- قضية سجن تدمر
- تعذيب ويأس في سجن تدمر العسكري
- التعذيب في سجن تدمر
قضية سجن تدمر
منظمة العفو الدولية
الجـمـهـوريـة الـعـربـيـة الـسوريـة
تقرير موجز إلى لجنة حقوق الإنسان
مارس/آذار 2001
رقم الوثيقة: MDE 24/001/2001
INTERNATIONAL SECRETARIAT, 1 EASTON STREET, LONDON WC1X 8DW, UNITED KINGDOM
Syria: Briefing to the Human Rights Committee
قضية سجن تدمر
يقع سجن تدمر العسكري بالقرب من مدينة تدمر القديمة في صحراء حمص على بعد حوالي 250 كيلومتراً إلى شمال شرق دمشق.
ويخضع السجن لإدارة الشرطة العسكرية.
وطوال سنوات عديدة وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطاً للتعذيب وسوء المعاملة يبدو أن سجن تدمر ينفرد به.
كما وثقت منظمة العفو الدولية نمطاً للسجناء السياسيين الذين يُرسلون إلى سجن تدمر كإجراء عقابي.
وتلقت منظمة العفو الدولية آخر هذه التقارير في العامين 1996 و1998 عندما نُقلت مجموعتان من السجناء السياسيين، ومن بينهم سجناء الرأي، إلى تدمر بسبب رفضهم على ما يبدو التخلي عن انتمائهم السياسي أو الموافقة على الإفراج المشروط عنهم.
وبحسب الأنباء التي تلقتها منظمة العفو الدولية، فإن “حفلات الاستقبال” التي “تقام” في تدمر هي من بين أكثرها وحشية.
ويشكل الوصف التالي “لحفلة الاستقبال” في تدمر التي كانت تقام في الثمانينيات والذي أعطاه معتقل سابق نموذجاً للإفادات التي تلقتها منظمة العفو الدولية على مر السنين.
“وصلت بنا الحافلة إلى سجن تدمر حيث كانت الشرطة العسكرية بانتظارنا… وكان السجانون يمسكوننا حتى نستطيع النزول من السيارة (يكون السجناء عادة معصوبي الأعين عند نقلهم من مكان إلى أخر)، وكان الجميع يحملون السياط بأيديهم وينهالون علينا بالضرب بكل قسوة ووحشية، حتى أننا نزلنا جميعاً من الحافلة، وقاموا بفك القيود والغمامات الموضوعة على أعيننا، ثم اقتادونا إلى باحة يطل منها موظفو السجن علينا، حيث تم تسجيل أسمائنا.
وأثناء كل ذلك كنا نتعرض للجلد من جميع الجهات.
ثم اقتادونا عبر باب حديدي إلى ما يُعرف بباحة التعذيب قام رجال الشرطة العسكرية بخلع جميع ثيابنا وتفتيشها طبعاً، وجاءوا بنا فرداً فرداً إلى الدولاب، حيث ضرب كل شخص حوالي 200 إلى 400 سوطاً على قدميه، وأما باقي الشرطة فقد كانوا مشغولين بضرب بقية السجناء على ظهورهم وبقية أنحاء الجسم حتى انتهى الجميع من الضرب.
وبعد ذلك وضعنا في طابور صغير وأمسكنا بثياب بعضنا البعض ورؤوسنا منحية إلى الأسفل، وأعيننا مغمضة، وسرنا إلى داخل السجن، ثم وصلنا إلى الباحة الرابعة وبعدها تم فتح إحدى الزنزانات حيث أدخلنا فيها، طبعاً طوال هذه المدة كانت السياط تنهال علينا من كل جانب حتى أغلق باب الزنزانة.
وكان الجميع بحالة سيئة، الأرجل مدماة وفيها الكثير من الجروح وكذلك جميع أنحاء الجسم.
الآلام شديدة ولا يستطيع أحد من السجناء الوقوف، وإذا وقف فإن أرجله لا تساعده على ذلك من شدة الألم، وإذا حاول النوم فإنه لا يستطيع أن ينام إلا على جنبه، حيث أن الظهور كانت ملىء بالجروح.
وقد قتل بعض السجناء في حفلة الاستقبال.”
ويظل العديد من السجناء يلقى المعاملة السيئة طوال فترة سجنهم اللاحق.
وورد أن المعاملة السيئة في تدمر منتظمة ومتكررة، وتهدف إلى ترهيب المعتقلين وإذلالهم.
وذكر سجناء سابقون لمنظمة العفو الدولية أنهم تعرضوا للضرب والجلد وغير ذلك من ضروب المعاملة السيئة طوال الفترة التي قضوها في السجن.
وقالوا إن المعتقلين كانوا يتعرضون للضرب بصورة مألوفة كلما دخلوا إلى زنزاناتهم أو خرجوا منها، أحياناً وهم عراة.
وعندما تقدم لهم وجبات الطعام ثلاث مرات يومياً، كان المعتقلون يتعرضون للجلد والركل واللكم والصفح، وكان يتم إطفاء السجائر على أجزاء حساسة من أجسادهم.
ويقترن كل ذلك عادة بالإهانات أو التهديدات.
كذلك تُساء معاملة المعتقلين بشكل روتيني خلال فترة التمارين اليومية (التنفس) التي تدوم زهاء نصف ساعة.
ويقتادون إلى باحات السجن ويؤمرون بالركض حولها حفاة القدمين وفي الوقت ذاته يجلدهم حراس السجن المشرفين على التمارين على ظهورهم أو أرجلهم.
ويجبرون على الزحف على بطونهم ومرافقهم تلامس الأرض وأيدهم فوق آذانهم ورؤوسهم مطأطئة.
كما يجبرون على الاستلقاء ورفع أرجلهم لضربهم عليها، أحياناً حتى تنـزف دماً.
وعوض ذلك، يجبرهم الحراس على الاستلقاء على بطونهم، ثم يدوسون على رؤوسهم أو أعناقهم أو ظهورهم أو يجلدونهم و”يعاقب” المعتقلون الذين يرفضون تنفيذ الأوامر خلال فترة التمارين بأشكال أخرى من سوء المعاملة مثل الدولاب (طريقة إطار السيارة).
وتُساء معاملتهم أيضاً عندما يحلقون ذقونهم، كل ثلاثة أو أربعة أسابيع تقريباً؛ وإضافة إلى تعرضهم للضرب أثناء انتظار دورهم لحلق ذقونهم، تُشرط وجوههم، وبخاصة شفاههم وآذانهم وأنوفهم بشفرات (موسى) الحلاقة.
وتتضمن الأشكال الأخرى من سوء المعاملة في السجن الحرمان من النوم: حيث يُجبر المعتقلون على الوقوف في زنازينهم ورؤوسهم وأذرعهم مرفوعة.
ويراقب الحراس السجناء باستمرار عبر فتحات في سقف الزنازين، تستخدم أيضاً لصب الماء البارد عليهم في فصل الشتاء.
ونتيجة لسوء المعاملة الروتينية، يقال إن معظم السجناء في تدمر غالباً ما يعانون من تورم اليدين والقدمين والعينين والوجه، وانسلاخ جلدهم (وبخاصة في مؤخر العنق) وتكسر أسنانهم، ونوبات الإغماء.
ويقال إن صحتهم النفسية تكون سيئة للغاية، نتيجة هذه المعاملة من ناحية واضطرارهم إلى مشاهدة الآخرين أثناء إساءة معاملتهم، أو سماع صراخهم من ناحية أخرى.
ووصف تقرير بعثت به مؤخراً مجموعة من السجناء السوريين السابقين إلى منظمة العفو الدولية الوضع في تدمر على النحو التالي :
“تدمر فريد بين السجون السورية في كونه مؤسسة عقابية على شكل معسكر اعتقال.
وهو مثال صارخ على الترهيب والترويع والتعذيب والقتل، فضلاً عن الإذلال النفسي والمعنوي الجسدي.
[في تدمر] واجهنا أحداثاً وفظائع يعجز اللسان عن وصفها طوال سبعة عشر عاماً ابتداءً من العام 1980 وحتى نهاية العام 1996.”
ومضى التقرير يقول إنه بعد العام 1996، “بدأ مسلسل التعذيب اليومي يفقد الكثير من حدته (لكن) معاملة السجناء اكتسبت طابعاً مختلفاً … فالتعذيب يركز الآن على تذكير النـزلاء على الدوام بمعنى تدمر، واستمرار استخدام الأساليب التي تسبب الموت الروحي”.
بيد أن التقارير التي تلقتها منظمة العفو الدولية تشير إلى أن تدمر يظل سجناً يشكل فيه تعذيب المعتقلين عملاً يومياً مألوفاً.
وأشار السجناء السياسيون الذين أُطلق سراحهم من تدمر، خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى أن التعذيب، رغم أنه أصبح أقل حدة قياساً بالأعوام السابقة، لكنه ما زال يُمارس يومياً.
وأكد بعض هؤلاء السجناء أن المعتقلين ما زالوا يتعرضون للضرب بصورة منتظمة كلما غادروا مهاجعهم (لتسلم وجبات الطعام، أو الذهاب إلى المراحيض، أو القيام بتمرين “التنفس”).
وعلاوة على ذلك ما زال السجناء -- الذين يخضعون للمراقبة المستمرة -- يتعرضون لعقوبات قاسية عند الإتيان بأتفه عمل غير مصرح به (مثل الذهاب إلى المرحاض أثناء الليل).
وذُكر في إحدى الشهادات أن العقوبات التي كانت تُحدد بـ 50 جلدة لكل “مخالفة” في العام 1996، زيدت فيما بعد إلى 100 ثم إلى 200 لكل مخالفة.
وتشير شهادات أخرى إلى أنه بينما تظل الأوضاع في تدمر قاسية إجمالاً، إلا أن المعاملة تتفاوت من قسم إلى آخر، نسبة إلى فئات السجناء كما يبدو.
وعلى حد علم منظمة العفو الدولية لم يُجر أي تحقيق في هذه الانتهاكات المنهجية.
الوفيات في الحجز
لا يبدو أن السلطات السورية أمرت بإجراء أي تحقيق في قضايا أثارتها منظمة العفو الدولية في الأعوام السابقة تتعلق بحالات وفاة في الحجز زُعم أنها نجمت عن التعذيب أو حدثت في ظروف تثير الشبهات.
وتتضمن هذه الحالات.
عطية دياب عطية، فلسطيني عمره قرابة 31 عاماً، توفي في فبراير/شباط 2000 في سجن تدمر جراء التعذيب وسوء المعاملة، حسبما ورد.
وكان عطية دياب عطية، وهو عضو في فتح -- الفصيل الفلسطيني الرئيسي الذي يتزعمه ياسر عرفات -- قد قُبض عليه في العام 1989 في جنوب لبنان ونُقل على ما يبدو إلى سوريا.
ولا تعرف منظمة العفو الدولية ما إذا كانت قد وُجهت إليه تهمة أو قُدم للمحاكمة، لكنه كان واحداً من عشرات الفلسطينيين الذين اعتُقلوا في السجون السورية لأسباب سياسية.
q رفعت بن أحمد رجب توفي في سجن عدرا في إبريل/نيسان 1992 نتيجة مرض في القلب تفاقم بسبب التعذيب وعدم المعالجة الطبية كما ورد.
وكان قد اعتُقل للاشتباه في انتمائه إلى عضوية التنظيم الشعبي الديمقراطي الناصري في العام 1986.
زياد موسى قطناني ورد أنه توفي في 8 مايو/أيار 1990 في فرع التحقيق العسكري في دمشق.
وكان قد قُبض عليه في مطار دمشق في يوليو/تموز 1985 لدى وصوله من تونس.
وزارته والدته قبل شهر من وفاته حيث بدا أنه بحالة صحية معقولة.
لكن عندما أُعيدت جثته إلى عائلته، كانت تحمل كما يبدو علامات على التعذيب بالكهرباء ومصابة بكسر في الجمجمة.
وخلال زيارتها إلى سوريا في مارس/آذار 1997، كررت منظمة العفو الدولية طلبها إلى الحكومة السورية بالتأكد من إلا تتم عمليات القبض والاعتقال إلا تحت إشراف صارم من جانب القضاء؛ والسماح للمعتقلين بالمثول أمام القاضي ورؤية عائلاتهم بصورة سريعة ومنتظمة، فضلاً عن رؤية المحامين والأطباء الذين يختارونهم بأنفسهم؛ وأن تُعطى تعليمات واضحة للسلطات التي تجري عملية الاعتقال بأن ممارسة التعذيب أو إساءة المعاملة ضد السجناء أو المعتقلين غير مقبولة، وأنه سيتم الاقتصاص من مرتكبي مثل هذه الأفعال.
ويجب أن تُقرن هذه الإجراءات بخطوات عملية تضمن إجراء تحقيق سريع وشامل وحيادي في مزاعم التعذيب والوفاة في الحجز، وتقديم أي موظفين رسميين مسؤولين عن التعذيب أو غيره من الانتهاكات إلى العدالة.
ولم تتلق المنظمة أي رد.
المادة التاسعة : حق الشخص في الحرية والأمن
تتعارض ممارسات القبض والاعتقال المذكورة في هذا التقرير الموجز مع الالتزامات الدولية المترتبة على سوريا في مجال حقوق الإنسان بموجب المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتتعارض أيضاً مع القانون المعمول به في سوريا نفسها، وبخاصة المادة 104 (1) و(2) من قانون الإجراءات الجنائية، التي تقتضي من السلطات القائمة على الاعتقال جلب المتهم المعتقل للمثول أمام هيئة قضائية خلال 24 ساعة: والتقاعس عن فعل ذلك يعطيه الحق القانوني في إخلاء سبيله فوراً.
وبحسب المادة 105 من القانون نفسه، إذا احتُجز المعتقل أكثر من 24 ساعة من دون المثول أمام قاضٍ، تكون السلطة التي تحتجزه تتصرف بصورة تعسفية، وتعرض نفسها للمقاضاة على جريمة الحرمان من الحرية الشخصية التي يُعاقب عليها بالسجن مدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، كما تنص على ذلك المادة 358 من قانون العقوبات.
وبالمثل فإنه وفقاً لمادة 72(2) من قانون الإجراءات الجنائية، يُكفل للمتهمين حق الاتصال بمحاميهم في أي وقت يشاءون والاختلاء بهم، إلا في حالات التجسس.
لكن السلطات تتجاهل هذه المستلزمات القانونية بصورة روتينية، وقد أُخضعت لأحكام قانون حالة الطوارئ وللصلاحيات الممنوحة إلى مختلف قوات الأمن بالتصرف من دون إشراف قضائي.
ووفقاً لقانون حالة الطوارئ، يتمتع الحاكم العرفي، الذي هو وزير الداخلية بموجب تفويض، بمجموعة واسعة من الصلاحيات التي ينتهك بعضها مباشرة الحقوق والحريات الأساسية للفرد.
وتسمح المادة 4أ من المرسوم التشريعي رقم 51 بـ :
“وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور في أماكن معينة، وتوقيف المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام توقيفاً احتياطياً والإجازة في تحري الأشخاص والأماكن في أي وقت، وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال.”
وفي معظم حالات السجناء السياسيين التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية، لم يتم إبراز أي مذكرة أو مستند تفويض آخر عند إلقاء القبض.
وعلاوة على ذلك، وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطاً لا تُقدم فيه غالباً التفاصيل المتعلقة بعمليات الاعتقال التي تقوم بها مختلف الفروع المحلية إلى هيئة مركزية على الفور لاعتمادها رسمياً، لكن غالباً ما تتأخر هذه العملية أسابيع أو أشهر.
