتقل، ويتم حشو قطعة قماش في فمه، مما يؤدي إلى شبه اختناق وانتفاخ شديد في البطن. وتعرض حسن لضربة عنيفة على وجهه بمسدس أدت إلى كسر أنفه، ويقال إن شقيقه حكيم يعاني من كسر في ساقه. وبحسب إفادتهما، تعرض كلاهما للتهديد والاغتصاب. ولم يُستجب لطلب محاميهما بإجراء فحوص طبية لهما بحلول أبريل (نيسان) 1997، مع أن الحكومة تدعي أن فحصاً طبياً أُجري في أكتوبر/تشرين الأول 1996 خلص إلى نتيجة مؤداها أنه لم يقع أي تعذيب. ولكن منظمة العفو الدولية لم تتلق أي نسخة من التقرير الطبي.

وفي سري لنكا، وردت أنباء عن ممارسة التعذيب من قبل الطرفين في سياق النـزاع المسلح الدائر بين قوات الأمن ونمور تحرير تاميل عيلام، الذين يقاتلون في سبيل إقامة دولة مستقلة في شمال البلاد وشرقها. ووردت أنباء مرعبة عن تعذيب أطفال التاميل الذين احتجزوا لإرغام أفراد عائلاتهم على تسليم أنفسهم، أو للاشتباه في انتمائهم إلى نمور تحرير تاميل عيلام.

وفي 10 يوليو (تموز) 1997، ورد أن 12 شرطياً قبضوا على فاليبورام سوغانثي، وهي فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، واقتادوها إلى مركز شرطة ويلاوات، حيث تعرضت للضرب المبرح وللتهديد بالاغتصاب إذا لم توقع إفادة حول تورطها مع نمور تحرير تاميل عيلام، فاضطرت إلى فعل ذلك. ثم نُقلت فيما بعد إلى مكتب التحقيقات الجنائية، حيث زُعم أنهم ضربوها على رأسها بعصا خشبية وهددوها بالقتل. وقد أُطلق سراحها في نهاية المطاف وخضعت للمعالجة الطبية في مركز كولومبو لإعادة تأهيل العائلة.

وقُبض على سيناراسا أنثوني مالا، وهي فتاة من جافينا، على أيدي جنود البحرية في يوليو (تموز) 1995، عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها. وبعد الإفراج عنها في يناير/كانون الثاني 1999، أخبرت منظمة العفو الدولية كيف احتُجزت وهي عارية واقتيدت إلى التحقيق من قبل رجال البحرية ثلاث مرات في اليوم خلال وجودها في معسكر كانكيسانثوراي. وقد عُلقت في وضع مقلوب وتعرضت للضرب على رجليها والحرق بالسجائر والصعق بالصدمات الكهربائية والحرق بقضبان معدنية. وبعد أكثر من شهر، نُقلت إلى دائرة التحقيقات الجنائية في كولومبيا، حيث جُرحت في رقبتها من الخلف، وضُربت في فمها وعلى رجليها بقطعة من الخشب، وأُرغمت على توقيع سبع إفادات. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1997، قام موظف طبي قضائي في كولومبو بفحص سيناراسا أنثوني مالا، ووجد أدلة على إصابتها بما لا يقل عن 46 جرحاً في جسمها؛ وفي تقريره المقدم إلى المحكمة العليا، قال الموظف الطبي القضائي إن الندوب على جسدها كانت متسقة مع الجروح التي أُصيبت بها في العام 1995. وبعد إطلاق سراحها بأربعة أشهر، أُعيد القبض على أنثوني مالا في أبريل (نيسان) 1999 بتهمة أخرى وهي”الوجود غير القانوني في منطقة محظورة”. وهي الآن محتجزة في سجن ويليكيد للنساء، بانتظار المحكمة.

ويستُهدف الأطفال أحياناً لكونهم صغاراً، ويتحول ضعفهم إلى ميزة على أيدي المهاجمين؛ إذ يمكن أن يتعرضوا للتعذيب بالنيابة عن غيرهم، لمعاقبة والديهم أو أفراد عائلاتهم ممن لم يُعتقلوا، أو لإرغام أفراد العائلة على الإدلاء باعترافات أو على تسليم أنفسهم أو رفاقهم. فوفقاً لما قاله المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، تم تعليق الرضيع محمد أردينسياه، وعمره لا يتجاوز سبعة أشهر، من رجليه وتُرك معلقاً تحت الشمس، حسبما ورد، لعدة ساعات في آتشيه بإندونيسا في فبراير (شباط) 1998. وورد أن قوات الأمن الإندونيسية أرادت من أمه أن تخبرهم بمكان وجود زوجها، المتهم بالقيام بأنشطة تدعو للانفصال عن إندونيسيا. وفيما بعد أُطلق سراح الأم وطفلها.

وفي بعض الحالات يكون الجناة من القوات شبه العسكرية المرتبطة بجنود الحكومة. ففي كولومبيا، قامت مجموعة من الرجال المدججين بالسلاح، عرَّفوا بأنفسهم على أنهم مجموعات شبه عسكرية من أبريغو وأوكازا بحسب ما زُعم، باقتياد إلينا موراليس سوتو، وعمرها 16 سنة، من منـزلها في يوليو (تموز) 1997. وعلى مقربة من منـزلها، شرعوا بضربها وتهديدها بأنهم سيحزّون رقبتها إذا لم تكشف عن مكان وجود زوجها، هوغو أومازا ووالدها لويس موراليس بيريز. وزُعم أن الفتاة تعرفت على أحد المعتدين عليها في ثكنة عسكرية تابعة لكتيبة سانتاندر في 23 يوليو (تموز). وزُعم أن آخرين من أفراد عائلتها، بينهم تسعة أطفال، تعرضوا للتعذيب الجسدي والنفسي في منـزلهم على أيدي أفراد القوات شبه العسكرية، الذين أخبروا العائلة، قبل انسحابهم، بأنهم سيعودون ويقتلونهم جميعاً، حتى أصغر طفل، إذا وجدوا لويس موراليس بيريز أو هوغو أومازا هناك.

ويمكن أن يتعرض الأطفال للتعذيب أو سوء المعاملة كنوع من التهديد أو العقاب الموجه إلى والديهم، ممن يحتمل أن يكونوا نشطاء سياسيين أو زعماء للمجتمع المحلي. ففي غواتيمالا، ورد أن موظفاً عمومياً اغتصب فتاة في الثانية عشرة من عمرها، وهي إبنة نيكولاس بيكول كاليل، الذي يعمل باسم منظمة غير حكومية محلية لحقوق الإنسان. وبحسب الشكوى التي قدمتها عائلتها ضد الموظف، فإن الأخير قام باغتصاب آنا ماريا بيكول غواركاس مرتين منفصلتين في ديسمبر/كانون الأول 1999. وقد أخبر آنا ماريا أنه سيقتلها مع عائلتها إذا قاومت الاغتصاب أو أبلغت السلطات بالأمر. والمتهم هو ضابط عسكري سابق ومساعد رئيس بلدية سان بيدرو يبوكابا في تشيمالتينانغو. وعلى الرغم من التهديدات بالقتل، فقد قدم نيكولاس بيكول كاليل شكوى ضد الموظف لدى مكتب المدعي العام الذي يتولى القضية الآن. وقد قُبض على الموظف في 28 أبريل (نيسان) 2000، ولكن أُطلق سراحه بعد أربعة أيام. وقال نيكولاس بيكول كاليل إن الموظف هدده مرات عديدة. ويبدو أن لاغتصاب آنا ماريا والتهديدات بالقتل الموجهة ضد نيكولاس كاليل صلة بعمله مع “مكتب المنسق الوطني لأرامل غواتيمالا”، وهي منظمة تحقق في المذابح التي ارتُكبت إبان حملة مكافحة التمرد الوحشية التي شنها الجيش في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينيات؛ ويهدف التحقيق إلى تقديم الجناة إلى العدالة، وضمان دفع تعويضات إلى عائلات الضحايا. وقد تعرض أفراد هذه المنظمة وعائلاتهم إلى عمليات ترهيب مستمرة من جانب السلطات المحلية. وتصاعدت عمليات الترهيب هذه منذ أن قدم نيكولاس بيكول شكواه ضد حادثة الاغتصاب.

وفي المملكة العربية السعودية، قُبض على صبي في الحادية عشرة من عمره وتعرض للضرب في مايو (أيار) 1999 على أيدي “المطوعين” الذين كانوا يحاولون القبض على والديه. ثم اقتيد الصبي، وهو من مواطني إحدى الدول العربية، ووُضع في أحد بيوت اليتامى مدة يومين من دون أن يعرف شيئاً عن مكان وجود والديه. وقال الصبي لمنظمة العفو الدولية: “لم أكن أعرف مكان والديّ، وكنت خائفاً لأنني لم أكن أعرف إلى متى سأبقى هناك . . . لقد رأيت معلماً يضرب الأطفال بالعصي، وكانوا يصرخون، ورايت المعلم يثني أصابع الأطفال إلى الخلف، وكانوا يصرخون . . .”. وقد قُبض على والديه في وقت لاحق.