والدليل على هذا النمط هو الاختلاف بين التاريخ الفعلي لإلقاء القبض والتاريخ المسجل في الوثائق الرسمية مثل لائحة الاتهام.
وأدت الحصانة التي تتمتع بها قوات الأمن في القبض على أي متهم في أي وقت من دون الرجوع الفوري إلى سلطة مركزية إلى حالات عديدة من الاعتقالات التعسفية، والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي وحرمان المقبوض عليهم من حقوقهم.
وهذا نمط مستمر حتى يومنا هذا، وإن كان على نطاق أضيق وبدرجة أقل من الحدة.
وعلى مر السنين تعرض المعارضون السياسيون أو المشتبه في انتمائهم لجماعات معارضة إلى اعتقال طويل الأجل من دون تهمة أو محاكمة في انتهاك صريح للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وحُرموا بثبات من أبسط الحقوق التي تكفلها المعايير الدولية.
ولم يُجلب بعضهم قط للمثول أمام قاض أو هيئة قضائية أو لم يتمكنوا من الطعن بقانونية اعتقالهم كما يقتضي العهد المذكور.
وإضافة إلى ذلك، مُنعوا من الاتصال بمحام.
ومن الأمثلة على هذا النمط، اعتقال مجموعة من المسؤولين السابقين في الحكومة وحزب البعث بصورة تعسفية من دون تهمة أو محاكمة طوال أكثر من عقدين من الزمن :
اعتباراً من العام 1970 وحتى وفاتهم في السجن أو الإفراج عنهم في العام 1993/94.
وكان بينهم الرئيس السوري الأسبق نور الدين الأتاسي الذي توفي بُعيد الإفراج عنه من السجن في العام 1994.
وفي العام 1998 أُفرج عن رياض الترك، وهو عضو قيادي في الحزب الشيوعي المكتب السياسي وسجين رأي.
وكان قد قُبض عليه في العام 1980 واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي من دون تهمة أو محاكمة قرابة 18 عاماً، لم يُسمح له خلال هذه المدة إلا بأربع أو خمس زيارات من أفراد عائلته.
وما زال هناك المئات من السجناء المحتجزين في مختلف السجون السورية بسبب صلتهم بجماعة الأخوان المسلمين المحظورة، رغم أنه أُفرج في الأعوام 1995 و1998 و2000 عن أكثر من ألفي سجين سياسي، احتُجزوا بسبب علاقتهم بهذه الجماعة، وكان معظمهم معتقلاً بمعزل عن العالم الخارجي منذ مطلع الثمانينيات، ويظل مكان وجودهم مجهولاً.
وبينهم عبد الرحمن محمد عنجرين، وهو طالب هندسة في جامعة حلب وُلد في العام 1958.
وقد قُبض عليه في مارس/آذار 1980، بسبب الاشتباه بعلاقة والده على ما يبدو بالأخوان المسلمين.
ويُعتقد أنه معتقل بمعزل عن العالم الخارجي في سجن تدمر، لكن مصيره ومكان وجوده الحالي هما في طي المجهول.
وهناك مثال أحدث عهداً يتعلق بمدحت منير طيفور، وهو ملاحظ أشغال سوري يبلغ من العمر 46 عاماً، متزوج ولديه خمسة أطفال، ورد أن قوات الأمن السورية قبضت عليه في درعا على الحدود السورية -- الأردنية في 22 مايو/أيار 1998.
وعند القبض عليه، كان مدحت منير طيفور في طريقه لزيارة عائلته في سوريا بعد أن أقام في الخارج مدة ثماني سنوات.
وقبل الدخول إلى سوريا اتصل بالسفارة السورية في الأردن للسماح له بزيارة البلاد والتأكد من ضمان سلامته، نظراً لصلة شقيقه بجماعة الأخوان المسلمين السورية.
وبعد حصوله على الإذن الضروري من السفارة، باشر رحلته على متن حافلة استقلها في عمان.
ويُعتقد أن مدحت منير طيفور ليس متورطاً شخصياً مع الأخوان المسلمين أو في أي نشاط سياسي.
وأثارت منظمة العفو الدولية قضيته مع السلطات السورية في يونيو/حزيران 2000، لكنها لم تتلق جواباً.
ويوجد حالياً المئات من السجناء السياسيين، من بينهم سجناء الرأي، المعتقلين في السجون السورية.
وبينما يُحتجز بعضهم من دون تهمة أو محاكمة ربما، يقضي آخرون عقوبات بالسجن فُرض معظمها بعد محاكمات جائرة (أنظر أدناه).
فمثلاً، قُبض على وجيه غانم، وهو موظف حكومي من مواليد جبلة في العام 1949 متزوج ولديه طفل واحد، مع آخرين في مدينة اللاذقية الساحلية في أغسطس/آب 1987 بسبب علاقته بحزب العمل الشيوعي.
وورد أنه تعرض للتعذيب وسوء المعاملة عندما استجوبته قوات الأمن السورية عقب القبض عليه.
وعند اعتقال وجيه غانم ورفاقه، ورد أن قوات الأمن السورية قامت بعملية تفتيش واسعة لعشرات المنازل في منطقتي حماه وحمص لتعقب نشطاء حزب العمل الشيوعي.
واتُهم وجيه غانم بالانتساب إلى حزب العمل الشيوعي الذي تصفه السلطات السورية بأنه “تنظيم يهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة والأحوال الأساسية للمجتمع” و”معارضة أهداف الثورة”.
وحوكم فيما بعد أمام محكمة أمن الدولة العليا وصدر عليه حكم بالسجن في العام 1994 مدة 15 عاماً مع الأشغال الشاقة.
ورغم أن أنباء الاعتقالات التعسفية لأسباب سياسية قد أصبحت أقل تردداً بكثير مما كانت عليه في الثمانينيات، إلا أن الهيكل التشريعي والإداري يظل على حاله دون تغيير، وبالتالي عرضة لإساءة الاستخدام المتواصلة.
وبموجب حالة الطوارئ الشاملة والمجموعة الواسعة من الصلاحيات الممنوحة لقوات الأمن، يمكن القبض على أي شخص أو استدعاؤه للاستجواب أو تقييد حريته على الحركة بأي صورة من الصور من دون السماح له بالطعن في شرعية هذه الإجراءات.
ويتعرض المتهمون بالانتساب إلى المعارضة أو الجماعات المحظورة أو التعاطف معها لهذا النوع من الإجراءات التعسفية بشكل خاص.
وفي ديسمبر/كانون الأول 1999، قامت المخابرات العسكرية وغيرها من فروع قوات الأمن السورية باعتقالات في حمص وحلب ودمشق وغيرها من أنحاء البلاد.
وينتمي الموقوفون إلى جماعات سياسية أو دينية تعارض عملية السلام مع إسرائيل، وبينهم أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات الإسلامية مثل الأخوان المسلمون وحزب التحرر الإسلامي، فضلاً عن أنصار الجماعات اليسارية.
ويعتقد أنه قُبض على 100 عضو على الأقل من حزب التحرير في حينه.
وأُطلق سراح أغلبهم في إطار عفو رئاسي صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2000.
كذلك اعتُقل عدد غير محدد من اللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين أو “اختفوا” في سوريا.
وهم أساساً ضحايا للنـزاعات الإقليمية والصراعات السياسية التي عصفت بالمنطقة خلال العقود السابقة.
وقد حدثت معظم الاعتقالات في خضم الحرب الأهلية اللبنانية التي دارت رحاها بين الأعوام 1975 و1990، أو إبان النـزاع الذي نشب بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية في الثمانينيات.
وقُبضت القوات السورية العاملة في لبنان على معظم هؤلاء اللبنانيين أو اختطفتهم خارج أي إطار قانوني، أو تسلمتهم من المخابرات العسكرية اللبنانية أو الميليشيات المتحالفة مع سوريا خلال الحرب.
وقُبض على الفلسطينيين والأردنيين في معظمهم عند الحدود السورية/الأردنية أو داخل سوريا نفسها.
كما قُبض على بعض الفلسطينيين في لبنان.
ووثَّقت منظمة العفو الدولية حالات أكثر من 300 سجين سياسي و”مختفٍ” لبناني وفلسطيني وأردني، عُرض عدد منها بصورة متكررة على الحكومة السورية مع طلبات لتوضيح مصيرهم.
ولم يرد أي جواب شافٍ.
وفي مارس/آذار 1998، أفرجت سوريا عن 121 سجيناً سياسياً لبنانياً، وأُفرج خلال العام 2000 عن عشرات اللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين.
بيد أنه يُعتقد أن ما لا يقل عن 200 سجين سياسي لبناني وفلسطيني وأردني ما زالوا معتقلين في سوريا؛ بينهم: q مصطفى ديب خليل (معروف بأبو طعان)، وهو فلسطيني من مواليد العام 1923، قُبض عليه في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1983 في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة طرابلس في شمال لبنان.
وكان ناشطاً في فتح ومنسقاً للفدائيين الفلسطينيين في لبنان، كما ورد.
واعتُقل ثماني سنوات في الحبس الانفرادي ثم ظل رهن الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي قرابة 14 عاماً.
وتشير بعض الأنباء إلى أنه قُدم للمحاكمة وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، لكن يبدو أنه معتقل من دون تهمة أو محاكمة.
q نجيب يوسف جرماني، مواطن لبناني وُلد في العام 1957 متزوج ولديه خمسة أطفال، قُبض عليه في 24 يناير/كانون الثاني 1997 في منـزله في بعبدا، من جانب أفراد في جهاز المخابرات اللبناني.
ويبدو أنه نُقل إلى سوريا بعد بضعة أيام.
ويقال إن أحد أفراد عائلته زاره في السجن بسوريا.
لكن في الآونة الأخيرة، ورد أن نجيب جرماني حُرم من زيارة أهله له.
ويعتقد أنه أُحيل على محكمة عسكرية، لكن ليس لدى منظمة العفو الدولية أي معلومات تتعلق بالتهم المنسوبة إليه أو الحكم الصادر عليه.
احتجاز الرهائن وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطاً مستمراً تعمد قوات الأمن بموجبه إلى القبض على أقارب المتهمين السياسيين الذين تبحث عنهم واعتقالهم مكان المتهمين أنفسهم.
وتمثل الحالة التالية نموذجاً لعدد من الحوادث المشابهة التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية.
q ضحى عاشور العسكري، مولودة في حلب في العام 1965 ومتزوجة، قُبض عليها في حلب في 11 فبراير/شباط 1993 على أيدي أعضاء في الأمن السياسي.
وكانت مختبئة منذ العام 1987 عندما نُبِّهت إلى أن الأمن السياسي يبحث عنها.
وقبل ذلك في العام 1983، أُجبرت على قطع دراستها في جامعة حلب بعد أن سجلت نفسها لمدة عام كطالبة أدب إنجليزي، نتيجة لاستمرار قوات الأمن في مضايقتها واستهداف أفراد عائلتها.
وبينما كانت متوارية عن الأنظار، قُبض على زوجها واعتقل لعلاقته بحزب العمل الشيوعي واحتُجز طوال أشهر من دون تهمة أو محاكمة، وفي العام 1987، قبض رجال أمن يرتدون ملابس مدنية على شقيقتها لينا، في منـزل العائلة في حلب، عوضاً عن ضحى كما يبدو.
وأبلغت قوات الأمن والدتها سهام أن لينا ستعود بعد عشر دقائق.
لكنها لم تعد وظلت محتجزة في فرع التحقيق العسكري في دمشق طوال سنة اعتباراً من ديسمبر/كانون الأول 1987 وحتى ديسمبر/كانون الأول 1988.
كذلك استُدعيت والدتها واستُجوبت في مركز الاعتقال ذاته في دمشق في العام 1992، وطُلب منها الإفصاح عن مكان وجود ضحى.
وفي مناسبة أخرى، هُددت بالاعتقال ما لم تكشف النقاب عن مكان وجود ابنتها.
وحكمت محكمة أمن الدولة العليا على ضحى عاشور العسكري بالسجن مدة ستة أعوام في العام 1995.
وأُفرج عنها في تموز/يوليو 1999، بعد انقضاء خمسة أشهر على انتهاء عقوبتها.
وأحياناً عندما يغادر المتهم البلاد، يتم اعتقال واحد أو أكثر من أفراد عائلته لإجباره على العودة.
q في ديسمبر/كانون الأول 1986، هاجم فتحي المصري، وهو جندي في الجيش السوري، دورية للأمن السياسي في دمشق (نيابة عن جماعة معارضة كما يبدو)، وفر من البلاد.
ونتيجة لذلك اعتُقل تسعة من أقاربه الذكور وأنسبائه، إضافة إلى عدد من نساء العائلة.
واعتُقل الأقارب الذكور -- خمسة أشقاء وثلاثة أنسباء -- مدة خمسة أعوام (1986-1991) من دون تهمة أو محاكمة.
وتوفي سليم المصري، والد فتحي المصري في الحجز، بنوبة قلبية في العام 1991، كما ذُكر.
q قُبض في العام 1981 على شفاء سليم جولاق المولودة في العام 1961 في اللاذقية، مكان شقيقها- المتهم بالانتماء إلى عضوية الأخوان المسلمين -- الذي فر من البلاد.
ولا يُعرف حالياً مصيرها ولا مكان وجودها.
وهناك أفراد آخرون من العائلة رهن الاعتقال منذ العام 1980، بينهم والدها المسن سليم محمد جولاق.
وفي فترة أحدث عهداً، تلقت منظمة العفو الدولية معلومات بأن حملة الاعتقالات التي شُنت في ديسمبر/كانون الأول 1999 وحتى يناير/كانون الثاني 2000 واستهدفت أشخاصاً يُشتبه بأنهم نشطاء في حزب التحرير الإسلامي، تضمنت أيضاً القبض على الأقارب عوضاً عن المتهمين الفارين.
فمثلاً، قبض الأمن السياسي على شخص واحد واعتقله مدة أسبوع في دمشق بينما كان يتعقب شقيقه.
وتنتهك هذه الاعتقالات المادتين 9 و15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية كما أنها تتعارض مع القانون السوري، وبخاصة المواد التالية من الدستور:
m المادة 25(1) : “الحرية حق مقدس.
وتكفل الدولة الحرية الشخصية للمواطنين وتضمن كرامتهم وأمنهم”.
m المادة 28(2) : “لا يجوز كما هو منصوص عليه في القانون، إخضاع أي شخص للتفتيش أو التحقيق أو احتجازه.
m المادة 357 : “أي موظف رسمي يعتقل أو يسجن أي شخص في حالات غير تلك المنصوص عليها في القانون يحكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة.”
حوادث “الاختفاء” حوادث “الاختفاء” هي المحصلة النهائية لنظام يُقبض فيه على المتهمين بأنهم خصوم سياسيون من دون السماح لهم بالاتصال بأفراد العائلة أو المحامين أو العالم الخارجي، وتتقاعس الحكومة عن إعطاء أي معلومات عنهم.
ويظل مصير ومكان وجود العشرات من السجناء الذين اعتُقلوا في الأعوام السابقة في طي المجهول.
وتخشى منظمة العفو الدولية من أن يكون بعضهم “اختفى” أو أُعدم سراً.
وكان هؤلاء السجناء قد اعتُقلوا لأسباب سياسية على أيدي مختلف الأجهزة الأمنية من دون مذكرة اعتقال قضائية ومن دون إبلاغ عائلاتهم أو أقاربهم بالقبض عليهم أو اعتقالهم.
وتتبع حالات أولئك الذين “اختفوا” نمطاً مشابهاً وبسيطاً: فقد ألقى القبض عليهم أحد فروع قوات الأمن ولم يُشاهَدوا أو تُسمع أخبارهم منذ ذلك الحين.
ونفت الحكومة معرفتها بمكان وجودهم، لكن العائلات والأقارب يستمرون في المطالبة بإعطائهم تفسيراً لما حدث لهم.
والأشخاص التالية أسماؤهم هم من جملة الذين “اختفوا” أو الذين تجهل عائلاتهم مصيرهم ومكان وجودهم وهم رهن الاعتقال:
q مضر الجندي، مهندس عمره 34 عاماً، ورد أن أفراد من الأمن العسكري قبضوا عليه أو خطفوه عند الساعة السابعة من مساء 20 سبتمبر/أيلول 1987 في شارع بغداد بدمشق، بتهمة الانتساب إلى عضوية حزب العمل الشيوعي.
وكانت السلطات تتعقبه بسبب صلته بالحزب المذكور منذ العام 1984.
واقتيد على ما يبدو إلى مركز الاعتقال التابع لفرع فلسطين في دمشق، لكن لم يشاهد أو يُسمع عنه شيء منذ ذلك الحين.
ولم تعترف السلطات باعتقاله.
وفي العام 1995، أشارت بعض الأنباء إلى أن مضر الجندي قد حُوكم وأُعدم في العام 1988.
ومع ذلك لم تعترف قط السلطات السورية علناً بالقبض عليه أو محاكمته أو إعدامه.
q وفاء فهمي علي عبيدات، مواطنة أردنية من أصل فلسطيني، قُبض عليها في دمشق في العام 1986 بتهمة التجسس لصالح الأردن.
ويبدو أن اعتقالها يرتبط بعلاقة شقيقها بالمجلس الثوري لفتح (المجموعة الموالية لأبي نضال)، وهو تنظيم فلسطيني.
وتنكر سوريا اعتقالها، لكن عائلتها تلقت بعض الأنباء التي تؤكد وجودها في أحد سجون دمشق.
ويظل مصيرها ومكان وجودها في طي المجهول.
q مصطفى أبو قوص، طالب جامعي مولود في حلب في العام 1963، قُبض عليه في 12 أكتوبر/تشرين الأول 1983 في حلب.
ولا تُعرف أسباب القبض عليه، لكن يبدو أنه يُشتبه في أن له صلات بالأخوان المسلمين.
وزارته عائلته مرة واحدة في العام 1983 في حلب بعد أسبوعين من إلقاء القبض عليه.
ومنذ ذلك الحين لم يُعرف شيئاً عن مصيره أو مكان وجوده، لكن بعض الأنباء أشارت إلى أنه أُعدم منذ عدة سنوات.
هذه هي بعض من حالات “الاختفاء” الـ 59 التي أثارتها منظمة العفو الدولية مع الحكومة السورية في مذكرة قدمتها في العام 1994 (ومرة أخرى في العام 1997) ولم تتلق أي معلومات حولها.
المادة 14 : المحاكمات العادلة
هناك أساساً نوعان من المحاكم لمحاكمة المعتقلين السياسيين في سوريا:
المحاكم العسكرية ومحكمة أمن الدولة العليا.
أ) المحاكم العسكرية تشير الأدلة التي تلقتها منظمة العفو الدولية، والبعض منها في صيغة شهادات شخصية، إلى أن انتهاكات خطيرة للمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحدث في المحاكم العسكرية؛ وأن هذه المحاكم ليست مستقلة ولا حيادية؛ وأنه لا يتم احترام مبدأ افتراض البراءة، إذ يبدو في حالات عديدة أنه يصدر حكم مسبق على المتهم يقضي بأنه مذنب؛ ولا يحترم حق المتهم في أن يُحاكم حضورياً وأن يقدم دفاعه، بمساعدة محام أو بدون مساعدته.
ففي بعض الحالات التي علمت بها منظمة العفو الدولية، أُجريت المحاكمات داخل السجن وتضمنت جلسة واحدة يمثل فيها المتهمون أمام هيئة المحكمة العسكرية فقط لكي يعترفوا بارتكاب التهم المنسوبة إليهم أو ببراءتهم منها.
وفي حالات أخرى، أُبلغ المتهمون بالأحكام الصادرة ضدهم من دون أن يُطلب منهم أبداً حضور الجلسة.
وفي معظم الحالات، لا يعلم الأقارب بالمحاكمات إلا بعد فترة طويلة من إجرائها وغالباً من طرف ثالث، يكون عادة السجناء السابقين.
وفي حالات أخرى ظل الأقارب يجهلون حقيقة إجراء المحاكمات للسجناء ونتيجتها.
ومن ضمن هؤلاء السجناء أشخاص لا يُعرف شيئاً عن مصيرهم أو مكان وجودهم.
وعادة تتولى إجراء هذا النوع من المحاكمات محاكم غير عادية تُعرف بالمحاكم العسكرية الميدانية، وتصدر أحكاماً غير قابلة للاستئناف، ومن دون الضمانات المحددة في قانون الإجراءات الجنائية.
ويمكن لهذه المحاكم أن تصدر أي حكم تراه مناسباً، بما في ذلك عقوبة الإعدام.
وقد أُنشئت المحاكم العسكرية الميدانية بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 وتاريخ 17 أغسطس/آب 1968، ويشكلها القائد العام للقوات المسلحة، وتتألف عادة من رئيس (يحمل رتبة لا تقل عن رائد) وعضوين (المادة 3).
وبينما تنص المادة 4(أ) على تعيين نائب عام لهذه المحاكم من جانب القائد العام، إلا أن المرسوم لا يذكر شيئاً عن حق المتهم في الدفاع.
ويمكن للمحاكم العسكرية الميدانية ألا تتقيد بالمبادئ والإجراءات المحددة في قانون أصول المحاكمات الجزائية (المادة 5)، ولا تخضع أحكامها لأي شكل من أشكال الاستئناف (المادة 6).
بيد أن أحكام المحكمة العسكرية الميدانية تخضع لموافقة رئيس الدولة و/أو القائد العام للجيش الذي يملك حق إلغاء الحكم أو تخفيضه أو وقف تنفيذه، أو إصدار أمر بإعادة المحاكمة أمام محكمة عسكرية أخرى (المادة 8).
وأبلغ طبيب سوري قُبض عليه في العام 1980 منظمة العفو الدولية أنه مثل أمام محكمة عسكرية ميدانية في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1981.
وأُقيمت المحاكمة في القسم الإداري من سجن تدمر.
وقال في روايته :
“أحضرتني الشرطة العسكرية وأنا معصوب العينين إلى قاعة المحكمة وأمرتني بالجلوس على كرسي أمام هيئة المحكمة.
وعندما نزعوا عصابة عينيَّ، سألني الضابط الذي يترأس المحكمة عن اسمي ومهنتي، ثم نظر في بعض الأوراق الموجودة أمامه، وهز رأسه وشتمني.
ثم أمر كاتب المحكمة أن يسجل بأن “المتهم كرر شهادته السابقة قائلاً إنه عالج شخصاً مريضاً من ‘عصابات الأخوان المسلمين’.
ثم قال لي إنه سيسجنني مدة 15 عاماً.
وأمر الشرطة بإخراجي من القاعة.
ولم أتفوه بكلمة واحدة أمام المحكمة، ولم أُمنح فرصة لقول أي شيء”.
ولم يعرف هذا السجين بأنه حُكم عليه بالسجن مدة 10 سنوات إلا بعد الإفراج عنه في 17 ديسمبر/كانون الأول 1991، بعد أن أمضى 11 عاماً وأربعة أشهر رهن الاعتقال، وهي مدة تزيد بحوالي 16 شهراً عن العقوبة المقررة.
ووصف سجين فلسطيني سابق لمنظمة العفو الدولية محاكمته أمام محكمة عسكرية ميدانية في العام 1988 :
“عند الساعة الثامنة صباحاً، أُحضرنا ونحن معصوبي الأعين للمحاكمة التي جرت في مكتب مدير السجن.
وعندما جاء دوري عند قرابة الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، نادوا اسمي وأخذوني إلى المكتب ونزعوا عصابة عينيَّ عند الباب.
وعندما دخلت رأيت المحكمة التي كانت تتألف من لواء هو رئيس المحكمة الميدانية الأولى، ونائبه ومدير السجن والكاتب.
وأمروني أن أجلس على كرسي خشبي.
وبعد أن دونوا اسمي وجنسيتي وبيانات أخرى، سألوني ما التهمة المنسوبة إلي.
فقلت “لا أعلم”.
عندئذ قال الرئيس إنني متهم بالقيام بأنشطة تخريبية في القطر (سوريا).
فقلت : “هذا ليس صحيحاً”.
وقال : “نحن أدرى، ويمكنك مغادرة الغرفة الآن”.
هذا كل ما حصل. ولم أعرف الحكم الذي صدر علي”.
ودرجت العادة ألا يتم إبلاغ السجناء بطول مدة عقوبتهم، وحتى لو تمكنوا من اكتشافها، لم يكن يفرج عنهم بالضرورة عند انتهائها، حتى لو برئت ساحتهم.
ويروي معتقل أردني سابق قُبض عليه في التسعينيات أنه مثل أمام محكمة عسكرية ضمت لوائين، ورئيس فرع التحقيق العسكري، وممثلاً عن القصر الرئاسي.
ورغم وجود نائب عام عسكري، لم يكن هناك محامي دفاع.
ويتذكر أنه : “عندما مثلت أمام المحكمة، سألوني عن اسمي ومهنتي وبيانات أخرى، ثم أبلغوني أنني متهم بالتجسس لصالح المخابرات الأردنية.
فأنكرت التهمة … ثم أمروني بمغادرة القاعة وقالوا إن النطق بالحكم سيتم بعد شهر.
واضطررت إلى دفع مبلغ من المال للحارس كي أعرف العقوبة التي صدرت ضدي. لقد تمت تبرئتي.”
ومع ذلك لم يُفرج عن هذا السجين إلا فيما بعد، بموجب عفو رئاسي.
وعقب هذه المحاكمات السرية والمقتضبة، ورد أنه حُكم على بعض المعتقلين، بعد عدة أشهر من إجراء المحاكمة، بالسجن مدداً تتراوح بين 10 و15 سنة، بينما حُكم على آخرين بالسجن المؤبد أو حتى بالإعدام.
وفي الأعوام القليلة الماضية، لم تتلق منظمة العفو الدولية أي أنباء حول استخدام المحاكم العسكرية في المحاكمات السياسية.
بيد أنه لم تُتخذ أي خطوات لمراجعة الأحكام الصادرة، بما في ذلك أحكام السجن الطويلة وعقوبات الإعدام التي أصدرتها هذه المحاكم قبل هذه الفترة.
تعذيب ويأس في سجن تدمر العسكري
تعذيب ويأس وتجريد من الإنسانية في سجن تدمر العسكري
منظمة العفو الدولية
المقدمة
“الحياة في تدمر أشبه بالسير في حقل ألغام؛ فقد يفاجئك الموت في أية لحظة، إما بسبب التعذيب أو وحشية السجَّانين أو المرض أو الإعدام.”
سجين سابق في سجن تدمر
ويوصف عادة سجن تدمر في سوريا اليوم بأنه مكان “الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود” وقد اكتسب السجن هذه السمعة السيئة بسبب الأنباء المتواصلة على مدى سنوات عديدة حول ممارسة التعذيب وسوء المعاملة بصورة منهجية فيه. وفي سوريا كانت تدمر موقعاً لحضارة قديمة، ومثالاً على إنجاز وإبداع إنساني عظيم -- وما زال آلاف السياح يتوافدون عليها كل عام. واليوم أصبح سجن تدمر مرادفاً للوحشية واليأس والتجريد من الإنسانية.
ويقاسي السجناء في سجن تدمر مستوى مروعاً من الوحشية. ومن الصعب التصديق بأن ضروب التعذيب والمعاملة السيئة التي يصفها هذا التقرير ما زالت تحدث في أيامنا هذه. ومع ذلك ترسم الشهادات التي أدلى بها السجناء السابقون والتي جمعتها منظمة العفو الدولية صورة ثابتة للتعذيب اليومي والأوضاع اللاإنسانية والتحطيم والإذلال المتواصلين. ويُحرم الضحايا الذين يجدون أنفسهم عاجزين إزاء هذا المسلسل من الانتهاكات من سلوك دروب العدالة أو الإنصاف.
وقد جمعت منظمة العفو الدولية شهادات من أشخاص ينتمون إلى مختلف الجنسيات اعتُقلوا بسبب صلاتهم بعدد من الجماعات السياسية المختلفة.(1) ويضم المعتقلون في سجن تدمر سجناء الرأي(2) وسجناء سياسيين آخرين معتقلين من دون تهمة أو محاكمة أو عقب محاكمات بالغة الجور، غالباً أمام محكمة عسكرية ميدانية. وتعود معظم الشهادات التي استعين بها في هذا التقرير لسجناء اعتقلوا في سجن تدمر بين العامين 1980 و1996. بيد أن الأنباء التي وردت خلال السنوات القليلة الماضية توحي بأن الأوضاع في السجن ما زالت مروعة.
ويبدو أن سجن تدمر يهدف إلى التسبب بأقصى قدر من الألم والمعاناة والإذلال والرعب للسجناء وإخضاعهم للسيطرة المطلقة من خلال كسر شوكتهم وتحطيمهم نفسياً. ولا يُعزل السجناء بشكل تام عن العالم الخارجي وحسب، بل أيضاً يُمنعون من الاتصال بعضهم ببعض. ويشكل كل جانب من جوانب الحياة في سجن تدمر تجريداً للمرء من صفة الإنسانية.
وتصدر منظمة العفو الدولية هذا التقرير الذي يرتكز على سجن تدمر كجزء من حملتها العالمية لمناهضة التعذيب.
تطورات حقوق الإنسان في سوريا
قامت منظمة العفو الدولية طوال عقدين من الزمن بتوثيق مجموعة من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في سوريا وبحملات ضدها، ومن ضمنها الاعتقال التعسفي للخصوم السياسيين، والاعتقال طويل الأجل لسجناء الرأي والتعذيب والمعاملة السيئة وعمليات القتل السياسي.
وبموجب حالة الطوارئ التي تظل سارية المفعول من دون انقطاع منذ 8 مارس/آذار 1963، استطاعت مختلف شُعب أجهزة الأمن اعتقال المتهمين السياسيين بصورة تعسفية ساعة تشاء ولأطول مدة تحلو لها. وقُبض على عشرات الآلاف من الأشخاص في حملات متعاقبة من الاعتقالات الجماعية الموجهة ضد المتهمين بالانتماء إلى التنظيمات اليسارية أو الإسلامية أو القومية العربية أو الجماعات السياسية الكردية أو كل من يمارس أنشطة معارضة للحكومة والسياسات التي تنتهجها. وكان بين المعتقلين المئات من سجناء الرأي. وغالباً ما تعرض المعتقلون للتعذيب أثناء اعتقالهم بمعزل تام عن العالم الخارجي طوال أشهر أو سنوات من دون تهمة أو محاكمة. وأُخفي عن آلاف عديدة من العائلات مصير أقاربها. ويخشى بعض الذين “اختفى” أحباؤهم عقب اعتقالهم من حدوث الأسوأ لهم.
ومنذ بداية التسعينيات، أُطلق سراح أغلبية السجناء السياسيين في سوريا على دفعات بموجب مراسيم عفو رئاسية أو عند انتهاء محكومياتهم. وصدر آخر عفو من هذا القبيل عن الرئيس بشار الأسد في نوفمبر/تشرين الثاني 2000 وشمل بحسب ما ورد 600 سجين سياسي ينتمون إلى مختلف جماعات المعارضة. ومنذ العام 1991 عندما أُعلن أول عفو، انخفض عدد السجناء السياسيين، ومن بينهم سجناء الرأي، من عدة آلاف إلى مئات. وقد رحبت منظمة العفو الدولية بعمليات الإفراج هذه باعتبارها خطوات مهمة نحو إتاحة سبل الإنصاف عن الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان في سوريا.