النشاط الشبابي

وفي البلدان التي تسودها الاضطرابات السياسية أو الغارقة في النـزاعات الداخلية المسلحة، يمكن أن يقف الطلاب والشباب في الجبهة الأمامية للنضال من أجل الديموقراطية وتقرير المصير أو التغيير الاجتماعي. ويمكن للحكومات التي ترى في النشاط السياسي تهديداً لأمن الدولة أن تستخدم التعذيب كوسيلة لقمع المعارضة. فيمكن، مثلاً، أن تقوم باعتقال وتعذيب النشطاء الشباب المشاركين في الاحتجاجات والمظاهرات في محاولة لترهيبهم وثنيهم، هم وغيرهم، عن المشاركة في المزيد من النشاطات السياسية. أما الأطفال والبالغون الذين يتم القبض عليهم بسبب جرائم سياسية- وخاصة عندما يشتبه في انتمائهم إلى الجماعات المسلحة -- فكثيراً ما يتم احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي، وهو ما يزيد إلى حد كبير من احتمال تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة. وغالباً ما يقع التعذيب خلال الساعات أو الأيام الأولى للاعتقال. وإذا قضى الطفل ساعات الضعف هذه في معتقل سري، معزولاً عن العالم الخارجي، ومحروماً من دعم عائلته ومشورة محاميه، وتحت رحمة معتقليه، فإن تأثير ذلك كله لن يكون إلا الإحساس بالرعب والعجز.

قبض الجيش الإسرائيلي على مئات الأطفال الفلسطينيين بسبب جرائم من قبيل الانتماء إلى منظمات غير شرعية، وإلقاء الحجارة. وكثيراً ما يُعتقل هؤلاء الأطفال بمعزل عن العالم الخارجي، ويُحتجزون عدة أيام قبل تقديمهم إلى المحاكمة. ويتعرض بعضهم للضرب والحرمان من النوم والطعام والشراب كما يتعرضون للتهديد والإذلال. وأُدين بعضهم استناداً إلى اعترافات انتُزعت منهم تحت التعذيب. ففي العام 1999، وثّق الفرع الفلسطيني لمنظمة الدفاع عن الأطفال الدولية 83 حالة لأطفال فلسطينيين تعرضوا للضرب أو إطلاق النار من قبل أفراد قوات الأمن الإسرائيلية. وفي أغسطس/آب 1999، خفّضت الإدارة العسكرية السن الدنيا للأطفال الفلسطينيين الذين يجوز تقديمهم للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية وحبسهم من 14 سنة إلى 12 سنة. ورفعت المحاكم مدة الحكم على الأطفال الذين توجه لهم تهمة إلقاء الحجارة من السجن أربعة أسابيع إلى السجن أربعة أشهر.

وما زالت سعاد حلمي غزال، وهي تلميذة فلسطينية من قرية سبسطية، معتقلة من دون محاكمة منذ القبض عليها في ديسمبر/كانون الأول 1998 عندما كانت في الخامسة عشرة. وكانت قد احتُجزت بعد أن ادعت امرأة من مستوطنة شافيه شمرون أن “سعاد” حاولت طعنها. وتقول سعاد إن جمهوراً من المستوطنين والجنود الإسرائيليين قاموا، عند اعتقالها، بخلع غطاء رأسها وركلها مرات عدة وضربها بأعقاب البنادق. واستمر الاعتداء نحو 15 دقيقة. وورد أن الجنود اقتادوها إلى مكتب عسكري، وكانت يداها موثقتين بشدة إلى درجة أنهما كانتا تنـزفان. ثم نُقلت إلى سجن نيفي تيرزا داخل إسرائيل، حيث احتُجزت بمعزل عن العالم الخارجي مدة أربعة أسابيع، قضت ردحاً كبيراً منها في الحبس الانفرادي في زنزانة صغيرة. ولم يُسمح لعائلتها بزيارتها إلا بعد مناشدات عديدة من الهلال الأحمر الفلسطيني. ومنذ أغسطس/آب 2000، ظلت محتجزة في السجن مع سجناء بالغين. وقد تدهورت حالتها الصحية في الحجز نتيجة للضرب؛ فهي تعاني من صداع وألم في المفاصل واليدين والصدر. وتقول إنها لم تتلق رعاية طبية كافية لمعالجة الجراح التي أُصيبت بها عند القبض عليها. وأصدر طبيب، قام بفحصها في فبراير (شباط) 2000، تقريراً طبياً ذكر فيه أنها غير مؤهلة للمثول أمام المحكمة، وأنها بحاجة إلى علاج نفسي، وأضاف أن استمرار اعتقالها من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم حالتها. وعلى الرغم من هذه التوصيات، ومن الخوف والارتباك اللذين تعاني منهما بسبب عدم تأكدها من مستقبلها، فإنها لم تكن قد حصلت على موعد محدد بحلول أغسطس/آب 2000، ولم تمثل أمام قاض منذ يوليو (تموز) 1999.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1997، قُبض على الطالب علي مصطفى طبة على أيدي قوات الأمن الإسرائيلية في جنوب لبنان. وكان قد قُبض على والده، مصطفى جواد طبة في قريتهم أرنون داخل “المنطقة الأمنية” التي أعلنتها إسرائيل في جنوب لبنان. واقتيد علي طبة إلى معتقل الخيام، حيث احتُجز من دون تهمة أو محاكمة مدة تزيد على سنتين. وكان مئات المدنيين اللبنانيين، بينهم العديد من النساء والأطفال، محتجزين في سجن الخيام مدة أشهر أو سنوات من دون تهمة أو محاكمة. وكانت الظروف في سجن الخيام، الذي أُغلق عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان في مايو (أيار) 2000، ظروفاً قاسية، وكان التعذيب وسوء المعاملة شائعين. ووجد الصحفيون الذين دخلوا السجن بعد الانسحاب الإسرائيلي عموداً يُستخدم للجلد، وأقطاباً كهريائية وأسواطاً مجدولة من الأسلاك وأقنعة وأصفاداً.
واحتُجز علي طبة مدة تسعة أشهر من دون السماح لعائلته أو للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارته. وتمكنت والدته زينب ناصر من رؤيته ثلاث مرات بينما كانت هي الأخرى محتجزة في سجن الخيام في أواخر العام 1997، و أخبرها بأنهم أرغموه على الجلوس في خزان ماء موصول بأداة كهربائية، وأنه تعرض للضرب على رأسه. وبعد إطلاق سراحه في نوفمبر/تشرين الثاني 1999، وصف أشكال التعذيب الأخرى التي تعرض لها على النحو الآتي: “هددوني بالقتل وباعتقال والدتي وشقيقتي، وضربوني بالسوط على قدميَّ وعلى جميع أنحاء جسمي. ونتيجة لصب الماء البارد على جسمي، أُصبت برشح حاد، وأعاني الآن من سرعة خفقان القلب ومن مشاكل في الأمعاء الغليظة. وقد أُجريت لي عملية جراحية في قدمي بسبب الجلد، ووجد الأطباء خيوطاً وقطعاً معدنية سببها الأخطاء في العمليات الجراحية التي أُجريت لي في المعتقل.

واعتُقل آخرون وعُذبوا بسبب تعبيرهم السلمي عن معتقداتهم السياسية. ففي التبت، قُبض على راهب في السادسة عشرة من عمره، وتعرض للضرب بعد قيامه، مع راهب آخر، باحتجاج قصير في مارس/آذار 1999. وسار كل من فونتسوغ ليغمون، وعمره 16 سنة، ونامدرول، وعمره 21 سنة، في الشارع المحيط بمعبد لهاسا الرئيسي، ورفعا قبضتيهما في الهواء وهتفا بشعارات، منها “الحرية للتبت”، “والتبت ليست جزءاً من الصين”. وتقول بعض التقارير إنهما كانا في البداية يحملان العلم التبتي المحظور. واعتقلهما أفراد من الشرطة بالزي الرسمي في غضون دقائق. وورد أنهم ضربوهم بالقبضات والعصي. وفي المعتقل تعرضا للضرب المبرح على أيدي شرطة الأمن، بحسب أحد المصادر: “لقد سُحق فم نامدرول بصورة فظيعة، وبدت أسنانه المكسورة مخيفة المنظر إلى حد أن بعض المتفرجين لم يستطيعوا حتى النظر إليه”. وفي يونيو/حزيران 1999، حُكم على فونتسوغ ليغمون بالسجن ثلاث سنوات، بينما حُكم على نامدرول بالسجن أربع سنوات. ووثّق المقرر الخاص المعني بالتعذيب عدداً من الحالات التي تعرض فيها الطلبة التبتيين للاعتقال والضرب لقيامهم بأنشطة سلمية، بما في ذلك ترديد عبارة أن التبت ليست جزءاً من الصين، أو بسبب طلبهم زيادة عدد المعلمين التبتيين في مدارسهم.

التعذيب على يد الشرطة

كانت في يده زردية. وظل يسأل عن الهاتف النقال.  أخبرته أنني لم أره. ثم طلب مني أن أمد إبهامي. وأمسك بإبهامي ووضعه بين فكي الزردية وراح يضغط بشدة حتى سحق إبهامي. ولا أذكر ما حدث بعد ذلك“.

- طفل من بنغلاديش في التاسعة من العمر يصف معاملة أحد رجال الشرطة له.