وفي مارس/آذار 2001، نظرت لجنة حقوق الإنسان -- وهي هيئة الخبراء المكلفة بمراقبة تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في التقرير الدوري الثاني لسوريا الذي كان من الواجب تقديمه في العام 1984. ورحبت منظمة العفو الدولية علناً بقرار السلطات السورية تقديم تقريرها إلى اللجنة واعتبرت الخطوة تطوراً إيجابياً يشير إلى تزايد اهتمام السلطات السورية بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها.
بيد أن القلق يظل يساور منظمة العفو الدولية لأن الآليات، المنصوص عليها بموجب قانون الطوارئ للعام 1963 التي تسهل ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان ماتزال قائمة بكاملها، بما فيها الصلاحيات الخاصة الواسعة الممنوحة إلى قوات الأمن خارج أي إشراف قضائي.(3) ونتيجة لذلك، يُعرِّض أي عضو أو شخص يشتبه بعضويته في أي جماعة معارضة، نفسه لخطر التوقيف والاعتقال والتعذيب. وعلاوة على ذلك، تشعر منظمة العفو الدولية بالقلق من عدم اتخاذ أي خطوات حتى الآن من جانب السلطات لتقديم تعويض عن الانتهاكات الماضية والمستمرة لحقوق الإنسان؛ فلم تُجرَ أي تحقيقات في حوادث “الاختفاء” أو عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو التعذيب والمعاملة السيئة، بما في ذلك حالات الوفاة في الحجز. ورغم ورود العديد من مزاعم التعذيب، التي ذكر بعضها الضحايا أنفسهم في المحكمة، لا يبدو أن السلطات السورية أجرت تحقيقات جادة. ورغم أن أغلبية هذه الانتهاكات جرت في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، إلا أن الضحايا وعائلاتهم وأصدقائهم ما زالوا يعانون آثارها.
وأشادت منظمة العفو الدولية بأجواء الحوار والنقاش التي سادت أوساط المسؤولين والمجتمع المدني في سوريا خلال العام الماضي رغم النكسات والقيود. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن مثل هذه الأجواء تمهد الطريق لإجراء الإصلاحات التي يجب أن تنفذ بهدف إلغاء الآليات التي تُسهِّل ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وإخضاع أنشطة أفراد قوات الأمن وسواهم من الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون للإشراف القضائي الفعال وتطبيق ضمانات حقوق الإنسان المنصوص عليها في القانون السوري، فضلاً عن المعايير الدولية.
وسيطوي الإنصاف الفعال عن الانتهاكات الماضية صفحة الممارسات الماضية ويعطي مؤشراً قوياً على تحمل السلطات السورية المسؤوليات المترتبة عليها في حماية حقوق الإنسان وإعلاء شأنها.
الضمانات النظرية والانتهاكات الفعلية
يُحظر الدستور السوري التعذيب (المادة 28) ويعاقب عليه قانون العقوبات بالسجن (المادتان 319 و391). ومنذ إبريل/نيسان 1969، أصبحت سوريا أيضاً دولة طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تحظر المادة السابعة منه ممارسة التعذيب.(4) بيد أنه رغم ورود مزاعم متكررة وثابتة حول ممارسة التعذيب، فإنه على حد علم منظمة العفو الدولية لا توجد أية حالات جرى فيها فعلاً تطبيق القوانين السورية المناهضة للتعذيب.
وكما أشارت لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام 7(16) على المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:
“... ليس كافياً لتنفيذ هذه المادة حظر التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو جعله جريمة. ولدى معظم الدول نصوص جزائية تنطبق على حالات التعذيب أو الممارسات المشابهة. وبما أن هذه الحالات تحدث مع ذلك، يستتبع من المادة 7 التي تُقر مع المادة 2 من العهد بأنه ينبغي على الدول ضمان الحماية الفعالة عبر آلية ما للإشراف.”
وتشير التقارير التي وثقتها منظمة العفو الدولية إلى أن المتهمين السياسيين قد تعرضوا في معظم الأحيان للتعذيب خلال الفترة الأولية التي تعقب إلقاء القبض عليهم أثناء احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي في السجون ومراكز الاعتقال في شتى أنحاء سوريا. واستُخدم التعذيب كوسيلة لانتزاع معلومات وكذلك كضرب من ضروب العقاب. فمثلاً، من الشائع تعرض المعتقلين للتعذيب عندما يصلون إلى السجن. وتختلف المعاملة التي يتلقونها في تلك المرحلة والمعروفة باسم “حفلة الاستقبال” من سجن إلى آخر ويمكن أن تتراوح الشتائم والركل واللكم إلى أساليب أكثر قسوة، مثل استخدام طريقة أو أكثر من الطرق المذكورة أدناه.
وتتضمن أكثر طرق التعذيب شيوعاً التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية الضرب على جميع أنحاء الجسم؛ والضرب على باطن القدمين (الفلقة)، و”الإطار” (الدولاب) الذي يتضمن تعليق الضحية من إطار سيارة معلق وضربه بالعصي والكبلات؛ وصب الماء البارد بصورة متكررة على جسم الضحية. وهناك طريقة أخرى تعرف بالكرسي الألماني تتضمن استخدام كرسي معدني له أجزاء متحركة يربط بها الضحية من يديه وقدميه. وينحني ظهر الكرسي إلى الخلف مما يسبب تمدداً مفرطاً للعمود الفقري وضغطاً شديداً على عنق الضحية وأطرافه. وهذا ما يؤدي إلى صعوبة في التنفس تكاد تصل إلى حد الاختناق، ويقال إنها أدت إلى فقدان الوعي وفي بعض الحالات إلى كسر الفقرات.(5)
وفي تقرير صدر في إبريل/نيسان 1995(6) ذكرت منظمة العفو الدولية أن معظم المتهمين الذين يتجاوز عددهم الـ 500 والذين حوكموا أمام محكمة أمن الدولة العليا منذ يوليو/تموز 1992 قد شهدوا في المحكمة بأنهم تعرضوا للتعذيب. ولا يُعرف بأن أياً منهم أُجري له كشف طبي ولا يُعرف بأن أي تحقيق قد فُتح. وفي مارس/آذار 1997، أبلغ وزير الداخلية مندوبي منظمة العفو الدولية أن أي مسؤول مارس التعذيب أو سوء المعاملة سيمثل أمام المحكمة. وذكر أيضاً أن أي شخص تعرض للتعذيب يملك الحق في تقديم شكوى أمام قاضٍ يحيل القضية عندئذ إلى وزارة الداخلية لاتخاذ الإجراءات الضرورية. بيد أن مزاعم التعذيب التي قدمتها منظمة العفو الدولية إلى السلطات السورية ظلت من دون جواب. ولا يعرف بأن أي تحقيقات قد أجريت في هذه الحالات.
وأحياناً يبدو أن التعذيب يمارس بصورة أكثر نظامية كضرب من ضروب العقاب. وهذا ما ورد أنه يحصل في سجن تدمر حيث يعتقد حالياً أن ما بين 600 و700 سجين سياسي معتقلين فيه. ويبدو أن السلطات اختارت تدمر لأن بعد موقعه ونظامه القاسي يسمحان بعزل السجناء السياسيين كلياً عن العالم الخارجي أثناء تعذيبهم أو إساءة معاملتهم.
سجن تدمر العسكري
أشار تقرير هرَّبته في العام 1999 مجموعة من السجناء السياسيين السوريين السابقين إلى الوضع في سجن تدمر على النحو التالي :
“تدمر فريد من نوعه بين السجون السورية من حيث كونه مؤسسة عقابية في شكل معسكر اعتقال -- وهو مثال حي على التخويف والرعب والتعذيب والقتل، فضلاً عن كونه مصدر إذلال نفسي ومعنوي وجسدي (وفي تدمر) واجهنا أحداثاً وفظائع لا تصدق على مدى سبعة عشر عاماً، اعتباراً من بداية العام 1980 وحتى نهاية العام 1996.”
ويقع سجن تدمر في صحراء حمص على بعد قرابة 250 كيلومتراً إلى شمال شرق دمشق. وبني سجن تدمر في البداية كثكنة عسكرية من جانب سلطات الانتداب الفرنسية في سوريا (1920-1946)(7). وفيما بعد استُخدم كما يبدو كسجن للأفراد العسكريين المتهمين بارتكاب جرائم جنائية عادية. ومنذ مطلع السبعينيات بدأ سجن تدمر يُستخدم لاعتقال السجناء السياسيين الذين عُزلوا كلياً عن العالم الخارجي، لكن لمدة أشهر في معظم الأحيان. وفي ذلك الوقت كانت المواصلات صعبة جداً، مما جعل من المستحيل على العائلات زيارة الأقارب الذين يُرسلون إلى سجن تدمر. واعتباراً من العام 1979 تقريباً بدأت السلطات بإرسال أعداد أكبر من السجناء السياسيين إلى سجن تدمر الذين فُصلوا عن العسكريين المحتجزين هناك بتهم جنائية عادية. ويخضع السجن لإدارة الشرطة العسكرية، وهي قوة أمنية مسؤولة أمام وزارة الدفاع وقيل إن قوة من الوحدات الخاصة مولجة بحراسة السجن. وبوصفه سجناً عسكرياً لا يخضع تدمر لإشراف وزارة العدل التي تجري عمليات تفتيش للسجون المدنية.
وبحسب المعلومات الواردة إلى منظمة العفو الدولية من سجناء سابقين، يوجد في سجن تدمر سبع باحات تضم فيما بينها نحو 40 إلى 50 مهجعاً (4×6 أو 8×12 متر) … و39 زنزانة أصغر حجماً (تتراوح أبعادها بين متر×1,5 متر و3,5×3,8 متر). وجمعيها فوق الأرض باستثناء حوالي 16 زنزانة تحت الأرض تُستخدم لاحتجاز السجناء الذين يواجهون إجراءات تأديبية في الحبس الانفرادي. ولا توجد في أي من الزنازين تهوية كافية، لكن المهاجع مزودة بنوافذ مغطاة بمشابك من الأسلاك الشائكة في السقف تسمح للحراس بوضع السجناء تحت المراقبة الدائمة. وبعض المهاجع تضاء بصورة دائمة ليلاً نهاراً، أما البقية فتُضاء طوال الليل. وبحسب معظم شهادات السجناء الذين احتجزوا هناك في الثمانينيات والتسعينيات، فإن متوسط عدد النـزلاء يتراوح بين 130 و150 في المهاجع الصغيرة وبين 200 و250 في المهاجع الكبيرة. ويبدو أن العدد انخفض بشكل ملموس في العامين أو الأعوام الثلاثة الأخيرة. وحتى عام 1989، كانت تحتجز أيضاً النساء المعتقلات لأسباب سياسية في سجن تدمر، في قسم معزول تماماً، ولا يُرى من قبل السجناء الرجال قط؛ ولا يُعرف ما إذا كان قد اعتقل فيه نساء في الأعوام الأخيرة.
وتفاوت العدد الإجمالي للسجناء السياسيين في سجن تدمر على مر السنين، لكن يُعتقد أن عدة آلاف مروا عبر سجن تدمر في مرحلة أو في أخرى خلال اعتقالهم. ويشير أحد السجناء السابقين إلى أن عدداً يصل إلى 20,000 سجين سياسي ربما مروا عبر سجن تدمر بين العامين 1980 و1990، وأن متوسط عدد السجناء المحتجزين هناك في أي وقت بعينه خلال تلك الفترة ربما بلغ نحو 6000 سجين. لكن منذ منتصف التسعينيات، يعتقد أن عدد السجناء السياسيين أصبح بالمئات.
وحالياً يحتجز في سجن تدمر حوالي 600 سجين سياسي كما ورد. ويعتقد أن أغلبيتهم من المواطنين السوريين المتهمين بإقامة صلات بالإخوان المسلمين أو حزب التحرير الإسلامي أو حزب البعث الموالي للعراق؛ أما الباقون فهم عرب غير سوريين، ومعظمهم من الفلسطينيين أو اللبنانيين. ويعتقد أن أغلبيتهم محتجزين منذ الثمانينيات. ومن بينهم خالد الشمسي، وهو سوري من حماه في العقد السادس من عمره كان قد قُبض عليه في أواخر 1981 أو مطلع 1982 وطريف حتاحت، وهو مهندس سوري من دمشق قُبض عليه في العام 1980. وكلا المعتقلين محتجزان كما يبدو لصلتهما بالإخوان المسلمين، لكن منظمة العفو الدولية لا تعرف ما إذا كانت قد وُجهت إليهما أي تهم أو قُدِّما للمحاكمة. وبحسب ما ورد نُقل طريف حتاحت إلى تدمر من سجن صيدنايا في مطلع العام 2001.
لقد وثَّقت منظمة العفو الدولية نمطاً يتم بموجبه إرسال السجناء السياسيين إلى سجن تدمر كعقاب إضافي. وتلقت المنظمة آخر أنباء هذه الممارسة في العامين 1996 و1998 عندما نُقلت مجموعتان من السجناء السياسيين، ومن بينهم سجناء رأي، إلى سجن تدمر من سجون لديها أنظمة أقل قسوة، بسبب رفضهم على ما يبدو التخلي عن انتماءاتهم السياسية كشرط للإفراج عنهم. وقد أُفرج عن معظم هؤلاء السجناء بين العامين 1997 و2000.
ممارسة التعذيب وسوء المعاملة في سجن تدمر العسكري
“عندما يشكل الموت حدثاً يومياً يتربص بالمرء من خلف التعذيب وعمليات الضرب العشوائية وقلع العينين وكسر الأضلاع وسحق الأصابع … (عندما) يحدق بك الموت ولا يمكن تفاديه إلا بمحض الصدفة … أفلا ترحب بالخلاص عبر رصاصة الرحمة؟”
مقتطف من تقرير السجناء الذين هُرِّب من سوريا في العام 1999.
وعلى مدى سنوات عديدة، سجَّلت منظمة العفو الدولية نمطاً للتعذيب وسوء المعاملة يبدو أن سجن تدمر ينفرد به. وبحسب الأنباء التي تلقتها منظمة العفو الدولية، فإن “حفلات الاستقبال” في تدمر ليست إلا بداية لمحنة طويلة. وفيما يلي وصف “لحفلة استقبال” في تدمر في الثمانينيات أعطاه معتقل سابق إلى منظمة العفو الدولية.
“وصلت الحافلة إلى سجن تدمر حيث كانت الشرطة العسكرية بانتظارنا … وأنزلنا الحراس من الحافلة(1) وهم يجلدوننا بلا رحمة وبوحشية حتى أُنهكت قوانا. ففكوا قيود اليدين وعُصابات العينين، ثم اقتادونا إلى باحة تشرف عليها مكاتب السجن، حيث تم تسجيل أسمائنا. وطوال ذلك كنا نتعرض للجلد من جميع الاتجاهات. ثم اقتادونا عبر باب حديدي إلى باحة تُعرف بباحة التعذيب. وفتشت الشرطة العسكرية ملابسنا. ووُضعنا واحداً تلو الآخر في “دولاب” وتلقى كل منا ما بين 200 و400 ضربة على قدميه. وعندما انتهوا من ضربنا، أوقفونا في طابور واحد. وسرنا نحو السجن ونحن نمسك بملابس بعضنا البعض ومعصوبي الأعين ومطأطئي الرأس. ووصلنا إلى الباحة الرابعة، وفُتح باب الزنزانة ودخلنا. وظللنا نتعرض للجلد من كل حدب وصوب إلى أن أُغلق باب الزنزانة. وكان الجميع في حالة يرثى لها، وأرجلهم تنـزف ومغطاة بالجروح، إضافة إلى أجزاء أخرى من أجسادهم. وتوفي بعض السجناء خلال ‘حفلة الاستقبال’ …”
وأكد السجناء السابقون الذين نُقلوا إلى سجن تدمر بين العامين 1996 و2000 أنهم تعرضوا لهذا النوع من “الاستقبال”. وفيما يلي مثالان فقط على العديد من الأقوال المشابهة التي سمعتها منظمة العفو الدولية.