على الرغم من جميع أشكال أعمال الترويع الظاهرة إبان النـزاعات المسلحة، فإن أكثر من يتعرض لمخاطر التعذيب وسوء المعاملة على يد الدولة هم الأطفال الذي يشتبه بقيامهم بنشاط إجرامي، أو يعتقلون على أساس هذه الحجة. ورجال الشرطة مسؤولون عن معظم حالات التعذيب التي تم تسجيلها، أما أكثر أشكال تعذيب الأطفال شيوعاً،  وتزايداً من حيث العدد،  فربما يتمثل في ضرب من يشتبه في ارتكابهم أفعالا جنائية، والمهمشين اجتماعياً، في حجز الشرطة. ويمكن أن يكون الضرب مبرحاً، وحتى مميتاً.  إذ تستخدم الشرطة القبضات والعصي وأرجل الكراسي وأعقاب البنادق والسياط والأنابيب الحديدية والأسلاك الكهربائية المجدولة. ويعاني الأطفال نتيجة للضرب من الكدمات والارتجاج والنـزف الداخلي وتكسير العظام والأسنان وتمزيق الأحشاء.كما يتعرض المعتقلون من الأطفال لدى الشرطة للاعتداءات الجنسية، ويحرقون بالسجائر أو يصعقون بالكهرباء، ويعرّضون لأقصى درجات الحرارة والبرودة، ويحرمون من الطعام والشراب والنوم، أو يجبرون على الوقوف أو الجلوس أو يعلقون في أوضاع غير مريحة لفترات طويلة. ومع ذلك، فنادراً ما تتبع ممارسة التعذيب أو إساءة المعاملة الموجهة إلى الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين التحقيق الشامل، وقلما تقضي محاكمة من يهتمون من أفراد الشرطة إلى إدانتهم .

الأطفال المعتقلون

كثيراً ما يمارس التعذيب عند إلقاء الشرطة القبض على ضحيتها : ربما تبدأ إساءة المعاملة في الشارع أو في مركبة الشرطة أو أثناء التحقيق في زنازين الشرطة. وكثيراً ما يتم احتجاز الأطفال دون إبلاغ أهاليهم بأماكن وجودهم. ولهذا أهميته لأن حرمان الأطفال من الاتصال بأقاربهم أو من الاتصال بمحامي أثناء اعتقالهم يزيد بصورة  هائلة من خطر تعرضهم للإساءات البدنية.

ففي بنغلاديش، أبقت الشرطة على فيروز، وهو صبي في التاسعة عشرة، قيد الاعتقال دون إعطائه فرصة للاتصال بأهله، وقامت بتعذيبه عن طريق تقييده بحبل وتعليقه من قضيب معدني في السقف، وسحق إبهامه بزرديه. واحتاج فيروز، الذي أصبح اليوم في العاشرة، إلى عدة أشهر ليبرأ من إصاباته البدنية، ومازال حتى الآن يتلقى العلاج النفسي.

يميل رجال الشرطة، ممن لا يحصلون على تدريب مناسب أو موارد كافية، إلى استخدام التعذيب كأسلوب للتحقيق. وفي بعض البلدان، يشجع ارتفاع معدلات الجريمة الشرطة على استخدام أساليب قسرية. والغرض من ذلك، في بعض الحالات، هو انتزاع المعلومات، أو الحصول على “اعتراف”، صادقاً كان أم كاذباً. وفي حالات أخرى، يكون العقاب والإذلال هما الهدف الرئيسي، على ما يبدو.

في المغرب، تراجعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة معدلات التعذيب وسوء المعاملة، اللذين مورسا على نطاق واسع حتى بداية التسعينيات. بيد أن التقارير مازالت تتوالى بشأن استخدامهما لانتزاع الاعترافات أو المعلومات، أو لمعاقبة الضحايا أو ترهيبهم. وفي هذا السياق، ذكر حميد منتصر، وهو طالب في السادسة عشرة من عمره، أنه عصبت عيناه وضرب على باطن قدميه بصورة متكررة وهدد بتعريضه لصدمات كهربائية من قبل رجال الشرطة. واحتجز  بمعزل عن العالم الخارجي مدة ثلاثة أيام في يونيو/حزيران 1998 إثر الاشتباه بأنه قد قام بقتل زميله في المدرسة، مصطفى منصور، بدفعه من إحدى البنايات.

وجرى التحقيق مع حميد في مركز الشرطة في أزيمور، قرب الجديدة. وروي لمنظمة العفو الدولية ما حدث قائلا: “أبلغتهم بأننا كنا ندرس سوية، ثم افترقنا. غير أن الشرطة لم تصدقني. واتهموني بأنني لا أقول الحقيقة. وبعد ذاك عصبوا عيني بقطعة قماش أسود. وأجبروني على الجلوس على الأرض. وخلعوا نعلي، ورفعوا ساقيّ، وضربوني على قدمي العاريتين .وفي وقت لاحق، لاحظت أنهم قد استخدموا خرطوم ماء أسود اللون لضربي. وأبلغوني بأن علي أن اعترف بأنني قد دفعت صديقي من البناية. وقاموا بضربي عدة مرات. وهددوني بالصدمات الكهربائية”.

وتدعي الشرطة أن حميد اعترف في اليوم الثالث من التحقيق، ووقع على شهادته ببصمة إبهامه. وعندما عرض علي قاضي التحقيق، لاحظ أنه يجد صعوبة في الوقوف على قدميه، وأمر بإجراء فحص طبي له. ولم ينفذ ذلك إلا بعد أسبوعين من قرار القاضي، فلم يكن ثمة دليل على وقوع التعذيب. بيد أن فحصاً طبياً آخر تم بناء على طلب محامي حميد في اليوم التالي لجلسة الاستماع أشار إلى وجود كدمات وانتفاخ في القدمين، وإلى أنه كان يعاني من صعوبة في المشي. ولم يعرف عن إجراء تحقيق عام في الحادثة على الرغم من أن عائلة حميد تقدمت بشكوى تتهم فيها رجال الشرطة بممارسة التعذيب، ومازال هؤلاء على رأس عملهم.

في الصين، يشكل تعذيب المشتبه فيهم جنائياً والمعارضين السياسيين،  على حد سواء، حالة مزمنة. ويمارس التعذيب في مراكز الشرطة ومراكز الاعتقال والسجون ومعسكرات “إعادة التعليم عن طريق العمل” ومراكز إعادة التوطين. وفي السنوات الأخيرة، لجأ المسؤولون إلى التعذيب حتى أثناء تحصيل الغرامات والضرائب، كما استخدمه الموظفون الفاسدون من أجل الابتزاز وانتزاع الممتلكات . وقد عذب العديد من الأشخاص حتى الموت. وليس ثمة من هو بمأمن من  التعذيب، حتى صغار الأطفال.

فقد أوردت صحيفة اليومية القانونية الصينية تقريراً تقول فيه إن جينغجينغ، وهو طفل في الثامنة من العمر، قد تعرض للضرب المبرح أثناء اعتقاله بمعزل عن العالم الخارجي بصورة غير قانونية لمدة 22 في إقليم هيبي، بمقاطعة كوينغ لونغ. ففي الأول من يونيو/حزيران 1995، تلقت الشرطة في مكتب الأمن العام تقريراً بأنه من المحتمل أن يكون الصبي قد سرق بعض النقود، وأجبر أحد رجال الشرطة أم الصبي على إحضاره إلى مكتب الأمن العام في وقت لاحق من ذلك اليوم.

وأخضع الصبي للتحقيق طيلة الليل، ولم يسمح للأم بحضور التحقيق. وورد أنه تعرض للضرب، ووضع إبهاماه في القيود، وهدد بإرساله إلى دار الاعتقال. وبحلول صباح اليوم التالي، كان قد أجبر على ” الاعتراف” بسرقة النقود. وبعد تحصيل مبلغ مساو من أمه، أفرج عنه بالكفالة بانتظار محاكمته، وكان يشعر بالدوار ويتقيأ ولا يحس بما يدور حوله  . . . وكلها أعراض تدل على وجود إصابات في الرأس. وتبين لمستشفى محلي أن هناك أثاراً للكدمات والرضوض في الجانب الأيسر من جسمه. وأورد مستشفى آخر في وقت لاحق أن “المصاب يعاني من مشكلات عصبية وعقلية، ويحتاج إلى مزيد من العلاج”.

وبعد أسبوعين، ذهبت أم الصبي إلى مفوضية الشعب وتقدمت باتهام ضد الشرطة. وردت الشرطة إليها النقود بعد أربعة أشهر قائلة إنها لم تجد دليلاً يثبت التهمة على ابنها. وبعد أكثر من عامين، وفي سبتمبر/أيلول 1997، عرضت القضية المرفوعة ضد الشرطي على محكمة مقاطعة كوينغ لونغ، التي أعلنت أن الشرطي قد ارتكب جرم انتزاع اعتراف عن طريق التعذيب، ولكنه أعفي من العقوبة الجزائية. ولفتت القضية أنظار المختصين القانونيين في الجامعة السياسية والقانونية الصينية، التي أعلنت أن إعفاء الشرطي من العقوبة لا أساس له من الناحية القانونية،  أو بموجب حيثيات القضية. ولم يعرف ما إذا كان قد أعيد فتح القضية ومعاقبة الشرطي. وعلى الرغم من أن قلة من مرتكبي التعذيب قد تلقوا أحكاماً قاسية بالسجن في السنوات الأخيرة، إلا أن الإفلات من العقاب يظل السمة الغالبة حتى الآن. فقد مرد الموظفون الرسميون على  ترهيب الشهود، واعتراض سير التحقيق، واستغلال الفجوات في القانون، ومكامن الغموض فيه. وحتى عندما يجري التحقيق في قضية ما، فإن العقوبة غالباً ما تكون مخففة.

الاغتصاب والإساءة الجنسية

يتعرض الأطفال المحتجزون، البنات منهم والأولاد على حد سواء، لمخاطر الاغتصاب والإساءة الجنسية. ويمكن حتى للتهديد بالاغتصاب الذي يتكرر ليلة إثر ليلة أحياناً -أثناء وجود الطفل وحيداً في زنزانة مظلمة- أن يلحق بالطفل آلاماً نفسية مبرحة تصل إلى درجة التعذيب.

ويمكن أن يستخدم الاغتصاب أو الإساءة الجنسية، مثله مثل ضروب التعذيب الأخرى، لترهيب الضحية أو إذلاله، عن طريق استعراض مرتكب التعذيب قوته المطلقة أمام الضحية. إن الاغتصاب في الحجز ليس فعلاً من أفعال العنف الخاص، وإنما ضرب من ضروب التعذيب تتحمل مسؤوليتة الدولة.

إن للاغتصاب آثاره المدمرة. فربما تعتبر الفتيات اللاتي يغتصبن غير صالحات للزواج،  مما يمكن أن يعني أن قضاءهن حياتهن كلها وهن منبوذات من مجتمعهن ومحرومات من الأمن الاقتصادي. ويمكن أن يوصم الأولاد بالميوعة وبأنهم تنقصهم الرجولة، الأمر الذي يحتمل أن يلحق الضرر بوضعهم في مجتمعهم بصورة دائمة. ويتعرض الطرفان، كلاهما، لخطر العدوى بالأمراض التي تنتقل بالممارسة الجنسية، بما في ذلك الإصابة بفيروس مرض عوز المناعة المكتسبة، أو الوقوع في المرض نفسه. ويمكن أن يؤدي الاغتصاب في الحجز بالنسبة للفتيات إلى الحمل. ويحاول العديد من الأطفال إخفاء حقيقة أنهم قد تعرضوا للاغتصاب، بينما يشعر آخرون بالخجل الشديد والشعور بالحرج، بحيث يمتنعون عن التحدث عن هذا الأمر، فتبقى العديد من الحالات، وربما معظم الحالات، طي الكتمان ودون أن يذكرها أحد، ودون عقاب. وحتى عندما يبدي الأطفال رغبة في تقديم شكوى، ويحصلون على المشورة القانونية والمساعدة اللازمتين، فإنهم يمكن أن يتعرضوا للترهيب أو الضغط حتى لا يدلوا بشهاداتهم. وربما يجد الأطفال صعوبة في التمسك بمزاعمهم، وخاصة عندما يكون هناك شاهدان فقط، هما الضحية والمعتدي، كما هو الحال في العديد من حالات الاغتصاب. وفوق ذلك، فإن من يوكل بهم التحقيق في الشكوى كثيراً ما يكونون من زملاء مرتكب الإساءة المزعوم، بما يعنيه ذلك من تأخير في إجراء الفحوص الطبية أو عدم إجرائها على الإطلاق، الأمر الذي كثيراً ما يؤدي إلى ضياع أدلة قاطعة تسند رواية الضحية.

وردت شهادات من صبية وبنات في تركيا لا تزيد أعمارهم عن 14 عاماً بشأن تعرضهم للتعذيب الجنسي، يصفون فيها كيف كانت تتم تعريتهم، والاعتداء عليهم جنسياً، وتهديدهم بالاغتصاب. وفي حالات عديدة جرى تدعيم شهادات الاغتصاب بالأدلة الطبية. ويعتبر التعذيب في حجز الشرطة في تركيا من الأمور المعتادة، ووردت أنباء عن تعرض أطفال لا تزيد أعمارهم عن 12 عاماً للصدمات الكهربائية، ولتسليط تيار من الماء البارد على أجسادهم، وكذلك للضرب.

ففي مطلع مارس/آذار 1999، ألقي القبض على ن.ش.س، وهي فتاة كردية في السادسة عشرة من عمرها68، وصديقتها فاطمة دينييز بلوتا، البالغة من العمر 19 عاماً، في أيام مختلفة، وجرى اعتقالهما في المركز الرئيسي للشرطة في الإسكندرون بتركيا، لفترة سبعة وخمسة أيام، على التوالي. وقالت كلتا الفتاتان إنهما عذبتا وأجبرتا على تقديم اعترافات كاذبة أثناء وجودهما في حجز الشرطة.

وبحسب شهادتيهما، فقد تضمن التعذيب تعرضهما للاغتصاب ولأشكال أخرى من الاعتداء الجنسي. وظلت الفتاتان معصوبتي العينين طيلة فترة اعتقالهما. وفي اليومين الأولين، أجبرت ن.ش.س على البقاء واقفة بصورة مستمرة، ومنعت من النوم ومن استخدام المرحاض، وحرمت من الطعام والشراب باستثناء الحليب الفاسد. وكانت تجبر على التعري والبقاء بلا ملابس في غرفة باردة. وأثناء التحقيق،كانت تتعرض للضرب-حيث كانت الضربات توجه بصورة خاصة إلى رأسها وأعضائها التناسلية وردفيها وثدييها- كما كانت تجبر على الجلوس فوق الأرض المبللة لفترات طويلة قبل إجبارها على التقلب فوق الماء. وفي مناسبات أخرى، كانت تعلق من ذراعيها وتعرض لتيار من الماء البارد المضغوط من خرطوم للمياه. ووجهت إليها تهديدات بالقتل وباغتصاب والدتها. وعانت فاطمة من المعاملة نفسها، إضافة إلى اغتصابها بإدخال أداة مثلمة في شرجها.

أثناء وجودهما في حجز الشرطة، عرضت الفتاتان للفحص على أيدي أطباء معينين من قبل الدولة، بينهم أطباء مختصين بالأمراض النسائية، أجروا لهما فحوصاً إجبارية للعذرية. والمعروف عن “فحوص العذرية” أنها تترك آثاراً مؤلمة، ولا تعطي نتائج قاطعة، وتعتقد منظمة العفو الدولية أن إخضاع المعتقلات بالقوة لمثل هذه التدابير هو شكل فظيع من أشكال العنف الجنسي يمثل ضرباً من ضروب التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وأعيدت الشابتان إلى السجن في 12 مارس/آذار؛ وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1999 صدر بحقهما حكمان بالسجن لفترات طويلة إثر إدانتهما بتهمة الانتماء إلى عضوية “حزب العمال الكردستاني”، وهو جماعة معارضة مسلحة، والمشاركة في مظاهرة عنيفة نظمت احتجاجاً على إلقاء القبض على زعيم الحزب، عبد الله أوجلان. وتصر الفتاتان على أن إدانتهما قد تمت على أساس اعترافات انتزعت منهما تحت وطأة التعذيب.

وإثر موجة من الاحتجاج العام والحملات العالمية، قدم أربعة من رجال الشرطة للمحاكمة بتهمة ممارسة التعذيب. وتعرفت ن.ش.س وفاطمة دينيز بولاتا أثناء الجلسة الأولى للمحاكمة في أبريل/نيسان 2000  على ثلاثة ممن عذبوهما من رجال الشرطة. وقررت المحكمة أنه ينبغي فحص الفتاتين في المركز النفسي الاجتماعي للمصابين بالصدمات في إسطنبول، لمعرفة إذا ما كانتا قد تعرضتا للإساءة الجنسية وإساءة المعاملة، ولكنهما لم تنقلا إلى إسطنبول حتى بداية يونيو/حزيران، ولم تعرضا على المركز إلا في منتصف يوليو/تموز.

وحتى أغسطس/آب 2000، لم يكن التقرير الطبي قد صدر بعد عن المركز، ولم تستأنف محاكمة رجال الشرطة الأربعة. وكانت محكمة الاستئناف قد أقرت الحكمين الصادرين بحق ن.ش.س وفاطمة دينيز بولاتا بالسجن لفترة طويلة في 29 يونيو/حزيران دون انتظار نتيجة محاكمة رجال الشرطة.

إن مناخ الرعب الشائع وترهيب الشهود، إضافة إلى تردد المدعين العامين في التحقيق في أفعال رجال قوات الأمن، يشكل إحدى الركائز التي تسهم في حالة الإفلات من العقاب في تركيا. وحتى في الحالات التي تجري خلالها متابعة السلطات للشكاوى الموجهة ضد الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، ويقدم فيها رجال الشرطة إلى المحاكمة، فان نسبة من تتم إدانتهم من هؤلاء في المحصلة لا تكاد تذكر. فبحسب الأرقام الرسمية الصادرة مؤخراً، لم ينجم عن عمليات التحقيق في حالات 577 مسؤول أمني متهمين بممارسة التعذيب بين عامي 1995و1999 سوى 10 أحكام بالإدانة. وكثيراً ما تكون الأحكام الصادرة بحق موظفي الأمن، إذا ما جرت إدانتهم، مخففة إلى أبعد حد ممكن.