“بعد إجراءات التفتيش والمعاينة المألوفة، سمعت صوتاً يقول : هذا جاهز يا سيدي. وامتدت أيدٍ قاسية وجرجرتني ووضعتني في الباحة. ثم حُشرت في “الدولاب” وأمرت بأن أضع يديّ بين ساقيّ، ثم مُددت قدماي ورُبطتا بحبل متين إلى قضيب حديدي لمنعي من التحرك في أي اتجاه وكان ذلك مؤلماً. ثم فكوا عُصابة عينيّ وبدأت عملية الجلد. وكان حارسان يجلدانني في الوقت ذاته … أحدهما صعوداً والآخر نزولاً. ووسط صرخات الألم نبدأ بِعَد الجلدات؛ واحد اثنين … عشرة عشرين ثلاثين … ثم ينسى المرء العدد ويفقد تركيزه. وفي الواقع أُصيب العديد من الأشخاص بالإغماء. وبعد انتهائهم من الجلد، يفكون وثاقنا ويخرجونا من “الدولاب”. ثم يؤمر السجناء بالركض حول الباحة. وكنت أتصبب عرقاً وقدماي تلسعاني وأحس بآلام مبرحة في جميع أنحاء جسدي.”
شهادة أدلى بها سجين سابق اعتُقل في سجن تدمر بين العامين 1996 و1999.
“بعد نزولنا من الحافلة في سجن تدمر، أُمرنا بتغطية رؤوسنا بمناشف أو رفع قمصاننا فوق رؤوسنا. ثم سرنا عبر بوابة السجن ورؤوسنا مغطاة وأيدينا مكبلة خلف ظهورنا. وخلال اليوم الأول استكملنا إجراءات التسجيل. وفي اليوم التالي جُمعنا من أجل ‘حفلة الاستقبال’ الرسمية. وعندما جاء دوري. أمرت أن استلقي على بطني (بما أنني كنت ممتلئ الجسم تعذر حشري داخل “الدولاب”). ثم ربطوا قدميّ بقضيب حديدي بواسطة سلسلة ورفعوا قدميّ إلى الأعلى. وضغط أربعة حراس على ظهري بأقدامهم ليمنعوني من الحراك. ثم جُلدت ربما أكثر من 200 مرة بكابل إلى أن فقدت وعيي. ولم يستطع أحد زملائي النـزلاء -- الذي تلقى عدد من الجلدات يفوق كثيراً ما تلقيته -- المشي بعد ‘حلفة الاستقبال’”
شهادة أدلى بها سجين سابق اعتُقل في سجن تدمر في العامين 2000 و2001.
ويظل المعتقلون يتعرضون للمعاملة السيئة طوال فترة سجنهم اللاحقة. وبحسب الأنباء، غالباً ما تمارس في سجن تدمر المعاملة السيئة التعسفية الرامية إلى تخويف المعتقلين وإذلالهم. وذكر السجناء السابقون لمنظمة العفو الدولية أنهم تعرضوا للضرب والجلد وخلاف ذلك من ضروب المعاملة السيئة طوال فترة مكوثهم في السجن.
“كانت العقوبات عديدة ومتنوعة في تدمر، ولا يحتاج المرء إلى اقتراف جرم معين كي يعاقب بقسوة. وإذا رأى الحراس عند سقف المهجع أن سجيناً يحرك يده أو ساقه أو يأتي بأية حركة أثناء النوم، يطلب من السجين المناوب “يعلِّم ذلك السجين (أي اختياره دون سواه للعقاب لاحقاً). وجرت العادة على توقيع العقوبات بعد طعام الفطور وتتراوح العقوبة عادة بين 50 و200 جلدة، تبعاً للأوضاع العامة في السجن. وأحياناً يطلب الرقيب المناوب من رئيس المهجع أو السجين المناوب أن يضع من دون سبب واضح أن “يعلِّم ” السجين الموجود أمامك والسجينين الموجودين خلفك مباشرة، والسجين الموجود على يمينك والسجين الموجود على يسارك. والمجموع خمسة. وأريد أن يكونوا جميعهم جاهزين غداً’. وأدركنا جميعنا أن الأوضاع قاسية جداً وأن العقوبات ستكون قاسية للغاية. والذين يجري تعليمهم سيتعين عليهم تحمل ليلة من الأرق المؤلم تحسباً لما -- سيحصل لهم في الصباح. وفي اليوم التالي، حالما تنتهي وجبة الفطور، تُؤمر المجموعة التي جرى تعليمها بالخروج من المهجع. ثم نسمع حركة فريق التعذيب: وصوت قضبان الحديد والدواليب التي تسقط على الأرض والسياط والأسلاك التي تُجرّب على الجدران وصراخ الحراس الذين يصدرون الأوامر للنـزلاء. وسرعان ما نبدأ بسماع صرخات زملائنا ممزوجة بأصوات الجلدات.”
شهادة سجين سابق اعتقل في سجن تدمر بين 1996 و1999.
وفي أوقات معينة من الفترة الممتدة بين 1980 و1996 بلغت قسوة وشدة المعاملة المستخدمة في تدمر مستويات لا تطاق. ويبدو أن السجانين حصلوا على إذن بفعل أي شيء لفئات معينة من السجناء، بما في ذلك قتلهم عمداً. وفيما يلي وصف نموذجي للعديد من الشهادات على التعرض للتعذيب التي تلقتها منظمة العفو الدولية.
“أثبت الجنود والرقيب المسؤول أنهم أصحاب أفكار مبتكرة جداً في وسائل إذلال النـزلاء. وإلى جانب الاعتداء عليهم بالضرب، يلجأون (أحياناً) إلى وسائل تعذيب هزلية مؤلمة مثل إجبار السجين على أكل حشرة أو صرصار أو ذبابة الخ كبديل من إجباره على لعق حذاء الحارس أو الرمل والغبار في الباحة ‘لتنظيفها’. ومن وسائل التعذيب الأخرى إجبار سجينين اثنين على إمساك أحد النـزلاء بيديه وقدميه وهزه عالياً في الهواء ثم قذفه حتى يقع على الأرض. وعندما رفض أحد السجناء أن يفعل ذلك تعرض للضرب المتواصل على رأسه حتى فقد صوابه تماماً. وتحول الرجل المسكين إلى مهرج وتوفي بعد شهر. التصفية وهذه تصفية عن طريق التعذيب (كانت شائعة أيضاً في تدمر). فضربة واحدة على رأس السجين بقضيب حديدي أو كتلة خرسانية يلقيها أحد الحراس المرابطين على السطح على رأس السجناء الواقفين في باحة ‘التنفس (الفسحة)’ تكفي للقضاء عليهم.”
مقتطف من تقرير السجناء الذين هُرِّب إلى خارج سوريا في العام 1999.
وكان السجناء يتعرضون للضرب بشكل روتيني عندما يدخلون إلى زنازينهم أو يغادرونها، أحياناً بعد إجبارهم على التعري أو عند استعدادهم للاستحمام. وتقدم وجبتان للسجناء في اليوم -- يحصل السجناء ظهراً على كل من وجبة منتصف النهار والمساء، ويوفر السجناء إحدى الوجبتين حتى فترة لاحقة من المساء. ومن الشائع أن يتعرض السجناء للإهانات والتهديد والجلد والركل واللكم والصفع ولإطفاء السجائر على أجسادهم وهم يتسلمون وجبات الطعام.
‘التنفس’ تجربة في القسوة
كذلك يتعرض السجناء لسوء المعاملة بصورة مألوفة خلال تمارينهم اليومية (التنفس). ويستغرق التنفس بين 30 دقيقة وساعة ويجري مرة أو مرتين في اليوم. ويُقتاد السجناء إلى باحات السجن ويؤمرون بالركض وهم حفاة القدمين بينما يقوم حراس السجن الذين يشرفون على التمرين بجلدهم في الوقت ذاته. وأحياناً يُجبر السجناء على الاستلقاء على ظهورهم ورفع أرجلهم التي تتعرض للضرب بعد ذلك، أحياناً حتى تنـزف. وفي أوقات أخرى يُجبر السجناء على الاستلقاء على بطونهم، بينما يدوس الحراس على رؤوسهم أو أعناقهم أو ظهورهم أو يجلدونهم. ويتعرض المعتقلون الذين يرفضون تنفيذ الأوامر خلال فترة التمرين لأشكال أخرى من التعذيب أو المعاملة السيئة مثل “الدولاب”.
“عندما حان موعد التنفس، أُخرجنا من المهجع في طوابير يضم كل منها خمسة. وعندما وصلنا إلى الباحة، يصدر إلينا الأمر ‘بالجلوس على الأرض’ فنجلس بسرعة على الأرض واضعين ساقاً فوق أخرى، ورؤوسنا مطأطئة وأيدينا خلف ظهرنا. وكان الذين لا يجلسون بالشكل ‘الصحيح’ يتعرضون للركل من السجانين كي يفعلوا ذلك. وبالطبع كان السجين يُعاقب بشدة على الإتيان بأدنى حركة. وأحياناً كنا نسمع الحارس يصرخ: ليقف فوراً الشخص الذي أتى بحركة’. وكنا عادة لا نحرك ساكناً ويأمل كل واحد منا ألا يكون الأمر موجهاً إليه. وفي النهاية يقترب الحارس من أحدنا ويركله ويضربه بعنف عقاباً له (عادة يضربه على باطن قدميه أو يضعه في ‘الدولاب’). وأحياناً يقرر السجانون توقيع عقاب جماعي على كامل المجموعة ويأمروننا بالزحف على مرافقنا وركبنا إلى أن تتخضب بالدماء.
سجين سابق اعتُقل في تدمر بين العامين 1988 و1992.
وتشير الشهادات الأخرى إلى أن التنفس استُخدم أيضاً لمعاقبة الذين يواجهون إجراءات تأديبية لارتكابهم ما يعتبره الحراس “مخالفات” أو لإخلالهم باللوائح (مثل التحرك أثناء الليل) أو من دون أي سبب على الإطلاق :
“يهدف وقت التنفس، أساساً إلى تنفيذ العقوبات. ويتعرف رئيس المهجع (سجين) على الذين جرى تعليمهم (للعقاب) ويُسلمهم إلى الحراس. وأحياناً عندما لا يتم تعليم أحد (في الليلة السابقة)، على رئيس المهجع أن يتحمل العقاب. وفي مرات أخرى يُطلب من رئيس المهجع إحضار أطول أو أقصر شخص في المجموعة أو إحضار شخص متزوج أو أعزب إلخ لمعاقبته. وفي معظم الحالات كانت العقوبات والتعذيب يقترنان بالإهانات والتخويف المركز على الحياة الخاصة للنـزلاء أو زوجاتهم أو قريباتهم. وفي مناسبات عديدة كان يُطلب منا ممارسة التعذيب ضد بعضنا البعض وشرب ماء قذر أو تناول طعام قذر، وكنا نتعرض عموماً لضروب مختلفة عديدة من الإذلال والتخويف. ولا يتعرض السجين الذي يأتي إلى تدمر للتعذيب الجسدي والنفسي الشديد وحسب، لكنه يغادر السجن شخصاً محطماً…”
سجين سابق اعتُقل في سجن تدمر بين العامين 1988 و1992.
ويبين وصف لسجين اعتُقل في سجن تدمر من العام 1996 إلى 1999 أن هذه الممارسات لم تتغير في الأعوام التي مرت خلال تلك الفترة :
“بعد الفطور كنا نُستدعى بسرعة لنيل “عقوبة ‘التنفس”. وكنا أحياناً ندرك أن تمرين التنفس وشيك من صوت التحركات الصادرة من المهاجع المجاورة، فكنا نهيئ أنفسنا. وعادة كان يُطلب منا تنظيف الباحة ورشها بالماء، ولذا كنا نحمل معنا دلاء مليئة بالماء ونغادر المهجع إلى الفناء. وكنا نقف بمواجهة الحائط حتى يصدر الأمر بالبدء برش الماء في الباحة. وكل من يلقي الماء قبل صدور أمر الحراس بالبدء أو يبقى لديه بعض الماء في دلوه بعد صدور الأمر بوقف الرش، يُعاقب عقاباً شديداً. وعلى الدوام كان الحراس يجلدون كل من يمر بالقرب منهم. وبعد أن ننهي أشغالنا، كنا نؤمر بالجلوس على الأرض المبللة (البادرة جداً في الشتاء والرطبة جداً في الصيف) وأيدينا خلف ظهورنا ورؤوسنا مطأطئة على ظهر السجين الموجود أمامنا أو بمواجهة الحائط. وكنا نؤمر عادة بأن نبقى في هذا الوضع إلى أن يأمروننا بالعودة إلى مهاجعنا.”
وتتضمن الأشكال الأخرى لسوء المعاملة في السجن الحرمان من النوم: إذ يجبر السجناء على الوقوف في زنزاناتهم ورؤوسهم مستقيمة وأذرعهم مرفوعة في بعض الحالات لمدة تصل إلى أربع ساعات.
‘الجميع إلى الحمام وبسرعة’
غالباً ما تُستخدم جميع جوانب الحياة العادية المألوفة في سجن تدمر لممارسة التعذيب وسوء المعاملة ضد السجناء. والصحة الشخصية ليست استثناء. فمثلاً، عندما يحلق السجناء شعورهم، كل ثلاثة أو أربعة أسابيع تقريباً، يتعرضون للضرب أثناء انتظار دورهم للحلاقة، وغالباً ما تُشرط وجوههم، وبخاصة شفاههم وآذانهم وأنوفهم بموسى الحلاقة.
“في تدمر لا يجوز رؤية شعر أبداً على رؤوس النـزلاء أو وجوههم -- وتحدث كارثة دورية كلما حان الوقت لقص الشعر بصورة جماعية في الباحة. والحلاقون هم ‘سجناء عسكريون’ (أفراد عسكريون يقضون عقوبات في سجن تدمر) ويحلقون شعر رأس كل نزيل بالكامل بسرعة واستهتار لدرجة أن عدداً ضئيلاً جداً من النـزلاء يفلت من الإصابة بجروح. وأدوات قص الشعر غير حادة و’تحرث’ الرؤوس حيث تُحدث شقوقاً عميقة بالطريقة ذاتها التي يحدثها نصل المحراث في قطعة أرض محروثة.
مقتطف من تقرير السجناء الذي هُرِّب من سوريا في العام 1999.