الأطفال والتعذيب-حقوق الطفل

إن فكرة الحقوق الخاصة بالطفل مستمدة من الاعتراف العالمي بأن الأطفال، بسبب عدم نضجهم الجسدي والعاطفي، يعتمدون، لضمان رفاههم، على عائلتهم ومجتمعهم وعلى بنى السلطة السياسية والاقتصادية التي يقيمها الكبار. وثمة سلسلة من الصكوك الدولية التي تنظِّم قضية الحماية والحقوق التي يتمتع بها الأطفال، وهي: الحق في الحماية من جميع أشكال العنف الجسدي أو العقلي؛ ومن آثار النـزاعات المسلحة؛ ومن الاستغلال الجنسي وغيره من أشكال الاستغلال. وتتضمن الحقوق الخاصة للأطفال: الحق في التعليم؛ واللعب؛ والراحة ووقت الفراغ؛ والحماية من العمل الخطير أو المؤذي، بما في ذلك الخدمة العسكرية؛ والحق في عدم التعرض للحجز أو السجن إلا في ظروف استثنائية، أو كملجأ أخير ولأقصر مدة ممكنة.

وللأطفال الحق في الحصول على حماية الكبار، ولكنهم ليسوا ملكية لهم: إذ أن لهم الحق في اتخاذ قراراتهم بأنفسهم وفقاً لسنهم ودرجة نضجهم. ولهم الحق في أن يتم الاستماع إلى آرائهم، وأن تُولى هذه الآراء المتعلقة بالمسائل التي تمسهم الاعتبار الواجب، وذلك “وفقاً لسن الطفل و نضجه”. ويعتمد الأطفال الصغار جداً على الآخرين للتعبير عن آرائهم وحماية مصالحهم الفضلى؛ وعندما يكبرون، يصبحون أكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم والمشاركة في اتخاذ القرارات. ويتمثل أحد المبادئ الأساسية لاتفاقية حقوق الطفل في أن “مصالح الطفل الفضلى” يجب أن تُولى الاعتبار الأول في جميع القرارات والإجراءات المتعلقة بالطفل.

التعريف القانوني للطفل

الطفل، وفقاً لمعظم المعايير القانونية الدولية، هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة. وقد حددت معظم بلدان العالم السن القانونية للرشد أو البلوغ بثمانية عشر عاماً. وتستخدم منظمة العفو الدولية هذا التعريف، شأنها شأن معظم المنظمات غير الحكومية وجماعات حقوق الأطفال. فالميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهه يعرِّف الطفل بأنه “كل إنسان دون الثامنة عشرة من عمره، بينما اتفاقية حقوق الطفل تُعتبر أقل تحديدً للسن؛ إذ ترى أن الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز 18 عاماً، إلا إذا بلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون الوطني المنطبق عليه. ويبدو أن هذا الاستثناء يمكن أن يُستخدم من قبل بعض الدول لتبرير رفض الحقوق الواردة في الاتفاقية للأطفال الذين لا ينطبق عليهم تعريف الطفل بموجب القانون الوطني، أي في الحالات التي تُحدد فيها دولة ما سن البلوغ بأنه دون الثامنة عشرة. إلا أن لجنة حقوق الطفل (انظر أعلاه) كانت متسقة في تطبيق هذه الفقرة، بحيث تعني أنه يجوز تحديد سن البلوغ بأقل من 18 عاماً، فقط بشرط ألا يعِّرض ذلك للخطر أياً من الحقوق التي تحميها اتفاقية الطفل.

ويظهر تعبير “الحدث” أيضاً في نصوص حقوق الإنسان، مع أنه ليس تعبيراً متعارضاً. فهو يشير، عادة، إلى أولئك الذين يمكن اتهامهم ومحاكمتهم بموجب القانون القضائي للأحداث. ووفقاً لقواعد بكين، ثمة طائفة واسعة من الأعمار تنضوي تحت تعريف “الحدث”، وتتراوح بين سبع سنوات و 18 سنة أو أكثر، بينما تنص قواعد الأمم المتحدة لحماية الأحداث المحرومين من حريتهم على أن “الحدث هو كل شخص دون سن الثامنة عشرة”، وتضيف أن السن التي لا يجوز دونها حرمان الطفل من حريته يجب أن يحددها القانون. وفي بعض البلدان يُشار إلى جميع المذنبين الأحداث أو الذين تأويهم مؤسسات المذنبين الشباب بأنهم “أحداث، حتى لو بلغ بعضهم 21 عاماً أو حتى 24 عاماً.

إن المفاهيم التي تساعد على تحديد الطفولة، مثل النضج وسن المسؤولية الجنائية، تعتمد إلى حد كبير على العوامل الاجتماعية والثقافية. وتختلف سن النضج، اختلافاً كبيراً من مجتمع إلى آخر. فاتفاقية حقوق الطفل غامضة، عن قصد، فيما يتعلق بسن المسؤولية الجنائية، والمبدأ المتعلق بإيلاء الاعتبار الواجب لآراء الطفل يأتي وفقاً لنضج الطفل وليس لسنه.

وفي بعض المجتمعات، تُعتبر الطفولة حالة يحددها وضع الطفل في المجتمع وليس سنه. فالأشخاص الذين لا يزالون تحت سلطة والديهم يُعتبرون أطفالاً، بصرف النظر عن سنهم، في حين أن أولئك الذين يقومون بأدوار البالغين ومسؤولياتهم، يُعطون حقوقاً وواجبات اجتماعية وفقاً لذلك. وفي كثير من أنحاء العالم، يضطلع حتى الأطفال الصغار بمسؤوليات اقتصادية مهمة: فهم مضطرون للعمل، إما لإعالة أنفسهم، أو كجزء من اقتصاد الأسرة، ولذا لا يتبقى لديهم كثير من الوقت للمدرسة أو اللعب. وأشار أحد النشطاء والمربين في جنوب أفريقيا إلى أن الفرد المجرد من معظم المسؤوليات والمعتمد على غيره اقتصادياً، والذي لا يشارك سياسياً، وغير الناضج عاطفياً ومعنوياً، والذي تؤمِّنه  العائلة وتمثله، لا ينطبق إلا على عدد قليل من الأطفال في العالم.

ومع ذلك، فإن أولئك الذين يضطرون لحمل الأعباء المالية والمسؤوليات العاطفية لسن البلوغ أكثر تعرضاً لمخاطر الانتهاكات، لأنه لا يُنظر إليهم كأطفال. وربما لا يدرك الكبار أن هؤلاء الأطفال ما زالوا غير ناضجين عاطفياً وجسدياً، وبالتالي بحاجة إلى الضمانات وأشكال الحماية الإضافية للمعايير القانونية ذات الصلة.

سن المسؤولية الجنائية

إن سن المسؤولية الجنائية، عادة، تختلف عن سن الرشد. ويُنظر إليها، بشكل عام، على أنها السن التي يُتوقع أن يعرف فيها الطفل الصحيح من الخطأ، وأن يفهم عواقب أفعاله، وأن يتمتع بنضج عاطفي وعقلي كافٍ لفهم جلسات الاستماع والمحاكمات وغيرها من إجراءات في إطار النظام القضائي للأحداث. إن منظمة العفو الدولية لا تتخذ موقفاً حيال سن المسؤولية الجنائية، وكذلك اتفاقية حقوق الطفل، مع أن قواعد بكين أوصت بألا يتم تحديد المسؤولية القانونية في سن متدنية للغاية، آخذين بعين الاعتبار حقائق النضج العاطفي والعقلي والذهني. إن سن المسؤولية القانونية تختلف من بلد إلى آخر، بل في داخل البلد نفسه؛ ففي بعض البلدان ترتبط سن الرشد وسن المسؤولية القانونية بالبلوغ، وهو كثيراً ما يكون مختلفاً لدى الأولاد عنه لدى البنات. ومع أن معظم الدول حددت سن المسؤولية الجنائية دون الثامنة عشرة، فإن الفرد يظل يُعتبر طفلاً، ويحق له التمتع بالحقوق المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل التي تنظم معاملة الطفل على أيدي السلطات المكلفة بتنفيذ القانون والسلطات القضائية. وفي بعض البلدان تتفاوت مستويات السن المحددة للحقوق والمسؤوليات المتصلة بسن البلوغ تفاوتاً كبيراً. ففي الولايات المتحدة، مثلاً، يُعتبر الأشخاص الذين يبلغون سن 18 مسؤولين إلى حد يؤهلهم للتصويت، ويُسمح للأشخاص الذين يبلغون 17 سنة الالتحاق بالجيش، ويجوز لمن يبلغون 16 سنة أن يتزوجوا، كما يجوز إصدار أحكام بالإعدام عليهم، ويجوز تشغيل من يبلغون 12 سنة في المزارع 14 ساعة في اليوم، بينما لا يجوز شراء الخمر أو الجعة لمن تقل أعمارهم عن 21 سنة.