كما أن الاستحمام الذي يجب أن يكون مصدر راحة وفائدة للسجناء، يُحوَّل أيضاً إلى شكل آخر من أشكال التعذيب في سجن تدمر كما تبين الشهادتان التاليتان:
“تقع الحمامات في الباحة الأولى بينما كنا في الباحة السادسة. وكنا نخرج مرتدين السراويل القصيرة من الباحة السادسة إلى الباحة الأولى التي تبعد نحو 500 متر، وكنا نسير كالبط ونحن نتعرض باستمرار للضرب على الرأس حتى نصل إلى الحمامات. وكنا نذهب إلى الحمامات في مجموعات تضم كل منها 12 نزيلاً. وكانت كل مقصورة استحمام تستوعب ثلاثة أو أربعة سجناء. وكان المشرف يأتي ويقول ‘سأعد حتى 20 وبانتهاء العد يجب أن تكونوا جميعاً قد انتهيتم من الاستحمام’. أي كامل مجموعة الـ 12 سجيناً. وحالما نبدأ بالاغتسال يبدأ بالعدد ’1 2 3 5 7 13 20، انتهى وقتكم أخرجوا جميعاً.’ ثم يضعونا بجانب الجدار ويبدأون بضربنا بينما تستحم المجموعات الأخرى إلى أن ينتهي الجميع من الاستحمام -- ربما 100 أو 120 أو 150 نزيلاً. ثم نعاد إلى مهاجعنا ونتعرض للضرب ونحن في طريقنا إليها.”
شهادة سجين سابق اعتُقل في سجن تدمر بين العامين 1985 و1995.
“عند ذكر كلمة الحمام يربط المرء بينها وبين الماء الدافئ والصابون والاسترخاء. ليس الأمر كذلك في تدمر، فالاستحمام هناك ضرب آخر من ضروب التعذيب. وفي أحد الأيام دعينا إلى أخذ حمام وأُمرنا بأن نخرج ونحن مرتدين سراويلنا القصيرة وحالما خرجنا من المهجع وجدنا الحراس بانتظارها لمرافقتنا إلى حيث توجد الحمامات في الباحة الأولى. وكنا طوال الطريق نتعرض للجلد والركل واللكم إلى أن وصلنا إلى الباحة الأولى. ثم قُسِّمنا إلى مجموعتين، أُمرت الأولى بالركوع على الأرض والأخرى بالتوجه إلى الحمامات. وكنت ضمن المجموعة التي أُخذت إلى الحمامات ودُفع ما بين ستة وسبعة منا إلى مقصورة واحدة مزودة بدش واحد. وكان الماء شديد البرودة، لكن هذه كانت المعاناة الأقل نظراً إلى زعيق الحراس وصرخات زملائنا الذين كانوا يتعرضون للضرب أثناء انتظار دورهم للاغتسال. وحالما غادرنا مقصورات الاستحمام، جاء دورنا للتعرض للجلد على جميع أنحاء أجسادنا. وعندما انتهى زملاؤنا من الاستحمام، بعدما شعرنا أنه استغرق ردحاً طويلاً من الزمن، كان علينا تحمل رحلة العودة بالطريقة ذاتها وسط الضرب ومختلف أشكال المعاملة السيئة وكان في الحقيقة ‘حمام دم’.”
سجين سابق اعتُقل في سجن تدمر بين العامين 1980 و1991.
ونتيجة للمعاملة الروتينية السيئة، يقال إن معظم المعتقلين في سجن تدمر يعانون كثيراً من تورم اليدين والقدمين والوجوه وانسلاخ البشرة (وبخاصة على الظهر) وتكسر الأسنان ونوبات إغماء. ويقال إن حالتهم الصحية النفسية سيئة للغاية، نتيجة المعاملة المهينة المستمرة ومشاهدة الآخرين وهم تساء معاملتهم أو سماع صراخهم وهم عاجزون عن التدخل لمساعدتهم.
أنماط التعذيب في سجن تدمر العسكري
في الملاحظات الختامية التي أبدتها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عقب النظر في تقرير الحكومة السورية، لاحظت بقلق شديد “المزاعم الثابتة والمؤيدة حسب الأصول لانتهاكات المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمنسوبة إلى الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون. وتلاحظ بقلق المزاعم العديدة حول ممارسة التعذيب في السجون السورية وبخاصة في سجن تدمر”.(11)
رغم أن الصورة الإجمالية لسجن تدمر هي لسجن يمارس فيه التعذيب وسوء المعاملة بصورة روتينية، فإن التقارير التي تلقتها منظمة العفو الدولية من عدد من المصادر توحي بأنه كانت هناك فترات حصل فيها بعض التحسن في معاملة السجناء. فقد اتفقت جميع الشهادات على أن الثمانينيات شهدت مشاهد التعذيب الأكثر وحشية ورعباً ووفاة ربما مئات السجناء، معظمهم نتيجة التعذيب. لكن الأنباء توحي أن التسعينيات شهدت انخفاضاً تدريجياً لكن ملموساً في ممارسة التعذيب، وأنه في النصف الثاني من العام 1991، توقف التعذيب مؤقتاً عندما تم الإفراج عن عدة آلاف من السجناء السياسيين نتيجة عفو رئاسي أصدره الرئيس الراحل حافظ الأسد.
وبدا أن معاملة السجناء في تدمر كانت تتغير تبعاً لتغير التركيز في الأوضاع السياسية وسياسات الدولة تجاه مختلف فئات خصومها السياسيين. وقد وصلت المواجهات بين الحكومة السورية والجماعات المعارضة إلى ذروتها في الثمانينيات. وشهدت هذه الفترة انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ارتكبتها القوات الحكومية، جاء بعضها رداً على انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبتها جماعات المعارضة المسلحة، مثل الجناح العسكري للإخوان المسلمين. بيد أن انتهاكات حقوق الإنسان طاولت أعضاء مختلف الجماعات والعقائد السياسية والمتعاطفين معها وأقاربهم الذين غالباً ما كانوا يحتجزون كسجناء بديلين لإجبار هؤلاء الأعضاء على تسليم أنفسهم. وخلال التسعينيات، وفي إطار التخفيف من حدة النـزاعات والمواجهات السياسية بين الدولة والجماعات المعارضة، تمثل الاتجاه العام في عمليات إفراج شبه منتظمة عن السجناء السياسيين.
كذلك سلطت شهادات السجناء السابقين الضوء على حقيقة تفاوت معاملة النـزلاء والأوضاع العامة في السجن بين إدارة سجن وأخرى. وقيل إن بعض مديري السجون روَّجوا لسياسات أقسى من سواهم تجاه السجناء. وتشير شهادات السجناء بوضوح إلى أنه بين العام 1980 والعام 1998 اعتمد جميع مديري سجن تدمر باستثناء واحد (تولى المنصب بين العامين 1982 و1984) نظاماً قاسياً جداً على صعيد معاملة السجناء في تدمر، وفي هذه الفترة اكتسب السجن صورته السيئة كمكان للتعذيب وسوء المعاملة المستشريين. وخلال هذه الفترة كان أي اختلاف في المعاملة يتعلق بمجرد التركيز أو التشديد. فمثلاً في مطلع الثمانينيات كان السجناء يموتون كل يوماً تقريباً نتيجة طرق التعذيب العنيفة جداً، بينما واجه السجناء في فترات أخرى المجاعة الفعلية في أوضاع معيشية متدهورة أدت إلى انتشار الأمراض المعدية مثل داء السل الذي حصد أرواح العديدين من نزلاء السجن.
واستؤنف التعذيب في العام 1992 كما ورد واستمر بلا هوادة طوال معظم فترة التسعينيات. وكما توضح شهادات السجناء الذين اعتقلوا في تدمر خلال التسعينيات، ظل نمط التعذيب، وإن يكن بدرجة أقل من الشدة عنه في الثمانينيات، سمة بارزة في حياة السجناء في تدمر.
وأشار السجناء السياسيون الذين أفرج عنهم في سجن تدمر خلال السنوات الثلاث الماضية إلى أن التعذيب ما زال يُمارس بصورة مألوفة. وأكد بعض هؤلاء السجناء أن المعتقلين ما زالوا يتعرضون للضرب بصورة منتظمة كلما غادروا مهاجعهم -- مثلاً لتسلم وجبات الطعام أو الذهاب إلى المرحاض، أو خلال فترة التنفس. وعلاوة على ذلك ما زال السجناء يتعرضون للعقوبات القاسية لدى قيامهم بأدنى فعل غير مصرح به، مثلاً الذهاب إلى الحمام خلال الليل، أو النظر دون قصد إلى أحد الحراس. وأشارت إحدى الشهادات إلى أن العقوبات على مثل هذه “المخالفات” تتراوح عادة بين 50 و200 جلدة لكل “مخالفة” تبعاً لما إذا كان نظام السجن يمر بمرحلة أكثر تساهلاً أو أكثر صرامة.
وتشير الشهادات الأخرى إلى أنه بينما تظل الأوضاع العامة قاسية في سجن تدمر، إلا أن المعاملة تختلف من قسم إلى آخر، تبعاً لفئات السجناء وانتماءاتهم السياسية كما يبدو. ويقال إن المحتجزين بسبب صلتهم بالجماعات الإسلامية أو حزب البعث الموالي للعراق يتحملون العبء الأكبر من أشكال التعذيب الشديد والمنهجي.
أوضاع الاعتقال
يبدو أن سجن تدمر يدار بطريقة تهدف إلى توقيع أقصى العقوبات بالنـزلاء وزيادة معاناتهم. وكما هو موضح أعلاه، فالأنشطة اليومية المألوفة -- مثل الاستحمام والحلاقة وتناول وجبات الطعام -- تقترن بممارسة التعذيب ويترقبها السجناء بذعر وخوف شديدين. ويُحتجز السجناء في زنازينهم من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة صباحاً.
“يُحضر الوجبات إلينا بعض ‘السجناء العسكريين’ (الأفراد العسكريين الذين يقضون عقوبات بالسجن في تدمر) الذين يضعون أوعية الطعام أمام المهاجع تحت مرآى الحراس الواقفين. ثم يؤمر اثنان أو ثلاثة منا بتسلم الطعام من دون النظر إلى الحراس أو ‘السجناء العسكريين’. ثم نؤمر بالجلوس قرب أوعية الطعام بانتظار أمر الحراس الذين يبدؤون بجلدنا فوراً قبل السماح لنا بأخذ الطعام إلى مهاجعنا.”
وفي جميع الأوقات الأخرى يُحتجز السجناء في مهاجعهم حيث عليهم الجلوس صامتين ومن دون حراك. ويخضع السجناء للمراقبة الدائمة؛ ويرابط الحراس ليلاً نهاراً على النوافذ الموجودة في سقف المهجع لمراقبة السجناء الذين يُحظر عليهم القيام بالأشياء اليومية المعتادة جداً مثل المشي في المهجع، والذهاب إلى المرحاض خلال الليل والتحدث مع الزملاء السجناء أو مع الحراس، والنظر إلى الحراس أو عبر النافذة أو الباب. كذلك مُنعت الصلاة اليومية والصوم- على الأقل حتى العام 1999 -- كذلك كان حال المطالعة أو إعطاء دروس للزملاء السجناء.(12) ولا يُسمح لأغلبية السجناء بزيارات عائلية. وفي الواقع لم يُبلَّغ العديد من عائلات السجناء السياسيين في تدمر بمكان وجود أقاربهم؛ ولم يعرف بعضهم بوجودهم إلا بعد عدة سنوات.
وتُقصِّر الأوضاع العامة في تدمر جداً عن الوفاء بالقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء والتي اعتمدتها الأمم المتحدة في العام 1977. وهي تخالف جميع نصوص المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء ومجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن. وفي الواقع تصل الأوضاع في سجن تدمر إلى حد المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. فالمهاجع قذرة ورطبة وباردة في الشتاء وحارة جداً في الصيف ومليئة بالصراصير وغيره من الحشرات. ولا توجد فيها أسرة، ويُعطى كل سجين بساطاً رقيقاً وبطانيتين رثتين وقذرتين وملاءة. ويكون حيز النوم عادة ضيقاً جداً لأن المهاجع مكتظة جداً. وأشارت بعض الشهادات إلى أنه في بعض الأحيان لم يتوفر حيز كاف للسجناء للاستلقاء على ظهورهم.
المرافق الصحية في السجن فظيعة. وفي وقت ما أُجبر أكثر من مائة نزيل على المشاركة في استعمال مرحاض واحد وحنفية واحدة (13) ولا توجد أي مرافق لغسل الثياب وأواني الطعام.(14)
ويقال إن الطعام غير كاف ورديء النوعية جداً. وبحسب ما ورد تتألف حصة الطعام أحياناً من بيضة واحدة مسلوقة فقط لما بين ثمانية و10 أشخاص وحبتين أو ثلاث حبات من الزيتون كطعام فطور لكل شخص؛ وبعض الحساء للغداء وبطاطا أو حمص مسلوق للعشاء؛ وحصة يومية مؤلفة من رغيف أو رغيفين من الخبز اليابس. أما الحصة من الشاي فهي ربع فنجان من الشاي البارد كل 24 ساعة. وعند تقديم الطعام، عادة ما يكون غير مطهو جيداً؛ وتكون عادة الأدوات والأطباق (جميعها من البلاستيك) قذرة جداً، لأنه لا يتم غسلها بشكل صحيح أبداً وغالباً ما يحتوي الطعام على “أتربة”(15) ووصف أحد السجناء الطعام بأنه في الواقع يسبب الجوع وليس الشبع.
ويقال إن الرعاية الطبية الرسمية غير موجودة بالمرة في سجن تدمر. وبحسب ما ورد فإن المعتقلين الذين يحتاجون إلى معالجة طبية، بمن فيهم أولئك الذين أصيبوا بجروح أو إصابات ناجمة عن التعذيب، لا يخضعون إلا لكشف طبيب واحد على فترات يفصل بينها عدة أشهر. وتُصاب الجروح التي تنجم عن “حلقة الاستقبال” التي تقام عند الوصول إلى السجن أو عبر إساءة المعاملة الروتينية اللاحقة بالالتهاب نتيجة الإهمال المزمن. وبالتالي، أقدم المعتقلون الذين تلقوا تدريباً طبياً على معالجة زملائهم النـزلاء، كما ورد، معرضين أنفسهم و”مرضاهم” لخطر شديد، لأنه تُنـزل بهم عقوبات شديدة إذا اكتُشف أمرهم. وبسبب الافتقار إلى الأدوية والمعدات، اضطر السجناء إلى ابتكار أساليب تتميز بسعة الخيال. وبحسب أحد الأطباء الذين احتجزوا في تدمر، كانت الجروح المتقيحة تعالج بالخل المستخرج من التفاح أو العنب المتخمر. وتشير بعض الشهادات إلى أن الأطباء السجناء كانوا أحياناً يجرون عمليات جراحية طفيفة بأدوات مبتكرة.
كما ورد أن النـزلاء في تدمر عانوا أيضاً من ارتفاع معدل الإصابة بالأمراض الخطيرة مثل داء السل والكوليرا. وساهم الافتقار إلى المرافق الصحية الكافية وإساءة المعاملة وسوء التغذية والإهمال الطبي الذي تعرض له السجناء في تفشي العدوى. وكان السجناء المصابون بالعدوى يفصلون عادة عن الآخرين ويوضعون في مهاجع خاصة حيث تقدم لهم معالجة طبية أساسية، لكن معدلات الشفاء كانت بطيئة جداً. ويقال إن عشرات السجناء الذين أصيبوا بالمرض توفوا نتيجة عدم كفاية الرعاية الطبية والإهمال وسوء الأوضاع في السجن.
وبالنسبة للأغلبية العظمى من السجناء يتضاعف انهيار المعنويات الناجم عن الأوضاع الفظيعة وسوء المعاملة المستمرة بغياب الزيارات العائلية. ويترك الأغلبية العظمى من النـزلاء، المحرومين من الدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه لهم هذه الزيارات، لمواجهة الإذلال والتحقير اليوميين اللذين يعاملهم بهما النظام في تدمر دون أن يجدوا من يواسيهم.