ومن الواضح أنه ليس ثمة سناً معينة ينتقل عندها كل شخص من الطفولة إلى البلوغ، إلا أن سن الثامنة عشرة هي العلامة البارزة المعترف بها على أوسع نطاق. إنها السن التي يمكن اعتبار الأغلبية الكبيرة من الصغار، عندما يبلغونها، شباباً بالغين. وفي سن الثامنة عشرة يُنهي معظم الشباب دراستهم الثانوية، ويصبحون قادرين على إدراك الالتزامات الاجتماعية والمسؤوليات المطلوبة من العضو البالغ في المجتمع المدني، وفيها يكون معظمهم قد وصل إلى مستوى معين من النمو العاطفي والجسدي، ويكونون قادرين تماماً على اتخاذ القرارات بأنفسهم، وتنفيذها

الأطفال اللاجئون والمهجرون داخلياً

لقد أرغمت النـزاعات المسلحة ملايين الأطفال في شتى أنحاء العالم على الفرار من ديارهم بحثاً عن ملجأ. ويذهب هؤلاء الأطفال مع عائلاتهم أحياناً، ووحدهم أحياناً أخرى، وينفصل العديد منهم عن عائلاتهم في الطريق. ففي أفريقيا وحدها، أُرغم ما يزيد على 20 مليون شخص على الفرار من ديارهم، حصل حوالي خمسة ملايين منهم على اللجوء في دول مجاورة. أما الأكثرية، وتقدر بحوالي 16 مليون شخص، فهم مهجرون داخل بلدانهم. ويقع اللاجئون والمهجرون داخلياً تحت رحمة الذين يسيطرون على المنطقة التي يتواجدون فيها، وهم معرضون لإساءة المعاملة إلى أقصى حد. ففي السودان، حيث تشارك في الحرب الأهلية الدائرة منذ أمد بعيد القوات المسلحة الحكومية، والمليشيات المؤيدة للحكومة، وجماعات المعارضة المسلحة، ثمة 4,5 مليون مهجَّر داخل السودان، وتفككت الدولة إلى رُقع من المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة المتنافسة. فـ “ن. ج.”، فتاة في الحادية عشرة، تعيش مع عائلتها في مخيم للمهجرين داخلياً في ضواحي العاصمة الخرطوم. وفي مايو (أيار) 1999، التقطها أفراد الشرطة الذين ظنوا خطأً أنها طفلة متشردة، واقتادوها إلى مركز شرطة صوبا في الخرطوم، حيث جرَّدها شرطي من ملابسها عنوة، وهددها بالضرب إذا قاومت، ثم قام باغتصابها بحضور ثلاثة آخرين من أفراد الشرطة. وقد نُقلت فيما بعد إلى المستشفى، حيث وجد الأطباء أدلة طبية تتطابق مع أقوالها.

ووُجهت تهم إلى أربعة من أفراد الشرطة -- أحدهم اتُّهم بالاغتصاب، بينما اتُّهم الآخرون بالتواطؤ. إلا أن ضباط الشرطة الذين كانوا يحققون في الواقعة عمدوا إلى تأجيل المحاكمة، وأصروا على ضرورة إجراء مزيد من الفحوص الطبية للفتاة لتأكيد فعل الاغتصاب. بيد أن إجراء فحص طبي بعد وقوع الحادثة بوقت طويل لن يقدم أي أدلة إضافية، فضلاً عن أنه سيكون مصدر ألم عاطفي كبير للفتاة، التي يقال إنها تعاني من صدمة حادة. وورد أن الفتاة ومحامييها تعرضوا للمضايقة من قبل الشرطة في أواسط العام 2000، ويبدو أن التحقيق في قضيتها قد أوقف.

وفي الاتحاد الروسي، فرَّ ما يزيد على 200 ألف شيشاني إلى جمهورية إنغوشيا المجاورة، وهُجّر داخلياً أكثر من هذا العدد، وهم محصورون داخل الشيشان. وما فتئ المدنيون يفرون من مناطق النـزاع منذ سبتمبر (أيلول) 1999، عندما شنت روسيا هجوماً عسكرياً جديداً على الشيشان.

وما انفكت القوات الروسية تعتقل الأشخاص عند نقاط التفتيش وفي المناطق الخاضعة لسيطرتها، وذلك أثناء قيامها بالتحقق من الهوية في قوافل المدنيين الفارين إلى إنغوشيا، في كثير من الأحيان. ويقول شهود عيان إن أطفالاً في العاشرة من أعمارهم اعتُقلوا للاشتباه في أنهم ينتمون إلى الجماعات الشيشانية المسلحة. ويُرسل المعتقلون إلى مراكز “الفرز”، حيث يحتجزون من دون أن يُسمح لهم بالاتصال بأقاربهم أو محامييهم أو بالعالم الخارجي. ويؤكد الناجون في شهاداتهم أن الرجال والنساء والأطفال المحتجزين في تلك المراكز يتعرضون للتعذيب بصورة اعتيادية ومنظمة: فهم يتعرضون للضرب المتكرر بالمطارق والهراوات، وللتعذيب بالصدمات الكهربائية والغاز المسيل للدموع، وللاغتصاب.

وأخبر معتقلون سابقون في مراكز تشيرنوكوزوفو “للفرز” منظمة العفو الدولية أنهم شاهدوا في يناير/كانون الثاني 2000 فتاة في الرابعة عشرة من عمرها تتعرض للاغتصاب من قبل عدد من حراس السجن في الردهة خارج زنازنهم. وكانت الفتاة في زيارة إلى والدتها المعتقلة، حيث قيل لها إنه سيُسمح لها بلقائها مدة خمس دقائق مقابل 5000 روبل. وقد تحول لقاؤها القصير إلى محنة دامت أربعة أيام، حُبست خلالها في زنزانة وتعرضت للضرب والاغتصاب مراراً من قبل الحراس.

وتعرض “موسى”، الذي كان محتجزاً في مركز “الفرز” في تشيرنوكوزوفو في الفترة بين 16 يناير/كانون الثاني و 5 فبراير (شباط) 2000، للضرب المبرح والتعذيب مرات عديدة كل يوم خلال فترة اعتقاله، مما نتج عنه كسر في عموده الفقري، يمكن أن يسبب له شللاً دائماً. وقال إن صبياً في السادسة عشرة من عمره، ويدعى ألبرت، أُحضر إلى زنزانته بعد اغتصابه بالعصي وضربه ضرباً مبرحاً من قبل حراس السجن، وكانت إحدى أذنيه مقطوعة. وكان الحراس يخاطبونه باسم مؤنث، هو “ماريا”. وقال موسى إنه في وقت ما أثناء فترة اعتقاله التي بلغت 21 يوماً، شاركه الزنزانة صبي في السابعة عشرة من عمره، نُشرت أسنانه بمبرد معدني، ومُزقت شفتاه، مما أدى إلى فقدانه القدرة على الأكل والشرب والكلام. وقدَّر موسى عدد المعتقلين الذين كانوا يُجلبون يومياً إلى المركز بـ  10 -- 15 معتقلاً. وقال إنه رأى بين هؤلاء فتيات تتراوح أعمارهن بين 13 و 14 سنة.

وفي مارس/آذار 2000، أخبر شهود عيان منظمة العفو الدولية أن فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، من أوروس-مارتان أصلاً، لقيت حتفها في المعتقل في تشيرنوكوزوفو في بداية العام، نتيجة للتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك الاغتصاب المتكرر من قبل الحراس، بحسب ما زُعم

احتجاز الأطفال مع الكبار

ظل الأطفال المحتجزون في سجون الكبار مع نزلاء بالغين هدفاً للإساءة الجنسية والجسدية من قبل النـزلاء الكبار بصورة متكررة، وهم معرضون كذلك بصورة أكبر لخطر الإقدام على الانتحار. واعترافاً منها بذلك، نصت الصكوك الدولية صراحة على وجوب فصل الأطفال المحتجزين عن النـزلاء من الكبار. بيد أنه يجري حجز الأطفال مع الكبار بصورة روتينية في العديد من البلدان. ففي الولايات المتحدة الأميركية، على سبيل المثل، وجدت منظمة العفو الدولية في نهاية 1998 أن 40 ولاية كانت تحتجز ما لا يقل عن 3,700 طفل في سجون الكبار دون فصلهم عن البالغين.

إن الأطفال عرضة للإساءة الجنسية من قبل السجناء الكبار من الذكور، الذين يمكن أن يعرضوا حياتهم للخطر أحياناً. ففي ملاوي. على سبيل المثل، ورد أن بعض حراس السجن قد تلقوا الرشاوي لتهريب الصبيان إلى الأبنية التي تضم زنازين الكبار لغايات جنسية. علل ذلك أحد السجناء البالغين بالقول: “وافق هؤلاء الأحداث على ممارسة الجنس مع هؤلاء الرجال لأنهم لا يملكون ملابس أو بطانيات، ولأنهم كانوا جائعين”. ويضيف: “في أحد الأيام، راح هؤلاء الأطفال يبكون ورفضوا ممارسة الجنس، فانتزع الرجال البطانيات منهم، وبعد قضاء ليلة في البرد، عادوا وسمحوا للرجال بممارسة الجنس معهم ثانية. نحاول أن نفهم هؤلاء الأولاد بأنهم سيموتون بمرض عوز المناعة المكتسبة، ولكن ماذا يستطيع الأولاد أن يفعلوا ؟ ليس بأيديهم شيء..”

بينت دراسة بشأن الإصابات بفيروس عوز المناعة المكتسبة (الإيدز)، ومدى انتشار المرض نفسه، في سجون ملاوي، أجريت بناء على طلب من رئيس مفتشي السجون ونفذتها “هيئة الإصلاح الدولية”، أنه يجري تشغيل الأولاد الصغار في حلقات وطيدة الأركان للبغاء، أو إجبارهم على تقديم الخدمات الجنسية للنـزلاء الأكبر سناً. وورد أن بعض أفراد شرطة السجون يقومون بدور الوسطاء في ذلك، حيث يتولون تهريب الأولاد إلى عنابر الرجال مقابل مبالغ زهيدة تصل إلى 30 سنتاً من سنتات الولايات المتحدة لتحسين دخولهم الضئيلة. وفي اثنين من سجون ملاوي: هما سجنا ماولا وتشيتشيري، يذكر المساعدون الطبيون أن جميع المصابين بالبواسير الخارجية من النـزلاء، على وجه التقريب، هم دون الثامنة عشرة. والإصابات بفيروس الإيدز، وبالمرض نفسه، عديدة، وليس هناك من تدابير لوقف انتشار الفيروس أو لمعالجة المصابين بالمرض.

كان أكثر من 140 صبياً، أعمارهم بين 12 و 18 عاماً، لا يزالون محتجزين في سجن زومبا المركزي، أكبر سجون البلاد، حتى أغسطس/آب 2000. ومعظمهم كانوا ممن ينتظرون المحاكمة، بينما كان آخرون يقضون أحكاماً بالسجن، بعضهم بجرائم صغرى من قبيل سرقة الطعام. وتتسم أوضاع السجن بالقذارة وتدني المستوى الصحي  والاكتظاظ ونقص التمويل، ويعاني العديد من الأولاد المحتجزين من الجوع، ولا يملكون بطانيات أو ملابس سوى تلك التي كانوا يرتدونها عند دخولهم السجن. ومع أنه من المفترض فصل الأولاد عن الكبار في سجون ملاوي، فمن الممكن أن يتم الاتصال بين الجانبين، في المطبخ، أو في المكتبة، أو أثناء ورديات العمل. وأكثر الطرق شيوعاً في تهريب الأولاد إلى مباني الكبار في سجن زومبا هو عبر العيادة الصحية، التي يستخدمها الكبار والصغار على حد سواء. “يقترب أحد السجناء البالغين من موظف السجن ويعطيه بعض النقود ويطلب منه إحضار صبي له. وكما تعرف، فبعض السجناء أيسر حالاً بالمقارنة مع الحراس. ثم يهَّرب الحارس أحد الأحداث إلى مباني الكبار  أثناء خروج الأحداث من الجناح الخاص بهم. وما أن يصل الأحداث هناك، حتى يمكن إخفاؤه لشهور، ويقوم الرجل الذي استأجرهم بدوره بتأجيرهم إلى السجناء الآخرين -- لفترات قصيرة -- مستخدماً سجناء آخرين لجلب الزبائن”.
إن اللواط محرم قانوناً في ملاوي. لذا فإنه من الصعب على سلطات السجن الاعتراف بوجود العنف الجنسي على نطاق واسع داخل السجون. وبسبب عدم اعتراف السلطات الكامل بوجود المشكلة؛ فإنها لا تكاد تتخذ أي إجراء لحماية الأولاد، بل تتركهم عرضة لمزيد من الإساءة، وإلى الإصابة بفيروس عوز المناعة المكتسبة، وغيره من الأمراض التي تنتقل بالممارسة الجنسية. وبينما يستمر انتشار وباء عوز المناعة المكتسبة، والإصابة بالفيروس في الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى بلا انقطاع، حيث يحمل 23 مليون شخص فيروس المرض فإن السجون قد تحولت إلى أرض خصبة لانتقال المرض. فقد بلغت نسبة من عزي سبب وفاتهم إلى الإيدز في عام 1997 في سجون ملاوي 40 بالمائة من حالات الوفاة البالغ عددها 167 حالة. وخلال فترة ستة أشهر من عام 1998، بلغ عدد من ثبت حملهم لفيروس الإيدز بين من زاروا العيادة الصحية 49 بالمائة . ويعتقد السجناء أن المصابين بالمرض، يموتون بسرعة أكبر في السجن نظراً لقلة الغذاء ولظروف المعيشة.

توصيات

تلتزم الحكومات، بموجب القانون الدولي، باحترام حقوق الأطفال بالتحرر من التعذيب وسوء المعاملة، وبضمان هذا الحق في جميع الظروف. ولا ينتهي هذا الالتزام بمصادقة الدولة على اتفاقية حقوق الطفل، أو بإصدارها تشريعاً يحرّم تعذيب الأطفال قانوناً، بينما يتوجب على الجماعات غير الحكومية اتخاذ التدابير أيضاً لحماية الأطفال ومنع التعذيب. وقد صيغت التوصيات التالية بهدف توفير خطوات عملية لوضع حد لتعذيب الأطفال (مع أن بعضها ينطبق على الكبار أيضاً)، بما في ذلك عن طريق تحسين مستوى الحماية، ومساءلة الحكومات وجماعات المعارضة، وتطبيق ضمانات وقائية، وتقديم مرتكبي التعذيب للمحاكمة، ومعالجة الأسباب الكامنة والعوامل المساهمة في التعذيب، من قبيل التمييز.

1. ينبغي على الحكومات أن تدين تعذيب الأطفال كلما حدث، بوضوح تام وبلا مواربة. ويتوجب عليها أن توضح لجميع أفراد قوات الأمن والجهاز القضائي أنه لا مجال البتة للتهاون مع التعذيب. ويتوجب على قادة الجماعات السياسية المسلحة، بالمثل، أن يوضحوا لقواتهم بأنه لا يمكن أبداً القبول بالتعذيب.

2. ينبغي النص صراحة في القانون على تحريم التعذيب، بما يتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، والصكوك الدولية الأخرى. وعلى الدول أيضاً ضمان أن لا تُسهل قوانينها أفعالاً ترتقي إلى مستوى التعذيب، يرتكبها الأفراد، أو أن تمتنع عن التصدي لها، أو أن تسمح لمرتكبيها بالإفلات من العقاب، وينبغي عليها اتخاذ تدابير لضمان تنفيذ مثل هذه القوانين.

توصيات لحماية الأطفال إبان النـزاعات المسلحة

3. ينبغي على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة أن تحرم بجلاء تعذيب الأطفال أو إساءة معاملتهم، وأن تشدد على أفراد قواتها أنه ستجري بحزم مساءلة أي شخص يرتكب تعذيب الأطفال أو إساءة معاملتهم، أو يغض الطرف عن ذلك.

4. ينبغي على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة التأكيد على أفراد قواتها أن أوامر رؤسائهم لا تحميهم من المساءلة.

5. ينبغي على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة إعطاء الأوامر إلى قواتها بوقف الاغتصاب والإساءات الجنسية وغيرها من ضروب التعذيب أو إساءة المعاملة ضد من تلقي عليهم القبض من الأطفال ، وعليها أن تلتزم علناً بمراعاة صكوك القانون الإنساني الدولي التي تحظر التعذيب، وخاصة” البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949، والمتعلق بحماية ضحايا النـزاعات المسلحة غير الدولية (البروتوكول II).

6. ينبغي على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة، وعلى الفور، فصل أي فرد من مقاتليها يشتبه بارتكابه التعذيب في الحالات التي يمكن لمثل هذه الانتهاكات أن تقع أثناءها.

7. ينبغي على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة ضمان عدم احتجاز الأطفال كرهائن، أو اعتقالهم بدلاً من والديهم أو أفراد عائلاتهم الآخرين.

8. ينبغي على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة اتخاذ جميع التدابير لحماية الأطفال من الاغتصاب وغيره من ضروب العنف الجنسي، بما في ذلك إعطاء الأوامر إلى جميع المقاتلين باحترام القانون الإنساني الدولي، ووضع حد للاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على الفور.

9. ينبغي على الحكومات التحقيق في جميع التقارير المتعلقة بالاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي التي يتهم بها مقاتلون يعملون تحت إمرتها، ومحاكمة من يزعم أنهم قد ارتكبوا هذه الانتهاكات. وعلى الجماعات السياسية المسلحة أن تحقق، بالمثل، في جميع مزاعم الاغتصاب والعنف الجنسي المقدمة ضد مقاتلين يعملون تحت إمرتهم، ومحاسبتهم علنية.

10. ينبغي على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة أن تعلن على الملأ أن الاغتصاب وغيره من أشكال التعذيب التي تقع في سياق النـزاعات المسلحة تشكل جريمة من جرائم الحرب، وأن كل من يرتكب مثل هذه الجريمة سيخضع للمحاسبة.

11. ينبغي احترام حقوق الأطفال اللاجئين والمهجرين داخلياً، بما في ذلك حمايتهم من التجنيد والاستغلال الجنسي. وينبغي تقديم الدعم للأشخاص المهجرين حتى يمارسوا حقهم في العودة أو في التوطين بأمان وكرامة.

الجنود الأطفال

12. ينبغي على الحكومات والجماعات السياسية المسلحة أن تدين علناً تجنيد الأطفال أو استخدامهم كجنود، وأن تحظر ذلك؛ وعليها أن توقف على الفور التجنيد القسري أو الإجباري أو التطوعي للأطفال دون سن الثامنة عشرة، واستخدامهم؛ وينبغي عليها أيضاً نزع أسلحة جميع الجنود الأطفال، وتسريحهم من الخدمة، وإعادة دمجهم في المجتمع.

13. ينبغي على الحكومات اتخاذ تدابير فورية وفعالة لضمان عدم تجنيد أي طفل دون سن الثانية عشرة للخدمة العسكرية، بما في ذلك إصدار تشريعات ترفع الحد الأدنى لسن التجنيد إلى 18 عاماً.

14. ينبغي على الحكومات أن تصادق، وبلا تأخير، على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل المتعلق بتوريط الأطفال في النـزاعات المسلحة.

15. ينبغي على الحكومات اتخاذ تدابير فعالة لمحاكمة المسؤولين عن ارتكاب جرائم بموجب الحقوق الإنسانية الدولية، أو القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك اختطاف الأطفال وتجنيدهم.