حالات الوفاة في الحجز
توفي العديدون في الحجز، أما نتيجة التعذيب أو الأوضاع القاسية أو المرض الخطير. فمثلاً، ورد أن زاهي عبادي، وهو طبيب سوري من حلب توفي في سجن تدمر في العام 1990. وكان قد قُبض عليه مع أكثر من مائة مهني طبي في العام 1980 عقب إضراب مدته يوم واحد قامت به في مارس/آذار 1980 مختلف المجموعات المهنية ومن ضمنها نقابة الأطباء.(16) وبوصفه طبيباً، دأب الدكتور عبادي على فحص زملائه النـزلاء ومعالجتهم كلما أمكن في مختلف باحات سجن تدمر والرواية الرسمية هي أن زاهي عبادي توفي بعد أن نُقل للمعالجة الطبية خارج سجن تدمر، لكن زملاءه السجناء يعتقدون أنه ربما توفي نتيجة التعذيب أو أنه قُتل عمداً..
وفي فترة أحدث عهداً توفي عطية دياب عطية، وهو فلسطيني عمره قرابة 31 عاماً، في سجن تدمر في فبراير/شباط 2000. ويبدو أن السبب الأكثر احتمالاً لوفاته عدم توافر الرعاية الطبية له والأوضاع اللاإنسانية في سجن تدمر. وكان كما يبدو بحالة صحية سيئة عندما نُقل إلى سجن تدمر في العام 1996. وكان عطية دياب عطية، وهو عضو في حركة فتح الفصيل الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية التي يتزعمها ياسر عرفات، قد قُبض عليه في العام 1989 بجنوب لبنان ونُقل إلى سوريا(17) ولا تعرف منظمة العفو الدولية ما إذا كانت قد وُجهت إليه تهم أو جرت محاكمته، لكنه كان ضمن عشرات الفلسطينيين الذين اعتقلوا لأسباب سياسية في السجون السورية.
وتشكل عدة شهادات شاهداً على اللامبالاة المطلقة التي تنظر فيها إدارة السجن إلى حالات الوفاة في الحجز. وتزعم معظم الشهادات أن الحراس لم يستدعوا طبيباً قط للكشف على سجين يحتضر أو اشتد عليه المرض. وعوضاً عن ذلك، يأمرون النـزلاء الآخرين باستدعائهم لتسلم الجثة عندما يفارق السجين الحياة. وعندما يُتوفى سجين نتيجة التعذيب، لا تجري سلطات السجن أي تحقيق أو تشريح للجثة. وعوضاً عن ذلك فكما يشير تقرير السجناء الذين هُرِّب من سجن تدمر في العام 1999، تسعى الإدارة إلى التستر على السبب الحقيقي للوفاة :
“كلما حدثت وفاة نتيجة التعذيب، تستدعي إدارة السجن طبيباً ومشرفاً مساعداً لتسجيل تقرير طبي قد يتضمن إحدى الصيغ التالية : ‘سقوط فجائي إلى الوراء في غرفة مظلمة’، أو ’نوبة قلبية’ أو ‘تناول عقاقير لم يصفها الطبيب أو المسؤول الصحي’”.
المحاكمات العسكرية وعمليات الإعدام والقتل في سجن تدمر العسكري
تجري محاكمة السجناء السياسيين في تدمر في محاكم عسكرية ميدانية لا تتقيد إجراءاتها بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة. ويمكن للمحاكم العسكرية الميدانية أن تفرض عقوبات بالإعدام وحتى العام 1989 أو 1990 كانت عمليات الإعدام تنفذ أيضاً بصورة منتظمة في تدمر. ويشير أحد التقارير إلى أن المحاكم العسكرية الميدانية ظلت تعمل في تدمر حتى العام 1999.
ولا تخضع أحكام المحكم العسكرية الميدانية لأي استئناف ولا يستفيد الذين يمثلون أمام هذه المحاكم من الضمانات المحددة في قانون الإجراءات الجنائية.(18)
وتتألف عادة المحاكمات أمام المحكمة العسكرية الميدانية في تدمر من جلسة واحدة يتم خلالها تلاوة بضع فقرات على السجين من محضر الاستجواب الذي أجرته الشعبة الأمنية المختصة -- أي من جانب أولئك الذين أجروا الاستجواب الأولي للمعتقل عقب القبض عليه -- ومن إفادة المعتقل التي غالباً ما تُنتزع نتيجة التعذيب. وعادة لا يُسمح للمعتقلين بتقديم أي شكل من أشكال الدفاع سواء بأنفسهم أو عبر محام. وذكر معتقل لبناني سابق أنه عندما مثل أمام المحكمة العسكرية الميدانية، أُبلغ أن محامياً حضر لتمثيله. لكنه قال إنه لم يعرف من هو محاميه من بين الحضور. وقال : “شعرت بأنهم جميعهم كانوا ضدي” وفي الواقع لم يتفوه المحامي الذي “يمثله” بكلمة واحدة طوال المحاكمة بأكملها.(19)
وأبلغ طبيب سوري قُبض عليه في العام 1980 منظمة العفو الدولية أنه مثل أمام محكمة عسكرية ميدانية في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1981. وعُقدت المحكمة في القسم الإداري بسجن تدمر. وقال في روايته :
“أحضرتني الشرطة العسكرية وأنا معصوب العينين إلى قاعة المحكمة وأمرتني بالجلوس على كرسي أمام هيئة المحكمة. وعندما فكوا عصابة عينيّ، سألني الضابط الذي ترأس الجلسة عن اسمي ووظيفتي، ثم نظر في بعض الأوراق الموجودة أمامه وهز رأسه وشتمني. ثم أمر الكاتب بأن يدون بأن “المتهم كرر شهادته السابقة قائلاً إنه عالج طبياً شخصاً مريضاً من “عصابات” الأخوان المسلمين”. وعندها قال لي إنه سيسجنني مدة 15 عاماً وأمر الشرطة بإخراجي. ولم أنبس ببنت شفة أمام المحكمة ولم تتح لي أي فرصة لقول أي شيء.”
وتتراوح العقوبات بين بضع سنوات في السجن والإعدام. ولا “يُبلَّغ السجناء عادة بالحكم الذي صدر عليهم، حتى وإن كان عقوبة بالإعدام. ويُعرف عن المحاكم العسكرية الميدانية أنها أصدرت عقوبات عديدة بالإعدام؛ ولا يُعرف الرقم الدقيق للسجناء الذين أُعدموا في تدمر. بيد أن بعض الأنباء تشير إلى أنه ربما أُعدم الآلاف هناك.
وبحسب العديد من الشهادات، عندما أدرك السجناء لأول مرة أن عمليات إعدام قد نُفِّذت في السجن، أصيبوا بالذهول الشديد. وتكونت لدى عدة سجناء قناعة، لا سيما الذين اعتقلوا لصلتهم بالإخوان المسلمين -- أنهم سيُعدمون لأنهم سجنوا من دون تزويدهم بأية معلومات حول الأحكام الصادرة عليهم. ولاحظ السجناء أن متوسط الوقت الممتد بين المحاكمة والإعدام بلغ زهاء الشهرين. وذكر سجين سابق أنه عاش طوال أربع سنوات في خوف من إمكانية إعدامه في أي وقت. ويمكن اعتبار هذا الخوف الدائم من الإعدام بحد ذاته ضرباً من التعذيب.
وفي العام 1980 كان سجن تدمر مسرحاً لمذبحة أُعدم فيها مئات السجناء خارج نطاق القضاء. ووقعت المذبحة في 27 يونيو/حزيران 1980، بعد يوم على محاولة اغتيال الرئيس الراحل حافظ الأسد في دمشق. إذا نُقل أكثر من 100 عنصر من سرايا الدفاع عن الثورة التي كانت في حينه تحت قيادة رفعت الأسد شقيق الرئيس وأفراد من لواء الأمن الـ 138 بطائرات الهليكوبتر إلى تدمر. وتُرك بعض منهم على أهبة الاستعداد ولحراسة الطائرات المروحية، فيما انقسم 80 رجلاً إلى وحدات تتألف كل منها من 10 رجال ودخلوا السجن لقتل السجناء في زنازينهم ومهاجعهم. ويتراوح عدد القتلى بين 500 و1000 سجين وفق مختلف التقديرات؛ ومعظم الضحايا كانت لهم صلة بالإخوان المسلمين. ثم دُفنت جثثهم في قبر جماعي خارج السجن، وفي محاولة للتستر على المجزرة، ذكرت السلطات أنهم أُعدموا. وذكر جنديان سوريان اعتُقلا في الأردن في فبراير/شباط 1981 للاشتباه بمحاولتهما اغتيال رئيس وزراء الأردن، ذكرا على شاشة التلفزيون أنهما شاركا في مجزرة تدمر وأعطيا تفاصيل “العملية” وقد طلبت منظمة العفو الدولية بصورة متكررة من السلطات السورية تشكيل لجنة تحقيق في الأحداث المحيطة بالمجزرة.
وبين العامين 1980 و1990 ورد أن جثث الذين توفوا في تدمر لم تُسلَّم قط إلى العائلات التي يبدو أنها لم تتلق أي معلومات حول مصير أقاربها ومكان وجودهم. وتشير المعلومات التي تلقتها منظمة العفو الدولية مؤخراً إلى أنه بعد العام 1990 بدأت السلطات تقدم معلومات إلى عائلات الذين ماتوا في تدمر نتيجة المرض، لكن ليس إلى عائلات الذين أُعدموا أو توفوا تحت وطأة التعذيب. ولم تستطع منظمة العفو الدولية التحقق من صحة هذه المعلومات، أو الأنباء التي تحدثت عن استمرار عمليات الإعدام في تدمر بعد العام 1990. بيد أن بعض الأنباء توحي بأن عمليات الإعدام نُفِّذت في السجن في فترة لا تعود إلى أبعد من العام 1994.
الخلاصة
أصبح سجن تدمر العسكري مرادفاً للمعاناة والألم. وتجرد الأوضاع في سجن تدمر الإنسان من إنسانيته وتهبط به إلى مستوى بهيمي. وهي تنتهك المبادئ المحددة في المعايير الدولية مثل القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، وتشكل بحد ذاتها تعذيباً أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وعلى الرغم من المزاعم الخطيرة العديدة حول ممارسة التعذيب وسوء المعاملة في سجن تدمر، تقاعست السلطات السورية عن الاستجابة للدعوات المتكررة التي أطلقتها منظمة العفو الدولية وسواها من منظمات حقوق الإنسان(19) لإجراء تحقيق مستقل وحيادي في هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان.
وفي التقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية في إبريل/نيسان 1995 سلطت الضوء على تمكن قوات الأمن السورية الإفلات من العقاب على اعتقال المتهمين السياسيين وتعذيبهم بصورة تعسفية، وهي مطمئنة إلى أنها لن تخضع للمساءلة عن أفعالها. وجرت إشارة خاصة إلى انعدام التحقيقات من جانب السلطات في أنباء التعذيب وحالات الوفاة في الحجز وحوادث “الاختفاء”. وتكرر منظمة العفو الدولية دعوتها إلى السلطات لمحاربة ظاهرة الإفلات من العقاب بتقديم المسؤولين، على جميع المستويات، عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان إلى المساءلة وبخاصة أولئك المسؤولين طوال عقود عن ارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان اصطبغ بها سجن تدمر.
ومن الضروري جداً أن تأمر الحكومة السورية بإجراء تحقيق كامل وحيادي ومستقل في مزاعم التعذيب وأنباء الوفيات في الحجز في سجن تدمر. ويجب إيلاء اهتمام خاص أيضاً بنظام السجن القاسي جداً وأوضاع الاعتقال الفظيعة السائدة في سجن تدمر.
ولجميع أولئك المحتجزين في سجن تدمر الحق في احترام حقوقهم الأساسية. ويُنكر عليهم هذا الحق إلى أن تتخذ الحكومة السورية خطوات حقيقية تكفل تقديم المسؤولين عن انتهاك حقوق الإنسان إلى العدالة.
“وأسوة بغيرهم لدى (سجناء تدمر) مشاعر وأحلام؛ ولديهم قصص حب، بعضها ناجح وبعضها الآخر فاشل؛ وجميعهم يتوقون إلى حياة هانئة وادعة والعودة إلى زوجاتهم وأطفالهم الذين يكبرون من دون آبائهم وإلى أمهات توفي بعضهن وفي قلوبهن حسرة لعدم رؤية أبنائهن مرة أخرى، بينما تنتظر أخريات عودتهم.”
سجين سابق
التوصيات
1. يجب على الحكومة السورية أن تفرج من دون قيد أو شرط عن جميع سجناء الرأي من سجن تدمر. ويجب أن تفرج فوراً عن جميع السجناء السياسيين الآخرين الذين صدرت عليهم دون استثناء أحكام في محاكمات جائرة، إذا لم تكن هناك نية في تقديمهم بسرعة إلى محاكمات عادلة بتهم جنائية معترف بها. وعلى أية حال يجب الإفراج فوراً عن جميع السجناء الذين ليسوا أفراداً في أجهزة الأمن أو نقلهم إلى سجون مدنية معترف بها.
2. تدعو منظمة العفو الدولية الحكومة السورية إلى أن :
- تتأكد من عدم ممارسة أفراد أجهزة الأمن السورية للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة ضد أي معتقل؛
- تُخضع إدارة سجن تدمر العسكري وغيره من السجون لرقابة قضائية صحيحة وفعالة؛
- تنفذ المعايير الدولية المتعلقة بمعاملة السجناء وأوضاع السجون مثل القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء ومجموعة المبادئ المتعلقة بحماية الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكل الاحتجاز أو السجن؛
- تتخذ تدابير عاجلة لإنشاء هيئة مستقلة مؤهلة لتلقي الشكاوى للقيام بعمليات تفتيش لسجن تدمر وغيره من السجون وتقديم توصيات تتعلق بتحسين أوضاع السجون؛
- تفصل بشكل تام السلطات المسؤولية عن الاستجواب عن إدارة السجن وتقدم للأجهزة الأمنية وحراس السجون تدريباً في مبادئ حقوق الإنسان ومعاييرها؛
- تكفل لجميع السجناء الزيارات العائلية المنتظمة والمتكررة ومقابلة الأطباء والمحامين والاتصالات الأخرى بالعالم الخارجي.
3. تدعو منظمة العفو الدولية الحكومة السورية إلى إجراء مراجعة عاجلة وكاملة لسجل سجن تدمر بهدف :
- إجراء تحقيق قضائي شامل -- يُفضل عن طريق لجنة تحقيق متخصصة -- في جميع مزاعم التعذيب والمعاملة السيئة. وينبغي أن تتمتع هذه الهيئة بصلاحية التحقيق في جميع الوفيات في الحجز وفي مصير جميع الذين “اختفوا” في سجن تدمر العسكري، ومراجعة المحاكمات العسكرية وعمليات الإعدام التي جرت خلال العقدين الأخيرين في تدمر. ويجب أن تنشر على الملأ النتائج التي تتوصل إليها والتوصيات التي تقدمها. ويجب تقديم الذين تثبت مسؤوليتهم عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة؛
- إبلاغ عائلات أولئك الذين توفوا في الحجز أو أُعدموا في سجن تدمر العسكري بمكان دفن أقربائها أو كلما أمكن إعادة رفاتهم إلى تلك العائلات لدفنها؛
- ضمان تأهيل وتعويض ضحايا التعذيب والاعتقال المطول من دون محاكمة أو بعد محاكمات في محاكم عسكرية ميدانية أو غيرها من المحاكمات الجائرة.
4. تدعو منظمة العفو الدولية الحكومة السورية إلى المصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من دون أية تحفظات وتطبيق موادها.
الهوامش
1. إضافة إلى المواطنين السوريين، اعتُقل في سوريا أيضاً مواطنون عرب آخرون -- مثل اللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين والعراقيين -- لأسباب سياسية.