16. إذا ما امتنعت الحكومة عن القيام بذلك، ينبغي على المجتمع الدولي ضمان أن يقدم للعدالة المسؤولون عن خرق الحقوق الإنسانية الدولية والقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك اختطاف الأطفال وتجنيدهم بالقوة.

توصيات بشأن حماية الأطفال في الحجز

17. ينبغي على الحكومات أن تعلن على الملأ أنها لن تتساهل بشأن أي شكل من أشكال تعذيب الأطفال أو إساءة معاملتهم أو الإساءة البدنية إليهم من قبل الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين.

18. تبلغ سلطات الشرطة على الفور والد الطفل أو الوصي عليه عند اعتقاله، وينبغي أن يسمح لوالد الطفل أو الوصي عليه بأن يكون حاضراً في كل مقابلة أو استنطاق للطفل من قبل الشرطة.

19. لا يجوز أبداً احتجاز الطفل بصورة سرية، أو اعتقاله بمعزل عن العالم الخارجي.

20. ينبغي ضمان حق جميع الأطفال في المشورة القانونية، وفي أن يحضر محاموهم جلسات استجوابهم وأن يتمكنوا بلا قيود من الاتصال بمحامييهم والاختلاء بهم.

21. لا يجوز استجواب أي طفل إلا في حضور محاميه أو والده أو الوصي عليه، أو أي شخص بالغ آخر يصلح لتمثيل مصالح الطفل.

22. ينبغي أن يتلقى جميع الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين التدريب على الحاجات والحقوق الخاصة للأطفال المحتجزين.

23. لا يجوز السماح باستخدام الاعترافات التي تنتزع من الأطفال تحت التعذيب أو سوء المعاملة كأدلة في أي إجراءات ضد المذنبين الأطفال.

24. ينبغي أن تكون السياسات وممارسات الهيئات المكلفة بتنفيذ القوانين المتعلقة بحماية الأطفال المحتجزين متماشية مع الصكوك الدولية ذات الصلة، وخاصة اتفاقية حقوق الطفل وقواعد الأمم المتحدة لحماية الأطفال المحرومين من حريتهم.

25. ينبغي التحقيق في جميع مزاعم التعذيب أو الإساءة على يد الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين على الفور وبشكل محايد ومستقل، وإعلان الطرق المستخدمة في التحقيق ونتائجه على الملأ، وتقديم الفاعلين للعدالة على وجه السرعة.

26. ينبغي أن تتم جميع عمليات التحقيق في الحالات المحتملة للتعذيب على يد موظفين مكلفين بتنفيذ القوانين بصورة فورية، وبشكل محايد ومستقل ودقيق، ومن قبل أشخاص ليسوا من الزملاء المقربين للمشتبه بهم. وينبغي أن يتوفر للأطفال سبيل آمن إلى آلية مستقلة يقدمون إليها مزاعمهم بشأن التعذيب أو سوء المعاملة.

27. ينبغي إخضاع الهيئات المكلفة بتنفيذ القوانين لإشراف مستقل من قبل هيئة تتمتع بحق الدخول الفوري إلى أي مكان يحتجز فيه الأطفال، وخاصة مراكز الشرطة، وتملك السلطة لإعلان ما تتوصل إليه من نتائج على الملأ.

28. ينبغي أن يتاح لجميع الأطفال المحتجزين التمتع بالرعاية الطبية، وفرصة الاستفادة من المرافق الخاصة بالوقاية من الأمراض ومعالجتها؛ وأن يتاح للفتيات المحتجزات مراجعة طبيبة أو ممرضة.

29. ينبغي أن يقتصر استخدام الاعتقال السابق على المحاكمة للأطفال على ظروف استثنائية، وأن تكون جميع أشكال الاعتقال متماشية مع المعيار الدولي القائل بعدم جواز اعتقال الأطفال إلا كملجأ أخير، ولأقصر فترة زمنية ممكنة.

30. ينبغي فصل الأطفال المعتقلين عن الكبار، ما لم يكونوا أعضاء في أسرة واحدة.

31. ينبغي فصل البنات المعتقلات عن الأولاد، والإشراف عليهن من قبل موظفات.

32. ينبغي فصل الأطفال المعتقلين في انتظار قرار من المحكمة عمن جرت إدانتهم بجريمة، وينبغي فصلهم كذلك على أساس السن ومدى خطورة الجريمة وحجم الجسم.

33. ينبغي اتخاذ التدابير المناسبة لحماية جميع الأطفال المعتقلين من الاغتصاب والإساءة الجنسية ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن البنات أكثر عرضة بصورة خاصة لهذين الشكلين من التعذيب وإساءة المعاملة.

34. ينبغي تحريم جميع أشكال العقوبة البدنية بحزم ، وينبغي أن يمنع الموظفون، الذين يتبين أنهم قد استخدموا العقوبة البدنية أو غيرها من أشكال الإساءة ضد الأطفال، من الاتصال بهم على الفور، وإخضاعهم لإجراءات تأديبية، وكذلك توجيه التهم الجنائية إليهم في الحالات التي تستدعي ذلك.

35. ينبغي على السلطات ضمان عدم التساهل مع مرتكبي التعذيب أو إساءة المعاملة في الحجز، وكذلك مع عدم الإبلاغ عن سوء التصرف من قبل الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين، وموظفي الإصلاحيات، وضمان اتخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة بحق من يثبت تورطهم في مثل هذه الانتهاكات أو تقديمهم للمحاكم الجنائية.

36. ينبغي أن يخضع موظفو مرافق اعتقال الأحداث لعمليات تقييم نفسية، واستقصاء لخلفياتهم الشخصية لضمان صلاحيتهم للعمل مع الأطفال، وأن يتلقوا التدريب المناسب في مجال الحاجات الخاصة للأطفال المعتقلين وحقوقهم.

ظروف الاعتقال القاسية واللاإنسانية والمهينة

37. لا يجوز أن يعتقل أي طفل في أوضاع تشكل خطراً على حياته أو صحته، بما في ذلك الازدحام الشديد، وعدم توفر الطعام والشراب الكافيين، وعدم وجود المنافع الصحية المناسبة، والتعرض للبرد أو الحر الشديدين، أو التعرض للأمراض المعدية، والحرمان من الرعاية الطبية.

38. لا يجوز إخضاع الأطفال لوسائل التقييد البدني إلا في حالات استثنائية، وبعد استـنـزاف جميع أساليب  السيطرة الأخرى وعدم جدواها. وينبغي منع استخدام إجراءات التقييد الخطرة والقاسية التي يلجأ إليها الموظفون المكلفون بتنفيذ القوانين وموظفو مؤسسات الاعتقال، من قبيل “ربطة الخنـزير” والإمساك بالخناق.

39. ينبغي تحريم استخدام أحزمة الصعق الكهربائية وغيرها من أسلحة الصعق الكهربائية ضد الأطفال.

40. ينبغي حظر التدابير التأديبية التي تنطوي على معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة حظراً تاماً، بما في ذلك العقوبات البدنية والحبس في زنزانة مظلمة، والعزل القسري، والحرمان من الطعام، أو من الزيارات العائلية.

41. لا يجوز احتجاز الأطفال المرضى عقلياً في مراكز اعتقال الأحداث.

توصيات لحماية الأطفال في المدارس

42. ينبغي منع العقوبات البدنية في جميع المدارس، العامة منها والخاصة.

43. ينبغي وضع برامج لتعليم الآباء والمعلمين والمجتمع بأكمله بشأن أضرار العقوبة البدنية، ووجود بدائل فعالة أخرى.

44. يتوجب على الحكومات اتخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة بحق المعلمين الذين يتبين أنهم قد خرقوا الحظر المفروض على العقوبة البدنية، وكذلك البدء بإجراءات محاكمتهم جنائياً إذا تطلب الأمر ذلك.

45. ينبغي وضع برامج تعليمية لتعليم الأطفال بشأن حقوقهم الإنسانية، بما في ذلك حق التحرر من المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وكذلك الحقوق الأخرى المكرسة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل.

توصيات لحماية الأطفال في المؤسسات الأخرى

46. ينبغي على الحكومات ضمان الاحترام التام للحقوق الإنسانية لجميع الأطفال المهجورين واليتامى وحمايتهم من التمييز، بما فيه إساءة المعاملة القائمة على التمييز.

47. ينبغي على الحكومات ضمان أن يوضع الأطفال في دور الأيتام أو مؤسسات الرعاية الأخرى إذا كان في ذلك  المصلحة الفضلى للطفل.

48. ينبغي على الحكومات ضمان فرض حظر صارم على العقوبة البدنية وغيرها من ضروب العقوبات المسيئة للأطفال الموجودين في مؤسسات تشرف عليها الدولة.

49. ينبغي على السلطات أن تؤكد على إخضاع أي موظف، يزعم بأنه قد أساء معاملة الأطفال الخاضعين للرعاية، للتحقيق، وللإجراءات التأديبية أو الفصل، أو تقديمه للمحاكمة الجنائية إذا تطلب الأمر ذلك.

50. ينبغي أن تخضع جميع المؤسسات التي تشرف عليها الدولة ويقيم فيها الأطفال لنظام تفتيش منتظم من قبل هيئة مستقلة تضم مهنيين محترفين في المجالات ذات الصلة، وأن يكون لهذه الهيئة الحق في الدخول الفوري إلى هذه المؤسسات، وكذلك سلطة تقديم التوصيات وإعلان نتائج زياراتها على الملأ.

التعليقات مغلقة