2. تشير عبارة “سجين رأي” إلى الأشخاص الذين سجنوا أو اعتقلوا أو فرضت قيود أخرى على تحركاتهم بسبب معتقداتهم السياسية أو الدينية أو غيرها من المعتقدات النابعة من ضمائرهم أو بسبب أصلهم العرقي أو جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو أصلهم القومي أو الاجتماعي أو وضعهم الاقتصادي أو مولدهم أو أي وضع آخر، شريطة أنهم لم يستخدموا العنف أو يدعوا إلى استخدامه.
3. للمزيد من التفاصيل حول قانون الطوارئ المعمول به في سوريا، راجع تقرير منظمة العفو الدولية المقدم إلى حكومة الجمهورية العربية السورية (رقم الوثيقة : MDE 24/04/83 )، نوفمبر/تشرين الثاني 1983.
4. لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة. وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أي تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر. (المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. لا يجوز إخضاع أي شخص معرض لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.* ولا يجوز الاعتداد بأي ظرف من الظروف لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (المبدأ السادس من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن).
5. تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في أكتوبر/تشرين الأول 1987 تحت عنوان، سوريا : التعذيب الذي تمارسه قوات الأمن (رقم الوثيقة : MDE 24/09/87 )وثَّق نحو 38 طريقة من طرق التعذيب الذي كانت تمارسه قوات الأمن السورية في ذلك الحين.
6. راجع سوريا : القمع والإفلات من العقاب : الضحايا المنسيون (رقم الوثيقة :MDE 24/02/95 ) إبريل/نيسان 1995.
7. تقرير مراقبة حقوق الإنسان، “سجن تدمر في سوريا: ما زالت المعارضة أسيرة تركة الإرهاب”، إبريل/نيسان 1996، المجلد 8 الرقم 2(هـ).
8. عادة تُعصب أعين السجناء خلال نقلهم من سجن إلى آخر.
9. تبنت منظمة العفو الدولية العديد من المهنيين السوريين الذين قُبض عليهم بعد إضراب مدته يوم واحد كسجناء رأي محتملين وقامت بحملات نيابة عنهم طوال سنوات عديدة؛ كما تبنت منظمات مهنية دولية أخرى قضاياهم.
10. من المعروف أن القوات العسكرية السورية العاملة في لبنان قامت باعتقال اللبنانيين والفلسطينيين ونقلتهم إلى سوريا خارج أي إطار قانوني. انظر تقرير “ضحايا نزاع إقليمي : المعتقلون اللبنانيون والفلسطينيون والأردنيون في سوريا (رقم الوثيقة : MDE 24/001/1999 )، يناير/كانون الثاني 1999.
11. الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان، الجمهورية العربية السورية، الدورة الحادية والسبعون، مارس/آذار 2001، CCPR/CO/71/SYR.
12. بيد أن بعض الشهادات تشير إلى أنه في الأعوام الأخيرة سمحت إدارة السجن للسجناء بقراءة نسخة واحدة من صحيفة البعث الرسمية بالتناوب في كل باحة.
13. يجب أن تكون المراحيض كافية لتمكين كل سجين من تلبية احتياجاته الطبيعية في حين ضرورتها وبصورة نظيفة ولائقة (القواعد النموذجية الدنيا للمعاملة السجناء، 12)
14. يجب أن تتوفر منشآت الاستحمام والاغتسال بالدش بحيث يكون في مقدور كل سجين ومفروضاً عليه أن يستحم أو يغتسل، بدرجة حرارة متكيفة مع الطقس، بالقدر الذي تتطلب الصحة العامة، تبعاً للفصل والموقع الجغرافي للمنطقة على ألا يقل ذلك عن مرة في الأسبوع في مناخ معتدل (القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، 13). “يجب أن تكون جميع الملابس نظيفة وفي حالة مرتبة. ويجب تغيير الملابس الداخلية وغسلها كلما دعت الضرورة حفاظاً على الصحة الشخصية (القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، 17(2)) يجب أن تكون جميع الأماكن التي يتردد عليها السجناء بانتظام في المؤسسة مستوفاة الصيانة والنظافة في كل حين (القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، 14).
15. توفر الإدارة لكل سجين، في الساعات المعتادة، وجبة طعام ذات قيمة غذائية كافية للحفاظ على صحته وقواه، جيدة النوعية وحسنة الإعداد والتقديم (القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، 20(1))
16. تُشكَّل المحاكم العسكرية الميدانية التي أُسست بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 الصادر في 17 أغسطس/آب 1968 من جانب القائد العام للقوات المسلحة وتضم عادة رئيساً (من رتبة لا تقل عن رائد) وعضوين (المادة 3). وبينما تنص المادة 4(أ) على تعيين القائد العام لمدعٍ عام في هذه المحاكم، إلا أن المرسوم يلتزم الصمت إزاء حقوق المتهم في الدفاع. ولا تتقيد المحاكم العسكرية الميدانية بالمبادئ والإجراءات الواردة في التشريع الحالي (المادة 5)، ولا تخضع الأحكام الصادرة عنها لأي شكل من أشكال الاستئناف (المادة 6). بيد أن أحكام المحكمة العسكرية الميدانية تخضع لموافقة رئيس الدولة و/أو القائد العام للقوات المسلحة الذي يتمتع بالحق في إلغاء الحكم أو تخفيضه أو وقف تنفيذه أو إصدار أمر بإعادة المحاكمة أمام محكمة عسكرية أخرى (المادة
17. لكل شخص الحق في طلب المساعدة من محام يختاره بنفسه لحماية حقوقه وإثباتها وللدفاع عنه في جميع مراحل الإجراءات الجنائية. (المبدأ 1 من المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين).
18. راجع تقرير منظمة العفو الدولية المقدم إلى حكومة الجمهورية العربية السورية (رقم الوثيقة : MDE 24/04/83 )، الصفحة 35.
19. راجع مراقبة حقوق الإنسان، سجن تدمر في سوريا، العام 1996
التعذيب في سجن تدمر
مقـدمـة :
يقول فلاسفة التاريخ : الهدف من دراسة التاريخ ليس اجترار الآلام ، ونبش الماضي بروائحه المتعفنة واسترجاع الصـور المبكيـة ، وإنما هو أخذ العبرة من الماضي ، الماضي الذي كلف سوريا عشرات الآلاف من خيرة أبنائها ، كي لايضيع الماضي سـدى ، فنستفيد منه في الحاضر ، وعندما أتحدث عن المذابح الجماعية التي مارسها نظام حافظ الأسـد في سوريا ، أو أنواع التعذيب وأساليبه الوحشية ؛ لا أقصد منها سوى أن نعتبر من الماضي المؤلم ، وأن نتخذ كافة الاجراءات والاحتياطات كي لايعود هذا الماضي ، ونجتث الأسباب المؤدية لهذا الماضي المروع من جذورها ، وأهم تلك الجذور الحكم الفردي الديكتاتوري ، الذي استخدم الجيش ( جيش الشعب ) كما قالوا عنه ، استخدم جيش الشعب ليقتل الشعب بدلاً من أن يحميه. وينهب أموالـه وأثاث منازلـه بدلاً من المحافظة عليها .
تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط
وسوف أنقل من تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط ، وهذه منظمة عالمية ـ ليست من صنع الاخوان المسلمين أو المعارضة السورية ـ ومع أنها ذكرت جزءاً كبيراً من الحقيقة ؛ إلا أن الحقيقة الكاملة أكبر من ذلك …
جاء الملحق رقم (1) في تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط لعام (1990) تحت عنوان أنواع التعذيب في سوريا : قائمة منظمة العفو الدولية …
يقول التقرير : فيما يأتي تفاصيل التعذيب والمعاملة السيئة التي تجمعت لدى منظمة العفو الدولية خلال سنوات عديدة من السجناء والمحتجزين السابقين …مع ملاحظة أن هذه الأنواع لم تستعمل كلها مرة واحدة ، ومع سجين واحد …
1 – الضرب على جميع أقسام الجسم باللكم والصفع والركل والرفس ، باستعمال قبضة اليـد والأقدام وحبال الجلد والأحزمة والعصي والأسواط والمطارق والكيبلات الفولاذيـة المضفورة أو الكيبلات داخل الأنابيب البلاسـتيكية ذات النهاية المفتوحة والمهترئـة .
2 – الدولاب : تعليق الضحية بشدها إلى دولاب مشدود في الجدار أو السقف وضربها ( رجلاً أو امرأة ) بالعصي والهراوات والكيبلات أو الأسواط .
3- الفلقـة : الضرب على باطن القدمين ( بالعصي أو الأسواط أو الكابلات حتى تتمـزق القـدمين ، وتنزف منها الدمـاء ، ومن ثم تتورم ، ولايتمكن السجين من المشي عليها .
4 – بسـاط الريـح : شـد وثاق الضحية إلى قطعة خشب لها شكل الجسم البشري،ومن ثم ضربها ( رجلاً أو امرأة ) أو توجيه صدمة كهربائية إلى كل أجزاء الجسم .
5 – الشــبح : شـد وثاق الذراعين خلف الظهر ، وتعليق الضحية ( رجلاً أو امرأة ) من ذراعيها الموثقتين أو القدمين ، وتضرب بالعصا أو توجه لها الصدمات الكهربائية .
6 ـ العبـد الأسـود : شـد وثاق الضحية إلى آلـة متحركة عندما تتحرك تطلق سـيخاً معدنياً يدخل في مخرج ( دبـر ) الضحيـة .
7 – الكرسـي الألماني : كرسي معدني له أجزاء قابلة للحركة يشد غليها وثاق الضحية من اليدين والقدمين … يتجه مسند الكرسي الخلفي إلى الوراء فيسبب توسعاً كبيراً في العمود الفقري وضغطاً مؤلماً على هنق الضحية وأطرافها .
ويقال أن نتيجة هذا التعذيب حصول حالة يصعب فيها التنفس حتى يحصل الاختناق ، مع فقدان الوعي ، وفي بعض الأحيان تتكسر الفقرات .
8– الكرسي السوري : وهو تعديل أدخله خبراء التعذيب السوريون على الكرسي الألماني حيث أضيفت له شفرات معدنية على الأرجل الأمامية للكرسي في موضع شـد قدمي الضحية مسببة نـزفاً دموياً حاداً في رسـغ القـدم ، وكاحله .
9 – استعمال وسائل محلية الصنع لحرق أجزاء من الجسم كالصدر أو الظهر ، أو الأعضاء التناسلية ، أو الأرداف أوز الأقدام … مثل المراجل الكهربائية ( أوعية مياه حارة ) حيث يضغط جسم الضحية إلى داخلها … ومنها مواقد البارافين المغطاة بقطع معدنية يكره الضحية على الجلوس عليها …. ومنها الحديد المكهرب … وأدوات اللحام الكهربائية الأخرى ..
10 – الغســالة : طبل مغزلي أجوف يشبه حوض ماكينة الغسيل المحلية الصنع ، حيث
تجبر الضحية على مـد يـديه أو يديها إلى داخله حتى يدخل الذراعين كلهما مما
يؤدي إلى سـحق الذراعين أو اليدين والأصابع .
11- الحـرق : وضع قطعة من القطن أو الصوف مبللة بالنفط على مختلف مناطق الجسم ثم إشعالها ، أو سكب النفط على قدمي الضحية وإشعالهما ..
12 ـ ثـقب ظهر الضحية أو صدرها بقضيب معدني مدبب وساخن .
13- إطفاء السجائر في الأجزاء الحساسة من الجسم ، واستعمال الولاعات لحرق اللحى أو الشارب أو شعر أي منطقة في الجسم .
14 – استعمال الكهرباء في إي جزء حساس من الجسم بما في ذلك الأذنان والأنف واللسان والرقبة واليدان والأعضاء التناسلية والمخرج والقدمان .
15 – استعمال الأملاح والمواد القلوية ( المحاليل الحامضية ) مع جروح الضحية وحرقـها .
16 – تشريط وجـه الضحية الشفتين والأذنين والأنف ، بسكين حادة أو موسى الحلاقة .
17 – إجبار الضحية على الوقوف حافية القدمين إلى الجدار ويداها موثوقتان فوق الرأس ، وسحق القدمين
18 – النفـخ الموجـه إلى مناطق حساسة في الجسم ، ومنها الوجـه .
19 – تعليق الضحية من اليدين والقدمين إلى عمود السرير أو الدرابزون وضربها( رجلاً أو امرأة) .
20 – الفـروج : شـد الضحية إلى مزلاج دوار من الخشب يشبه شريحةالدوست وجعلها هدفاً للضرب بالعصي .
21 – تعليق الضحية من العنق بطريقة لاتكسر الفقرات .
22- تعليق الضحية بمراوح السقف وضربهم وهي تدور .
23 – الاستلقاء بكامل الثياب في ( بانيـو ) ماء ليلة كاملة .
24 – صب المــاء الساخن من الدوش بشكل متوالي ، ثم يعقبه ماء بارد جداً .
25 – قـرص الجلد أو لف الشعر بالكلابتين ( البلايس ) .
26- قلع أظافر اليدين والقدمين .
27- الاغتصاب الجنسي أو الاعتداء على الحرمات وهتك العفـة .
28 – الجلوس فوق أعناق القناني أو دفع القناني أو العصي داخل الشرج والمستقيم .
29 – الوقـوف على رجـل واحـدة مـدة طويلـة جداً ، أو الجري مع حمل أثقـال .
30 – إبقاء الأنوار الساطعة والضحايا في النوم لمدة أيـام .
31 – استعمال مكبرات الصوت لنقل الجلبة والضوضاء والموسيقى الصاخبة ، وعويل ناس يتعذبون ويصرخون .
32- العزل التام في زنزانة صغيرة مظلمة من غير اتصال مع أي إنسان لمدة أيام .
33 – تغطيس رأس الرجل أو المرأة في الماء حتى لحظة الاختناق .
34 – المكسالة : الاضطجاع على الظهر في مواجهة شفرة تتقدم نحو الضحية قبل أن تمس العنق مباشرة .
35 – تهديد الضحية بأحد القارب ( رجلاً أو امرأة ) كالتعذيب والاغتصاب الجنسي أو بتر ألطراف .
36 – تعذيب سجناء آخرين بحضور الضحية وأمامها .
37 – التعـري أمام الجنس الآخر ( رجلاً أو امرأة ) مع الشتم .
38 – حـرمـان الضحية من النوم أو الطعام أو الماء أو الهواء النقي أو المرحاض أو المعالجة الطبية .
39 – التعليـق في السقف من اليدين .
ومما هو جدير بالذكر أن اللواء غازي كنعان كان من أبطال هذه الفنون ، ومنهم أيضاً اللواء حسن خليل ، واللواء على دوبـا ، والعماد مصطفى طلاس الذي اعترف أخيراً أنه كان يوقع أوامر بهذا الخصوص ، وغيرهم ، وعلى الأخص مدير السجن العسكري في تدمـر ( …. غانم ) ، ومدراء سجن كفر سوسة ، والقلعة ، والحلبوني ، وفرع فلسطين ، وغيرها كثير .
ومن العدالـة ، أن يقدم هؤلاء إلى محاكمـة دوليـة عادلـة ، تعاقبهم العقاب العادل على هذه الجرائم الوحشية التي ارتكبوها بحق المواطنين … والمطلوب من كل سجين كتب الله لـه النجاة والحياة أن يتقدم بمثل هذه الشكاوي إلى محاكم دولية …
ونسأل الله عزوجل أن نرى عـدلـه في هؤلاء المجرمين … إنه على كل شيء قدير .
إعداد الدكتور خالد الاحمد :كاتب سوري في المنفى
التدوينات (RSS)